|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:02 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
5 - المسرح والقيم الإنسانية: - حاول عرسان في طروحاته الفنية أن يؤسس مسرحاً عربياً أقرب إلى الالتصاق بالإنسان، بعيداً عن الإعلام والإعلان والدعاية، وهو الذي سعى جاهداً إلى تأكيد ضرورة وجود ذلك المسرح الذي يسهم في بناء جوهر الإنسان، وفي بناء حضارته لأنّهما -كما يقول- أقرب إلى الثبات والالتصاق بالتكوين التربوي للكائن الفرد والجماعات، ويشكلان درعاً منطقياً، وقدرة تمييز، وإدراك وتبصر واستنتاج تحمي الإنسان من ألاعيب الإعلام وتكشفها أمامه....)(1) - كان هدفه الأول، وهو يسعى إلى تأسيس مسرح عربي، بناء الإنسان بناءً حضارياً، لأن الأدب والثقافة أكثر ارتباطاً بالثوابت المبدئية والقيمية والتربوية والتكوينية للإنسان في جوهره، وتكوينه ومعاناته وحياته. - إن المتتبع لأعمال عرسان يلحظ وجود طابع إنساني يشمل طروحاته الفكرية والفنية، ولعل اختيارنا لمسرحية تحولات عازف الناي) تكسب أهمية خاصة لأنها تمثل آخر ما وصلنا من إبداعات علي عقلة عرسان) الفنية، وفيها تتبلور رؤيته للعالم وللإنسانية، تلك الرؤية الغنية بالدلالات التي تؤكدها المسرحية. - وقد صدرت عام 1993)، وتقع في خمسة فصول، ينقسم كلّ من الفصل الثالث والخامس إلى قسمين حسب المكان، وقد حوت بعض اللفتات الفلسفية في الكشف عن الحقيقة، وفي البحث عن الذات الإنسانية، وهي تحمل في أحد أوجهها إدانة للسلطة الظالمة التي شوهت الإنسان، ومسخته. - إن هذا العمل المسرحي يدعو إلى العودة إلى براءة الإنسان، وفطرته التي جُبِلَ عليها، تلك الفطرة النقية نقاء الطبيعة التي خلّقها الله ووهبها للإنسان، ليزرع الخير فيها، وتكون عبادته خالصة لله دون عبادة الأشخاص؛ إنه عالم طاهر بريء شوهه الإنسان، فملأه بالظلم والفساد والمرض والأقنعة المزيفة. - إن تحطيم حرية الإنسان في هذا العمل المسرحي لا يوحي بالتشاؤم، لأن هناك بارقة أمل تبدت من خلال إيمان الكاتب بالإنسان، وبقدرته على صنع غدٍ أفضل. - يكشف الستار في الفصل الأول عن حالة ضبابية فيها صخب وضجيج، تتداخل فيها الأصوات، مع أصوات حشرجات جرحى على شفا الموت، ولهاث هاربين، وإنذار سيارات الإسعاف، ومع هذا الجو القاتم يتداخل صخب المدينة بما فيه من نداءات متداخلة مثل -قف- ارفع يديك وسلم و... -لقد تأزمت الأمور، وتصاعدت الأحداث، مما توحي بحالة حرب، أو اعتقال أو اعتداء، ورويداً رويداً يتلاشى ذلك كله لنرى رجلاً يلهث رعباً وتعباً، وكأنه ملاحق، ملابسه أقرب إلى الكفن ثم يرتمي أرضاً. وفي رحاب الطبيعة الجميلة الهادئة، يبحث عن شمعة وشربة ماء، إنه على مايبدو يعاني من الاغتراب الذاتي والضياع والتشتت، بل إنه محاصر وملاحق، وهو منهك لا يقوى على إعانة نفسه للوصول إلى الماء، الذي اكتشف وجوده من خلال موسيقا صوته، لقد بسط كفيه للوصول إليه مرات متعددة، إلا أنّه لم يستطع بلوغه، فارتمى دون وعي أو حراك، بعد أن أنهكت قواه، عندئذٍ تدخل مجموعة من الفتيات ليملأن الجرار ماءً، فيلمحن الرجل الذي تساقطت على وجهه رذاذات من الماء فجعلته يصحو، طالباً الماء، فتحاول إحداهن أن تسقيه من جرتها المملوءة، لكن ما إن تصل إلى فمه حتى يجف ماؤها، وعبثاً يحاولن، ومن ثم تخرج من جوف الظلام امرأة جميلة أميل إلى الأسطورة والخيال، تتهاوى على إيقاع موسيقا غربية، وعبر هالة من النور، تتبعها فتاتان، وكأنها أتت خصيصاً لتسقي الرجل ماءً؛ إذ تتقدم وتملأ كفيها ماءً وتسقيه، يتردد قليلاً ثم يشرب، فتعود إليه الحياة من جديد، لكنه يعود إلى الضياع مرة أخرى عندما تغادره المرأة الغامضة. - وماهي إلا لحظات حتى ينبعث صوت ناي فيصغي إليه باهتمام، ثم ينساب مع اللحن صوت جميل، يردد أغنية تحكي قصة الإنسان والعتمة، وبعدها يلتقي العازف بالرجل، فيتصاحبان بعد أن يتعارفا، ويعطي العازف الرجل جلداً كان يتدثر به، وخنجراً ليحميه من وحوش الليل، وينتهي الفصل الأول وهما يهمّان بالنزول إلى المدينة. - وبوصولهما إلى المدينة يجري الكاتب على لسان العازف والرجل بعض المقارنة بين هدوء الطبيعة وجمالها، وصخب المدينة النهاري، ومع امتداد الليل والنهار يتراءى شبح العسكر، ومراكز الأمن، والعيون التي تلاحق كل من يدوسها، إنها تمثل حالة من الضياع والتشتت، المسموح ممنوع، والممنوع مسموح، ومع هذه النظرة التشاؤمية، ينسحبان من المدينة، بعد أن امتلكتهما حالة من اليأس ويعودان إلى الطبيعة بضوئها ومائها ونجومها. - وفي القسم الأول من الفصل الثالث، يبدو الرجل وقد لاذ بالطبيعة، محاولاً أن يعي ذاته، أن يتذكر ماضيه، ويستحضر مايعشش في نفسه، ضمن جوٍ من السكون، حيث يبدو الوقت قبيل الفجر، والقمر في السماء، يميل إلى الغروب، وتميل النفس إلى الذكرى، فتساعده الطبيعة على تذكر بعض الأمور التي غابت عنه؛ إذ تذكر بأنه كان معتقلاً، فأخذ يتحسس ليتفقد وقع السياط والجلد، وتبدو الذكرى ضمن مشهدٍ تمثيلي استرجاعي، يتراءى فيه شبح المحقق والجلاد ويغيب فيه المكان والزمان، ومن خلال هذا المشهد التمثيلي يحاول الكاتب أن يعرض تاريخ الشقاء البشري، من خلال الشقاء الفردي، فهو يقول: إن الانتهاك قديم.. انتهاك الجسم والروح قديم... بشع قديم... فمنذ آدم بدأ تاريخ الانتهاك، والحبل يتواصل من خلالي....)(2) - ومع الانتهاك والظلم والوحشية يعود العازف بألحانه من جديد، فيصحو الرجل مشرقاً، ويقترح عليه العازف الصعود إلى قمة الجبل، كي يعانقا الصفاء الأزلي...ومع صفاء الطبيعة ونقائها، يكشف الحديث الذي يدور بينهما عن سرّ صحبتهما؛ ذلك لأنّهما يعيشان تجربة واحدة، وفي هذا الجو السكوني يسترجع الرجل بعضاً من ذكرياته، ليروي بداية اعتقاله عندما قيد من كنف أسرته، وتضيع الذاكرة من جديد، وتعود النفس إلى الاطمئنان مع لحن عازف الناي، وأنغامه، لكن صوت الكلاب يلاحقهما، فيفترقان. - وفي القسم الثاني من الفصل الثالث، تعود المرأة إلى الظهور، لكن بشكل ضبابي، لتحاور الرجل الذي عاد إلى نافورة الماء، وتلقي بعض الأضواء على ذلك التحول الذي طرأ على شخصية الرجل الذي أصبح متناسياً، متجاهلاً إياها، بعد أن كان عاشقاً قوياً جميلاً طليقاً، حنوناً، نوراً يضيء درب الحياة، وفي هذا كلّه تؤكد أهمية الرجل في حياة المرأة، وأهمية المرأة في حياة الرجل، ومع انتهاء الحوار وتلاشي صورة المرأة، يعود العازف إلى نافورة الماء، ليخبر الرجل بأن الشرطة تبحث عنه، وتعود كلاب الصيد لملاحقة الطريد بل الطريدان؛ الرجل والعازف فيغادران المكان. - وبعد غياب، تعود المرأة من جديد باحثة عن الرجل بحسها وبحدسها معاً، وهنا، لم تعد امرأة خيالية أو أسطورية، بل أصبحت امرأة واقعية، تعيش مرحلة بحث طويلة، لقد واظبت منذ رحيل الرجل بالأمس البعيد على إرسال رسائل إليه مع الحمام الزاجل، لكن كلماتها تعود كما هي، فتصاب بيأس شديد، لا يزيحه عن كاهلها إلا وجود الجلد والخنجر اللذين تعثرت بهما، فحملتهما فشمت رائحة الرجل الغريب فيهما، فإذا هي تجري إلى الكهف الذي في قمة الجبل، إلا أن الكلاب مازالت تنبح، وهي تبحث عن طريدين، لا بل عن ثلاثة. - في الفصل الرابع يبدو الرجل نائماً في الكهف، بينما يجلس العازف مسنداً جذعه إلى شجرة أمام الكهف، والمرأة تجري مسرعة تضع الجلد على كتفها وتحمل الخنجر في يدها، فتلتقي مع العازف لتخبره بأنها تبحث عن رجل افتقدته منذ فترة طويلة، وبعد استفسارات، يُدخلها الكهف، لترى الرجل نائماً، لكن ما إن يحس بوجودها حتى يفتح عينيه، وهنا تطرأ بعض التحولات التي تتكشف فيها بعض الأبعاد الغامضة في شخصية الرجل، وفي العمل المسرحي، فالرجل الغامض التائه يدعى خالد) وهو زوج المرأة الباحثة عنه، التي تدعى إنعام) وقد كانا يتقابلان دائماً في هذا الكهف، ونعرف أيضاً أن خالداً هرب من المعتقل، والشرطة تلاحقه، وهاهي تتبع أثره من خلال تتبع أثر إنعام، فالتقيت المصالح في هذا الكهف؛ مصالح إنعام وخالد والعازف، ومع التقاء خالد مع ذاته، واسترجاع ذاكرته، يقترب صوت الكلاب، لكن هذه المرة ليس لمتابعة الأثر، وإنما لإلقاء القبض عليهم جميعاً، وسوقهم إلى المعتقل. - وفي الفصل الخامس والأخير يبدو المعتقل في صحراء ما، حوى بداخله المرأة والرجل والعازف، جاثمين على الرمل، بينما يتناثر أشخاص آخرون من حولهم، ومن ثم يدعون للمثول أمام المحقق في محكمة ميدانية، لاستنطاقهم، واستجوابهم، وفي المحكمة تُباع الذمم والضمائر، وتسمى الأفعال بغير تسمياتها، فيُتهمون بالخيانة والتآمر والتحريض، وإشعال الفتنة، وقيادة عمليات تمرد وتخريب.. ومن ثم يحكم على الجميع بالإعدام شنقاً. وفي هذا الجو الموبوء أصبحت القيثارة متهمة وتستحق الإعدام أيضاً. - وقبل انقضاء تنفيذ الحكم، يقررون أن يزرعوا في التاريخ كلمة تتناقلها الأجيال، من خلال أولئك الذين سيشهدون عملية الإعدام؛ كلمة يخرجون بها من الدنيا، لتكون مفتاحاً للأجيال، فلا يجدون سوى ذلك السؤال، لماذا نعيش؟ لماذا نموت؟! ومع انتصاب المشانق، وموت إنسانية الإنسان، يبدأ أمل جديد بالانبعاث، وذلك عندما يقترب من بعيد صوت لحن الناي الحزين، برفقة شعاع نور يكبر، ويصبح شعاعاً يحدد نوافذ ثلاثة على المدى اللانهائي، الذي يمتد مشرقاً خلف حواجز الظلام. - إن تحولات عازف الناي) تؤكد أهمية الإنسان، وتفوقه، وإنسانيته، إنها دعوة إلى ضرورة تأكيد حرية الإنسان، وتحقيق كرامته، لذا فإن هذا العمل المسرحي يطرح مجموعة من القيم الإنسانية، ولعل أهم هذه القضايا هي إدانة السلطة الغاشمة، التي تتستر وراء المصالح العامة، بصفة الأمن، والحماية، لتهتك حرية الإنسان، وكرامته، وتقتل فيه الحب والعشق والجمال، وتغزو إنسانيته بتسليط قوى القمع والظلم والموت عليه، إنها دعوة إلى تحقيق حرية الإنسان وأمنه واستقراره. - لقد أكد عرسان دور المرأة الزوج في حياة الرجل، فهي التي أضفت الحياة على الرجل وهي النور الذي أضاء داخله، وأضاء الحياة من حوله، والمرأة الرحم) هي أصل وجوده، إنّها مصدر لإضاءة النور الداخلي، ومصدر لإيجاد الحياة، وربما لإعادتها النور والماء والمرأة..... نعم... نعم... بل إن الأشياء لم تتواصل تماماً إلا بوجود المرأة)(3) ، وبالمقابل فإن للرجل أهمية قصوى في حياة المرأة، فهما صنوان أحدهما يكمل الآخر، لذا فإن إنعام عاشت مرحلة بحث طويلة عن زوجها، إن هذه العلاقة، علاقة المرأة بالرجل، ومرحلة البحث، والمعرفة المسبقة، قد تعود بنا إلى نظرية ابن حزم في الألفة والألاّف. - ثم إن المسرحية قد عرضت صورة المدينة التي مسخت الإنسان، وشوهته، إنها تغري بالحياة، وتعرض للمقت)(4) فهي لا تحمل في داخلها إلا الفساد والدمار والمخبرين والأبرياء الملاحقين، لكن مع هذه الصورة المشوهة للمدينة يبدو الكاتب متفائلاً، لأنه قد آمن بالإنسان، خليفة الله على الأرض، في كل مكان وزمان؛ إذ يقول على لسان العازف: لا...لا ليس كل ما فيها وباء، وإلا فسدت كلياً؟ هناك شيء في الأعماق في عيون بعض الناس في أعماق عيونهم... في عمق الأعماق فيها... وفي خضرة بعض الأشجار... وفي أحاديث الزوايا، هناك ما ينعش فيك شيئاً ما... ويشدك إلى أمل ما.... إلى فعل ما....)(5) . - ومقابل صورة المدينة، قدمت المسرحية صورة للطبيعة، التي تميزت بجمالها الدائم، وخضرتها الدائمة، ونورها الساطع، وإشراقة شمسها، وخلوها من الوحوش ومن الظلمة، إنّها ملاذٌ لراحة النفس، فالطبيعة هنا لاتمثل انعكاساً لنفسية الإنسان، حيث تنطبع بتغيير حالاته النفسية... بل هي دائماً خصبة جميلة نقية صافية، إنها تمثل براءة الإنسان، ونبله، بطبيعته التي جُبل عليها، لذا فقد لجأ إليها الرجل والعازف والمرأة نشداناً للعشق والحب والجمال. - لكن ماهي التحولات التي طرأت على شخصية عازف الناي؟ إن تحولات عازف الناي كانت على مستويين؛ مستوى ذاتي يعود على عازف الناي، ومستوى خارجي يعود على الشخصية المرافقة لعازف الناي. - على المستوى الأول: قد طرأت تحولات على عازف الناي؛ إذ كان يعيش حياة وديعة هادئة، لا غبار عليها، إلى أن اعتقلته السلطة وسجنته، فتبدل حاله، فقد كان السجن بمنزلة الإنذار الذي نبهه، إنه أشبه مايكون برحلة حنظلة، لكن ليس من الغفلة إلى اليقظة، بل إنها رحلة من الحياة الصاخبة المدينة)، إلى نشدان الطبيعة، والخُلد إليها، حيث يتلمس الإنسان صفاء إنسانيه، ونوازعها الخيّرة، برفقة قيثارته التي شكّلت عملية تفريغ حقيقية. - أما على المستوى الثاني: فإننا ندرك ذلك التحول الذي طرأ على شخصية الرجل خالد) بفعل عازف الناي، وقيثارته، فكلما عزف على قيثارته، ازداد نور أعماق الرجل، واكتسب شيئاً من معرفة ذاته، فالعازف القيثارة) والمرأة والطبيعة، كانوا جميعاً بمنزلة الصحوة الداخلية، أو المنقذ الحقيقي من الظلام الذي يعشّشُ في أعماق خالد) إنها دعوة صريحة من الكاتب إلى تأكيد أهمية الموسيقا والفن في حياة الإنسان. - لكن مايؤخذ على عرسان في هذا العمل المسرحي، أنه كان يحاول أن يوصل الفكرة إلى المتلقي مستخدماً كافة السبل والتقنيات المسرحية الحديثة والقديمة؛ إذ استخدم الضوء والصوت واللون والصورة، والمناظر الطبيعية الجميلة، محاولة منه لغزو عقل المتلقي، والتأثير فيه، ولا ضيرَ في ذلك، لكن مايؤخذ عليه استخدام أسلوب المباشرة في أكثر من موضع(6) ، لذا فقد جاءت بعض حواراته المسرحية أقرب إلى الخاطرة أو المقولة بسبب طولها، وماتحويه من شرح وتحليل وإطناب. - أما على صعيد البناء الفني: فقد طالب عرسان بالبحث عن إطار وشكل عربيين من خلال معطيات المسرح العالمي، أي يمكن أن نؤصل المسرح عن طريق استخدام الشكل الدرامي العالمي شرط أن نجدد فيه(7) ، فالاستفادة من التراث العالمي وبالإضافة إليه من أجل الوصول إلى صيغة للمسرح العربي أمر مشروع عند عرسان، لذا فقد اتبع من حيث البناء الفني لمسرحية تحولات عازف الناي) أسلوب المسرح الأرسطي مع بعض التعديلات والإضافة؛ إذ أقيمت على أساس أسلوب البناء التراجعي، وذلك عندما بدأت الأحداث من نقطة تأزمت فيها، وتصاعدت، ثم سارت بعدها سيراً طبيعياً، لكن مع كل تطور في الحدث، يتمّ كشف النقاب عن أمر كان غامضاً، إلى أن وصلنا إلى الفصل الأخير، حيث تبدت الحقائق، وتوضحت. - إنّ ميزة الترتيب في المسرحية للوقائع والمواقف والحقائق أنه ترتيب اكتشافي تراجعي، فالنتيجة تظهر أولاً، ثم يظهر السبب، وهذا البناء يحدث حساً درامياً قوياً، يذكر بمأساة أوديب الملك لسوفوكليس 496-406 ق.م)(8) . - ولعل الحس الدرامي المأساوي يبدو جلياً أكثر في تحقيق النهاية التي توصلت إليها الأحداث، وهي حالة الإعدام؛ فالنهاية لم تكن مقحمة، بل كانت تطوراً طبيعياً للأحداث، التي عبّرت عن انهزام كرامة الإنسان، وإنسانيته، على يد سلطة ظالمة غاشمة، وقد أثارت هذه النهاية عاطفتي الخوف والشفقة، الشفقة على الإنسان الذي يعيش حالة اغتراب حقيقي داخلي وخارجي، والخوف على الإنسان أيضاً عاشق الحب والخير والجمال من هذا المصير المأساوي. - وحبكة المسرحية بسيطة جداً، وحوادثها قليلة، وليست كبيرة ولا مفصلية، ولكنها في تراجعها تكشف ماهو أكبر وأهم فهي مسرحية مواقف ورؤى وقيم، ومسرحية شخصيات، وليست مسرحية قصة أو حوادث أو ألغاز أو مغامرة)(9) . - وقد استخدم الكاتب أيضاً -تنويعاً على البناء الأرسطي المسرحي- أسلوب الاستحضار والاسترجاع، وذلك عند استرجاع مشهد تعذيب الرجل، عبر مشهد تمثيلي(10) وكذلك عند استحضار صوت الأب، وهو يخاطب الرجل محذراً، فيقول: احذر ياولدي الحي الميت الراكض بين الأحياء، فالحي الميت مخيف، جسد أعمى، يحصدزهر الروح، بسيف الحقد وسيف الجهل، ويبقى ليلاً أعمى، يطمس شمس الرؤية)(11) . - أما الشخصيات، فقد كانت قليلة، وبدت الشخصيات الثلاث شخصيات محورية، حيث يكمل بعضها الآخر، وكانت شخصية المرأة في البداية شخصية غامضة، توحي بأنّها المرأة الرمز، ثم تحولت في الفصل الرابع إلى شخصية واقعية؛ تبحث عن زوجها بجدية، وتندفع إليه، وتدافع عنه، فهي مما لاشك فيه امرأة إيجابية، تسهم في كشف الحقيقة، وفي تحقيق المعرفة، لكن ألا نستغرب بعض تصرفات تلك الشخصية المتلونة....؛ إذ كانت في الفصل الأول والثالث أشبه بالحلم وبالخيال، ثم غدت في الفصل الرابع والخامس إنسانة واقعية، تحب المغامرة، وتدافع عن الحق، وقفت إلى جانب الرجل وساندته، ونالت جزاء ذلك، لكن السؤال الذي يستحضرنا، لماذا لم تساعد هذه المرأة الرجل على تذكر ماضيه منذ اللقاء الأول؟! ولماذا تركته بعد أن التقته مرتين ما دامت تبحث عنه؟ ولماذا أرسلت له الرسائل مع الحمام الزاجل، ولم تعطه إياه عند لقائهما به؟ - والكاتب في ذلك كلّه لم يحدد مكاناً أو زماناً، فالمكان هو الطبيعة الجميلة، والزمان هو زمن السلطة الغاشمة، أيّة سلطة انتهكت حرمة الإنسان وقيّدت حريته، وحاولت أن تقتل الصفاء والنقاء فيه. - وهكذا فقد تجلت النزعة الإنسانية في هذا العمل المسرحي، فكان صورة صادقة لما قدّمه عرسان من قضايا تنظيرية، لذا فقد تجلت عناصر التأصيل عند عرسان في نقاط محددة: 1 - محاولة تجسيد الشخصية الإنسانية في عشقها للجمال والحب والعدل والخير من خلال الاستعانة بالواقع، واستلهام التراث، فالاستعانة بالواقع تبدي من خلال تصوير نموذج المرأة الفاضلة التي تدافع عن زوجها، ولا تتخلى عنه في أصعب الظروف، إذ اجتمعت فيها صفات الزوجة والأم والأخت، وتبدت أيضاً من خلال تصوير نموذج الرجل الذي يعشق النور والحياة، وتمتثل فيه صفات الشهامة والكرامة والمروءة من خلال تحديد علاقة الصداقة بين الرجل والعازف. 2 - أما الاستمداد من التراث العربي فقد بدا واضحاً من خلال الاستعانة ببعض الآيات القرآنية، وإحدى الحكايات الشعبية، وببعض الفلسفات الإسلامية. فمن ذلك إشارات إلى القرآن الكريم، التي تظهر في كلام الرجل، منها قوله وهو يطلب الماء: الماء قبل النور، وهكذا كان في الأرض وفي الجسد)(12) . وهو يتضمن إشارة إلى قوله تعالى:وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)(13) ، وقوله عز وجل:وجعلنا من الماء كل شيء حي)(14) ، وكذلك قول الرجل: وأنا الباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وماهو ببالغه)(15) ، ويتضمن إشارة إلى قوله تعالى: وله دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، وما دعاه الكافرين إلا في ضلال)(16) ، وغير ذلك مما ورد على لسان الرجل فيها إشارات إلى القرآن الكريم(17) . - أما الحكاية الشعبية فهي الحكاية التي كانت تخوف بها الأمهات أطفالهن ليناموا، وهي حكاية الغول أبو الكوابيس)(18) فقد وظفتها المسرحية توظيفاً، يتناسب مع حالة الرعب التي كان يعيشها الرجل. - ومن الإشارات إلى الثقافة العربية، الإسلامية، الذي تبدى من خلال الحدث؛ قصة آدم وحواء في بحثهما عن المعرفة، إضافة إلى الإشارة إلى نظرية ابن حزم الأندلسي المأخوذة عن نظرية ابن الجوزية في الحب؛ إذ يقول الرجل للمرأة الزوج ...إحساس ما بأنّه كانت لي علاقة بالأشياء... وربما من خلالك أنت، ربما بك، يخيل إلى أنني رأيتك من قبل... بل أنني أعرفك منذ أمد بعيد.. منذ بدء الزمن)(19) . 3- الاستعانة بالبناء المسرحي الأرسطي، وتنويعاته، وتطوراته عبر المراحل التاريخية، على اعتبار أنّه إرث حضاري فني، ملك للشعوب الإنسانية بأكملها. *** مما يلحظ أن هذه المسرحيات التي مثلت أحد اتجاهات التأصيل في المسرح العربي، قد انطلقت في موضوعاتها من الواقع، وارتبطت به، وعبّرت عنه، إذ عالجت مجموعة من القضايا السياسية وا لاجتماعية والاقتصادية، التي تهمّ المواطن العربي، فمن بحث قضية شرعية الحاكم، والدعوة إلى ضرورة تحقيق نوع من التوازن بين القوى المختلفة في الدولة، إلى بحث المشكلة الإنسانية التي تلاحق الإنسان في كل زمان ومكان، والدعوة إلى الإلتزام بمبدأ المساواة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تصوير واقع هزيمة حزيران، والتغلغل في الأوضاع السياسية التي كان يعيشها الإنسان العربي قبل النكسة، ومحاولة الإحاطة بمجمل الأسباب التي أدت إلى الهزيمة، عن طريق التغلغل في أبنية المجتمع العسكري والسياسي والاجتماعي، إلى تصوير الوضع الراهن للأمة العربية، وملامسة أهم العوائق التي شكلت حاجزاً أمام تحقيق الوحدة العربية، وساهمت في استمرار التجزئة والتخلف، إلى بحث قضية القيم الإنسانية، وأهميتها في تحقيق العدل والمساواة، وفي تحقيق التقدم الحضاري والإنساني. ب - المسرح والتراث: - إن العودة إلى التراث، كانت السمة الغالبة، التي ميزّت الأعمال المسرحية الفنية، التي سعت جاهدةً إلى تأصيل المسرح العربي شكلاً ومضموناً، فالتراث العربي يعدّ جزءاً أساسياً في كيان الأمّة العربية، ومقوّماً حاسماً وفعالاً من مقومات الشخصية العربية. - لذا فقد ارتبط البحث عن الهوية العربية للمسرح العربي بقضية التراث، إذ أضحى التراث طاقة إبداعية تجسدت في محاولات متعددة، واكتسبت أهميتها من خلال ارتباطها بالواقع... السياسي والحضاري للأمة العربية. - إن أهمية طرح قضية التراث في المسرح العربي لم تكن متأتية من خلال التعامل مع إبداعات الماضي كمادة جامدة، أو طبيعة تراكمية تدخل في مجال البحث والمعرفة، وإنما اكتسب التراث أهمية من خلال الإسقاطات التاريخية، وذلك عن طريق إعادة خلقه، ومزجه بالإبداع الفني، ورؤيته رؤية جديدة في ضوء الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية إذ راح الكاتب المسرحي يختار من أحداث الماضي، وصوره، مايراه صالحاً للتعبير عن أفكار وأحاسيس تهمه، وتهم مجتمعه، بهدف طرح وجهة نظره تجاه الواقع، بغية تغييره. - الشخصية التراثية في المسرح: 1 - لقد كان التراث هو المادة الخام الأساسية التي بنى عليها الفريد فرج) معظم نتاجه المسرحي، وتجلت محطاته الكبرى عند حكايات ألف ليلة وليلة، إذا استمدّ منها مسرحية حلاق بغداد)1963، ومسرحية علي جناح التبريزي وتابعه قفة)،1969، ومسرحية رسائل قاضي إشبيليا)،1975، أما من التاريخ العربي فقد استمد مسرحية سليمان الحلبي)، 1964. - وسليمان الحلبي شاب، رحل مِنْ حلب إلى الأزهر طلباً للعلم، فقضى فيه ثلاث سنوات، ثم عاد إلى حلب، حيث أمضى فترة بسيطة، وبعدها رجع إلى الأزهر ثانية، ولكن لا لطلب العلم، وإنما لطلب العدالة، وخلال شهر من رجوعه إلى القاهرة تمكن من قتل كليبر قائد الجيش الفرنسي آنذاك(20) . ويحكي لنا الجبرتي قصة مقتل كليبر)، إذ روى ضمن حوادث يوم السبت 21/محرم/ سنة 1215 هـ أنّه في ذلك اليوم وقعت نادرة عجيبة وهو أن ساري عسكر كليبر كان مع كبير المهندسين يسيران بداخل البستان الذي بداره في الأزبكية، فدخل عليه شخص حلبي، وقصده، فأشار إليه بالرجوع، وقال له: مافيش... وكررها فلم يرجع، وأوهمه أن له حاجة وهو مضطر في قضائها، فلما دنا منه مدّ إليه يده اليسرى كأنه يريد تقبيل يده فمدّ إليه الآخر "كليبر" يده فقبض "سليمان" عليه وضربه بخنجر كان أعده في يده اليمنى أربع ضربات متوالية فشق بطنه وسقط على الأرض صارخاً، فصاح رفيقه المهندس، فذهب إليه "سليمان" وضربه أيضاً ضربات وهرب، فسمع العسكر الذي خارج الباب صرخة المهندس فدخلوا فوجدوا كليبر مطروحاً، وبه بعض الرمق ولم يجدوا القاتل فانزعجوا وضربوا طبلهم وخرجوا مسرعين، وجروا من كل ناحية يفتشون على القاتل، واجتمع رؤساؤهم وأرسلوا العساكر إلى الحصون والقلاع وفطنوا أنها من فعل أهل مصر فاحتاطوا بالبلد وعمروا المدافع وحرروا القنابل وقالوا: لابد من قتل أهل مصر عن آخرهم ....) ولم يزالوا يفتشون عن ذلك القاتل حتى وجدوه منزوياً في البستان المجاور لبيت ساري عسكر المعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم فقبضوا عليه...)(21) . - إذن، فإنّ سليمان الحلبي)، هو حلبي المنشأ مصري العاطفة، أزهري الثقافة، وهو بذلك عربي الأصلّ قوميّ الاتجاه، وعلى هذا الأساس أقام الفرد فرج) مسرحيته. - تعدّ مسرحية سليمان الحلبي) تراجيديا عربية، استقى فرج موضوعها من التاريخ العربي الحديث، وتحديداً من تاريخ مصر الحديث الذي يمثل بداية عصر النهضة، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ولا يخفى ماكانت تموج به البلاد في تلك الفترة من مواجهات عنيفة بين الشرق العربي، والاستعمار الغربي، الساعي إلى تأمين مصادر الثروة من جهة، والبحث عن أسواق لتصريف منتجاته من جهة ثانية، إضافة إلى رغبته في التوسع الإمبراطوري، ومن خلال تصوير هذه الأجواء، ومن خلال اندفاع سليمان الحلبي) لإزاحة الظلم، وتحقيق العدالة، والبحث عن الحرية، انطلق الفريد فرج إلى رسم أجواء عمله المسرحي، مركزاً على تلك الشخصية البطولية، معتمداً في ذلك على ماذكرته كتب التاريخ، وما ذكره الجبرتي تحديداً في تصويره لحادثة القتل العمد. - لقد تلمس الفريد فرج) الجو التاريخي بإمعان ودراية، وتمثل الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها البلاد آنذاك، وحاول إعادة تشكيل شخصية سليمان الحلبي) الذي خلّص البلاد من سيطرة الجنرال كليبر، وتعجرفه، وجبروته، مركزاً على دوافعها وأسبابها وطموحاتها وخلجاتها النفسية، ورؤيتها الفكرية، وجعلها تتحرك ضمن الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية التي رصدها من كتب التاريخ. - يصور الفصل الأول في هذا العمل المسرحي ما آل إليه أمر القاهرة من خراب ودمار، بعد أن قضى ساري عسكر الفرنسيين كليبر) على ثورة القاهرة، وفرض على أهلها أتاوة عالية، مما جعل الأزهريين يستشيطون غيظاً، بعد أن فقدوا الرجاء بالعمل، فزعماؤهم مسجونون ولا يوجههم أحد. ويركز الفصل الأول أيضاً ضمن مشاهد متعددة على تلك الحفلة التي تقام في قصر الجنرال كليبر) احتفالاً بالنصر، لإخماد ثورة القاهرة، وفي أثناء عرض مشهد الاحتفال، تُسلط الأضواء على مشهد آخر عن طريق التداخل، وهو مشهد رحلة سليمان) من حلب إلى القاهرة، ضمن مجموعة من العراقيل التي أتعبته لكنها لم تثنه عن إتمام رحلته، والوصول إلى ما ينوي فعله، فمن قبيل ذلك تلك الاستغاثة التي سمعها من فتاة صغيرة هو وزميله سعد) رفيق دربه؛ إذ راحت ترجوهما لإنصافها من والدها، ذلك الرجل المتسلط الذي يدعى حداية)، وهو يقطع الطريق على الفلاحين الهاربين من تعسف الفرنسي، وظلمه، بعد أن طردهم من قريتهم، وهنا يُظهر سليمان جرأة دون حيطة، وذلك عندما يأمر حداية) الأعرج بإطلاق سبيل الفلاحين، إلا أن حداية يعفو عنهما بعد أن يهمّ بقتلهما لأنّه علم بأن سعد) يحمل مالاً لافتداء الشيخ أبو الأنور السادات)، ذلك المجاهد الوطني الذي اعتقله الفرنسيون. - وتتلاحق المشاهد في الفصل الثاني، وتظهر صورة المقاومة الوطنية التي بدت من خلال محاولة بعض الشبان تعليق منشورات بالفرنسية على الجدران، وتحضّ الجنود الفرنسيين على الانفصال عن القيادة الفرنسية في مصر، وتتابع المشاهد فيظهر سليمان الحلبي في أروقة الأزهر يبدو عليه الاكتئاب والحزن، وعندما يسأله عمّا به، يصارحهم بنيته على قتل كليبر) بعد أن يأخذ منهم وعداً بعدم فشي سرّه، وفي مشهد آخر يظهر سليمان، وهو يتجول في أروقة القاهرة، فيرى حداية ويتخذ منه موقفاً استنكارياً، يجعله ينبه العسكر الفرنسيين إليه، فيلقون القبض عليه، بينما تحتمي ابنته بسليمان الحلبي، وهذا الاحتماء دبّ النخوة في رأس سليمان الحلبي) فراح يبحث لها عن مأوى عند الشيخ الشرقاوي)، الذي رفض استضافة البنت وشك في نية سليمان الحلبي، وطرده. - وتتلاحق المشاهد وتتصاعد فيظهر في الفصل الثالث شبان الأزهر وهم يضيقون ذرعاً من سليمان)، بعد أن فشى سرّه، ويخشون من عاقبة أمره، وفي مشهد مستقل يلتقي سليمان) بصانع الأقنعة الفتى محروس) أثناء ذهابه إلى حفلة تنكرية يقيمها الفرنسيون، فيستعير سليمان الأقنعة منه، ويجربها قناعاً بعد قناع، وفي كل مرة يتمثل شخصية صاحب القناع بدور فني مختلف. - ثم يظهر بعد ذلك مع صديقه محمد) ويعلم منه أن أصدقاءه قرروا ترحيله من القاهرة، بعد أن صدر قرار طرده من الأزهر، ويظهر سليمان اهتماماً بالموضوع، ثم يفرّ هارباً دون أن يشعر به محمد) وبعدها يظهر حداية الأعرج) في مخفر فرنسي، وقد عفا عنه الضابط الفرنسي، بعد أن أقنعه حداية) ببراءته وسلامة نيته، ومن ثم يتمّ تعينه جابياً للأموال، ويعود ليمارس ضغوطه من جديد على أهل بلده. - ومع تلاحق المشاهد يظهر كليبر مع المهندس جابلان) في الفصل الرابع، ويدور بينهما حديث عن مبادئ الثورة الفرنسية التي يلتزم بها جابلان) ويتنكر لها كليبر) وهنا يظهر سليمان وهو يتخفى في أحياء القاهرة، فيلتقي ببنت حداية) ويطلب منها المغفرة ويدعوها إلى ضرورة امتلاك حريتها وإرداتها، ثم يمضي بها إلى بيت الشيخ السادات) ويودعها أمانة عنده. وبعدها يظهر سليمان في حديقة السرايا، وعلى مايبدو أنه قد عزم على تنفيذ ماخطط له، فيلتقي بالجوقة، وفي حديث معها، يؤكد أنه قرر تنفيذ القتل طلباً للعدل لا حباً بالانتقام، ويلتقي بالجوقة مرة أخرى ليؤكد لأفرادها أنه عقلاني تطّهر بالعقل، وأنه وريث أفكار الثورة الفرنسية، ومن ثم يظهر سليمان) ويقترب من كليبر) ويمدّ له بيده ورقة فيقترب كليبر) ليتناولها، فيقبض عليه سليمان) بيد، ويطعنه بيد أخرى، عندها يصيح المهندس جابلان) فيسرع إليه، ويطعنه، ثم يعود إلى كليبر) ويقضي عليه، ويمضي بعد ذلك إلى شجرة ويحتمي بظلها، وفي المشهد الأخير تظهر الجوقة لتطالب بأن يحاكم سليمان) على فعلته بالعدل لا بالقانون. - وتجدر الإشارة إلى أن فرج اعتمد في تصوير دوافع القتل على المحاكمة التي أقامها المستعمر الفرنسي بعد أن وجهت تهمة القتل إلى سليمان الحلبي) وركّز على أجوبة الحلبي في دفاعه عن نفسه(22) ، لا على ما ذكره الجبرتي أو ما وجهه المستعمر من اتهام رجال الدولة العثمانية بأنّهم استأجروا سليمان الحلبي) لقتل ساري عسكر فرنسا مقابل أربعين قرشاً،وبهذا يكونون قد برؤوا المصريين.. وغيّروا الدافع، وشوهوا صورة الحلبي... - وبهذا يكون الفريد فرج قد رفع عن سليمان الحلبي) تهمة القتل بدافع المادة، أو بدافع الغيرة الإسلامية، وجعله فدائياً يقتل بدافع سياسي، وينشد من وراء ذلك تحقيق العدل الإنساني، بغض النظر عن إمكانية تحقيق هذه الغاية المنشودة. - أما وقائع التاريخ فلم تختلف كثيراً في هذا العمل المسرحي، كذلك فإن الأدوار التي أوكلت إلى بعض الأشخاص لم يصبها تغيير، فالشيخ السادات كان رمز المقاومة الشعبية، والشيخ الشرقاوي رئيس ديوان، وممثل سياسة المهادنة، إلا أنّه أضاف بعض الحكايات الثانوية التي نسجها من خياله، مثل حكاية الشابين اللذين يقومان بلصق المنشورات وحكاية صناديق الذهب... وكذلك حكاية حداية الأعرج، وقد ساهمت هذه الأحداث الثانوية في إثراء الخط الرئيسي، وإبرازه. - لقد مزج الفريد فرج) في هذا العمل المسرحي بين الدراما الأرسطية والملحمة البريختية في بنية واحدة، وقدّم لنا تراجيديا عربية من خلال تصوير بطل تراجيدي، على هيئة فتى مثالي حالم غريب الأطوار، ذي قدر عظيم يجوس في نوبات الصراع خلال أرض الزيتون ليلبس جلد صلاح الدين فهذا وعده وهذا قدره....)(23) . - تألفت المسرحية من أربعة فصول، حوى كل فصل مجموعة من المشاهد بلغت في مجملها الخمسين مشهداً، وتراوح المكان بين حلب والقاهرة، بينما حُدد الزمان بـ حزيران عام 1800)، وبين المكان والزمان، تحددت سمات العصر، أو الفترة الزمانية التي استمدت المسرحية منها موضوعها. - لقد كانت القاهرة تعاني من بطش الاستعمار الفرنسي، وتغلي بالمقاومة المكبوتة، التي حاولت التصدي لأعمال كليبر) فبطش بها، وتجلى الوعي بالواقع عند نفر من شباب الأزهر، الذين راحوا يتحينون الفرص، للانقضاض على المستعمر الفرنسي، والتنكيل به، ومحاولة تخليص الشعب من ظلمه، وجبروته، لكنهم يفضلون التريث والحذر، ويتجنبون الصدام المباشر معه، خوفاً من العواقب التي تجرّ البؤس والشقاء على أفراد الشعب، ومنهم من يحاول بث الروح الوطنية بين أفراد الشعب، ومحاولة توعيته، ومحاربة الفرنسيين نفسياً عن طريق نشر المنشورات السرّية، التي تندد بالاستعمار الفرنسي، وتفضح نواياه وتتهدد وتتوعد. - لذا فإننا نستطيع أن نقول إن المسرحية تعالج قضية الغزو الخارجي ومقاومته، وتتجاوز مظاهر الضعف والقوة، وأشكال التضحية والفداء لتصل إلى مضامين تلك المظاهر من خلال التركيز على الظلم والبغي والعدوان والخير والعدل فتنطلق من خلالها في معالجة قضية الغزو ومقاومته، فنرى فيها صراعاً بين العدل والظلم، والبغي والحق، والشر والخير، وقد تجسد ذلك في شخصية كليبر) وفي شخصية سليمان). - وهكذا وفي ذلك الجو الذي يطغى فيه الظلم والقهر، والذل والعبودية، قرر سليمان الحلبي) أن يكون المنقذ الحقيقي، وأن يريح إخوانه العرب من هذا العدو الجاثم علىصدورهم المتمثل بصورة كليبر -كما يرى- لقد قرر وصمم ونفذ؛ قرر منذ بداية المسرحية، في الوقت الذي رأى نفسه في الحلم قاضياً يحاكم الجنرال الفرنسي المتّهم، وقد حكم عليه في الحلم، بالبكاء، ولم يثنه عن قراره تدخل أولئك الأصدقاء الأزهريين،، الذين استنكروا مجرد التفكير بقتل الجنرال كليبر. - لقد بحث سليمان عن المعرفة(24) ، لإدراك الحقيقة، وللوصول إلى العدالة، ووصل إلى قراره بإرادته الحرّة وبتفكيره السليم، إذ يقول(25) : ... لقد استخرت الله وفكرت ولما فكرت تطهرت)، وعندما يسأله الكوروس: بعقلك أم بحدسك وإلهام السماء.؟)، يجيب سليمان السماء ألهمتني أن أفكر، ولكني فكرت بعقلي المحض)، ويسأله الكورس: وهل قدر عقلك على حل كل الألغاز التي فكرت فيها؟ لم يخذلك أبداً؟ يجيب: لم يخذلني أبداً). - إذن بعقله المحض وإرادته الحرة، ينفّذ سليمان ماصمم عليه، لكن هل وصل إلى الحقيقة، هل رفع الظلم، وحقق العدالة؟! يقول سليمان: ما أيسر أن يستنزل المرء اللعنات في صلاته على الظالمين... وما أشق أن يتصدى للظالمين... أيستوي عند الله من يعفّ عن الشر ومن يتصدى للشر؟ لن أنجو من هذا الحضيض، إلاّ أن أحوز المعرفة الكاملة)(26) . - وهكذا فإن المسرحية قد أتت بجديد، وذلك في تفسيرها دافع سليمان) إلى قتل كليبر): وهو تفسير يغني التاريخ، ويضيف إليه، وإن كانت المسرحية لا تمتلك من وثائق التاريخ ماتقوي به تفسيرها وتدعمه، فإنها تملك من سلامة التفكير ورجاحته واتزانه وحصانته، مايمنح ذلك التفسير احتمالاً كبيراً، وإمكاناً، لا يمكن أن يدفع أو يردّ، وإن كان لا يمكن أن يثبت ويحتج له...).(27) البناء الفني للمسرحية: لقد أوضح الفريد فرج أهمية اختيار الشكل المسرحي الذي يتناسب مع المضمون المطروح، لكن أي شكل يقصد؟ هل هو الشكل الفني المستمد من التراث العربي، والمعتمد على الظواهر المسرحية، والمسرحة العربية، أو هو الشكل الفني المعتمد على الأشكال الفنية الشعبية؟ أو هو الشكل الفني المتنوع والمتشعب المستورد؟ - لم ينظّر فرج لمسرح عربي جديد، ولم يرحل إلى التراث للبحث عن شكل مسرحي عربي لمضمون أعمال المسرحية، بل أيقن أن هذا الكم المسرحي الهائل المستورد هو الشكل الفني المتوارث، وهو الذي يصلح في كل زمان ومكان، شرط أن نختار من هذه الأشكال المطروحة الشكل الملائم للمضمون الجديد، لذا فقد كانت محاولاته التأصيلية تكمن في ملاءمة الشكل الفني الأوربي للمضامين المطروحة التي اعتمدت في معظمها على صياغة القديم، لإظهار الكامن في القصص الشعبي والأساطير والأحداث التاريخية المشهورة، أوحتى بتناولٍ جديد لتاريخنا العربي، وذلك من خلال انعكاس المادة المستقاة من التراث على الواقع البيئي المعاصر. - إذن، فإن محاولاته التأصيلية تجلت من خلال بث المضمون العربي المعتمد على التراث والملتصق بالواقع، ومن خلال ملاءمة الشكل الفني للمضمون العربي، لذا فإن كل ماوجه من اتهام إلى هذا العمل المسرحي من أن هناك تنافراً بين الشكل والمضمون فهو اتهام باطل،لأن هذا الشكل الفني الذي استمده الفريد فرج من الدراما الأرسطية ومن المسرح الملحمي البريختي قد خدم المضمون،وشكلا معاً كلاً منسجماً ساهما في إيصال الفكرة، وحققا التناغم والتمازج. - لقد اعتمد الفريد فرج في هذا العمل المسرحي البناء السردي المركب حيث تسير فيه الحوادث عامة وفق سير الزمن، في تسلسل متصل، ولكنه لا يخلو أحياناً من ذكرى أو حلم أو قطع، يعترض السير المتسلسل، ويمنح البناء تنويعاً وغنى. - تمت في الفصل الأول المواجهة بين سليمان الحلبي وكليبر حيث لمحنا حفلة راقصة في قصر الحاكم الفرنسي في القاهرة، ظهر فيها كليبر وحوله مجموعة من النساء والرجال، وهو يتحدث عن أمجاده في قدرته على قهر المقاومة الشعبية العربية، وفي الوقت نفسه يختفي الصوت، وتتجمد الصورة، وتسلط الأضواء على سليمان الحلبي) في مشهد خلفي يروي لنا حلمه الذي رآه، ثم ما يلبث أن يتداخل المشهدان، فتزول المسافات، ويتداخل الحلم والواقع، والحقيقة والخيال، ويقف سليمان الحلبي وجهاً لوجه أمام كليبر، وهذه المواجهة القدرية -التي تذكرنا بالنبوءات في المسرح الإغريقي- كانت تمهيداً للنهاية الفاجعة التي تنتظر كليبر، إنها نوع من المواجهة والتحدي. - ثم مالبثت الأحداث أن تنالت وسارت سيراً آلياً، راعت في التسلسل التاريخي للأحداث، الذي طغى على البناء الدرامي، علماً بأن هذا التسلسل التاريخي قد تخللته بعض الأشكال التي أغنت البناء السردي ومنحته تنوعاً وخصوبة، فمن قبيل ذلك الجوقة والحلم والمشهد التمثيلي القصير. - لقد استخدم الفريد فرج الكورس في بداية المشهد التمثيلي الأول، حيث قدّم المعلومات عن حالة القصر، واستخدمه في التعقيب على بعض الأحداث والمشاهد، وأحياناً تمت المحاورة بين البطل وبين الكورس للكشف عن بعض الأفكار والمواقف، المهم أن الكورس قد دخل في نسيج العمل المسرحي وأدى الوظيفة نفسها في المسرح اليوناني وفي المسرح البريختي، ومما يلاحظ أنه ساهم في ربط المشاهد، وفي تسلسلها، وأعطى تنوعاً للعمل المسرح ودفعاً للحدث، وبدت الجوقة، ممثلة للحكمة والتعقل، وهي تناصر "سليمان الحلبي" لا لشخصه، وإنما لما يحمل من مثل وقيم، وهي مؤتمنة على أسراره، مثلها في ذلك كله مثل معظم أشكال الجوقة في المسرح الإغريقي. - واستخدمت المسرحية أيضاً أسلوب التمثيل داخل التمثيل في مشهد مسرحي قصير، وهذا المشهد خفف من حدة سير الحدث التاريخي، وأعطى المشاهد نوعاً من الراحة، التي منحته الفرصة للتفكير، وإيقاظ الحس، ونجته من الانسياق وراء الإيهام المسرحي، وذلك عندما التقى سليمان محروس صانع الأقنعة(28) . - وركزت المسرحية على الصراع الداخلي عند سليمان الحلبي) بينما بدا الصراع الخارجي بين سليمان وكليبر خافتاً، وربطت بين الصراع الداخلي والصراع الخارجي عندما حسم سليمان أمره ونفّذ مخططه، وبوصوله إلى الهدف حسم الصراع الداخلي والخارجي معاً، ويضاف إلى هذا الصراع العنيف الخافت، ذلك الصراع الذي يقوم بين المقاومة الشعبية والاستعمار، إلاّ أنّه يظل من بداية المسرحية حتى نهايتها على وتيرة واحدة؛ لا صعود فيه ولا هبوط، لكن المهم هو مسيرة سليمان الحلبي): في صراعه الداخلي من الشك والقلق والتردد إلى المعرفة والإقدام والراحة هي القضية الرئيسية لهذه المسرحية. - وهكذا فقد حاول الفريد فرج أن يقدم تراجيديا عربية أفاد منها من نماذج وتيارات متعددة في تاريخ المسرح العالمي، خصوصاً التراجيديا الإغريقية والتراجيديا الشكسبيرية والمسرح الملحمي، أضف إلى ذلك أنه استفاد من التراث العربي التاريخي وقرأه قراءة دقيقة واعية، استطاع من خلالها أن يقدم نقداً للواقع العربي وقضاياه، كل ذلك ضمن بنية فنية تمّ التناغم والانسجام بين أطرافها. *** 2 - أما صلاح عبد الصبور فقد عاد إلى التراث، ليسبغ عليه رؤيته في ضوء الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية والروحية، عن طريق استحياء إحدى الشخصيات التاريخية، وإعادة خلقها خلقاً عصرياً يتماشى ورؤيته الحاضرة، لذا فقد وقع اختياره على شخصية المتصوف الحسين بن منصور الحلاج)، الذي ولد حوالي منتصف القرن الثالث الهجري، ليجعل من قصة حياته، واستشهاده، موضوعاً لعمل مسرحي وضع تحت عنوان مأساة الحلاج) 1965 معتمداً في دراسة هذه الشخصية التاريخية على ما جاء في كتاب أخبار الحلاج) الذي حققه ماسينيون، ومقاله الذي وضع تحت عنوان المنحنى الشخصي في حياة الحلاج)(29) . - تحكي المسرحية قصة المتصوف ابن منصور الحلاج الذي عاش في عصرٍ عمّ فيه الفساد، وانتشرت الرذيلة، بسبب الظلم والجوع والفقر والحرمان، فلم يقف مكتوف الأيدي، بل أنكر عزلته الصوفية، ونزل إلى الناس، خالعاً خرقته ليدعوهم إلى الله، كي يستطيعوا أن يقاوموا الظلم والفقر، فتتهمه السلطة بالزندقة، ويلقى به في غياهب السجن، ثم تقدمه إلى المحكمة، ليتلقى عقاب الموت صلباً، فيلقى ربه راضياً، لأنّه أيقن أن كلماته ستغدو فكرة تغذي وجدان الشعب، وتحفزه إلى تحقيق دعوته. - وتحدثنا كتب التاريخ بأن الحلاج هو الحسين بن منصور الحلاج)، ولد حوالي منتصف القرن الثالث الهجري، وتلقى خرقة الصوفية في شبابه عن المتصوف عمرو المكي، والخرقة رمز الانخلاع عن الدنيا، والفناء في الجماعة الصوفية، واتصل بعدها بالجنيد، شيخ صوفية عصره، وصار له مريدون، إلا أنّه اختلف مع صوفية عصره حين أخذ يتصل بالناس ويتحدث إليهم، فنبذ خرقة الصوفية، وعاش حياته بعد ذلك بين سجن ومحاكمات، واتهام وتكريم، حتى كانت محاكمته الأخيرة عام 309هـ)، أمام القاضي المالكي، وهذه المحاكمة أودت بحياته، حيث صلب في بغداد بأمر من الخليفة المقتدر، بعد أن أفتى قضاة المذاهب بتكفيره(30) . - عالجت المسرحية دور الفنان في المجتمع الذي حدده الحلاج بضرورة قول الكلمة، ومحاولة إيصالها إلى الآخرين، مهما كلّف الثمن، لهذا فقد كان عذاب الحلاج مساوياً لعذاب المفكرين في المجتمعات الحديثة، وحيرتهم بين السيف والكلمة، بعد أن آثروا أن يحملوا أعباء الإنسانية. - كتب عبد الصبور حوار مسرحيته شعراً، متأثراً بإليوت، أو ربما لأن شخصية الحلاج الفنية لم تكن شخصية صوفية فحسب، بل كان شاعراً أيضاً، ويرىعبد الصبور أن التجربة الصوفية والتجربة الفنية، تنبعان من منبع واحد، وتلتقيان عند نفس الغاية، وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه بعد أن يخوض غمار التجربة)(31) ، وقد يكون الباعث الأول لكتابة حوار هذه المسرحية شعراً، هو أن عبد الصبور حاول أن يؤصل المسرح العربي، وقد آمن بأحقية الشعر في المسرح، وأولويته، ليعود إلى منابعه الأولى، لذا فالشعر -عنده- هو صاحب الحق الوحيد في المسرح(32) . - تألفت المسرحية من جزأين، وانقسم الجزء الأول إلى ثلاثة مناظر، بينما انقسم الجزء الثاني إلى منظرين، أطلق على الجزء الأول اسم الكلمة) وعلى الجزء الثاني اسم الموت)، وقد يكون في تسمية هذين العنوانين، تلخيص لفكرة المسرحية، الكلمة الصادقة تؤدي إلى الموت). - يرفع الستار في المنظر الأول من الجزء الأول، فيكشف عن شيخ عجوز، قد صلب إلى جذع شجرة، في ساحة عامة، ومن ثم يبدأ كشف حقيقة هذا المصلوب شيئاً فشيئاً من خلال توالي الحدث؛ إذ تسلط الأضواء في مقدمة المسرح ليبرز ثلاثة من المتسكعين فيهم التاجر والفلاح والواعظ يتساءلون عن شخصية هذا الشيخ المصلوب، ثم تضيء مقدمة المسرح اليميني حيث يجتمع مجموعة من الناس فيهم القراد والحداد والحجام والنجار والخادم والبيطار، يعترفون بأنّهم هم الذين قتلوه بالكلمات، وذلك عندما تقاضى كل واحد منهم ديناراً ليشهد أن الحلاج كان زنديقاً، ثم تظهر مجموعة من المتصوفة، يعترضون أيضاً بأنّهم هم الذين قتلوا هذا الشيخ بالكلمات. - وفي المنظر الثاني من الجزء الأول تعود بنا الأحداث إلى قصة حياة الحلاج، وتحديداً إلى الفترة التي قرر الحلاج فيها أن يخلع خرقة الصوفية، وينزل إلى الناس، إنها عملية استرجاع، حاول الكاتب أن يجسد فيها مأساة الحلاج، تلك المأساة التي تجلت ملامحها في الصراع الخافت بين العزلة والنزول إلى الناس، أو بين البوح والكتمان، أو بين الإحجام والالتزام، إذ يبدو الحلاج في هذا المنظر، وهو يتبادل أطراف الحديث مع صديقه الشبلي في بيته، فيدخل عليهما أحد مريديه وهو إبراهيم بن فاتك)، ليخبره بأن الولاة يكيدون له كيدا؛ إذ بلغهم نبأ إرساله الرسائل السرية إلى بعض تلامذته، إلا أنّ الحلاج لا يأبه لهذا الكلام، ويقرر النزول إلى الناس لزرع كلماته، التي يأمل بأن تصبح عملاً وفعلاً قابلاً للتحقيق. - وفي المنظر الثالث، يبدو الحلاج قد نفّذ ما صمم عليه؛ إذ يقف في إحدى ساحات بغداد، يكشف الستر، ويبيّن مابينه وبين اللّه من محبة ووصال، بعد أن يتحدث عن القحط الذي سبب الفاقة والرذيلة، ثم يستدرجه الشرطي إلى البوح فيلقي عليه القبض بتهمة الزندقة، لكشف السرّ بينه وبين الله، ولحديثه عن القحط والفاقة. - في الجزء الثاني الموت) يبدو الحلاج في المنظر الأول، وهو مرمي في السجن يعاني العذاب، برفقة سجينين، فيدور بينه وبين أحدهما حديث يبيّن فيه الحلاج موقفه من الدنيا، ويظهر إيمانه العظيم بالكلمة، بعد أن عاش قلق الاختيار بين السيف والكلمة. وفي المنظر الثاني تبدأ محاكمة الحلاج بعد استدعائه للمثول أمام ثلاثة من القضاة، هم أبو عمر الحمادي) وابن سليمان) وابن سريج) بأمر من السلطان، لإصدار الحكم على الحلاج بعد إدانته، وتكفيره، إلا أنّ أحد القضاة الذي يدعى ابن سريج)، والذي وقف إلى جانب الحق، وأيد الحلاج، قد غادر المجلس بعد أن سمع أقوال الحلاج، في دفاعه عن نفسه. - لقد حاول الحلاج في المحكمة أن يقنع الآخرين بطريقته فيحكي لهم قصة حياته، وقصة بحثه عن الحق، عندئذٍ يقف أحد القضاة ويعلن أن ما قدّمه الحلاج مبرر لاتهامه بالكفر، ويقضي بتكفيره، بعد إثبات شهادة الشهود. - لقد استشهد الحلاج بعد أن حاول أن يجعل من كلماته نوراً إلهياً تستبصر به البشرية من أبناء قومه؛ إذ رفض أن يعيش مكتوف الأيدي، مكتفياً بحبه الإلهي، منعزلاً عن مجتمعه، بعد أن رأى مافيه من فساد وظلم وقهر، فراح يدعو الناس إلى حب اللّه، والتمثل بصفاته. - ركز صلاح عبد الصبور)، في هذا العمل المسرحي على الدور الاجتماعي الذي لعبه الحسين بن منصور الحلاج)، والذي ذكرته كتب التاريخ، واضعاً احتمال كون الدولة هي التي وقفت ضد الحلاج وقضت بتكفيره. فالحلاج هنا لم يفقد معالم شخصياته الأصلية، فقد جمع حلاج عبد الصبور بين الإحساس الديني والسياسي، فهو لم يكتفِ بالوجد الصوفي، بل خلع خرقة الصوفية، وندد بكل مايشوه صورة الإنسان، لأن صورة الإنسان هي صورة الله على الأرض، فهو يقول: أراد الله أن تُجلى محاسنه، وتستعلن أنواره فأبدع من أثير القدرة العليا مثالاً، صاغه طينا وألقى بين جنبيه ببعض الفيض من ذاته. وجلاّه وزيّنه، فكان صنيعهُ الإنسان فنحن له كمرآة، يطالع فوق صفحتها جمال الذات مجلواً، ويشهد حسنه فيناً).(33) - إن حب اللّه لدى "الحلاج" ليس وسيلة للهرب من الواقع، والانهزام من مفاسده وشروره، واعتزال الناس، وإنما هو وسيلة لمجابهة الواقع، وتحديه ومحاولة تغييره، بالالتحام بالناس، ودعوتهم إلى الله)(34) . - إلاّ أن شخصية الحلاج الفنية لم تكن شخصية انفعالية ثورية، بل كانت شخصية انفعالية إصلاحية، لأنّه حاول إصلاح المجتمع، وتغييره باستخدام الكلمة وجعلها نوراً يضيء الطريق إلى الخلاص، ويضيء النفوس، عن طريق تصوير أبعاد جوانب المعاناة، مع الاستدلال بالحل الذي تجلى بالاستعانة باللهّ، والإيمان به، والتمثل بصفاته، ولاسيما صفتي القوة والفعل، ليكون المتلقي عزيزاً قوياً، يحارب الظلم ويثور ضد الجوع والفساد. - والحلاج الذي حاول إصلاح المجتمع، واستشهد من أجل كلماته الداعية كان وحيداً منفرداً في دعوته؛ إذا انفضّ عنه أتباعه ومريدوه بعدما خلع خرقة الصوفية، ونزل إلى الناس، لذا فإنّ المسرحية المذكورة تؤكد دور الفرد في المجتمع، وتأثيره في الجماعة، وتؤكد دور الكلمة، ووظيفتها في تحقيق الفعل، فالحلاج كان راضياً عن عقابه لأنّه أيقن أن كلماته ستغدو فعلاً مضيئاً، وقدرة تحرك النفوس، وربما تحثّ على الثورة الحقيقية ضد مفاسد العصر، ومسببيها، تلك الثورة التي افتقدناها في شخصية الحلاج الفنية. لكن المهم أن شخصية الحلاج قد تجاوزت حدود الزمان والمكان، وغدت شخصية معاصرة، عبّرت عن وعيها لروح العصر، وأدركت مايعتمل فيه من قضايا، وما تثار فيه من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية. -البناء الفني: لقد حاول عبد الصبور أن يقدم تراجيديا عربية، أقامها على أساس التراجيديا الإغريقية، مع الاستعانة ببعض أساليب المسرح الغربي الحديث، ولا ضير في ذلك، ألم يؤكد عبد الصبور من قبل أن لا داعي لإرباك نفوسنا في البحث عن شكل مسرحي، أو استحداث شكل مسرحي جديد، وأعلن أن الشكل المسرحي المتوفر لا ينتمي إلى أحد بقدر ماينتمي إلى الإنسانية)(35) ، فهو ملك للبشرية جمعاء، ويحق لنا الاستعانة به، لصب مضاميننا العربية النابعة من واقعنا العربي، ومن تراثنا، ومن حضارتنا. لذا فقد تجلى ارتباط المسرحية بالبناء التراجيدي الإغريقي، من خلال المحافظة على وحدة الزمن، وعلى الرغم من أنّه استعان بتقنيات المسرح الغربي الحديث - عندما قدم البناء على أساس البناء التراجعي الذي يبدأ من نهاية الحدث- إلا أن الأحداث بعدها سارت سيراً سردياً، وفق جري الزمان، لتصل إلى النهاية. - لقد بدأت مأساة الحلاج) من ختام الحدث المسرحي،وذلك عندما صُلِبَ الحلاج، ولعل عبدالصبور هدف إلى تعميق الحس المأساوي، ثم عادت الأحداث بعد انتهاء المنظر الأول إلى بدايته، حيث تطورت الأمور، وتعقدت، وعاش الحلاج مرحلة قلق فكري بين أن ينزل إلى الناس أو يكتفي بعزلته، ثم تسلسلت حتى توقفت عند الختام الذي قضى بتكفير الحلاج، والبت في إعدامه صلباً، وهكذا تعود الأحداث إلى بدايتها حيث يصلب الحلاج، إذ شكلت المسرحية دورة دائرية غير منقطعة، النهاية المأساوية، كانت سبباً حقيقياً لتطور الحدث، وتطور الحدث نتج عنه تلك الفاجعة المأساوية. - وقد حافظ العمل المسرحي على وحدة المكان؛ إذ حُدد بالبلد الذي عاش فيه الحلاج، وإن تراوح بين بيت الحلاج وسجنه والساحة العامة التي أقيمت فيها المحكمة، وتمّ فيها صلب الحلاج. - والحفاظ على وحدة الحدث بات ظاهرة حقيقية في هذا العمل المسرحي؛ الذي تجلى من خلال الحديث عن شخصية الحلاج التراجيدية، وتسليط الأضواء عليها، وبعثها بعثاً جديداً، وربما كانت هذه الشخصية التراجيدية كالشخصية التراجيدية اليونانية، كما وصفها أرسطو فسقطة الحلاج كانت نتيجة لخطأ لم يرتكبه البطل، إلا أن باعث الخطأ هو الغرور، وعدم التوسط؛ إذ تجلت سقطة الحلاج في مشهد البوح بعلاقته الحميمة بالله، والباعث هو تأدية الأمانة، وتبليغ الرسالة إلى الناس، فهو يقول: رعاك اللّه ياولدي، لماذا تستثير شجاي وتجعلني أبوح بسر ما أعطى ألا تعلم أن العشق سرّ بين محبوبين هو النجوى التي أُعلنت، سقطت مروءتنا لأنّا حينما جاد لنا المحبوب بالوصل تنعمنا دخلنا الستر، أُطعمنا وأُشربنا وراقصنا وأُرقصنا، وغُنينا وغنينا وكُوشفنا، وكاشفنا، وعُوهدنا، وعاهدنا فلما أقبل الصبح تفرقنا تعاهدنا، بأن أكتم حتى أنطوي في القبر...).(36) - وكأن الحلاج قد أُستدرج إلى حتفه، من خلال استثارة شجاه، لذا فقد أفشى السر، فسقطت مروءته أمام اللّه، وأباح دمه للناس، وأباح دمه لله عندما أفشى سرّ صحبته، وهو في الحقيقة قد أبيح دمه، ليس لكشف الستر، وإنما لإشارته إلى الفساد الذي عمّ المجتمع، بسبب ظلم الحكام، وتقاعسهم عن تأدية الأمانة، لذا فإن الحلاج لم يصلب بتهمة تحريض الشعب على السلطة الغاشمة، وتوعية الجهلة بالكلمات، بل أُعدم بتهمة الزندقة، لكي لا يكون لكلماته صدى يذكر. - أما الصراع فقد تجلى بين الكلمة والفعل؛ فهل يقف الحلاج عند حدّ الكلمة، ويكتفي بها لتحقيق العدل، أو يواكب بين الكلمة والفعل، ويحقق القول بتجسيده فعلاً حقيقياً، وهنا تكمن مأساة الحلاج، إلا أن الصراع بدا خافتاً اقتصر على على التناقض الفكري، دون أن يتحول إلى فعل حقيقي مجسّد، أشير إليه بالكلمات في أكثر من موضع في المسرحية؛ إذ بدا على شكل حوار فكري بين اثنين، هما الحلاج والشبلي في الجزء الأول، والحلاج والسجين في الجزء الثاني، لذا لم نجد صراعاً بالمعنى المسرحي وإنما نجد حواراً فكرياً خالصاً، يكاد يجعل المسرحية مسرحية ذهنية خالصة. - وهكذا فقد حاول عبد الصبور أن يقدم تراجيديا عربية أقامها على أساس التراجيديا الإغريقية مع الاستعانة ببعض أساليب المسرح الغربي الحديث، الذي تجلى من خلال بناء المسرحية على أساس البناء التراجعي الذي يبدأ من نهاية الحدث، ليعود عند الختام فيشكل دائرة مغلقة، وبهذا يكون عبد الصبور قد واكب بين التنظير والتطبيق، وذلك عندما انطلق من البناء الفني اليوناني، وتطوراته، واستخدام الشعر لغة للحوار المسرحي، ليعود بالمسرح إلى منابعه الأولى، إضافة إلى بث المضمون العربي، المنتمي إلى الواقع الذي عاشه عبد الصبور، والذي عالج فيه بعض القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية، والذي أكد فيه دور الكلمة في تحديد الهدف، مع الاستعانة بالشخصية التاريخية، ومزجها، وتأقلمها مع الحدث الواقع، الإضاءة الحاضر، وبناء المستقبل. (1) عرسان، علي عقلة، سياسة في المسرح، ص 25. (2) عرسان، علي عقلة ، تحولات عازف الناي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1993،ص 162 (3) المصدر السابق، ص 43. (4) المصدر السابق، ص 152. (5) المصدر السابق، ص131. (6) ينظر، المصدر السابق، الفصل الأول والثاني، ص 14، وص 15، وص 16، وص 19، من ص 57، حتى ص 62، وص 164 و.... (7) ينظر، عرسان، علي عقلة، "المسرح العالمي ومكانة المسرح الطليعي"، ص 64-65. (8) محبك، أحمد زياد، قراءة في مسرحية "تحولات عازف الناي"، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 295-296، ت2، ك1، 1995، ص 30. (9) المرجع السابق، ص 30. (10) عرسان، علي عقلة، تحولات عازف الناي، ص 157-160. (11) المصدر السابق، ص192-193. (12) المصدر السابق، ص13. (13) القرآن الكريم، الآية 7، هود، س11. (14) القرآن الكريم، الآية 3، الأنبياء، س21. (15) عرسان، علي عقلة، تحولات عازف الناي، ص15. (16) القرآن الكريم، الآية 14، الرعد، س13، ص 329. (17) ينظر، عرسان، علي عقلة، تحولات عازف الناي، ص 52-78-332. (18) ينظر، المصدر السابق، ص 251-252. (19) المصدر السابق، ص 34. (20) ينظر، فرج، الفريد، مقدمة مسرحية "سليمان الحلبي"، الهيئة العامة المصرية العامة، 1989، ص8. (21) الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار، الجزء الثالث، ص 121-122. (22) ينظر، فرج، الفريد، مقدمة مسرحية "سليمان الحلبي"، ص 5-6-13. (23) راغب، نبيل، لغة المسرح عند الفريد فرج، الهيئة المصرية العامة، 1986، ص213-204. (24) ينظر، فرج، الفريد، مسرحية "سليمان الحلبي"، ص 42. (25) المصدر السابق، ص 149. (26) المصدر السابق، ص144. (27) د. محبك، أحمد زياد، المسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر، ص171. (28) ينظر، فرج، الفرد، سليمان الحلبي، ص 100-105. (29) ينظر، عبد الصبور، صلاح، مأساة الحلاج، دار الآداب، بيروت، ط1، ك1، 1965، ص 205. (30) ينظر، عبد الصبور، صلاح، مأساة الحلاج، ص205. (31) عبد الصبور، صلاح، حياتي في الشعر، ص 119. (32) ينظر، المصدر السابق، ص 115. (33) عبد الصبور، صلاح، مأساة الحلاج، ص 74-75. (34) د. محبك، أحمد زياد، المسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر، ص 107. (35) عبد الصبور، صلاح،"وقائع ندوة المسرح"، مجلة المعرفة، ص 126. (36) عبد الصبور، صلاح، مأساة الحلاج، ص 80-81. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |