تأصيل المسرح العربي بين التنظير والتطبيق " في سورية ومصر " - د. حورية محمد حمو

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

- الحدث التراثي في المسرح العربي:

- اعتمدت بعض الأعمال المسرحية على التراث في تحديد مضامينها، وذلك من خلال تركيزها على الحدث-الفعل، واستلهامه في قالب جديد، وفي صيغة جديدة قد تقترب من الأصل، وتبتعد عنه في الغاية والهدف، فمن قبيل ذلك مسرحيةالملك هو الملك) 1977، لمؤلفها سعد الله ونوس، التي أقيمت على أساس المزاوجة بين التراث العربي، والهموم السياسية والاجتماعية المعاصرة)(1) .‏

- التراث لأن سعد الله ونوس) استلهم في هذا العمل المسرحي إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، وهي حكاية النائم واليقظان) وقد وردت في الليلة الثالثة والخمسين بعد المائة، وتروي الحكاية قصة رجل اسمه أبو الحسن، يضيق ذرعاً بأحوال الدنيا وتقلب الأصدقاء، بعد أن بدّد ماتركه له أبواه من مال وميراث، ويتمنى أن يجعل الأمر كله في يده، ولو ليوم واحد، حتى يقوّم المعوج، ويهدي الضال ويردّ من زاغ عن الحق إلى الطريق السوي، وتطرق أذني الرشيد هذه الأمنية، وقد كان يسير متنكراً ومعه سيّافه مسرور، فيسارع إلىتحقيقها، ويغري أبا الحسن بتناوله طعام، دسّ له فيه بعض المخدر، ولم يلبث غير قليل حتى زال أثر المخدر، فألفى أبو الحسن نفسه في قصر الخلافة، ومن حوله الوزراء، والخدم أمامه وقوف، ينتظرون أوامره ليحققوها، ويختلط الأمر على أبي الحسن، وينكر ما هو فيه من عز طارئ، ويظن أن الأمر كله لا يعدو أن يكون حلماً سعيداً، غير أنّه يعلم أخيراً أنه أصبح الخليفة حقاً، وتحدث مفارقات كثيرة تنتهي بأن يعيد الرشيد أبا الحسن إلى حالته الأولى، عن طريق المخدر أيضاً، ويستفيق أبو الحسن من غيبوبة ذلك الحلم السعيد، ويذكر حياته القديمة، ويصرّ على أنّه الخليفة، ويجادل أمّه، ويضربها لأنها تحاول أن تعيده إلى رشده، وأخيراً يدرك ماكان من أحواله ويعلم أنّه لم يستطع أن يحقق شيئاً من آماله وهو خليفة)(2) .‏

وقد اعتمد البناء الفني لليالي على صياغة قصصية فنية تستوعب أسلوب الحكاية الشعبية، القائم على ذكر الحدث الأصلي والتفرع منه إلى أحداث فرعية، ثم الارتداد إلى الحدث الأصلي، فالبناء الفني القائم على الاستطراد وتراكم النوادر الفرعية، وهذا التراكم يؤدي إلى تفريج الأحداث الأصلية للقصة، فالتراكم يعمل على نقيضه، أي يؤدي إلى الانفراج ...) إن وظيفة النوادر الفرعية أنها تساعد على تركيب الحكايات الأصلية وشرحها وإيضاحها، كما يتميز البناء الفني لألف ليلة وليلة بتقديم الحكاية الأصلية، التي ترتد إليها كل حكاية من الحكايات الفرعية بعد انتهائها، إذ تختتم كل حكايا من الحكايا الفرعية بالعودة إلى الحكاية الأصلية)(3) ، فالتداخل، والتشابك، والانبثاق أهم ميزات الأسلوب الفني للحكايا الشعبية في ألف ليلة وليلة كتداعي الأفكار في العملية النفسية.‏

- وقد استخدم ونوس في مسرحيته المذكورة شيئاً من لوازم البناء الفني للحكاية الشعبية، فالشكل الفني المستخدم في هذا العمل هو الذي يربطه بالتراث، إضافة إلى تضمين الموضوع بعض ما حدث في هذه الحكاية.‏

- إلاّ أن ونوس قد نزع عن الحكاية الأصلية روح الدعابة، واستبدل الأسماء وخلّصها من علاقتها بالزمان والمكان، فأبدل الرشيد بملك ما لمملكة ما، واستبدل شخصية مسرور بالسيّاف بشخصية بربير الوزير) وأوكل وظيفة السيّاف إلى شخصية أخرى. وابتكر شخصيتين جديدتين هما: شخصية شهبندر التجار وشخصية الشيخ طه، وقد أورد ونوس من ذلك استكمال الجو العام، والخلفية الاجتماعية، أضف إلى ذلك أنه تماشياً مع طرح مفهوم المسرح التسييسي، وتحقيق التواصل مع المشاهد، فقد خلق شخصيتين إضافيتين هما زاهد وعبيد ومهمتهما رواية بعض الأحداث.‏

- وتكمن الهموم السياسية والاجتماعية في الفكرة العامة للمسرحية، التي تقوم على استبدال إنسان بإنسان آخر من خلال إبدال الثوب أعطني رداءً وتاجاً أعطك ملكاً)، إنها تنفي إمكانية تغيير الإنسان، إذ لم يستبدل النظام، وتقوم المسرحية إجمالاً على تحليل بنية السلطة في الأنظمة القائمة على الملكية، يقول ونوس:إننا نقتبس أو نعدّ لأننا نبحث عن رؤيتنا العربية المتجاوبة مع واقعنا أو لأننا نحاول أن يكون فعلنا المسرحي راهناً، أي فعّالاً هنا والآن)(4) ، وهكذا فقد جمع ونوس في هذا العمل المسرحي بين الأصالة والمعاصرة، وذلك عندما جعل التراث مصدراً لعمله، وزوده بمضامين عصرية، ورؤية تقدمية سياسية.‏

- والتراث مرة أخرى، لأن ونوس انطلق من مفهومه المسرحي من واقع الجمهور العربي ونفسيته، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن ونوس قد تأثر في هذا المجال بالذات بالرواد المؤسسين، لقد حاول البحث عن شكل مسرحي عربي، يحقق عملية التواصل مع المشاهد العربي، بحيث ينقل له المضامين السياسية الجديدة من خلال صيغة فنية، تحمل في طياتها عنصري -التعليم والتحريض- أو التسييس وتكون بنفس الوقت قريبة من ذوقه ونفسيته، عن طريق الأخذ بيده بكل رفق وإصرار، بمخاطبة عقله عبر مشاعره وعواطفه، مع مراعاة بنية شخصيته التي مازالت تعيش في مرحلة الأسطورة واللاعقلانية حتى الآن)(5) ، فالبحث عن شكل مسرحي عربي هو الذي جعله يعود إلى التراث، ويستخدمه لصب طروحاته الفكرية، إذ لا يكفي لتحقيق عملية التواصل -عنده- أن نطرح مضامين عصرية، تهمّ المواطن العربي فحسب، بل لابد أن نحقق ذلك من خلال محاورة الجمهور عبر ذاكرته التاريخية، لذلك كلّه اعتمد ونوس في مسرحية الملك هو الملك)، على الحدث الإطار والحدث الأمثولة، وبهذا يكون اعتماده على التراث ليس هدفاً بل غاية ووسيلة.‏

- تحكي المسرحية على صعيد المضمون قصة مملكة ما، ضاق صدر مليكها سأماً وضجراً، وملّ الحياة الروتينية التي يعيشها، فتذكر أن الرعية مسلية، وغنية بالطاقات الترفيهية، فقرر أن يتنكر مع وزيره، وينزلا إلى عامة الشعب للترويح عن نفسه، وتبديد ضجره، وإبان ذلك تذكر التاجر المفلس أبو عزة) الذي كان يحلم بالسلطة، وتنصيب نفسه ملكاً لينتقم من خصومه، وعلى رأسهم الشيخ طه وشهبندر التجار، وهنا تبدأ لعبة الملك التي انعكست عليه فيما بعد، حتى إذا ما تحقق حلم أبو عزة) وأصبح ملكاً للبلاد، نسي انتقامه وتهديده ووعيده، ورفض تحقيق ما أبرم من عهود، وماعزم عليه من انتقام، وتقمص شخصية الملك وأمسك زمام الأمور بيدٍ من حديد، ولم يتنكر لشخصه أحد من الأعوان والحجاب وأهل بيته، باستثناء ابنته عزة، ولم يدركوا طبيعة اللعبة، وانهالوا طوعاً للتاج والصولجان... وبالمقابل فقد أنكر الجميع الملك القديم، فثارت ثائرته، وجُنّ جنونه...‏

- أما على صعيد الشكل المسرحي: فقد قُسمت المسرحية إلى مدخل وخاتمة، وخمسة مشاهد مقسمة بدورها إلى عدة فواصل.‏

- نطل في المدخل على لافتة كتب عليها "الملك هو الملك"، لعبة تشخيصية لتحليل بنية السلطة في أنظمة التنكر والملكية")(6) ، هذه اللافتة لخصت العمل المسرحي بكلمات قليلة وأشارت إلىأننا إزاء لعبة مسرحية.‏

- لقد حاول ونوس أن يذكّر المشاهد أنه إزاء لعبة في أكثر من موضع، وخصوصاً عندما تنتهي المسرحية كما بدأت، فأفراد الجوقة مع الملك الجديد، والشيخ طه وشهبندر التجار في الركن المقابل، والملك الأصلي يقول: قولوا... كانت لعبة.. والملك هو الملك... أنا هو... هو أنا الملك... لعبة... وربما كانت لعبة "لهجة إصدار الأوامر"، من الآن فصاعداً اللعب ممنوع).‏

المجموعة: "وراءه" اللعب ممنوع.‏

الملك: والوهم ممنوع..).(7)

- إن التأكيد على أن هذا العمل ماهو إلا لعبة مسرحية، يقود مجراها زاهد وعبيد، يدل دلالة واضحة على أن ونوس يسعى إلى تحقيق التواصل مع المشاهد، عن طريق استخدام بعض أدوات المسرح البريختي، منه كسر الإيهام المسرحي، وعدم اندماج الجمهور في اللعبة المسرحية، ففي مدخل المسرحية يقول ونوس: يمكن أن يبدأ العرض وعبيد يقرأ الملاحظات المسرحية "يدخل الشخوص إلى المسرح كما لو كانوا مجموعة من لاعبي السيرك، حيوية حركات بهلوانية... ويرفق القراءة دخول الممثلين، وذلك لتأكيد أن عبيداً وزاهداً هما اللذان يقودان اللعبة")(8) لعبة لأنّه يريد أن يقول للمشاهد إن مايجري أمامه هو محض تمثيل، أضف إلى ذلك أن قيادة عبيد وزاهد لهذه اللعبة ودخول الممثلين وهم يمارسون اللعب على طريقة لاعبي السيرك، يزيد إقناع المشاهد بأنه إزاء لعبة مسرحية، لا عمل درامي تقليدي، يقوم على فكرة الإيهام الذي يوحي بواقعية الحدث المعروض، وخصوصاً عندما يلتفت الممثلون إلى الجمهور معرّفين بمحتوى اللعبة ومغزاها، ومعرّفين بأدوارهم التمثيلية بقولهم:‏

عبيد: منادياً وسط الضوضاء" هي لعبة...‏

أبوعزة: هي لعبة..‏

الملك: نحن تلعب).(9)

- ولا ختيار شكل اللعبة- عند ونوس- وظيفتان إضافيتان الأولى: هي إن الأحداث والشخصيات تقدم من وجهة نظر زاهد وعبيد بما يمثلانه، لا من وجهة نظر محايدة، ولو شكلياً، وبالتالي فإن لكل واحدة من شخصيات المسرحية بعدين الأول هو أنها مع زاهد وعبيد في جماعة واحدة، والثاني: هو أنّها تؤدي دوراً في أمثولة، ...) وهي لا تتقمص الدور، بل تشخصه، أما الوظيفة الإضافية الثانية، فهي الحيلولة دون استغراق المتفرجين والممثلين أيضاً في الأوهام الطوباوية أو الأماني المجانية)(10) إذن كل ذلك من أجل عدم اندماج المتفرج في هذه اللعبة، لتتحقق الوظيفة التي توخاها ونوس من المسرح، علماً بأن الجمهور هنا لم يشارك في اللعبة كما في حفلة سمر) بل بقي متأملاً ومحللاً تفصله مسافة عن الخشبة المسرحية.‏

- وتدور أحداث اللعبة في مملكة ما، الممنوعات فيها كثيرة، والحلم وحده هو المسموح، شرط ألا يتحول إلى حقيقة؛ إذ يحلم الشعب بتحقيق العدل والمساواة، ويحلم أبو عزة بالسلطة والملك، لينتقم من خصومه، وتحلم عزة مع رفاقها عبيد وزاهد بذلك اليوم الذي تتحقق فيه الحرية، والعدالة الاجتماعية، ويحلم الملك بالتسلية، ويحقق أحلامه عن طريق لعبة مسلية تبعد عنه الضجر والملل؛ وتنحصر أحلام الوزير في أن يظل اليد اليمنى للملك، ويتجسد حلم الجلاد بأن لا يحرم من بلطته، ويحلم عرقوب خادم أبو عزة) بذلك اليوم الذي تزف فيه عزة إليه(11) .‏

- واستغراق ونوس في البناء الفني للحكاية الشعبية، جعله يَبْسط الحدث على مساحات ثلاث تربطها خيوط تبدو في البداية واهية ثم تتداخل، وتتشابك، لتلتقي في نهاية العمل على مساحة واحدة.‏

- تبدأ الحكاية في المساحة الأولى، وتحديداً في البلاط الملكي، بين الملك وبطانته ويبدأ المشهد الأول بلافتة كتب عليها وعندما يضجر الملك، يتذكر أن الرعية مسلية، وغنية بالطاقات الترفيهية)(12) ، ولابد أن نشير إلى أن كل مشهد يبدأ بلافتة، تلخص مضمون الحدث فيه، وتوضحه، ولعل ونوس في ذلك قد حقق هدفين، أولهما: تحقيق عملية الفهم والاستيعاب لدى المشاهد، وثانيهما: كسر الإيهام وعدم الاندماج في العمل المسرحي، ليس هذا فحسب بل إن ونوس استغرق في التغريب أكثر، عندما جسّم بعض المناظر المسرحية، ولاسيما ذلك المنظر الذي اعتمد عليه في إبراز فحوى العمل المسرحي، وذلك من خلال تصوير كرسي العرش والبلاط الملكي، ورداء الملك والوزير(13) .‏

- فشخصية الملك مطموسة في الثياب والجواهر والعظمة، وهذا التضخيم والتصوير قدّم خدمة إلى الحدث وساهم في توضيح الغاية وهي أن المنصب والمظهر والنظام هو الحاكم وليس الفرد الإنسان)، أضف إلى ذلك أن هذا التضخيم والتعظيم، الذي أثار الضحك والاشمئزاز مهد للحدث وتقبل ما اعترى الملك من هفوات فيما بعد، وكسر الإيهام المسرحي عن طريق تصوير المألوف بشكل غير مألوف.‏

- أما المساحة الثانية فقد حوت بيت أبو عزة) ذلك التاجر المغبون، ففي المشهد الثاني الذي بدأ بلافتة كتب عليها الواقع والوهم يتعاركان في بيت مواطن اسمه أبو عزة)(14) يطالعنا حلم أبو عزة)، في أن يصبح ملكاً، وعلى الرغم من تعثر الواقع الذي يعيشه يقول: ...آه.. الآن آن القهر للحساد، مادمتُ سلطان البلاد"، يدور بسرعة وهو يغني "أنقش الختم على بياض.... فينقضي أمري بلا اعتراض)(15) ، ومايربط بين المساحتين هو وجود الملك والوزير في بيت أبو عزة) متنكرين بثياب حاجين عاديين، ويستعيران اسمين جديدين، هما الحاج مصطفى والحاج محمود.‏

- وقد جعل ونوس بين المساحتين فاصلاً يحقق خطوة أكبر في كسر الإيهام المسرحي، يمكن أن نخصه بالمساحة الثالثة وهي التي تجمع بين زاهد وعبيد، فالشيء الطبيعي الذي يمكن أن يقدمه العمل هو استمرارية الحدث، أي ينتقل الملك والوزير من المساحة الأولى التي هي البلاط إلى المساحة الثانية أي بيت أبو عزة)، إلا أنّ ونوس قد أوقف سير الحدث، واختلق فاصلاً بدأ بلافتة كتب عليها محكوم على الرعية أن تعيش الآن متنكرة)(16) . والمكان زاوية في طريق منعزلة، والرعية هي زاهد المتخفي في هيئة حمّال، وعبيد الذي اتخذ هيئة المتسول، ويكشف الحوار الذي يدور بينهما عن أنّهما مسؤولان عن قيادة عملية سياسية سرّية إضافة إلى قيادة اللعبة المسرحية:‏

عبيد: أكاد أؤمن أن من الصعب الاعتماد على الخدم، إنهم يمثلون حالة خاصة ومعقدة منطقياً، فينبغي أن يكونوا معنا، ولكنهم في الحقيقة ليسوا معنا)(17) .‏

وفي موضع آخر: زاهد: وإذا انفجرت بعض الاضطرابات العفوية؟.‏

عبيد: نفيد منها دون أن نخاطر بأي من عناصرنا، هذه المرحلة يجب أن تنظم بشكل محكم، هم يمعنون في الإرهاب ونحن نمعن في التنكر، التناقضات تنمو، وحركتنا تشتد...)(18) .‏

- إلاّ أن هدف التنكر يختلف عند ونوس فإذا كان تنكر الملك والوزير بهدف التسلية، فإنّ تنكر زاهد وعبيد كان بهدف العمل المسرحي السري، أضف إلى ذلك أن ونوس حاول أن يبدي رأياً سياسياً في هذا الفاصل حول أهلية الخدم،ولعله في ذلك حاول أن يبرز وسيلته التعليمية في إبراز المحتوى السياسي للعمل المسرحي.‏

ولا يخفى أن ونوس قد ربط بين المساحات الثلاث عن طريق قصة حب بين عبيد المتنكر وعزة، واللقاء بين الملك المتنكر و"أبو عزة"، وفي الوقت الذي عرفت فيه عزة شخصية عبيد الحقيقية، عن طريق المصادفة تعثر أبو عزة) في التعرف إلى شخصية الملك الحقيقي، والتنكر أيضاً كان وسيلة من وسائل التغريب التي استعملها ونوس في هذا العمل المسرحي.‏

ولم يألُ ونوس جهداً، وهو يلاحق المشاهد، يحاصره، مستخدماً جميع الوسائل، ليبقى عقله يقظاً، متفتحاً، مراقباً لا مندمجاً، وتوّج هذا العمل بتقديم الحل، وهو أن يلتهم أفراد المملكة الملك ليصبح كلّ منهم ملكاً(19) .‏

عبيد:... في قديم الزمان كانت هناك جماعة من البشر تعيش حياة بسيطة متناسقة كنشيد أو أغنية، أفرادها متساوون تساوي الأحرار لا العبيد، يعملون في أرضهم المشتركة كاليد الواحدة، ويتقاسمون الخير كأفراد العائلة، يأكلون من مرق واحد، ولا يرتدون من الكساء مايزيد عن الحاجة، أو الضرورة، في قديم... في قديم الزمان، كانت وجوه البشر صافية، وعيونهم شفافة.. وذات يوم، وصار اليوم تاريخاً وبدءاً، دب النشاز في حياة تلك الجماعة المتضافرة، انشق عنهم واحد من أفرادها، كان أقوى كان أدهى لا يهم، لكنّه مزق أملاك الجماعة، واستأثر بالحصة الكبرى، انفصل عن الآخرين، وتميّز وارتدى كساءً زاهياً، بدّل هيئته ووجهه وتنكر، يومها ظهر المالك...)(20) .‏

لقد جعل من التنكر وسيلة لتفسير تاريخ التملك والملكية من وجهة نظر مادية جدلية.‏

- ويكمن الحل عند ونوس في خاتمة العمل المسرحي عندما تقول المجموعة: "معاً": تروي كتب التاريخ عن جماعة ضاق سوادها بالظلم، والجور والشقاء، فاشتعل غضبها، وذبحت ملكها، ثم أكلته... في البداية شعروا بالمغص لكن بعد فترة صحّت جسومهم، تساوى الناس، وراقت الحياة، ولم يبقَ تنكر ولا متنكرون...)(21) ، لم يعرض ونوس حلاً يستدعي تغيير الملك بل كان حله جازماً أن نلتهم الملك، لقد عدّ ونوس التهام الملك محصلة طبيعية، مادام المجتمع يعرض كسلسلة من علامات التنكر، تصل في الملك شكلها الأقصى، إن طقس الالتهام هو بالضبط الاحتفال الذي يتيح لنا أن نتقاسم الملك ونتوزع دلالته، أي أن يصبح كل منا الملك في مجتمع بلا طبقات وبلا تنكر)(22) .‏

- إن الهم السياسي والتسييسي عند ونوس هو الذي جعله يطرح هذا الحل، لا حاكم ولا محكوم في مجتمع المساواة، إلا أن ذلك جعله يتجاهل بعض ما نظّر له وهو الاحتفالية؛ فالمسرح عنده لحظة حيّة حميمة، يخرج الفرد من ذاته ليشارك الجماعة، شرط ألا يفقد أناه، بل ليرتد إلى ذاته وعياً وإدراكاً(23) .‏

- إننا لا نريد أن نظلم ونوس، لأنّه أدرك صعوبة مشاركة الجمهور في العمل المسرحي بشكل فعلي، فحاول إشراكه عن طريق ملاحقته، ومحاصرته فنياً وسياسياً.‏

- وهكذا فقد اعتمد ونوس في هذا العمل المسرحي على استقاء التراث من خلال استلهام إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، إلا أنّه جردها من أبعادها الزمانية والمكانية، وحاول من خلالها أن يرصد الواقع، ويقدم له معالجة قد تكون هي الحل الأصلح، لذا فقد حوّر بالأحداث الأساسية، وبدّل بالشخصيات بما يتماشى مع تأكيد فكرته التي تصورها، والتي عالج فيها قضية الأنظمة المتعسفة، وحلل بنية السلطة في أنظمة التنكر الملكية)(24) ، واستخدام الحكاية الالفية -عند ونوس- له أكثر من مغزى؛ ولعل أهمها محاولة تأصيل الظاهرة المسرحية، التي يمكن أن تتحقق عن طريق شدّ انتباه المتفرج، والتفاعل معه، والتأثير فيه، لذا فقد ركز على الحكاية الشعبية، التي قد تكون قناة من قنوات التجريب عند ونوس، وحاول من خلالها إيصال الفكرة، لأن المشاهد قد يعرف الخطوط العامة للحكاية، مما يجعله على وعي تام بمايجري على خشبة المسرح، مع تركيزه على الإضافات، واستيعابها، مما يجعلها تدخل في دائرة الوعي أيضاً، أضف إلى ذلك أن استخدام الحكاية قد يحقق له قدراً أكبر من المساحة للتعبير والمعالجة، وللتحليل والمنافسة بعيداً عن عيون الرقابة، وأجهزة السلطة.‏

-نخلص إلى أن اتجاهات التأصيل في المسرح العربي سواء تلك التي اعتمدت على الاستمداد من الواقع، أو التي اتخذت التراث وسيلة للتعبير، عن طريق الاستعانة بالشخصية التراثية، وخلقها خلقاً عصرياً، أو عن طريق الاستعانة بالحدث، قد ارتبطت بالبيئة عن طريق الالتزام بقضايا الجماهير، واتسمت بوضوح الرؤية الفكرية والاجتماعية، وواكبت العصر في تغيره الدائم، ودلت على وعي عميق، وجرأة واضحة، ضمن رؤية كلية شاملة، أدركت أبعاد الواقع، وحاولت أن تكشف أسباب الحقيقة الكامنة وراء ظواهره، وقد أثار بعضها حساً عميقاً بالنقمة بهدف تحريض الجماهير على ممارسة دورها.‏

ومع وضوح الهدف والغاية فقد لجأ المسرحيون على الصعيد الفني إلى استخدام بعض أساليب المسرح الغربي لتحقيق عملية التواصل مع المشاهد العربي، إلا أن ارتباط هذه المسرحيات بالواقع لم يكن مباشراً؛ إذ أحجمت أكثر هذه المسرحيات عن تسمية المكان، أو تحديد الزمان، واعتمد بعضها على الرمز الشفاف في التعبير عما يرمي إليه الكاتب.‏

-ومما يلاحظ أيضاً أن هذه المحاولات الجادة لتأصيل المسرح العربي، لم تقدم أساليب فنية جديدة، بل اعتمدت على المعطيات السائدة في الغرب؛ لذا فإننا نستطيع أن نقول: إن عملية التأصيل من ناحية الصياغة الفنية قد أقيمت على أساس قواعد المسرح المتبعة في العالم، ووفق مدارسه، واكتفت بتركيزها على الموضوعات السياسية والاجتماعية والفكرية التي تهمّ المواطن العربي.‏

(1) عطية، أحمد محمد، "نحو تأصيل المسرح العربي"، مجلة قضايا عربية، العدد الثاني عشر ك1، 1980، ص9.‏

(2) نجم، محمد يوسف، المسرحية في الأدب العربي الحديث، 1874-1914، ص 367.‏

(3) عطية، أحمد محمد، نحو تأصيل المسرح العربي، ص9.‏

(4) ونوس، سعد الله، بيانات لمسرح عربي جديد، ص 84.‏

(5) ونوس، سعدالله بيانات لمسح عربي جديد.‏

(6) ونوس، سعدالله، الملك هو الملك، دار الآداب، بيروت، ط4، 1983، ص5.‏

(7) المصدر السابق، ص 109.‏

(8) ونوس، سعد الله، "الملك هو الملك"، ص 5.‏

(9) المصدر السابق، ص5.‏

(10) ونوس، سعد الله، الملك هو الملك، إيضاحات، مسرحية الملك هو الملك، ص113.‏

(11) ينظر، ونوس، سعد الله، الملك هو الملك، ص 8-13.‏

(12) المصدر السابق، ص 14.‏

(13) ينظر ، المصدر السابق، ص 14.‏

(14) المصدر السابق، ص29.‏

(15) المصدر السابق، ص38.‏

(16) المصدر السابق، ص 23.‏

(17) المصدر السابق، ص 24-25.‏

(18) ونوس، سعد اللّه، الملك هوالملك، ص27.‏

(19) ينظر، سعد الله ونوس، إيضاحات الملك هو الملك، ص117.‏

(20) المصدر السابق، ص53.‏

(21) المصدر السابق، ص 111.‏

(22) المصدر السابق، ص117.‏

(23) ينظر، ونوس، سعد الله، "سيظل المسرح المكان النموذجي لتأصيل الشرط الإنساني"، جريدة تشرين، العدد 6485، الأربعاء 27/3/1996، ص11.‏

(24) ونوس، سعد الله، الملك هو الملك، ص 5.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244