|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:02 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الرابع: اللغة والحوار المسرحي: أ-المسرحية بين الفن الأدبي والفن المسرحي: تكاد تجمع الآراء على أن الجملة في الحوار المسرحي وضعت لتقال لا لتقرأ، وقيمة العمل المسرحي تكمن في تجسيد النص المسرحي على خشبة المسرح أمام جمهور من المشاهدين. -لا ننكر أن توفيق الحكيم حاول في مسرحه الذهني أن يفصل المسرحية عن التمثيل، عندما ربط المسرحية بعجلة الأدب؛ إذ وجد أن أحد أسباب ضعف المسرحية العربية هو حاجتها إلى التمثيل، وفن التمثيل آنذاك لم تكن قد ترسخت أصوله بعد، وبرر عمله هذا بقوله: لأن الأدب في بلادنا أكثر استقراراً واستمراراً وارتفاعاً، فدفعت بمسرحياتي إلى المطبعة متجاهلاً المسرح الذي كان وقتئذٍ في حالة احتضار حقيقي)(1) لكن ليست هذه هي الحقيقة كاملة عند الحكيم، لأن الحكيم أدرك خطورة فصل أدب المسرح عن فن التمثيل، ولعل ماقام به يعود إلى نظرة الازدراء التي مُني بها الممثلون والقائمون على الفن المسرحي آنذاك، وحرصاً منه على ضرورة تماشي الأدب المسرحي مع الفن المسرحي، فقد طالب بأن تولي الحكومات العربية، اهتماماً جدّياً بالمسرح، لأن في هذه البيئة الفنية الجدّية، يتربى جيل من الفنانين والمثقفين والمؤلفين الممتازين والنظارة المتذوقين، وبهذا تساير المسرحية الرفيعة المسرح الرفيع دون أن تسبقه أو تتخلف عنه)(2) . ولعل توفيق الحكيم قد أدرك مع غيره من المؤصلين المسرحيين أن المسرح ظاهرة اجتماعية، تتشكل من خلال اتحاد مجموعة من العناصر الفنية؛ تتكامل بعرضها حدثاً مسرحياً أمام الجمهور، فالعرض المسرحي هو جوهر الظاهرة المسرحية، والنص المسرحي هو جزء من هذه الظاهرة. -لذا فإن جماعية المسرح واجتماعيته، هما اللتان جعلتاه يتميز عن باقي الفنون الأدبية؛ فالعرض المسرحي لا يتكامل إلا بالاعتماد على مجموعة من الجهود المتكاتفة التي تشكل الفريق المسرحي، والحدث الاجتماعي(3) لا يتحقق إلا من خلال العلاقة القائمة بين ممثل ومتفرج في مكان وزمان، تبعاً للشرط التاريخي المحدد، فهذه الاجتماعية تتجلى في اللقاء الحي المباشر مع المشاهد ليحقق أهم فضائله المسرحية التي أشار إليها سعد اللّه ونوس على لسان إحدى شخصياته: إنه يقوي عند الناس الميل إلى الاجتماع، لأنه يزيل من نفوسهم أكدار الخلاف والتعصب والامتياز، ثم يدفعهم إلى الترابط والاجتماع)(4) . -ولعل هذه الخصوصية التي يملكها المسرح، والتي تتجلى في عملية العرض المسرحي أمام جمهور ما، والسعي إلى الاتصال بهذا الجمهور عن طريق استكمال عناصر متعددة تأتي الكلمة أو الدلالة اللغوية في مقدمتها، جعلت بعض الدارسين يجرون مقارنة بين الفن المسرحي، وبعض الفنون الأدبية الأخرى؛ إذ يرى إبراهيم الكيلاني) أن الباحث في الفنون الأدبية يحرص على تدوين المعاني الذهنية، والأخيلة، وتدوين الأفكار، وتحليلها ومن ثم حصرها وترتيبها في كتاب يقدم إلى القارئ لأن التبادل والتجاوب والاتصال بين المؤلف والقارئ يتمّ في الداخل، بينما يختلف الفن المسرحي عن هذه الفنون، لأن شرطه الأساسي يكمن في تحويل النص المسرحي من حيّز الكتابة إلى حيّز الفعل المجسد، يقول: أما التأليف المسرحي فإن التحقيق الآني فيه، ونقل النص من حيز الكتابة إلى الممثل شرط أساسي بل حيوي، فالمسرحيات تؤلف لتمثل، ولا حياة لمسرحية إلا بالتمثيل، ومهما أوتيت المسرحية من قوة الإيحاء، ومهما أوتي قارئها من قوة التمثيل والتشخيص فليس له غنى عن مشاهدة تمثيلها والشعور بالانفعال عن ذلك...)(5) إذن فإن قيمة العمل المسرحي تكمن في عرضه، لا في حبسه بين دفتي كتاب. -وبناءً على هذا الأساس، فقد وُجه اتهامٌ إلى الدراسات المسرحية التي اقتصرت على تقليص الظاهرة المسرحية إلى دراسة أدبية للنصوص وعدّها بعضهم عملاً قاصراً، يبعد المسرح عن الصفة التي لازمته منذ نشأته الأولى؛ إذ يعيد ونوس سبب ماأصاب التجارب المسرحية العربية في بدايتها من لبْس وسوء تقدير إلى الجهود التي قدمها محمد يوسف نجم) والتي اقتصرت على تعقب النصوص، ومصادرها، وتحديد درجة أصالتها، دون التعرض إلى جوهر الظاهرة المسرحية، وهو العرض المسرحي)(6) علماً بأن الرواد أدركوا أن المسرح هو حدث اجتماعي يعوّل عليه في عملية العرض المسرحي لا النص المسرحي فحسب، ليتمّ تحقيق التفاعل والتواصل بين الممثل والمتفرج. -وقد رفض ونوس أيضاً مسرح الحكيم الذهني، ذلك أنه كُتب ليقرأ لا ليعرض أمام النظارة، ووجد أن مايجمع بينه وبين المسرح بشكل عام هو الحوار(7) . وأكد الناقد رياض عصمت) أن النص المسرحي المكتوب لايعني كل شيء بل لعل أهم ما في النصوص العظيمة عند كبار المؤلفين المسرحيين "مثل شكسبير، ابسن، تشيخوف" ليس السطور نفسها بل ما بين السطور SUBTEXT من معانٍ خفية مغلقة، لا يوضحها، ولا يكشفها إلا العمل عليها من قِبل مخرج واعٍ وممثلين فطنين موهوبين)(8) لذا فإن قراءة النص قراءاتٍ متعددة أمر ضروري في العملية المسرحية، وإخراج النص على يدي مخرج ضرورة لابد منها لاستشفاف ما يحمله من خلفيات، وما يوجد بين السطور من معانٍ. -إلا أن التركيز على أهمية العرض المسرحي لا يعني التقليل من شأن النص المسرحي، فالنص المسرحي جنس أدبي يأخذ مكانه إلى جانب الأجناس الأدبية الأخرى، وهو عنصر أساس في الفن المسرحي، أفاد في التوثيق التاريخي للمسرح، فخلود الفن المسرحي عبر أجيال متتالية يعود إلى هذا النص، علماً بأن هذا النص لا يخلو من الإشارات إلى العناصر المكونة للعرض. -وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن بعض المسرحيين العرب قد حاولوا في محاولاتهم التأصيلية الانفلات من النص المسرحي، والتركيز على العرض، من خلال الارتجال، ومن خلال الفعل وردات الفعل، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يستغنوا عن النص المسرحي، فهو عنصر أساسي في العملية المسرحية، ولعل مسرح السامر خير شاهد على ذلك. ب-خصائص الحوار المسرحي، ودوره: -تختلف اللغة في الفن المسرحي عن اللغة في باقي الفنون الأدبية؛ إذ لا تقتصر اللغة في الفن المسرحي على التراكيب اللغوية فحسب، بل يدخل في نطاقها الحركة من إشارات وانفعالات تظهر على الوجه وفق مقتضى الحال. -ولما كانت اللغة في الحوار المسرحي وُضعت لتقال لا لتقرأ، فقد أدرك كتّاب المسرح، ومنظروه، ضرورة توفر اعتبارات في صياغة الحوار المسرحي سواء كان شعراً أو نثراً؛ فالمسرح فن يسعى إلى الاتصال بالآخرين عن طريق عناصر متعددة تأتي الكلمة في مقدمتها، والحوار هو بمنزلة العمود الفقري للعمل المسرحي بما يتضمنه من كلمات وجمل وعبارات، فالحوار هو أداة المسرحية، وتكمن أهميته في نقاط محددة: 1-التركيز والإيجاز: يُحدد العمل المسرحي بمكانٍ وزمان معينين، فهو عمل مقيّد، تحكمه الضرورة الفنية، لارتباطه المباشر مع المتلقي، ولارتباطه بالأداء والإشارات التي تفصح عن الطبائع واللمحة التي توضح المواقف!...(9) فالكاتب المسرحي يمكن أن يصيب الهدف بكلمة، ويمكن أن يحدد سمات الشخصية في إجابة، ويحيط المعنى في عبارة، وهذا ما جعل توفيق الحكيم) يشبهه بالشاعر الذي يمكن أن يضيء الكون بشطر بيت من الشعر. -والكلمة في الحوار المسرحي تملك قدرة لفظية مشحونة، تفتح آفاقاً رحبة واسعة، تختلف في استخداماتها الفنية عن القصة أو الرواية، ذلك أن الوسائل الفنية في القصة والرواية لا تنحصر في الحوار، بل يمكن أن يتدخل المؤلف بالعرض أو الحديث النفسي دون حوار، وللإيضاح يمكننا أن نستشهد بالمقارنة التي أجراها إبراهيم الكيلاني) بين فن الرواية وفن المسرحية؛ إذ وجد أن الرواية والمسرحية تعتمدان على الكلمة للتعبير، فالكلمة هي عماد النص، إلا أن الكلمة في الرواية لا مخرج عن كونها تؤدي دوراً في إطار سرد الحكاية، والتسلسل الفكري لتحقيق المعنى، أما في المسرحية فإن الكلمة هي كل شيء، إنها رسول الفكر، ذات امتداد، ووقع وإصابة، وصدى، تخرج من فم الممثل فتكتسب في الجو الدرامي معنى خاصاً تزيده حركات الممثل دلالة ورمزاً، بل قد يمتد معناها إلى أبعد من مدلولها الأصلي ومما قصده المؤلف ذاته ....) ذلك أن اللغة المسرحية لغة مباشرة تعتمد على التكثيف والتركيز، والمدّ واستنفاد الطاقة التعبيرية للكلمة إلى أبعد الحدود، وتقذفها إلى أذن السامع من أقرب سبيل، مشحونة بالكمون الدرامي الذي يجعل منها كلمة مقولة وفاعلة ومنفعلة)(10) . إن وظيفة الاتصال هي الوظيفة الأساس التي تقوم بها العبارة في العملين الفنيين إلا أن كاتب الرواية غير ملزم بالتكثيف والتركيز، بينما التكثيف والتركيز، وشحن الكلمة بالإيماء والإيحاء مطلب أساسي لابد أن يحققه الكاتب المسرحي، لهذا قد قيل: في مقدور كل كاتب مسرحي أن يكون روائياً، وليس في مقدور كل روائي أن يكون كاتباً مسرحياً). -ومما يلحظ أن التركيز والتكثيف والإيجاز في العبارة المسرحية، صفات لازمت معظم الأعمال المسرحية التي اتخذناها أنموذجاً للقضايا التنظيرية التي دعا إليها الكتّاب المسرحيون الذين ساهموا في محاولة تأصيل المسرح العربي، فمن قبيل ذلك ما حققه الحوار المسرحي من إيجاز وتكثيف وتركيز في مسرحية السلطان الحائر) لمؤلفها توفيق الحكيم، إذ حاول الحكيم في هذا العمل المسرحي أن يتجاوز الأسلوب الأدبي، ليكون حواره مرتبطاً بالبناء المسرحي، فجاءت العبارة في الحوار المسرحي، سلسة مركزة، واضحة المعنى، قوية التأثير، وجاء الحوار سهل التركيب، قصير الجمل، منّوع التعبيرات، وفي المقطع التالي مثل للحوار في المسرحية: السلطان: انظر إلى الشيخ.. أتراه يحمل سيفاً في منطقته؟.. كلا بالطبع.. إنه لا يحمل غير لسان في فمه يديره بكلمات وعبارات، وإنه ليحسن استخدام ما يملك بحذق وبراعة، ولكن أنا أحمل هذا! يشير إلى سيفه) وهو ليس من خشب، ولا هو لعبة من اللعب!... إنه سيف حقيقي، وينبغي أن يصلح لشيء، ويجب أن يكون لوجوده سبب... أتفهمون كلامي؟! أجيبو!... لماذا قدر لي أن أحمل هذا؟ أللزينة أم للعمل؟!. الوزير: للعمل. السلطان: وأنت أيها القاضي... لماذا لا تجيب؟.. أجب!.. أهو للزينة أم للعمل؟!. القاضي: لأحدهما... السلطان: ماذا تقول؟... القاضي: أقول لهذا أو لذاك!... السلطان: ماذا تعني؟.. القاضي: أعني أن لك الخيار يا مولاي السلطان.. لك أن تجعله للعمل، ولك أن تجعله للزينٍة.. إني معترف بما للسيف من قوة أكيدة، ومن فعل سريع وأثر حاسم، ولكن السيف يعطي الحق للأقوى، ومن يدري غداً من يكون الأقوى؟.. فقد يبرز من الأقوياء من ترجح كفته عليك!... أما القانون فهو يحمي حقوقك من كلّ عدوان، لأنه لا يعترف بالأقوى.. إنه يعترف بالأحق.. والآن فما عليك يا مولاي سوى الاختيار: بين السيف الذي يفرضك، ولكنه يعرضك وبين القانون الذي يتحداك ولكنه يحميك!..)(11) -إن الحوار في المقطع السابق يدخل في نسيج البناء المسرحي، ويتميز بالاختزال والاختصار، مع الدلالة الوافية على المعنى المطلوب، وهو يسوق الحدث إلى التصعيد؛ إذ يتساءل القاضي عن فعل السيف، وكيفية استخدامه، ويعدّ هذا التساؤل بمنزلة تساؤل العارف الذي يظن أن السيف للقتال فحسب، فيفاجئه القاضي بانتصار القانون على السيف، وهنا تتالى الأحداث، وتتسابق ضمن جمل حوارية، رشيقة، ودقيقة، ومتنوعة. 2-الآنية: تكاد تجمع الآراء على أن الحوار الدرامي هو من أهم العناصر التي يقوم عليها البناء المسرحي، لأنه الوسيلة التعبيرية التي يمكن أن يصل عن طريقها المضمون المطروح، وإن كانت تسانده في نقل الفكرة بقية العناصر الأخرى من مواقف وشخصيات.. إلا أن هذه العناصر هي عناصر تشكيلية أكثر منها تعبيرية. -ومن أهم وظائف الحوار المسرحي التي تنبّه إليها الكتّاب المسرحيون هي الوظائف نفسها التي طرحها روجر بسفيلد) في حديثه عن اللغة والحوار المسرحي؛ إذ حددها في ثلاث وظائف: أولاها السير بعقدة المسرحية أي تقدمها أو تدرجها وتسلسلها، وثانيتها الكشف عن الشخصيات، وثالثتها مساعدة التمثيلية من الناحية الفنية في أثناء إخراجها)(12) فالحوار يسهم في تحريك الأحداث، وامتدادها، وفي تحديد الشخصية، وتنميتها، من خلال علاقتها بالحدث وعلاقتها بالشخصيات المسرحية الأخرى إضافة إلى أنه يسهم في عرض القضايا، ومناقشة الأفكار، وتحديد المواقف وهو في ذلك كلّه يقدم القصة المسرحية حيّة نابضة بالحركة تدل على اللحظة الآنية .. فالحوار هو الحاضر هو مايحدث في اللحظة التي نحن فيها... حاضر أبدي لا يمكن أن يكون ماضياً أبداً)(13) فمهمة الحوار لا أن يروي أحداثاً حدثت في الماضي، وإنما يعبّر عن الماضي بلغة الحاضر، فهو يصور أشخاصاً يعيشون بيننا اللحظة والآن... -ولعل هذه الآنية الحديثة والحوارية، كانت من أهم الأسس التي استند إليها الكتّاب المسرحيون في محاولاتهم التأصيلية، نذكر على سبيل المثال ما قاله سعد اللّه ونوس عندما اختار واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة، وهي مسرحية الملك هو الملك) في مدى المطابقة بين الحكاية والمسرحية... إننا نقتبس أو نعدّ، لأننا نبحث عن رؤيتنا العربية المتجاوبة مع واقعنا أو لأننا نحاول أن يكون فعلنا المسرحي راهناً، أي فعالاً هنا والآن)(14) . -ويمكن أن نضيف إلى الخاصة الآنية-الزمانية، الخاصة الآنية-المكانية وهذا ما أعلنه ونوس عندما قال: ما من مسرحية إلا ويؤطرها مكان)(15) ؛ إذ تنبع المسرحية من بيئة محددة، وتعبّر عن خصوصية هذه البيئة، والتعبير عن المحلية بما تحمله من خصوصية كانت إحدى الركائز الأساسية في تأصيل المسرح العربي، إذ إن مهمة المسرح أن يعكس لمتفرجيه بيئتهم وأن يتفاعل مع "المزاج الاجتماعي" السائد كي يثري الاحتفالية والتعليمية معاً، ولا شك أن غربة المكان، والعادات، وتكوّن الشخصيات في إطار بيئة معينة، وحتى الأسماء كلّها عوامل تمتص جزءاً من استجابة المتفرج، وتثبط تفاعله المنشود)(16) . -إن الراهنية الزمانية والمكانية، لا تدخل في نطاق الفعل- الحدث فحسب بل إنها تدخل في نطاق الفعل- الحوار أيضاً، إضافة إلى اشتراك العناصر المسرحية الأخرى التي تسهم في تجسيد المشهد المسرحي، فالأدب الحي الحق- كما يقول عرسان- نابع من الحياة بأصالته، يحمل هوية أرض وإنسان وحضارة ويحاول أن يسمو حتى يصبح شمولياً في إنسانيته وعطائه ولكنه في جميع الأحوال لابد أن يكون مفهوماً من الناس الذين يتوجه إليهم، فاتحاً أمام البشرية آفاق الرؤية والأمل، محرّضاً على حياة أفضل، مسوغاً ابتلاع هذا العمر الذي لابد أن نعيشه، وأن نعيشه بفرح)(17) . 3- الانسجام مع الموقف: يتوقف اختيار نوع الحوار تبعاً لنوع المسرحية، إن كانت مأساة أو ملهاة، فالحوار يسهم في خلق الجو المسرحي، أو تقرير المزاج النفسي للشخصية المسرحية، وقد شبهه توفيق الحكيم) بالريشة في يد المصور وهي المنوط بها الرسم، والتلوين والتكوين، وكل ما يوضح على اللوحة من فن!. فالموقف هو الذي يملي طبيعة الحوار، ويتلون الحوار بلون الموقف المسرحي)(18) . -لذا لابد للحوار أن يتسم بالحيوية، وذلك من خلال قدرته على إيضاح مايدور في نفس الشخصية وفكرها، وأن يتلون بما يتناسب مع طبيعة الموقف والشخصية مما يعطي تحريكاً لجو المسرحية، بانسيابة إيقاعات مختلفة، فلقد يمضي الحوار على نحو عادي حتى يبلغ الموقف حد التأزم فيتوتر الحوار ويزيد إيقاعه ويصبح- في المسرحية النثرية- أقرب إلى الشعر، وقد تتطور الشخصية خلال نمو الحدث المسرحي فيتلون الحوار حسب ماطرأ عليها من تغيير كما يتلون حسب اختلاف الشخصيات نفسها في المستوى العاطفي والفكري والاجتماعي)(19) . -ويمكن أن نتمثل تطبيق ماذكر من خلال مسرحية سليمان الحلبي) لمؤلفها الفريد فرج)؛ إذ امتاز الحوار في هذه المسرحية بالتنوع، والدقة في التعبير، والالتصاق بالبناء المسرحي، ويبدو التنوع في الحوار تبعاً لتنوع المواقف المسرحية، وربما بدا ذلك واضحاً في مشهد الأقنعة(20) ، إذ يتنوع كلام سليمان الحلبي) بين موقف وآخر حسب ما يقتضيه القناع الذي يضعه على وجهه، ويتمثل الشخصية التي يرمز إليها القناع، فهو ينطق بكلام التركي الفقير، حين يضع على وجهه قناع التركي الفقير، وينطق بكلام العجوز المتصابية، حين يضع قناع العجوز المتصابية، وفي كل مرة يعطي الكلام قوته، وشكله الذي يتناسب مع الشخصية المقلّدة. -وفي مواقف أخرى يبدو الحوار منسجماً مع المواقف، ومعبّراً عن الشخصية المسرحية، وملتصقاً بها، على الرغم من تعددها وتنوعها، فهو يطول في موضع، ويبدو عنيفاً قوياً في المواقف التي تستدعي ذلك، ويبدو هادئاً رازناً في مواضع أخرى، ليلائم الموقف والشخصية معاً. فالمهندس جابلان) في المسرحية إنسان مثقف واعٍ، حريص على تطبيق مبادئ الثورة الفرنسية، لا يحبذ العنف، ويتنكر للغرامة المالية المفروضة على الشعب المصري، التي فرضها الجنرال كليبر) فيسأل صديقه كليبر) ويأتي السؤال قصيراً متزناً يدل على أدب وتعقل واتزان: أيمكن بالقسوة أن يدفع رجل ما لا يملك؟!)(21) وهنا يغضب القائد كليبر) الذي يسعى إلى تحقيق أمجاده الشخصية، بعيداً عن تطبيق مبادئ الثورة الفرنسية، معتمداً في ذلك على أسلوب القوة والعنف، ويجيب فيأتي جوابه مطولاً، فيه لهجة عنيفة وحادة، إذ يقول: لا أريد أن يدفع، أريده أن يركع! سيُضرب ويُهان ويُمرغ في التراب ولن يفي بالغرامة أبداً، سيبيع كلّ مايملك- هذا إن وجد مشترياً- حتى لاتبقى له إلا زوجته، فليطرحها في مزاد بين جنودي، ولن يفي بالغرامة أبداً، وبعدئذ نشتري أنقاض بيته بالثمن الذي نراه... لننتفع بحجارته في بناء وترميم القلاع، سنجعله يشهد بيته بعينه يقتلع من الأساس، ولن يفي بالغرامة أبداً.. فليبع بعد ذلك روحه للشيطان أو للسلطان "كليبر" أنا سأشتريه جسداً وروحاً بعشرة فرنكات ولن يفي بالغرامة أبداً!)(22) . -يبدو كليبر) في هذا الحوار غاضباً ثائراً مشحوناً بالانفعال، فجاءت كلماته التي تعبّر عن الموقف وعن الشخصية، غاضبة وثائرة ومشحونة بالانفعال أيضاً، في جمل قصيرة وسريعة تحمل روح الانفعال التأزم. 4-الواقعية: لقد أدرك المسرحيون العرب أن لغة المسرح ليست لغة الحياة العادية؛ إذ إن لغة المسرح تعتمد على الحوار المكثف، المختصر، الذي هو أخص ما يعتمد عليه الكاتب المسرحي في التعبير عن أمرٍ ما تجري أحداثه في الحياة الواقعية، ذلك أن الكاتب المسرحي مقيّد بزمنٍ محدد، لذا لابد له من الاقتصاد في استخدام الكلام، والابتعاد عن الحشو من الألفاظ المستخدمة في الحياة العادية، وكما أن الكاتب المسرحي ملزم باختيار الأحداث، فهو ملزم أيضاً باختيار الحوار(23) ، لذا فإن الحوار يقوم على الذوق والمهارة الفنية بمعنى أنه الثمرة الناضجة التي يقدّمها إلينا الكاتب الفنان بعد طول التروي)(24) . -والمراد بواقعية الحوار المسرحي، هو: أن يلتزم الكاتب حدود الشخصية المرسومة فلا ينطقها إلا بما يتلاءم معها سواء أوتيت القدرة أو لم تؤت القدرة على الإيضاح عن ذاتها)(25) فالواقعية في الحوار المسرحي ليست في نقل الواقع، وإنما بتصوير الشخصيات، وإدراكها لمواقعها الحقيقية. -ولعل ما قصده محمد غنيمي هلال) يقترب من هذا المنحى عندما رأى أن الواقعية ليست في نقل الواقع بل في الإيمان بأن الوقائع العادية، وبخاصة في القطاعات الدنيا في المجتمع تمثل أعمق حقائق الحياة، وبعض هذه الوقائع مثالية بما يشف عنه من مدلولات ولكن من ثنايا المعايير الموضوعية الصادقة التي تتكشف عنها المدلولات)(26) فالفن ليس نقلاً آلياً للحياة، وإنما هو تصوير لها، وتعبير عنها. -ويرى مندور أن الواقعية تنبع من لسان الحال، وليس من لسان المقال، إذ يقول: .... وإنما المقصود بواقعية اللغة ملاءمتها لشخصيات الرواية، فهي الواقعية والعقلية والعاطفية، فلا يتحدث أميّ بأفكار الفلاسفة، وأما الواقعية اللفظية فليست بمقصودة في التأليف الأدبي الذي لايخرج عن كونه فنّاً، وكل فن صناعة، وليست الواقعية اللفظية بالتي تعطي الحوار قوة مشاكلته للحياة، وإنما تأتي هذه القوة من الواقعية الإنسانية قبل كل شيء)(27) . -فالواقعية في الحوار المسرحي لاتعني الواقعية اللفظية، أي أن يدور الحوار بين الشخصيات باللهجة الدارجة، وإنما تعني نقل الأصوات التي تجري بالواقع بشكل مكثّف ومركّز، يعبّر عنه بلغة تستوعب هذا الواقع، ضمن لغة حوارية خاصة تختلف عن لغة الحياة العادية سواء كانت شعراً أو نثراً. 5-سلبيات الحوار: لقد اتفق معظم الكتاب والنقاد على أن الهنات الفنية في الحوار المسرحي، هي أن تكون العبارة غنائية أو خطابية، فتعرقل جريان الأحداث، وتطورها، وتصاعدها، وهذا ما أدركه نقّاد المسرح، ودارسوه، فدعوا إلى تجاوز هذه السلبيات، والابتعاد عنها. -فإذا كانت الجملة المسرحية غنائية، فإنها تهبط إلى مستوى وصف المشاعر الذاتية للشخصية المسرحية، مما يؤثر في جريان الحدث، فتصيبها بالركود، ومن ثم يؤدي إلى فقدان القوة الدرامية للعمل المسرحي. أما إذا كانت الجملة في الحوار المسرحي خطابية، وذلك بأن يتوجه الممثلون مباشرة إلى الجمهور لشرح موقف، أو لتبيان مغزى العمل المسرحي، متجاهلين الجدار الوهمي الذي يفصل بين الصالة والمنصة، فإن ذلك يؤدي إلى منع تدفق الحدث، وخلخلة القوة الدرامية، ولكن الكتّاب المسرحيين الذين حطموا الجدار الرابع، وألغوا المسافة بين الصالة والمنصة عن طريق بث بعض الممثلين بين الجمهور، لم يترددوا في استخدام الخطابية والغنائية؛ إذ كان همهم التعمق في الفكرة عن طريق تصوير الموقف الإنساني بإثارة الفكر والشعور معاً، بأية وسيلة كانت، ونذكر على سبيل المثال يوسف إدريس) الذي أقام جزءاً من الحوار في مسرحية الفرافير) 1960 على الأسلوب الخطابي، معتمداً في ذلك على أسلوب مسرح السامر. فالحوار في مسرحية الفرافير كان يسير على مستويين، الحوار الذي يدور بين الشخصيات المسرحية على خشبة المسرح، والذي حاول المؤلف الابتعاد عن الشرح والتحليل والتطويل، ولجأ إلى استخدام التقطيع والإيقاع السريع كي لا يؤثر على سير الحدث. أما على المستوى الثاني؛ فقد كان يدور الحوار فيه بين الشخصيات على خشبة المسرح والمتفرجين في الصالة، إذ ألغى الحاجز الوهمي، وجعل الشخصيات المسرحية تتوجه إلى الجمهور بالسؤال، وبالشرح وبالتحليل، مما أدى إلى وقف تدفق الحدث، وربما إلى خلخلة البناء الدرامي لكن من وجهة نظر تقليدية؛ إذ كان يقصد إلى التغريب، وإلى خطاب الجمهور مباشرة، وتجدر الإشارة إلى أن معظم النقاد عابوا الخطابة والمباشرة والغنائية في المسرح منطلقين من المسرح الكلاسيكي. إلا أن المسرح التحريضي، ولاسيما مسرح بريخت السياسي استخدم الخطاب السياسي المباشر واستخدم الغناء، وقد تأثر به معظم الكتاب المسرحيين ولاسيما سعد اللّه ونوس الذي استخدم أسلوب الراوي الذي يكسر الإيهام ويخاطب المتفرجين مباشرة(28) ، ولجأ إلى الخطاب والغناء(29) واللافتات(30) . -نخلص إلى القول بأن كتّاب المسرح، ومنظريه المؤصلين، أدركوا أهمية استخدام اللغة في الحوار المسرحي، بماتملكه من خصوصية متميزة تختلف فيها عن استخداماتها في باقي الفنون التعبيرية، لذا كانت مصدر إشكال وبحث في تركيزها، وتكثيفها، وشحنها، وقد خضع الحوار المسرحي بين أيديهم إلى الغربلة والتدقيق والتمحيص، فاقتضى لغة ذات طابع مركّز، ومعبّرة تعبيراً مباشراً، لا استطراد فيه، ولا غموض، لأن المتفرج لا يملك الفرصة لملاحقة المعاني، وتميّزت العبارة المسرحية بالاختزال والاختصار، بشكل يفسح المجال للمثل أن يطلقها بعفوية وراحة، فكانت سليمة النطق تحمل جرساً رناناً يصيب السمع فيحرك الأفئدة، ويثير المشاعر بما يطرحه من أفكار، وبما يقدمه من قضايا، من خلال انسجامها مع الموقف المسرحي كي تتحقق الوظيفة الأهم للمسرح، وهي وظيفة الاتصال. -ومما يحلظ أيضاً أن هذه الخصائص التي يؤديها الحوار المسرحي، تؤدى في وقت واحد، أي عندما ينطق شخص بعبارة ما قد يكون في هذه العبارة مجموعة من المهمات: ففيها إخبار بحادثة، وفيها تكوين لشخصية، وفيها خلق لجو، وفيها تلوين لروح مظلم أو مفرح... مثلها كمثل العبارة الموسيقية، التي تنطق محمّلة بالنغم الذي يروي ويلوّن ويكوّن، ويثير كل هذا في لحظة وكشأن البيت في القصيدة الشعرية، ينطلق حاملاً إلى النفس عذوبة ووزناً وفكراً ومعنى، وصوراً، كل هذا في آن!...)(31) . ج-فن المسرحية واللغة الشعرية: 1-مرحلة التأسيس: -اعتمد الرواد في تأسيس المسرح العربي على بعض النماذج المسرحية الغربية، وحاولوا تأصيل هذا الفن عن طريق مسايرة الذوق العام آنذاك، فجاءت أعمالهم المسرحية مزيجاً من الشعر والنثر والغناء. -لقد جعل النقاش الشعر والموسيقا شرطين أساسيين في مسرحه؛ إذ نسمعه يقول: إذا كانت هذه المراسح تنقسم إلى مرتبتين ...) إحداهما يسمى بروزة، وثانيهما تسمى أوبرا ...) فكان الأهم والألزم والأحرى أن أصنف وأترجم بالمرتبة الأولى ...) فترجحت آرائي ورغبتي وغيرتي أن الثانية تكون أحبّ من الأولى عند قومي وعشيرتي، فلذلك صوبت قصدي إلى تقليد المسرح الموسيقي المجدي)(32) . إن ما ألزم النقاش مخالفة القياس، واختياره المسرح الموسيقي، ليس ميله إليه فحسب، بل معرفته بذوق الجمهور العربي، فاختار مايناسب هذا الذوق، وهدف إلى تحقيق الفائدة والمتعة معاً، وقد بيّن ذلك بنفسه فقال: فإنهم "أي الجمهور" بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة، ويغتنمون معاني رجيحة، إذ من طبعها "أي الأوبرا" أن تكون مؤلفة من كلام منظم ووزن محكم، ثم ينعمون بالرياضة الجسدية، واستماع الآلات الموسيقية، ويتعلمون إن أرادوا مقامات الألحان، وفن الغنايين الندمان)(33) . -لقد نبع تحديد نوعية المسرح من دراسة ودراية بطبيعة المتفرج، ولا سيما أن الشعر هو الأسلوب الذي يألفه الجمهور، ويركن إليه، لأنه يشكل جزءاً من الثقافة العربية، لذلك فقد استخدمه في حواره إلى جانب النثر، مع السجع الذي كان منتشراً. -يقول سليم النقاش متحدثاً عن عمه: لما رأى عدم ميل أبناء وطنه إلى هذا الفن المفيد، نظراً لعدم معرفتهم بمنافعه زاده فكاهة، فجعل في الرواية الواحدة شعراً ونثراً وأنغاماً، طالما أن الشعر يروق للخاصة، والنثر تفهمه العامة، والأنغام تطرب)(34) لقد حاول النقاش مخاطبة الفئات الاجتماعية كافةً، على اختلاف مستوياتها الثقافية، فزاد عنصر الفكاهة، وقدّم الشعر والنثر والأنغام، فأصبح حوار مسرحياته مزيجاً من الشعر والنثر المتراوح بين الفصحى والعامية، مرصعاً بالسجع الذي يطل علينا بين الآونة والأخرى، وهذا مادعا معظم الدارسين إلى مهاجمته، واعتبار مسرحياته ركيكة نثراً وشعراً. -والحقيقة عند مطالعتنا لمسرحيات النقاش، لم نقف على لغة حوارية قوية، بل اختلفت مستويات الحوار حتى في المسرحية الواحدة فأسلوب الحوار ومقوماته العقلية لا تخرج عن المستوى الذي بلغه كتّاب المسرحية فيما بعد، وهو يقوم على السجع الثقيل، والصور البيانية المصطنعة المتكلفة، وتكثر فيه مناسبات الغناء ودواعيه)(35) . -وبإقرار أغلب الباحثين المسرحيين ظلت اللغة المسرحية عبئاً كبيراً لم يستطع النقاش التخلص منه، وبقي خاضعاً لمتطلبات السجع، وضرورات البيان، مما جعل لغته ثقيلة تفتقد للديناميكية اللازمة ولمقتضيات الحوار المسرحي)(36) . -إن استخدام المسرح الموسيقي المجدي) كان له تأثير في استخدام اللغة المسرحية عند النقاش؛ إذ جاء تقطيع الشعر قريباً من لغة الموشحات لسهولة التلحين، وتمرير الدعابة الخفيفة، ومزج الزجل بالموشح، إضافة إلى الجهود التي بذلها عندما قام بتلحين رواياته بنفسه، ويحدثنا نيقولا النقاش عن هذا العناء فيقول: .... رحمه اللّه احتمل أتعاباً جزيلة من هذا القبيل، لأنه أخذ عليه أمر التلحين أيضاً، ولا يخفى ما اقتضى لذلك من الاعتناء والتعب والتدقيق، حيث يجب أن الألحان توافق المعنى من حيث التوسل مثلاً، أو التهديد أو التذليل أو الحماسة.. الخ، فيلزم لكل معنى لحن يناسبه)(37) -والمتتبع لمسرحية البخيل) يرى تصديراً للمؤلف يقول فيه رواية مضحكة كلها ملحنة) وقد وضع في نهاية المسرحية فهرست) بألحانها، بيّن فيه النغمات الملائمة لكل قصيدة شعرية أو أغنية، واعتمد الشعر لغة للحوار، إلا أن صعوبة النظم، واستخدام القافية، وتنوع البحور حسب الموقف أو الحالة النفسية للشخصية المسرحية، جعل مواطن عديدة من اللغة المسرحية يصاب بالضعف والتوتر. -إن الحوار الشعري المستخدم في هذه المسرحية لم يكن ناجحاً، على الرغم من أنه حاول التنويع باستخدامه السجع، إلا أنه أساء إلى الحوار أكثر مما أحسن إليه، وقد اعترف النقاش بمواطن الضعف في أعماله المسرحية واعتذر مذكراً من أنه لم يعوّل على الألفاظ العربية مع استناده لضعيف مقوله، وأقرّ أنه وافق العامة بكلام لا يوجد في القاموس وقال: إن البداءة صعبة وهو طالب منها درجة لا يستحقها لأنه ابتدأ بتأليف الروايات الملحنة، وأيد نيقولا النقاش تبرير مارون فقال: إن المؤلف لم يدقق على ضبط الكلام العربي بالرواية الآتية، بل التفت إلى المعنى فقط ....) نرجو كل من طالعها أن لايلحظ على ذلك، ويعذر المؤلف رحمه اللّه ....) بل ربما كان عن قصد ليعطي جرأة إلى الآخرين، ويؤلفوا بهذا الفن)(38) . -قد يكون العذر مقبولاً، لأن البداءة غالباً ما تكون صعبة ومربكة، إضافة إلى أننا لا نستطيع أن نحاكم النقاش إلا انطلاقاً من الثقافة السائدة في عصره، فهو قد اختار اللغة التي تناسب جمهور تلك المرحلة، وهو الذي حاول تقريب هذا الفن المستحدث من الجمهور، مستخدماً كافة الوسائل المتاحة. -أما أبو خليل القباني) فقد تراوحت لغة مسرحياته بين الشعر والنثر، واستخدام الشعر بادرة تحمد له، لأنه حاول أن يربط بين الفن المسرحي والفنون الأخرى؛ إذ كان الشعر الوسيلة الثقافية السائدة في الخطب والسير الشعبية، وحاول أن يؤصل هذا الفن، ويقربه من الجمهور، لأن الشعر يشكّل التربية الثقافية التي تلقاها، أضف إلى ذلك أن القباني كان ضليعاً في صياغة الشعر. والمتتبع لمسرحيات القباني يرى أنه جعل السجع ذلك اللون الفني السائد في عصره، بمنزلة الحلية المنمقة المحببة إلى الجمهور، وحشا مسرحياته بالشعر المأثور والأمثال الدارجة، والحكم، واستخدم الغناء والرقص، ولمَ لا وقد ملك هذه الأدوات الفنية، فاستخدمها كعامل اتصال وتقريب بين المرسل والمتلقي. -إلا أن الأغنية والرقصة قد جاءت مقحمة في معظم مشاهد مسرحياته لأنه أدرك أن الجمهور.. بحاجة إلى عنصر مساعد أو مرافق يبدد ما قد يتسرب إلى النفوس من ملل فكان الشعر وكان الغناء، وليس هذا مستغرباً، وإن كان من المآخذ التي أخذت على مسرح القباني، فالموسيقا والغناء كانت من العوامل التي ينشدها الجمهور في تجمعه، فهي من وسائل الترفيه والمتعة، التي تجذب الناس وتشدهم إلى المسرح، ولاسيما أنها كانت في عصر لا دراية له بالسينما أو الإذاعة أو الرائي. -إن القباني لم يوفق بلغة حوارية قوية ومتينة- بل كما هو الحال عند النقاش- إذ اختلفت مستويات اللغة حتى في المسرحية الواحدة ولعل هلهلة الحوار في بعض مسرحياته أثر تأثيراً بالغاً في تطوير الحدث، وفي عدم الكشف عن جوانب الشخصيات، وقد بدا ذلك واضحاً في مسرحية الأمير محمود نجل شاه العجم) ومسرحية عنترة) بينما قام الحوار بدوره في مسرحية عفيفة) فطور الحدث، وصعّد الصراع، وكشف عن جوانب الشخصيات، وخلق حبكة قد تكون أمتن. 2-المرحلة التأصيلية: -لقد ارتبطت المحاولات التأصيلية، في جوانبها بتحديد خصوصية اللغة المسرحية، ونوعيتها، وكادت الآراء تجمع على أن لغة النثر أنسب للكتابة المسرحية من لغة الشعر، وعلتها في ذلك أن آثاراً مسرحية متعددة جاءت بعد مسرحيات النقاش والقباني كانت أقرب إلى المحاولات المتعثرة، أو ربما تكون قد جارت المسرح الأوروبي في هجره للمسرح الشعري بعد أن كان يعتمد عليه اعتماداً كلياً، أو أنها تذرعت بأن واقعية الحوار المسرحي، وتأكيد عملية الإيهام المسرحي، يتجليان في استخدام النثر لغة للحوار المسرحي. -وهناك من ربط بين تأصيل المسرح العربي واتخاذ الشعر لغة للحوار المسرحي، بحجة أن النشأة الأولى للمسرح كانت شعرية، وأن الشعر هو ديوان العرب، وأنه يمثل خصوصيتهم المحلية، إضافة إلى أنه أصدق تعبيراً عن الانفعالات الإنسانية، لذا فإن إحياء الشعر، واتخاذه لغة للحوار المسرحي يعدّ وسيلة من وسائل تأصيل المسرح العربي، ولكلٍ من الفريقين حججه. -يحبذ الفريق الأول اتخاذ النثر لغة للحوار المسرحي، ويستبعد جوازية صلاحية الشعر، مستنداً في ذلك إلى ما توصل إليه المسرح الغربي؛ إذ يرى أن نشأة المسرح شعرية خالصة تجلت في تحقيق بعض الطقوس الدينية، التي لاترتبط بالواقع ارتباطاً مباشراً، ومن ثم تطور المسرح إلى عروض احتفالية تدور حول بعض الأساطير، وكان من السهل على الكاتب أن يفصل بين عالم الشعر على خشبة المسرح وعالم الواقع، على الرغم من ارتباط العالمين عن طريق الاستعارة، وما إن تطورت الدراما، وانحسرت الأسطورة عن المسرح ازداد ارتباط المسرح بالمجتمع، ... ومع ظهور تيارات الدراما الواقعية، ودراما السخرية والنقد ومسرح الأنماط البشرية والاجتماعية، وظهور دراما القضايا والأفكار، وتيار الدراما الطبيعية، أصبح المسرح يحاكي الواقع لا عن طريق الاستعارة الشاملة كما نجد في المسرح الشعري، ولكن عن طريق تكيّف الواقع والتعليق عليه)(39) . -ومع تحول المسرح من الشعر إلى النثر هبطت الدراما من عالم الأساطير إلى عالم الواقع؛ ففي مرحلتها الشعرية كانت تستوحي الأساطير لاستكشاف علاقة الإنسان بالعالم والكون، وفي المرحلة النثرية ركزت على علاقة الفرد بالمجتمع والواقع لذا فإن الفرق هنا بين المسرح الشعري والمسرح النثري يتمثل في عدم الارتباط بواقع الحياة اليومية وقضاياها الملحة المباشرة، لكن ماذا نقول عن المسرح الشعري الذي جاء في العصور الحديثة، متمثلاً بأهم رواده إليوت؟! وهل ننسبه إلى عالم الأساطير أو إلى عالم الواقع؟!. -وهناك بعض الآراء التي استندت في تحديد مقولاتها، إلى التجارب المسرحية العريبة، مؤكدة أن المسرحية النثرية سايرت الذوق العام من جهة، وتماشت مع متطلبات المجتمع المتزايدة من جهة ثانية، وكأن الشعر غير قادر على التعبير عن الواقع، ومعالجة بعض القضايا المعقدة فيه، ويحضرنا في هذا المجال رأي لطه حسين يؤكد فيه أن لا مكان للشعر في المسرح في العصور المتأخرة، والنثر خير منه، إذ يقول: إني لست من المكلفين بالقصص التمثيلية التي تعرض على الناس شعراً، هذه الأيام، وشعراً عربياً بنوع خاص، فقد شبّ التمثيل عن طريق الشعر، وتمرد على أوزانه وقوافيه، وآثر حرية النثر وطلاقته، وأسماحه على قيود الشعر، وتحرّجه منذ زمن غير قصير، وأصبحت القصص الشعرية في اللغات الأوربية، نادرة أشد الندرة، ولا يكاد الناس يقبلون عليها إن وجدت فإن فعلوا، لم يتصل إقبالهم عليها، إلا ريثما ينصرفون عنها إلى الحرية الحرة، والطلاقة الطلقة في هذا التمثيل المنثور الذي لايكلفهم إلا أيسر الجهد وأقل العناء ....) وإذا أضفت إلى ذلك أن أدبنا العربي لم يعرف التمثيل شعراً ولا نثراً إلا بآخره عذرتني فيما ترى من تحفظي أمام التمثيل العربي الذي يعرض على الناس شعراً عربياً لأني أرى فيه غرابة لا تكاد تلائم المألوف من أذواقنا الحديثة، ولهذا لم أفتن قط بتمثيليات شوقي ....) وكنت أرى هذا كله رجوعاً إلى فن قديم بَعُد به العهد، وأسرف في البعد، وأقبل الناس على أشياء طريفة، فهم بها أشدّ كلفاً، ولها أعظم شأناً)(40) . -نحن لاننكر عدم صلاحية الشعر ببحوره التقليدية لأن يكون لغة للحوار المسرحي، فخصائصه المتميزة قيّدت المؤلف، وقيّدت عناصر العمل المسرحي، وشكلت عائقاً أمام رواج المسرح الشعري، ولتوضيح ذلك يمكننا أن نستعين بما قدمه الدكتور إبراهيم الكيلاني) عندما حصر معاناة المسرح الشعري العربي في بنود محددة: 1-صعوبة النظم في أدوار المسرحية، وتطويع القافية في تنوعها، وتعدد بحورها على مدى فصولها ....) 2-صعوبة المحافظة على النفس الطويل، والمتابعة المتصلة في إطار التوتر النفسي والفعالية الخيالية، والوعي الإنشائي... 3-صعوبة الجمع بين الفكرة والنظم والملاءمة بينهما في اتساق فني يحول دون طغيان أحدهما على الآخر... 4-صعوبة تحريك الشخصيات ونقلها في إطاريها الدرامي والشعري، والحيلولة دون تلكؤهما وتنافرهما.. 5-من الشائع المعروف أن الفن المسرحي يقوم على مبدأ "الصراع" بين الأبطال فهو الذي يخلق الحركة الدرامية وعنصر التشويق اللذين يستأثران باهتمام المشاهد ويوفران له المتعة الفنية حتى النهاية، وقد وهم بعض ناظمي المسرحيات الشعرية أن المسرحية تحليل لحيوات الشخصيات أو استعراض لسيرتها ومآثرها أو تمجيد لفضائلها الخلقية، أو استخلاص لتعبر فهي نظرة خارجية سطيحة لم تنفذ إلى الداخل لتخلق أبطالاً أغنياء، بالحركة والانفعالات الإنسانية العميقة تضمن لهم البقاء والخلود. 6-عدم استيعاب مؤلفي المسرحية الشعرية روح العصر ....) فجاءت مسرحياتهم حوادث تاريخية منظومة.. 7-انصراف الناس عن الشعر المدرسي الذي يفرض عند سامعه جواً معيناً من الثقافة الرفيعة، والتذوق الفني في عصر طغت فيه المادية والآلية)(41) . -لقد أرجع الباحث العوائق في نظم المسرح شعراً إلى صعوبة النظم في أدوار المسرحية، وإلى القيود التي فرضت على القصيدة الشعرية، وإلى عدم قدرة المؤلف على استيعاب روح العصر، وإلى انصراف المتلقي عن هذا اللون من ألوان الإبداع الفني. -لذا فإن المتتبع للمسرحيات التي اُتخذت أنموذجاً للمحاولات التأصيلية، يجد أن أغلب المسرحيات كتبت نثراً، ويجد أن هذه المسرحيات وتحديداً تلك التي كتبت باللغة الفصحى اقتربت إلى حدٍ ما من اللغة الشعرية، على اعتبار أن المسرح لا يتعارض مع لغة الواقع، فالمسرح ليس مجرد قطعة من الحياة، ولكنه قطعة مكثّفة منها، ولذلك فإن الشاعرية هي الأسلوب الوحيد للعطاء المسرحي الجيد)(42) والشاعرية هنا لاتعني النظم، بل يمكن للمسرحيات غير المنظومة أن يتوفر فيها قدر من الشاعرية. -لقد حرص سعد اللّه ونوس) على الاستفادة من جماليات الفصحى وامتيازات اللغة الأدبية، واستفاد بشكل خاص مما تزخر به اللغة العربية من طاقات شعرية، ففي مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران) ومسرحية الملك هو الملك) نجد أن كثيراً من العبارات الزاخرة بالشعر الخالص، باستثناء إيقاع التفعيلة، ففي المسرحية الأولى ورد على لسان بعض الشخصيات سيكون الضوء خافتاً تنبض في أوصاله طلقات الرصاص، وسيبدأ إنشاده كالتفجّر، وتردّ جوقة من الرجال يابسي العيون تكسوهم مسوح ترابية تمس أذيالها وجه الأرض)(43) ، الشوارع كسلى تتلوى بين البيوت)(44) وفي المسرحية الثانية نجد على لسان بعض الشخصيات أنا الحلم، إني في الحلم نفسه، فماذا أريد)(45) أجتاز أرضاً سبخة، وقدماي لا تغوصان، ولا تبتلان، أمشي وكأني أنزلق على سطح من الجليد المتلألئ، ما ورائي تطويه ريح ضارية... أدخل قاعة واسعة وفارغة يغمرها ضوء شرس كأنصال الخناجر)(46) . -ولعل قدرة ونوس على صياغة العبارة، جعلت بعض العبارات تقترب من صياغة الأمثال الشائعة بمجرد عزلها عن سياقها في النص، لامتلاكها كل ما تمتلكه الحكم والأمثال من خصائص، فالأمثال الشائعة والسائرة أو الحكم تستمد شيوعها أو قدرتها على الشيوع من مجرد احتضانها للفكرة التي تحتضنها، لا من مجرد اعتبارها زبدة لتجربة إنسانية عميقة متواترة في الزمان والمكان، وإنما أيضاً من خلال صياغتها بطريقة محكمة تجعل انتقالها بين الناس سريعاً، واستقرارها في ذاكرتهم الجمعية ثابتاً. -فمن قبيل ذلك ما ورد في مسرحية حفلة سمر من أجل 5حزيران) من عبارات تصلح لأن تؤخذ أمثالاً حين تكون رائحة الفم كريهة ينبغي أن لا يتكلم المرء)(47) ما من أحد يشم رائحة فمه وهو يتكلم)(48) ، أما في مسرحية الملك هو الملك) فقد وردت العبارات التالية مع ملاحظة أن أغلب لافتات الملك هو الملك) تصلح لأن تؤخذ أمثالاً فمن قبيل ذلك: لافتة أعطني رداءً وتاجاً أعطك ملكاً)(49) و ملك بلا ريبة ملك بلا عرش)(50) . -أما الفريق الثاني فقد رأى أن اتخاذ الشعر لغة للحوار المسرحي ضرورة أثبتت وجودها منذ القدم؛ إذ ولدت المسرحية في أحضان الشعر، وعادت إليه بعد أن هجرته فترة لم تطل، وعودتها كانت قائمة على أساس تغيير خاصة الشعر، إذ أصبح مرسلاً بعد أن كان تقليدياً، وأصبح ما بين الشعر والنظم مباينة أعمق من ما بين الشعر والنثر. -ويعدّ صلاح عبد الصبور، واحداً من أولئك الذين قالوا بأحقية الشعر، وضرورة اتخاذه لغة للحوار المسرحي، تطبيقاً وتنظيراً، فهو يقول: كنت أرى أن الشعر هو صاحب الحق الوحيد في المسرح، وكنت أرى المسرح النثري، وبخاصة حين تهبط أفكاره ولغته انحرافاً في المسرح)(51) . -لكن لماذا الشعر؟!.. يرى عبد الصبور أن هناك صراعاً قائماً بين لغة النثر ولغة الشعر، لأن بعض الأشخاص يرون أن الشعر لم يعد له مكان في المسرح بحجة أن المتفرج لم يعد يستطع أن يرى السوقة، وهم يتحدثون شعراً، أو بحجة أن للمسرح رسالة اجتماعية لابد من إيصالها إلى المتفرج، ولغة الشعر في المسرح تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف إلا إذا استخدم الكاتب لغة النثر الهادئ المتزن(52) . -وعلى ما يبدو فقد حسم عبد الصبور الصراع لصالح المسرحية الشعرية عندما قال: وهنا لا أستطيع أن أقول إن المسرح النثري قد يستطيع في قابل الأيام أن يعايش المسرح الشعري)(53) علماً بأن صلاح عبد الصبور قد رأى أن لغة النثر الرفيع في المسرح هي كلغة الشعر تماماً، فكلاهما لغة غنية مليئة بالإيقاع مكثّفة بالدلالات، كتبت بتأن شديد وكأنها كتبت ثم أعيدت كتابتها، وإن لكل عبقري من عباقرة النثر، ...، أسلوبه الخاص وموسيقاه الخاصة)(54) . -وإذا كان صلاح عبد الصبور قد حسم الصراع، فإنه حسمه لصالح المسرحية الشعرية التي اتخذت من الشعر المرسل لغة للحوار المسرحي لاحتوائه على خصائص تميّزه عن الشعر المبني على البحور التقليدية، وبهذا يكون قد التقى مع علي أحمد باكثير عندما قال: إذا أردنا أن توجد المسرحية الشعرية عندنا فإن أصلح أداة لذلك هو الشعر المرسل المستند على التفعيلة -لا البيت- كوحدة نغمية، فتتلاحق التفعيلات في الجملة المسرحية الواحدة متصلة مترابطة دون النظر إلى الحيز الذي تشغله فقد تشغل ماكان يشغله بيت واحد وأكثر، أو أقل، شأنها في ذلك شأن الجملة النثرية....)(55) وتجدر الإشارة إلى أن ملاءمة شعر التفعيلة للمسرحية ليست قيمة مطلقة، وإنما هو قوة تعتمد على مقدرة وخبرة وثقافة وموهبة. -وقد بنى صلاح عبد الصبور مسرحية مأساة الحلاج) على أساس نظام التفعيلة، ضمن لغة شعرية راقية، ابتعدت عن السردية والخطابية، ولعل التنويع في التفعيلات والقافية، أعطت الشاعر قدرة أكبر للتعبير، إذ كانت القافية تغيب لتعود ثانية في روي آخر، إضافة إلى الإيقاعات غير المنضبطة التي أعطت أسلوباً جميلاً للحفاظ على وحدة النغم، مما جعل الشخصية المسرحية تتحرك بيسر، ويسير الحدث دون تعقيد أو مواربة. إن ما يميز لغة "مأساة الحلاج" هو أنها تنبع من الحدث نفسه، ومن الشخصية المسرحية نفسها، وتتغير تبعاً لتغيرها، ولعل إدراك هذه الحقيقة هو الذي جعل المسرحية ناضجة الأداء الشعري واللغوي)(56) . -والمتتبع لهذا العمل المسرحي يلحظ أن لغة المسرحية امتازت بأهم خصائص الحوار المسرحي وهو الإيجاز والتركيز والتكثيف، وإذا تعرض الحوار للإطالة، فإن هذه الإطالة مبررة، إذ استدعاها الموقف، فمن قبيل ذلك حديث الحلاج عن نفسه(57) . وتجدر الإشارة إلى أن عبد الصبور استخدم في تعابيره الصور الفنية التي استطاعت أن تعبّر عن المعنى بقدرة فائقة، وتعبّر عن المواقف فهي نابعة منه، إذ يقول: كنا نلقاه بظهر السوق عطاشاً فيروينا من ماء الكلمات جوعى فيطاعمنا من آثار الحكمة وينادينا بكؤوس الشوق إلى العرش النوراني)(58) . -وهكذا فقد استغل المؤلف طاقة اللغة التعبيرية في الحوار الشعري فتميّز بالعمق، والتصوير الحي للشخصيات، مع الدقة في اختيار العبارات التي استطاعت أن تشف عن المعنى بحرية وطلاقة مما جعله قريباً من مصطلح الحياة اليومية، داخل النفس الإنسانية وخارجها. -أمّا خالد محيي الدين البرادعي، فقد ربط بين اتخاذ الشعر لغة للحوار المسرحي وعملية التأصيل لأن الشعر يشغل جانباً مهماً من تعبير العربي عن ذاته عبر تاريخه كما يكوّن هذا الشعر جزءاً عالياً من خياله، وينتمي إلى أمة لغتها الشعر منذ القدم)(59) ويرى أن النصوص المسرحية في أدبنا بدأت عربية التاريخ واللغة والمعالجة والتصور. -إلا أن دعوة البرادعي إلى اتخاذ الشعر لغة للحوار المسرحي كانت دعوة مقيّدة، وليست مطلقة، لأنه جعل استخدام الشعر ضرورة ملحة، عندما يكون موضوع العمل المسرحي له ارتباط بالتراث؛ إذ يقول: إن لجوء الشاعر المسرحي إلى الماضي هو المنطق الضروري لإقناع المتلقي، والمبرر المشرق لمشروعية الحوار الشعري)(60) . فخصوصية التراث هي التي تبرر مشروعية الحوار الشعري في المسرح، وشعرية المسرح -عنده- لا تقنع المتلقي أن يسمع العرب المعاصرين يتحاورون شعرياً، ويفسرون وجودهم المعاصر بلغة الشعر، فهذه حالة غير مقنعة، إلا أن صيغة الماضي صيغة فضفاضة ومقنعة وقابلة للتصديق، لذا فإنه عندما عالج في أعماله المسرحية الحاضر، وحاول أن يكتشف المستقبل، من خلال صيغة الماضي كان يبحث عن خاصية الإقناع، ومن ثم صاغ رؤاه الحاضرة والمستقبلية في دراما شعرية. -ودعوته مقيّدة مرة أخرى، لأنه حبذ استخدام شعر التفعيلة القائم على طواعية الوزن والإيقاع وتنوعهما، وبدا ذلك واضحاً عندما ميّز بين مرحلتين من مراحل المسرحية الشعرية العربية؛ ففي المرحلة الأولى حيث تواجد التراث مصوراً، ومثّل هذه المرحلة أحمد شوقي وعزيز أباظة وعلي أحمد باكثير) وفي المرحلة الثانية فيها التراث مرسوماً، أي أعيد خلقه من جديد ليحتمل رؤية المبدع النقدية والتنويرية والتحريضية)(61) واعتبر البرادعي المرحلة الثانية هي المرحلة الناضجة، على صعيد الإبداع والفن، لأنها ترافقت مع ظهور الحركة الشعرية الحديثة، التي نقلت القصيدة الشعرية من المرحلة الغنائية إلى مرحلة السرد والقص والحوار والتداخل والصوت الموسيقي الهادئ، فبتخفيف القيود من القصيدة الشعرية فتح آفاقاً جديدة للتعبير، وللتلقي. -ويرى البرادعي أن إبداع الدراما الشعرية، يعني الإقدام على رهان متعب، وذلك يعود إلى حادثة الكتابة المسرحية في أدبنا قياساً إلى الشعر والنقد والقصة وإلى القدرة على التوفيق بين الحدث المسرحي واللغة الشعرية، خصوصاً أن الشاعر المسرحي العربي يعاني من الوحدة والغربة(62) لخلو تراثنا العربي والإسلامي من ظاهرة المسرح، علماً بأن رجال عصر النهضة الذين كتبوا المسرحية الشعرية قد تأثروا بالتراث المسرحي الأوربي، لذا فإن خلو التراث من جهة، ومحاولة الانفلات من قيد الأجنبي من جهة ثانية، أثقلت كاهل الكاتب المسرحي. -لقد كتب خالد محيي الدين البرادعي) مسرحياته شعراً ونثراً، وبُنيت مسرحية العرش والعذراء) التي اتخذت أنموذجاً في محاولة تأصيل المسرح العربي على شعر التفعيلة، مما أكسبها صفات مميزة، ولعل أهم ما يمكن ملاحظته على مستوى البنية الفنية المسرحية هو الإيقاع الموسيقي الخارجي، الذي اعتمد على المقاطع والقصائد على بحر واحد هو بحر الرمل، ولم تتغير التفعيلة إلا قليلاً حيث يلحق الخبن إحدى التفعيلات فتصبح فاعلاتن فعلاتن. -ونلحظ أيضاً عدم التزام نظام ثابت في طول السطور وطول القوافي، فالأسطر تختلف طولاً وقصراً، وقد مال أكثرها إلى القِصر، وانتهى كل سطر نهاية موسيقية مريحة دون تقيّد بنظام ثابت، ودون التزام حرف روي واحد في كل هذه النهايات، إلا أن حركة الروي جاءت مكسورة أو مسكونة، إضافة إلى إشباع الكثير من الضمائر. -وقد تجلت الموسيقا الخارجية أيضاً من خلال تكرار بعض الحروف المتقاربة النطق مثل قوله: نحن قضاة العصر، وفرسان القصر، وأصحاب الكلمات العليا، نحن أناسٌ ورثوا سيف معاوية، وعباءة صقر قريش، وثياب بني العباسْ)(63) ومن خلال التكرار اللفظي الغالب على المسرحية، فمن قبيل ذلك كلمة رجل التي تكررت خمس مرات في صفحة واحدة(64) ، وكلمة غزو التي تكررت خمس مرات في صفحة واحدة أيضاً(65) ، ومن خلال تشابه هيكل الجملة المسرحية كقوله: حسنٌ باهر، وبيان ساحرْ)(66) أو قوله: قد تعرف بي ذاتك، وتراني أملك مرآتك)(67) أو استخدام بعض الصور البيانية من جناس وطباق، كقوله العصر، القصر، شاهدت، شهدت) و الليل، النهار، موت، بعث). -وامتاز الشعر إجمالاً في هذا العمل المسرحي بالعمق والتكثيف، وبعُد عن الشرح والتفصيل والإطالة، وبعُد عن الغنائية، مما جعل الأحداث تسير سيراً حثيثاً، وتنبع اللغة من المواقف المسرحية، وتعبّر عن الشخصيات تعبيراً وافياً. -لكن هل التزم البرادعي في هذه المسرحية الشعرية بالاستقاء من التراث؟. لقد كتب البرادعي مجموعة من المسرحيات الشعرية استلهم فيها التراث العربي، وكتب بعض المسرحيات الشعرية التي لا تحمل من التراث إلا عبقه، فعند قراءة مسرحية العرش والعذراء) يظن القارئ للوهلة الأولى أنها قصة مستوحاة من التراث، ونتيجة البحث والاستدلال يجد أنها لا تنتمي إلى التاريخ العربي إلا من ناحية الجو العام، فتصوير الجو العام يوحي للمشاهد أن أحداثها تاريخية وشخصياتها تاريخية، وهي فعلاً لا هذا ولا ذاك. -نلحظ مما تقدم أن الآراء قد تعددت في تحديد لغة المسرح، وتنوعت، إلا أنها أجمعت على أن النثر وشعر التفعيلة هما الأنسب للمسرحية التأصيلية، وإن طغى الرأي القائل بأحقية النثر. -إن القضية في هذا الصراع القائم ليست قضية شعر أو نثر، وإنما تعود القضية إلى مقدرة الكاتب المسرحي سواء كان شاعراً أو ناثراً على تطويع اللغة المسرحية للبناء المسرحي، وتحقيق خصائص الحوار المسرحي بما يخدم الحدث المسرحي، والشخصية المسرحية في آن معاً. -ثم إن القضية ليست قضية اختيار وتفضيل؛ إذ لا نستطيع أن نلزم الكاتب المسرحي بكتابة المسرحية الشعرية، لأن الشعر موهبة نصقلها بالثقافة والتدريب والمعرفة، ولا نستطيع أن نلزم الشاعر بكتابة المسرحية لأن الحوار موهبة نصقلها بالتدريب والممارسة والمعرفة أيضاً، أضف إلى ذلك أن الدراما الشعرية تتطلب مقدرة على مستويين؛ مستوى الفن، ومستوى الحياة، فالمسرحية الشعرية تتميز بمقدرة الشاعر على بناء عمله الشعري بناءً فنياً، إضافة إلى اهتمامه بالمضمون الذي يريد طرحه، وقدرته على المشاركة في بناء الحياة، وتشكيلها. -ولكن كل ما نستطيع قوله: إن لغة شعر التفعيلة أنسب للمسرحية من الشعر التقليدي، لأنها أثبتت مقدرتها على تحرك الكاتب المسرحي بحرية أكبر أبعدته عن القيود التي التزمتها المسرحية التي اتخذت من الشعر التقليدي لغة للحوار المسرحي، لذا فإن الشعر المقفى القائم على اتخاذ البيت وحدة نغمية مستقلة، أبعد ما يكون عن الصلاحية ليكون لغة المسرح، لأن استناده إلى البيت الكامل كوحدة مستقلة عن سابقه وعن لاحقه، يعمل على تجزئة الوحدة التعبيرية، وتقطيعها إلى وحدات متساوية مستقل بعضها عن بعض، دون مراعاة لاختلاف الجمل المسرحية طولاً وقصراً، وينشأ عن ذلك أن الجملة المسرحية التي تكون أطول من أن يستوعبها بيت واحد تنشطر في بيتين تفصل بينهما فصلاً واضحاً، ليس من السهل على المستمع أن يغفل عنه، وكذلك في الجملة المسرحية التي تكون أقصر من أن تشغل بيتاً كاملاً، فإما أن يصلها الكاتب بجملة مسرحية أخرى أو بجزء من جملة مسرحية أخرى، وإما أن يضطر إلى الحشو لتكملة البيت)(68) . (1) الحكيم، توفيق، "أسباب ضعف المسرحية العربية"، الآداب، س1، ع7، تموزر 1953 عن الخطيب، محمد كامل، نظرية المسرح- القسم الثاني، ص826. (2) المصدر السابق، ص827. (3) ينظر، ونوس، سعد اللّه، بيانات لمسرح عربي جديد، ص69. (4) ونوس، سعد اللّه، سهرة مع أبي خليل القباني، دار الآداب، بيروت، ط3، ت2، 1980، ص108. (5) الكيلاني، إبراهيم، الأوراق، ص185. (6) ينظر، ونوس، سعد اللّه، بيانات لمسرح عربي جديد، ص35. (7) ينظر، ونوس، سعد اللّه، "توفيق الحكيم ومسرح اللامعقول"، ص207. (8) د. عصمت، رياض، "هموم مسرحية"، الأسبوع الأدبيي، العدد 519، حزيران، 1986، ص4 (9) ينظر، الحكيم، توفيق، فن الأدب، ص140. (10) د. الكيلاني، إبراهيم، الأوراق، ص196. (11) الحكيم، توفيق، السلطان الحائر، ص70-71. (12) بسفيلد، روجر، الابن)، فن الكاتب المسرحي، ص230. (13) الحكيم، توفيق، فن الأدب، ص141. (14) ونوس، سعد اللّه، بيانات لمسرح عربي جديد، ص84. (15) ينظر، المصدر السابق، ص82. (16) المصدر السابق، ص82-83. (17) عرسان، علي عقلة، "مقابلة الشهر"، مع الأديب علي عقلة عرسان، أجرى المقابلة جمعة عبد الصبور، ص79. (18) الحكيم، توفيق، فن الأدب، ص141. (19) د.القط؛ عبد القادر، من فنون الأدب- المسرحية-، دار النهضة العربية، بيروت، 1978، ص34. (20) ينظر، فرج، الفريد، سليمان الحلبي، ص100-103 (21) المصدر السابق، ص30. (22) المصدر السابق، ص30-31. (23) ينظر، د.العشماوي، محمد زكي، دراسات في النقد المسرحي، دار النهضة العربية، 1980، ص29. (24) نيكول، الأدريس، علم المسرحية، ص117. (25) باكثير، علي الأحمد، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، مكتبة القاهرة، ط3، 1985، ص75. (26) هلال، محمد غنيمي، النقد الأدبي الحديث، ص660-661. (27) مندور، محمد، في الأدب والنقد، دار النهضة بمصر، القاهرة، 1978، ص174-175. (28) ينظر، ونوس، سعد اللّه، مسرحية مغارمرة رأس المملوك جابر، دار الآداب، بيروت، ط4، 1989، ص80. (29) ينظر، ونوس، سعد اللّه، مسرحية سهرة مع أبي خليل القباني، ص25-26 (30) .ينظر، ونوس، سعد اللّه، مسرحية الملك هو الملك، ص5و ص14، و ص23، وص 29، وص50، وص56، وص63، و70، وص76، وص80، وص88، وص91... (31) الحكيم، توفيق، فن الأدب، ص142 (32) النقاش، مارون، أرزة لبنان، ص16. (33) المصدر السابق، ص18. (34) النقاش، سليم، فوائد الروايات والتيارات، مجلة الجنان، 1870، ص521. (35) نجم، محمد يوسف، المسرحية في الأدب العربي الحديث، ص370-371. (36) مسكين، محمد، "المسرح العربي الحديث بين ضياع الهوية، وغياب الرؤية التاريخية"، مجلة الوحدة، السنة الثامنة، العدد 94/95، يوليو، أغسطس، ص15. (37) النقاش، مارون، أرزة لبنان، ص26. (38) المصدر السابق، ص26-27. (39) العشري، فتحي، "لغة المسرح بين الفصحى والعامية"، مجلة الكويت، الكويت، العدد 21، ص93. (40) أباظة، عزيز، غروب الأندلس، المقدمة، المطبعة العمومية، دمشق، د.ت، ص هـ و ز. (41) الكيلاني، إبراهيم، الأوراق، ص191-192. (42) عبد الصبور، صلاح، حياتي في الشعر، ص118. (43) ونوس، سعد اللّه، حفلة سمر من أجل 5حزيران، ص 9-10، وص67. (44) ونوس، سعد اللّه، حفلة سمر من أجل 5حزيران، ص 9-10، وص67 (45) ونوس، سعد اللّه، الملك هو الملك، ص9، ص68. (46) ونوس، سعد اللّه، الملك هو الملك، ص9، ص68. (47) ونوس، سعد الله، حفلة سمر من أجل 5حزيران، ص69. (48) ونوس، سعد الله، حفلة سمر من أجل 5حزيران، ص69. (49) ونوس، سعد اللّه، الملك هو الملك، ص 88، ص81. (50) ونوس، سعد اللّه، الملك هو الملك، ص 88، ص81. (51) عبد الصبور، صلاح، حياتي في الشعر، ص115. (52) ينظر، المصدر السابق، ص116. (53) المصدر السابق، ص118. (54) المصدر السابق، ص117. (55) باكثير، علي أحمد، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، ص14. (56) أطيمش، محسن، الشاعر العربي الحديث مسرحياً، وزارة الإعلام، بغداد، 1977، ص96. (57) عبد الصبور، صلاح، مأساة الحلاج، ص74-78. (58) الصدر السابق، ص19. (59) البرادعي، خالد محيي الدين، خصوصية المسرح العربي، ص75. (60) المصدر السابق، ص78. (61) المصدر السابق، ص79. (62) ينظر، المصدر السابق، ص76. (63) البرادعي، خالد محيي الدين، العرش والعذارء، ص147. (64) ينظر، المصدر السابق، ص180. (65) ينظر، المصدر السابق، ص146. (66) ينظر، المصدر السابق، ص100. (67) ينظر، المصدر السابق، ص100. (68) باكثير، علي أحمد، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، ص14. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |