تأصيل المسرح العربي بين التنظير والتطبيق " في سورية ومصر " - د. حورية محمد حمو

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

د-الازدواجية اللغوية:

-تطلق تسمية الازدواجية اللغوية على لغتين متشابهتين من أصل واحد، وهي ظاهرة طبيعية، تميزت بها اللغة العربية، وغيرها من اللغات، إلا أنها وجدت خارج الوطن العربي بشكل أضيق.‏

-شغلت هذه الظاهرة أكثر الكتابات المسرحية، التي تحدثت عن لغة الحوار المسرحي، وربما اكتفى أكثر المؤصلين المسرحيين، بالحديث عن الفصحى والعامية، دون التعرض إلى خصائص الحوار المسرحي، وأهميته، وراح كل منهم يدلي بدلوه في هذا المضمار؛ إذ تشعبت الآراء، وتضاربت، في أحقية اللغة الفصحى أو اللهجة العامية، أو المزج بينهما لنصل إلى لغة ثالثة، تكون لغة للحوار المسرحي.‏

-لقد نبعت المشكلة عند توفيق الحكيم) من المفارقة بين لغة النص المقروء، ولغة العمل المسرحي المجسّد؛ إذ يرى أن استخدام الفصحى في القراءة يجعل المسرحية مقبولة ومفهومة، أما في حالة التمثيل والتجسيد فإنها تستلزم الترجمة، وفي كلتا الحالتين لا يُركن لا إلى الفصحى ولا إلى اللهجة العامية، لذا فلابد من استبدالهما بلغة تتراوح بين الفصحى والعامية، وهي ما أطلق عليها مصطلح اللغة الثالثة) ويقصد باللغة الثالثة، لغة لا تجافي الفصحى، وهي في الوقت نفسه ما يمكن أن ينطق به الأشخاص بما يتناسب مع طبائعهم وجو حياتهم(1) .‏

-وقد توخى من وراء هذه التجربة نتيجتين اثنتين: أولاهما السير نحو لغة مسرحية موحدة في أدبنا، تقترب بنا من اللغة المسرحية الموحدة في الآداب الأوربية، وثانيهما وهي الأهم التقريب بين طبقات الشعب الواحد، وبين شعوب اللغة العربية، بتوحيد أداة التفاهم على قدر الإمكان، دون المساس بضرورات الفن)(2) .‏

-حاول توفيق الحكيم) أن يطبّق هذا الاختلاف اللغوي على لغة مسرحية الصفقة) 1956، إلا أن تلك التجربة لم تنجح لأن اللغة جاءت في هذا العمل مزيجاً من الفصحى والعامية، ثم عاد بعدها ليكتب بلغة فصيحة بليغة مسرحية السلطان الحائر).‏

-أما يوسف إدريس فقد أقرّ بأن اللغة هي وسيلة تعبير بالدرجة الأولى، لذا ينبغي للغة أن تعكس بصدق وأمانة ما يشعر به، وما يريد أن يعبّر ليوصله إلى الناس، ومن هنا يأتي إصراره على أن تكون اللغة مفهومة من قبل جميع المتفرجين، على اختلاف مستوياتهم الثقافية، ولعل اللهجة الدارجة- هي التي تحقق الهدف، لأنها قريبة من مقاصده، ومفهومة من قِبل الآخرين.‏

-وقد أشار إدريس إلى أن اللهجة العامية قد ارتفعت إلى مستوى ثقافي أعلى مما كانت عليه، ذلك أن الإنسان العربي المصري قد هذّب لهجته العامية عن طريق التعليم وقراءة المجلات وسماع الإذاعة، لذا فقد كتب مسرحياته باللهجة العامية، إلا أن المتتبع لمسرحية الفرافير) يرى ألفاظاً فصيحة قد مزجت مع اللهجة العامية المستخدمة في هذا العمل المسرحي، فمن قبيل ذلك، الحديث الذي دار بين المؤلف والسيد وفرفور:‏

السيد: ازاي ما تعجبوش... هو ده شغله؟ ما له ومال الكلام ده... إنت سيد يعني سيد... وانت فرفور ورجلك فوق رقبتك... سامع والا لا؟.‏

فرفور: "يرفع رجليه فوق رقبته" سامع سامع.‏

-ويصرّ سعد اللّه ونوس) على استخدام اللغة العربية الفصيحة، وهذا يتفق مع فكرته السياسية والاجتماعية؛ إذ يرى أن مشكلة اللغة في المسرح قد نشأت مع ظهور الطبقات الشعبية الجديدة كمستهلك للمسرح.. ومع ظهور الواقعية الجديدة. إلا أنه يرى أن الواقعية في المسرح ليست انعكاساً آلياً للحياة العامة، فالمسرح يعتمد على الواقع في استقاء نماذجه، إلا أنه يضع تلك النماذج ضمن مواقف وآفاق شرطية؛ إذ يقول: فكما أن الكلام بالعامية لا يكفي لكي يضفي على الشخصية سمة واقعية، كذلك فإن الكلام بالفصحى لا يمكن أن يكون حائلاً أمام أن يكون النموذج واقعياً)(4) .‏

-والمسرح -عند ونوس- فن له خصوصيته، وتدخل اللغة المسرحية ضمن هذه الخصوصية، فاللغة المسرحية هي اللغة الحيّة الديناميكية القادرة على تطوير الحوار والمواقف)(5) فهو يركز على بناء العمل المسرحي؛ إذ يستطيع الكاتب من خلال طرح قضية ما، وتركيزه عليها، أن يجعل المتفرج يتجاوز قضية اللغة، ويجتاز حاجز الفصحى، أو المسافة التي تفصل بينه وبين القواعد اللغوية التي تضبط حوار الممثلين.‏

-والمسرح- عند ونوس- لابد أن يشارك بالأعباء التنويرية التي تقوم بها وسائل الاتصال الثقافية، وهذا سيؤدي ذات يوم إلى إمحاء الفروق بين الفصحى والعامية)(6) ولعل إيمانه بهذه الوظيفة جعله لا يشذّ في كتاباته المسرحية عن الفصحى، والتزامه الفصحى يعكس وعيه بأهمية استخدام اللغة الفصحى، ودورها في تكوين الثقافة والإنسان والمجتمع، ويعكس في الوقت نفسه موقفه الفكري والسياسي.‏

-وقد ناقش الدكتور علي عقلة عرسان) قضية الفصحى والعامية بشكل مسهب، واستعرض آراء مناصري العامية، وآراء مناصري الفصحى، وبدافع من قوميته العربية انتصر للغة الفصحى وأيد استخدامها لغة للحوار المسرحي، وقد نتج ذلك عن وعي بواقع الأمة العربية، وبواقع المسرح العربي، وهدفه التأصيلي.‏

-فالمسرح عند -عرسان- بوصفه فناً وأدباً هو جزء من المعطى الثقافي ومجال من مجالات الإبداع، وهو أيضاً من مقومات شخصية الأمة وفنها وثقافتها، لذا فلابد له من أن يعبّر عن قضاياها وهويتها وأصالتها، وذلك عن طريق استخدام اللغة التي تعدّ الركيزة الأساسية للشخصية الثقافية للأمة، وبالنتيجة فإن اللغة الفصحى هي لغة الأدب والثقافة والفن والعلم والفكر والفلسفة عبر التاريخ، وهي اللغة المعرفية القائمة على المنطق والعلم، وبها يُبنى الإنسان، وتكوّن القيم والمعايير والمعارف، وتصقل الأذواق، وينمّي الوعي)(7) .‏

لذا فإن الاستغناء عن الفصحى، واستبدالها باللهجة الدارجة يعدّ جهلاً، وابتعاداً عن ممارسة دور المسرح ووظيفته، فاللهجة العامية قاصرة، وهي تختلف من بلد إلى بلد، لذا فإنها لا تستطيع أن تسهم في بناء ثقافة موحدة، قادرة على تحقيق أهداف الأمة العربية، التي يشكّل المسرح أحد القطاعات المستخدمة في هذا المجال.‏

-والمسرح -عنده- أدب يركن إلى الكلمة القادرة على التأثير ويسهم في تصوير الشخصية والبيئة المحلية، ويتعمق في تصوير الخصوصية، والسلوك الإنساني، ولعل الوسيلة الوحيدة الأقدر على التأثير هي اللغة الفصحى بما تملكه من رصيد ودقة وغنى)(8) .‏

-واللغة العربية الفصحى ثابتة بما تملكه من معايير وأصول وقواعد لا تختلف من بلد إلى بلد عربي آخر، بينما تنحصر اللهجة العامية زمانياً ومكانياً في حيز ضيق قد لا يتجاوز القطر العربي الواحد، وهذا يؤدي إلى انعزالية المسرح، ومن ثم إلى إعاقة عملية التواصل، وإعاقة عملية التأصيل، ولاسيما أن المثقفين المسرحيين، والمؤصلين منهم يسعون إلى تأسيس هوية عربية للمسرح، تحمل سمات الإنسان العربي، وتعبّر عن قضاياه.‏

-إن طبيعة اللغة المسرحية تقتضي التكثيف والتركيز، والابتعاد عن الجمل الإنشائية السردية، لذا فإن تنقية اللغة وصوغ الجملة المنطوقة بسلامة تبقي على روحها من جهة، وتعزز مضامينها من جهة أخرى)(9) وبقليل من الجهد يمكن أن يقدم الكاتب المسرحي لغة سليمة فيها الجملة العربية المكثّفة التي تخلو من الحشو الإنشائي، والتي تعبّر عن البيئة، عندها يكون الفن المسرحي، أقدر على التواصل، من خلال اقترابه من مجموعة أكبر من الجماهير العربية، ومن ثم يستطيع أن يحقق وظيفته الأساسية التي حددها عرسان بقوله: ومن أهم وظائف الفن تنمية الذوق والتحريض على التمسك بالقيم وبالصحيح من الفعل والرأي والذوق والعمل، ومن وظائفه الإبداع ضمن قيم الإبداع وأغراضه ومعاييره؟‍!)(10) .‏

-ويردّ عرسان على كل من رأى أن في اللهجة العامية، قدرة على التواصل مع جمهور أوسع بحجة أن الغالبية العظمى من الجمهور العربي لا يستسيغ اللغة الفصحى ولا يفهمها، ويتضمن الرد تصريحاً وافياً من أن الإنسان العربي يفهم اللغة العربية الفصحى ويتعامل معها، ولو لم ينطق بها؛ إذ يستمع إلى القرآن الكريم، والحديث الشريف، بل ويقرأهما، ويفهم مايقرأه تماماً، ويستمع إلى خطب الجمعة والخطب السياسية، ونشرات الأخبار، ويتفاعل مع المحاضرات والأنشطة الثقافية نتيجة فهم تام، وتأثير كبير وتواصل سواء كان سلباً أو إيجاباً(11) .‏

-ولعل هذا ما أكده عميد الأدب العربي منذ أكثر منذ نصف قرن مضى، وذلك عندما وقف إلى جانب الفصحى، وأيدّ استخدامها كلغة للحوار المسرحي، ووجه اتهاماً إلى كل من يحيد عنها بالجهل والتقصير؛ إذ يتذرع أولئك الذين استخدموا اللهجة الدارجة بأن العامة لا تفهم اللغة الفصحى، وهي أقدر على استيعاب اللهجات العامية، فهو يقول: وهؤلاء ينسون أن العصر الذي يعيشون فيه، ولا يقدّرون أن هذا الشعب الذي يعطفون عليه يرقى رقياً أدبياً مضطرداً، ويفهم لغة القرآن في يسر لم يتح له منذ ربع قرن، وذلك كله يأتيك من الثقافة التي تنتشر ومن الصحف التي يقرؤها، إذا أصبح وإذا أمسى، ومن الخطب والمحاضرات التي يسمعها في كثرة غريبة، وقد استطاع هذا الشعب أن يجعل لنفسه لغة راقية في حديثه وحواره لا يكاد يفرّق بينها وبين اللغة الفصحى إلا الإعراب...)(12) .‏

-وقد وقف طه حسين) في وجه كلّ من اتهم اللغة العربية بالقصور، وعدم قدرتها على التعبير عن خلجات النفس وأعلن بأن: لغتنا ضعيفة ولكنها قابلة لأن تقوى، عاجزة ولكنها قابلة لأن تقدر، مقصّرة ولكنها قابلة لأن تستطيع)(13) . وهذه دعوة صريحة إلى القائمين على اللغة العربية، لأن يسعوا جاهدين إلى تطويرها، إيماناً منه بأن التربية الفنية بإصرار واقتدار تعدّ إحدى أهم وظائف الفن، وأبرز ملامح رسالته.‏

-المهم أن عرسان قد حسم الصراع إلى جانب الفصحى، ودعا إلى استخدامها لغة للحوار المسرحي، وأدرك أن هناك تحدياً قائماً أمام الكتّاب المسرحيين، يتمثل في تطويع اللغة الفصحى إلى لغة حوار مسرحي، تتوافر فيه الحياة، ويمثل كل أبعاد الشخصية العربية، ويطرح ضمن معطيات إيجابية، إذ أن اللغة العربية كما قال طه حسين) لغة غنية مطواع قادرة على الاستيعاب، لكن لابد من السعي، وبذل الجهود للوصول إلى الغاية، وقد أخلص عرسان لمبادئه فكان حوار مسرحياته فصيحاً بليغاً فمن قبيل ذلك الحوار الذي دار بين العازف والرجل عن كيفية استخدام الناي، في مسرحية تحولات عازف ناي):‏

العازف: هل تعرف؟!.‏

الرجل: لا أعرف.‏

العازف: المبدأ بسيط جداً، تنفخ في القصبة وتحرك أصابعك على الثقوب.. وهي تغني..‏

الرجل: هذا يشبه نكأ الجرح بالأظافر والكلمات.‏

العازف: لا، هو نفخٌ.. نفث.. نفحٌ.‏

الرجل: في نار القلب.. هذا هو المهم، النفخ سهل، وتحريك الأصابع سهل أيضاً، لكن أن تنفخ وتحرك أصابعك بنظام يمليه القلب ويصير غناء.. يفتح صدر الوقت لأجنحة الروح، ويبقى بعدك مثل الوقت.. يبقى منك ويبقيك على الوقت.. فهذا هو الصعب)(14) .‏

-وعندما ناقش الفريد فرج) قضية لغة المسرح لم يجزم بتفضيل اللغة الفصحى أو اللهجة العامية، وإنما ركّز على ضرورة حيوية الكلمة المقولة، وعلى حيوية الأسلوب الفني؛ إذ يقول: وإني أؤكد أن اللهجة العامية تصح لغة للأدب كما أن الفصحى لغة عريقة، ولكني مع ذلك أحتفظ بحق التمييز التام اليقظ بين عامية بيرم التونسي الخالدة وعامية السوق، ....، إن لغة الأدب سواء أكانت فصحى أم عامية، لها شروط جمالية وتعبيرية)(15) .‏

-أما خالد محيي الدين البرادعي، فقد ربط في معالجته لقضية اللغة في المسرح بين ما هو قومي وما هو سياسي، عندما أكد أهمية اللغة في حياة الأمة، وفي تطوير شخصيتها، وإبراز مساهمتها في البنيان الحضاري العام، وحضورها النفسي في تأكيد الذات وحفظ توازن الأجيال في تحركها التاريخي؛ من صيانة التراث الحضاري إلى تطويره وزيارته.. )(16) فعناية الأمة بتطوير لغتها ينبع من وعي هذه الأمة بدور اللغة في البناء الحضاري، وينفي الفكرة القائلة بأن اللغة أداة أو وسيلة أو وعاء لنقل الأفكار.‏

-إن الدعوة إلى بناء قومي يحطم الحواجز بين الأقاليم يستدعي بدوره لغة قومية، ومن الخطأ أن تظن أن اللغة أداة لنقل الدلالة لأن اللغة هي دلالة، واللغة جزء أصيل وأساسي في تكوين الحضارة، والاستهانة بها استهانة بالبناء الحضاري للأمة)(17) ولعل البرادعي قصد بكلمة دلالة هنا أنها ذات إيحاء، ولم يقصد المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة.‏

-وقضية التشتت الإقليمي، وهاجس الوحدة قضية شغلت الإنسان العربي، وأرقته، فراح يطرح الحلول للبحث عن الوطن الذي بات يعيش بالذهن والحلم والذاكرة) ولعل التركيز على لغة المسرح كانت أحد الحلول -عند البرادعي- إذ جعل الأداء المسرحي باللهجات المحلية الإقليمية خنجراً يغتال أحلام العرب(18) .‏

-لقد انطلق في موقفه من موقف الأمة والوطن العربي، في حاجته الملحّة إلى الوحدة التي تمهد الطريق إلى القضاء على التشتت والتمزق والتخلف الذي يعانيه الشعب العربي، فتعدد اللهجات المحلية تجعل الأفكار المطروحة والقضايا تصل إلى الجزء لا إلى الكل وإذا كانت حجة أولئك الذين يكتبون بالعامية، أن الشعوب العربية تفهمها وأن واقعية المسرح تتطلب ذلك، وأن المسرح أصبح للجمهور لا للنخبة فإن ذلك مرفوض عند البرادعي، لأن الجماهير لم تفرض شكلاً إبداعياً بل تتريث أمام الإبداع ثم تألفه، وهذا ماحصل أمام المسرح منذ قرن، وماحدث أمام الشعر الحديث منذ ربع قرن -كما يقول- فالإبداع الجيد على -حد تعبيره- هو الذي يفرض ذاته على الآخرين، ولن يتمّ ذلك إلا عن طريق استخدام اللغة الفصحى لقدرتها على سعة الانتشار أولاً ولمواكبة النص المسرحي المقروء للعرض المسرحي المجسد ثانياً، أضف إلى ذلك أن اللغة وسيلة للاتصال، والمحلية اللغوية لا تساعد في الأخذ بيد الجمهور، ومساعدته للتفكير السليم بلغته القومية، ومن ثم فإن الابتعاد عن استخدام الفصحى يعدّ عملية تواطؤ مع الجهل، واستجداء رخيص للجماهير.‏

-ويضيف البرادعي أننا ما دمنا نسعى إلى تأصيل المسرح العربي، وترسيخ تقاليده، فلا بديل عن اللغة الفصحى التي هي اللغة القومية والتي تمثل المنفذ والمنقذ من حالات التشتت والتمزق والاغتراب التي عشناها قروناً)(19) .‏

-وهكذا نرى أن الصراع بين اللغة الفصحى واللهجة العامية في المسرح ما زال قائماً، ويحمد أن هذا الصراع قد حُسم تقريباً في باقي الفنون الأدبية لصالح اللغة الفصحى، وبقي معلّقاً في الفن المسرحي، والسبب في ذلك هو اللقاء الحي بين المتفرج والممثل، فهو ليس نصاً مقروءاً فحسب بل هو فعل مجسّد أيضاً.‏

-وإننا لنأمل أن يخفت صوت هذا الصراع، ويحسم لصالح اللغة الفصحى وذلك مع زيادة التعليم والوعي، ومع سعة انتشار المسرح، وكسر الحواجز الإقليمية، ولو كان مبدئياً عن طريق تداول المادة المقروءة في الصحف والمجلات والكتب، أو عن طريق المهرجانات المسرحية، والأنشطة الثقافية المتنوعة، أو عن طريق الإذاعة، والمحطات الفضائية التي ستطالب يوماً باستخدام اللغة الأكثر شيوعاً، والأكثر انتشاراً، بل والأكثر قدرة على التفاهم والتفاعل والاستيعاب، ألا وهي اللغة الفصحى، ولاسيما أننا نسعى جاهدين وجادين، إلى تأصيل المسرح العربي، وترسيخه وإبراز هويته العربية، التي تعدّ اللغة الفصحى معلماً واضحاً من معالمها.‏

خاتمــــــة:‏

-لم يكن هاجس التأصيل للمسرح العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، أمراً غريباً عن واقع المسرح العربي، بل هو امتداد لهاجس عبّر عنه ممارسو هذا الفن في النصف الثاني من القرن المنصرم، والنصف الأول من هذا القرن أيضاً، إذ عثرنا في بعض الأعمال المسرحية، وبعض المقالات التنظيرية، على ضروبٍ من الإلحاح على الحاجة إلى ملاءمة هذا الفن مع خصائص العرب، وذوقهم، وبدا ذلك واضحاً على المستوى التطبيقي من خلال إجراء بعض التعديلات على ما استعين به من النماذج المسرحية الغربية، بما يتلاءم مع واقع المجتمع العربي.‏

-والجديد الذي يمكن أن نلحظه هو أن هاجس التأصيل في الستينيات والسبعينيات من هذا القرن، بات قضية تؤرق المسرحيين العرب، إذ لم يعد مجرد أصواتٍ محلية تتواتر بخفر وحياء، بل أضحى مطلباً قومياً يتردد صداه في شتى أنحاء الوطن العربي.‏

-ولعل الدافع الأول إلى ذلك هو اعتراف أكثر المسرحيين العرب، بأن ملامح الفن المسرحي العربي، هي ملامح أوربية، فالمعمار المسرحي هو معمار أوربي، والنصوص المسرحية العربية خاضعة للأصول المسرحية الأوربية، والمناظر المسرحية تلتزم بخشبة المسرح الأوربية، إضافة إلى أن المخرجين المسرحيين العرب، لم يستطيعوا الانعتاق من أسر المسرح الأوربي، مما جعل ذلك ينعكس على الممثلين، وعلى طريقة الأداء الفنية.‏

-وبات الدور الأهم لتحقيق أهداف المسرح يتجلى في إزالة العائق الرئيسي الذي يتمثل في المعطيات الفكرية والفنية والجمالية التي يرتكز عليها المسرح العربي، والتي وضعته في قيد التبعية والاستلاب، يقيناً منهم أن الجفوة بين الجمهور العربي والمسرح الجاد يعود إلى شعور الجمهور العربي بأن ما يراه هو شيء غريب عنه، لذا فإنه لا يمكن أن يحس به، أو يتجاوب معه.‏

-وبات البحث عن حل لهذه المعضلة حاجة ضرورية، وهدفاً قومياً سامياً، انطلاقاً من حتمية تمايز الشعوب واختلافها، وضرورة إبداع أجناس فنية تعبّر عن هذا التمايز من خلال التفاعل مع خصوصيات الشعوب ومع حضارتها.‏

-لذا فقد اتجه بعض المسرحيين العرب إلى وضع نظرية واضحة المعالم في سبيل تأصيل المسرح العربي، وإبراز هويته القومية، وتجلت مهمة هذا البحث في تحديد ملامح تلك النظرية، واستشراف آفاقها، لذا فقد:‏

1-سلطنا الأضواء في مدخل هذا البحث على المراحل الأولى لنشأة الفن المسرحي، إذ رأى بعض المسرحيين احتمال وجوده في حضارة الشرق القديم، قبل وجوده وتطوره في الحضارة اليونانية، معتمدين في ذلك على اكتشافات البحوث الأثرية، وتمّ الكشف عن أهم العوائق والاحتمالات التي وضعها بعض الدارسين المسرحيين، والتي شكلت حائلاً بين العرب والفن المسرحي، قبل الإسلام وبعده.‏

لقد أيقن بعض المسرحيين بأن الفن المسرحي هو فن وفد إلى البلاد العربية مع بداية عصر النهضة، مؤمنين بأسبقية المسرح الغربي، واعتبروه أنموذجاً يحتذى في كل زمان ومكان، وشكك فريق آخر في أسبقية المسرح اليوناني، وأكد فريق ثالث معرفة العرب والشرقيين عامة بالفن المسرحي، ورحلوا إلى التراث لالتقاط المحاولات المسرحية فيه، وشكك فريق رابع بجدوى البحث في تراث العرب، وممارساتهم التعبيرية والفنية عما يمكن أن يساعد على تأسيس مسرح عربي الهوية، وعدّوا جهل العرب بهذا الفن نقصاً في أدواتهم الفنية والمعرفية.‏

-وأكدنا أن الظواهر المسرحية، والمسرح العربي القديم المتمثل في خيال الظل والكركوز- على الرغم من أهميتها -لايمكن اعتبارها السبب المباشر لنشأة الفن المسرحي العربي، وأن المسرح دخيل على الثقافة العربية، وهو حسب ممارسته قد عانى من الاستلاب والاغتراب، ولا سبيل إلى الإبداع فيه، وإدخاله في الثقافة العربية، إلا عن طريق تأصيله وإبراز هويته العربية.‏

2-وقد بات البحث عن حل، لتقريب المسافة بين المبدع والمتلقي، بعد طول قطيعة همّاً يشغل الكتاب والنقاد المسرحيين، ولا سيما في النصف الثاني من القرن الحالي، وكان للظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي مرت به الأمة العربية الدور الأكبر في الالتفات إلى عملية التأصيل، ودفع عجلتها، إضافة إلى العامل الثقافي الذي تجلى في هيمنة الثقافة الغربية، لذا فقد سعى المؤصلون إلى التحرر من التبعية، وتحقيق الذات من خلال إنجاز إبداعات فنية تتفق مع الهوية العربية، وخصوصياتها، ولاسيما بعد إدراك الدور التوصيلي للمسرح بفرعيه التثقيفي والتوجيهي.‏

3-وإذا كانت المحاولات الأولى للتأسيس متمثلة بأهم روادها "مارون النقاش" و "يعقوب صنوع" و "أبو خليل القباني" عفوية وتلقائية عبّرت عن حاجة المجتمع من خلال ارتباطها بالبيئة العربية، فإن المرحلة التأصيلية الثانية، التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، والمتمثلة بأهم روادها على مستوى المسرح النثري والمسرح الشعري "توفيق الحكيم" و "يوسف إدريس" و "سعد اللّه ونوس" و "علي عقلة عرسان" و "الفريد فرج" و "صلاح عبد الصبور" و "خالد محيي الدين البرادعي"، كانت ناتجة عن وعي ودراية لواقع البيئة العربية، ولواقع المسرح العربي، لذا فقد تمّ الوقوف على الدوافع والدواعي التي كانت وراء ظاهرة تأصيل المسرح العربي، وتحديد المنطلقات النظرية التي انطلق منها كل كاتب من الكتّاب الذين أدخلناهم دائرة التأصيل المسرحي، وحاولنا تقويم هذه الدعوات التنظيرية وتجلياتها، تقويماً يسعى إلى الوقوف على آفاق تأصيل المسرح العربي، وما يطرحه من مناخات، ورأينا أنه لايمكن أن نقدم تقويماً صحيحاً إلا عن طريق الوصل بين الأدوات والوسائل الفنية المقترحة، والمنطلقات النظرية لإبداع تجربة منسجمة ومتكاملة.‏

4-وقد تجلت تلك التجارب التي حددت اتجاهات تأصيل المسرح العربي في بندين اثنين: أولهما: "المسرح والواقع" الذي مثلته مجموعة من المسرحيات صنفت حسب القضايا المطروحة، وهي المسرح ومشكلة الحكم، والمسرح والواقع السياسي والاجتماعي، والمسرح والحادثة التاريخية، والمسرح وقضية الوحدة والحرية، ثم المسرح والقيم الإنسانية. وثانيهما: "المسرح والتراث" وتمّ التحدث فيه عن الشخصيات التراثية التاريخية في المسرح وعن الحدث التراثي، وفي كلا البندين تمّ التركيز على تقنيات التأصيل، وذلك من خلال الحديث عن تقنيات النص المسرحي.‏

5-أمّا قضية اللغة والحوار المسرحي فقد استغرقت مساحة واسعة من الكتابات التأصيلية للمسرح العربي، ومع إجماع الآراء على فنية العمل المسرحي، فقد انقسم المسرحيون إلى فريقين: بعضهم أيد استخدام لغة الشعر لغة للحوار المسرحي، وفريق نادى بضرورة استخدام النثر لغة للحوار المسرحي، وتراوحت المطالبة بلغة النثر بين الفصحى والعامية، وبدا لكل فريق دوافعه ومنطلقاته وأقررنا أن لا سبيل إلى الوصول إلى مسرح عربي إلا عن طريق استخدام اللغة العربية الفصيحة.‏

-أما النتائج التي توصل إليها البحث فقد تجلى بعضها في الإقرار بأن هناك إجماعاً على ضرورة تأصيل المسرح العربي، وإن تنوعت الدعوات حول سبل تحقيقه، وإقراراً بعدم الرضى عن الممارسة العربية الحالية للمسرح، وضرورة تغييرها تغييراً يتوق إلى التحرر من التبعية للغرب ويعمل على تأسيس مسرح آخر بديل ينطلق من خصوصيات الثقافية العربية، ويتفق مع هوية العرب، لتنفتح للمسرحيين العرب أبواب الإبداع الصادق.‏

-وارتكزت العمليات التأصيلية للمسرح العربي على مقاربة هذا الفن من نفسية الجمهور العربي، وذوقه، عن طريق الالتزام ببعض المواصفات التي تضمن خلق مسرح عربي أصيل، وتمثلت دعواتهم في محاولة تجاوز حالة التردي التي يعيشها المسرح العربي، ومحاولة الارتقاء بالممارسة المسرحية العربية من مستوى التقليد والتبعية إلى مستوى الإبداع الفني الخلاّق الذي ينبثق عن الذات العربية، لإقامة علاقة راسخة بين الجمهور والمسرح لضمان تحقيق الوظيفة الأهم للمسرح وهي عملية التوصيل.‏

-لذا فقد سعى معظم الكتاب المسرحيين إلى رسم أنموذجٍ مسرحي يقيناً منهم أنه السبيل إلى تأصيل المسرح العربي، ورسم هويته المفقودة، وقد أقيم ذلك النموذج على ركائز ثلاث:‏

1-العودة إلى التراث، ومحاولة استقرائه سعياً وراء الوقوف على ما يمكن أن يمثل العمود الفقري للممارسة المسرحية العربية، عن طريق الاستلهام والاستيحاء، وتمثّل ذلك في إحياء التراث العربي المتمثل في التاريخ العربي والسير والملاحم الشعبية، ومحاولة خلقه، وذلك بمزجه بالإبداع الفني، وبدا ذلك واضحاً من خلال الدعوات التنظيرية والممارسات العملية لكل من توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وصلاح عبد الصبور والفريد فرج وسعد اللّه ونوس.‏

2-ضرورة الانغماس في واقع الشعب العربي، والتفاعل مع قضاياه، بما يضمن مواكبة العصر في تغيره الدائم، وبدا ذلك واضحاً عند كلٍ من سعد اللّه ونوس، وعلي عقلة عرسان وخالد محيي الدين البرادعي.‏

3-ضرورة الاستفادة من منجزات المسرح العالمي، ومحاولة إضفاء الأصالة عليه عن طريق المثاقفة، لأن الفنون تراث إنساني، يأخذ بعضه من بعض، ويتأثر بعضه ببعض، ويؤثر.‏

-لكننا لا نجافي الحقيقة إذا اعترفنا بأن المحاولات التأصيلية كانت ناتجة في بعض جوانبها عن التأثر بالمسرح الأوربي، لا في الدعوة إلى التأصيل فحسب، بل في تحديد حيثيات التأصيل على الصعيد التنظيري والتطبيقي معاً، وإذا أردنا توخي الدقة فلابدّ أن نحدد أهم التيارات التي ارتكزت عليها المحاولات التأصيلية.‏

1-اعتمدت الدعوات التأصيلية على مشاركة الجمهور في الحدث المسرحي وكسر الجدار الرابع، ورفع الحدود بين المتفرج والممثل، وأكد بعض المؤصلين المسرحيين أهمية تحويل العرض المسرحي إلى احتفال فني يدخل في نطاقه الرقص والغناء والموسيقا، ودعا بعضهم إلى إلغاء الخشبة التقليدية، وعدم الالتزام بها، وضرورة التنوع في مكان العرض المسرحي، وهذا كله يتشابه مع ماقدمه تيار "المسرح الشامل" الذي حاول الانفلات من قوانين الكتابة المسرحية الأرسطية، وسعى إلى إدماج الفنون في العرض المسرحي الواحد، وأقام علاقة بين المبدع والمتلقي.‏

2-دعا أحد المؤصلين المسرحيين إلى المسرح التسييسي، وأكد أهميته في عملية التأصيل المسرحي، وقد نشأ في أوربا تيار المسرح التسييسي الذي مثله "بروتولت بريخت" BRECHT.‏

3-دعا بعض المؤصلين المسرحيين إلى المسرح السياسي، وقد نشأ في أوربا تيار المسرح السياسي الذي مثله "أروين بيسكاتور" PISCATOR إضافة إلى تيار المسرح الخالص أو "التمسرح"، الذي مثله "أرتو" A-ARTAUD.‏

-لكن -على الرغم من كل المحاولات- لابدّ أن نعترف بأن المسرحيين العرب لم يصلوا بعد إلى إيجاد نظرية واضحة المعالم في تأصيل المسرح العربي، وأن محاولاتهم التأصيلية ماهي إلى تجارب تسعى جاهدة إلى إثبات الذات القومية في الفن المسرحي وتبيان ملامح هويتها، وأن هذه المحاولات التجريبية لم تبلغ حد النضج بعد، بل لعلها مازالت بحاجة إلى الزمن لإنضاجها، لاعتقادنا بأن فترة التجربة المسرحية العربية، لم يمضِ عليها إلا قرن من الزمن، وهي فترة جد قصيرة قياساً إلى مئات السنين التي عاشها المسرح الغربي.‏

-إلا أن هذا التباعد بين التجارب التأصيلية، والتأصيل الفعلي للمسرح العربي، لن يدفعنا إلى التشاؤم، لأن هذه المحاولات يمكن أن تقف على أرض ثابتة، وتستطيع في وقت قريب أن تقدم البرهان على قيمة تلك التجارب، ودلالتها الفنية، من خلال الوصول إلى مسرح عربي، يعي ذاته في أرضه وبيئته، لكن بشرط أن تتكاثف الجهود لانبعاث ذلك المسرح المنشود، وذلك عن طريق مساندة المؤسسات الحكومية للمؤسسات المسرحية، وعن طريق تأسيس الجمهور المؤمن بالمسرح وبأهدافه، بتدريس مادة الفن المسرحي للطلاب في المراحل التعليمية كافة.‏

-إن حالة الاستلاب التي يعيشها الإنسان العربي ماهي إلا حالة مؤقتة، فنحن أمة ملكت مقومات الحضارة والأصالة، وإن لإنساننا العربي طريقته الخاصة في التفكير والتعبير، وله خصوصيته التي تميز بها عن باقي الشعوب، تلك الخصوصية النابعة من خصوصية تجاربه ومعتقداته وجغرافية أرضه وتاريخه وحضارته وتراثه الفكري والأدبي، فشخصيته واضحة المعالم، عميقة الجذور، لذا فلن نستبعد حتمية تأصيل المسرح العربي، وتجذيره إذا ما ارتكز على معطيات الحضارة العربية والتزم بالواقع العربي، وعبّر عن طموح المجتمع العربي.‏

(1) الحكيم، توفيق، مسرحية الصفقة، المطبعة النموذجية، 1956، ص161-162.‏

(2) المصدر السابق، ص162.‏

(3) إدريس، يوسف، نحو مسرح عربي، الفرافير، ص197.‏

(4) ونوس، سعد اللّه، بيانات لمسرح عربي جديد، ص148.‏

(5) المصدر السابق، ص148.‏

(6) المصدر السابق، ص150.‏

(7) عرسان، علي عقلة، وقفات مع المسرح العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996، ص207.‏

(8) المصدر السابق، ص207.‏

(9) المصدر السابق، ص209.‏

(10) .المصدر السابق، ص209.‏

(11) ينظر، المصدر السابق، ص210‏

(12) حسين، طه، "لغة المسرح أتكون العربية الفصحى أم العامية الدرامية"، مجلة الجنان، ع3، س5، آذار، 1934، عن الخطيب، محمد، كامل، نظرية المسرح، ج2، ص792.‏

(13) المرجع نفسه، ص793.‏

(14) عرسان، علي عقلة، تحولات عازف الناي، ص72-73.‏

(15) فرج، الفريد، دليل المتفرج الذكي إلى المسرح، ص163.‏

(16) البرادعي، خالد محيي الدين، خصوصية المسرح العربي، ص241.‏

(17) المصدر السابق، ص234.‏

(18) الصدر السابق، ص241-249.‏

(19) المصدر السابق، ص98.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244