خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبـــة أبــو علــي مصطـــفى

نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين‏

السؤال الأول:‏

مثلما تقيّم الانتصارات التي تحققها الشعوب أو الأمم أو الحركات، على أنها مبنية على توفر شروط مادية أو معنوية، فالهزائم أيضاً لها أسبابها المادية والمعنوية.‏

فالهزيمة التي أصابت المشروع الوطني والقومي العربي، هي هزيمة متوارثة ومنذ عقود وأسبابها تكمن في الأزمة البنيوية/ الاقتصادية- الاجتماعية- الفكرية- السياسية- والعسكرية العربية، فهي (أي الحالة العربية ومن ضمنها الفلسطينية) لم توفر عوامل للانتصار على المشروع الصهيوني، الذي بدأ غزو منذ عشرينات هذا القرن.‏

فسواء في الحالة الفلسطينية، التي أقامت بنيتها في المواجهة على حالة هيمنة القيادة الإقطاعية الدينية، أو بفكرها الذي فصل ما بين حالة الاستعمار البريطاني والصهيونية كعدو موحد، أو بقراءتها لطبيعة المشروع المضاد والأعداد الذاتي لمواجهته، ومن ثم لاحقاً انتقلت القيادة بذات البنى إلى يد أكثر ميلاً لمشروع مساومة منه إلى مشروع تحرير.‏

وفي الحالة العربية التي اهتمت بكيانات قطرية، واعتملت باستقلالات شكلية وجدت قيادات قاصرة عن فهم أخطار المشروع الصهيوني، بل وبعضها تواطأ معه في تمكينه من النمو والاستمرار.‏

وهي بالمحصلة بما فيها الثورة الفلسطينية المعاصرة لم توفر شروط الانتصار على مشروع صهيوني -متوغل في امتلاك القدرة المادية، والعلم والاقتصاد إضافة إلى تكوين حالة بشرية إيديولوجيتها موحدة على ظاهرة عدوان تاريخي، مدعومة من قوى الإمبريالية والاستعمار التي هي بذات الوقت سائدة على المنطقة شعوب وثروات ووجود. ولهذا تدنَّى مشروعنا التحرري، إلى حيثيات تراجع من الاستراتيجيا إلى التكتيك الضعيف ومن الضعيف إلى المندثر، وما لم تتغير البنى والأفكار والقيادة السائدة من الصعب أن نشهد حالة تحول نوعي في المشروع التحرري.‏

جواب السؤال الثاني:‏

للمشروع الصهيوني سياق أيديولوجي في الجوهر لا زال هو منذ نهاية القرن التاسع عشر، أما في الآليات فهناك تجدد دائم فمن بداية الحملة التبشيرية العالمية، إلى الهجرة والاستيطان مساحة واسعة طالت خمسين عاماً، حتى إقامة الكيان، ثم من الكيان الوظيفة- إلى الكيان الدور الإقليمي الشريك للإمبريالية الأميركية بالسعي للسيادة على المنطقة وتقاسم النفوذ والثروات، جرت مياه كثيرة في قنوات الحركة الصهيونية.‏

وبالتالي التغير الذي حصل، هو بدرجة تتناسب من تنفيذ ذات الفكرة (الأيديولوجيا) والتي لم تختم فصولاً بعد.‏

والتسويات الراهنة التي أقامتها بعض الأوساط العربية مع المشروع الصهيوني وحركته السياسية وكيانه المادي إقراراً به قد دعمت المشروع بانتصاره الثاني (كما وصفها شمعون بيرز)، لكنها لم تنهيه فصولاً، بل هو مشروع لا زال مفتوحاً كما قلت على مساحة من الانتصار بنفس القدر مفتوحاً على مساحة من الفناء والانتهاء، وذلك ربطاً بحضور أو لا حضور نقيضه التاريخي في الصراع المصيري.‏

الجواب الثالث:‏

الاتفاقات التي أبرمت مع العدو الصهيوني وفرت له فرصة جديدة من فرص الانتصار والبقاء، وهي حقنته بالآمال المؤدية إلى تقوية حوافز الاستمرارية، ودحرت إلى حد علامات الأسئلة الكثيرة على صوابية المشروع.‏

إلاّ أنها لم توفر الأمان النهائي له، حيث الأمة بوعيها السياسي، حتى وإن افتقدت لشروط الانتصار عليه راهناً لا زالت تلفظ هذا المشروع رغم محاولات إدخاله إلى جوفها، ليصبح حالة عضوية.‏

فالأمة لا زالت ترى في التناقض معه اشتباكاً مفتوحاً على صراع وجود، وليس كما تختزله الاتفاقات إلى "نزاع حدود".‏

والاتفاقات (رغم بؤسها ودونيتها) لم توفر مساحة قبول للكيان في جسم الأمة، ولا زالت الحالة محاصرة، رغم مظاهر التطبيع المعلنة فالأمة بمجموعها في حالة ممانعة تامة، وترفض نتائج اتفاقات الأنظمة ومصالحها مع حالة صراع مصيرية.‏

جواب السؤال الرابع:‏

إذا ما قامت السياسة على مفردة الإلغاء لأحد الوسيلين في الانتماء، فهي ليست سياسة رديئة فحسب، بل هي سياسة نقيضه لتوفير شروط انتصار، فلا النزوع الذي ألغى الوطني في مرحلة ما كان صوابا ولا النزوع الذي استبعد البعد القومي، كان صوابا، وأحد أهم دلالات الصراع أنه لا يمكن لأية قوة كانت أن تحظى بالنصر أو ببعضه بدون الربط الحي والجدلي ما بين الوطني والقومي في مسار الصراع.‏

فالوطني في الخاص الفلسطيني بالذات يكتسب مشروعيته من كونه أداة تناقض مع المقولة الصهيونية التي تنفي حالة الشعب الفلسطيني، وليس كما ابتدع البعض السيء مقولاته من أنه وظف الوطني في موقع التناقض مع القومي.‏

كما لا يكتسب الوطني مشروعيته من الإلغاء والعزل، لا يكتسبه القومي ذاته من محددات الشعار، فحسب، بل من المسؤولية الواعية لدور القومي في تعزيز الوطني أولاً ودوره في إدامة الاشتباك، كما يوفر له مبرر تقوية عناصر الذات في أداء الدور المباشر في الصراع وهذا ما تقوم عليه بنانا الفكرية والسياسية، أي دحر كل ما هو سلبي علق بالمسيرة من خلال التجربة سواء ما لهذا النزوع بطغيان الإلغاء للوطني أو لهذا النزوع باستبعاد القومي.‏

وهنا نقول إن المسألة لها وجهان من ذات الاشتقاق للدروس المستلهمة من جهة التاريخ الحديث.‏

فالوجه الأول الذي يقوم على تحديد العدو، ومفهوم الصراع، وشروط الانتصار، وتوفير القوى الذاتية، أي الربط ما بين حالة الصراع وأداة الصراع، في بنية متكاملة المعاني والمعايير.‏

والوجه الثاني هو بامتلاك الأمة لمقومات التحرر الذاتي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي وامتلاك الثروة والتنمية والإبداع والحياة الديمقراطية الداخلية.‏

بهذه المقومات تتوفر شروط بناء الجبهة الوطنية الشعبية العربية، أي ما بين النضال القطري والقومي جسر مديد إن لم يكن مفتوحاً على مدخليه سيبقى الحال يراوح ما بين نزعة الإلغاء القوية، ونزعة الربط الضعيفة.‏

السؤال الخامس:‏

مثلما توفرت حجارة أسمنتية قوية امتدت عقوداً طويلة بني على حالة مأزق، بل أزمة شاملة لا بد من توفير معاول لهدم هذه الحجارة أولاً، ثم لبناء أعمدة جديدة ينشأ عليها بناء سليم، فما هي هذه المعاول؟‏

ومم تكون مواد الأعمدة ثانياً؟‏

فأولاً لا بد من بناء فكري ذي نسق شامل في السياسة والثقافة وأدوات الصراع، المفتوحة على كل الأشكال، المؤدي إلى ولادة جبهات وطنية على الصعيد الوطني، وجبهة عربية شعبية على الصعيد القومي، يتولد عن حضورهما حالة ضغط متواصل باتجاه الصعود من بنى التبعية والارتهان إلى تحرر ذاتي شامل.‏

وثانياً توليف عناصر اشتباك مفتوح مع العدو الصهيوني بدءاً من امتلاك المفهوم الموحد للعدو وصولاً إلى بناء أدوات صدام معه وعلى كل الجبهات.‏

هذا بالمعنى الاستراتيجي، والذي يحتاج إلى تركيم طويل الأمد المهم أن نبدأ من الصحيح على تركيم يدوم ولا ينقطع هنا وهناك.‏

أما على المدى القريب فليس أمامنا من سبيل للخروج من المأزق إلا بالخروج من سياسة تشتيت القوى، ثم تشتيت التناقض الرئيسي، ثم تشتيت التراكم.‏

وهذا لا يتم إلا بالخروج من سياسة التسليم بأحقية وجود العدو، بالخروج من المصالحة معه وبالخروج من الارتهان إلى الوسيط النزيه المحايد وبالخروج من أولوية الخصومة العربية العربية إلى أولوية الخصومة مع الكيان الصهيوني الأمر الذي يقتضي أولاً إسقاط كل النتائج والمترتبات عن الاتفاقات المذلة التي عقدت مع العدو الصهيوني لصالح إعادة الاعتبار لمفاهيم الصراع المصيري.‏

وهناك بالذات وقبل ذلك يصبح تحرير الإنسان العربي من النزعة الذاتية بداية الشوط الجديد.‏

أبو علي مصطفى‏

نائب الأمين العام‏

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244