خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبـــة الأســـــتاذ/ نـايــــف حواتـمـــة

الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين‏

جواب السؤال الأول:‏

لا أعتقد أنه من الصحيح بمكان تقديم السؤال بصيغة لماذا هزمنا. فنحن حركة تحرر وطنية خضنا ونخوض معركة قاسية في ظل ظروف مغايرة وأمام عدو استيطاني كولونيالي توسعي يشكل ثقلاً كبيراً مدعوماً من قوى الإمبريالية العالمية، التي ترى في مصالحها بالشرق الأوسط مسألة غير قابلة حتى للمساومة.‏

نحن نقر ونؤكد بأن التداعيات التي وقعت منذ فترة ليست بالقصيرة في الوضع الفلسطيني كانت بالدرجة الأولى انعكاساً للتراكم المتزايد من التداعيات المتداخلة الفلسطينية -العربية منذ محاصرة ثورة 1936 ونكبة 1948 على يد القيادات الإقطاعية السلطوية في الحركة الفلسطينية والأنظمة الحاكمة العربية، إلى الغزو الشامل للبنان 1982، والتداعيات المتداخلة العربية -العربية التي عصفت بالمنطقة بعد كامب ديفيد وحربي الخليج الأولى والثانية. فضلاً عن الجانب التحالفي في العلاقات الفلسطينية- العربية والعربية- العربية والعلاقات العربية -الأممية، حيث بدأ يشعر كل العرب أهمية التعددية القطبية في السياسة الدولية ولمس الجميع مدى الخسارة التي وقعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسوء إدارة العلاقات الفلسطينية والعربية مع الاتحاد السوفييتي قبل النكبة الكبرى (1948) وبعدها، بل التواطؤ الواسع مع المعسكر الاستعماري ضد السوفييت (الاقتصادي والمالي والسياسي وفي أفغانستان وغيرها) رغم المساندة السوفيتية لقوى التحرر الفلسطينية والعربية، وعدم توظيف دور السوفييت في العمل لخدمة القضايا الوطنية والقومية لشعوبنا العربية، فالمشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، وقع ضحية السياسات الحمقاء العربية -والسياسة الفئوية الضيقة قصيرة النظر لفريق اليمين الفلسطيني حتى نكبة الـ 48، ويمين الوسط في قيادة م.ت.ف. ومع ذلك يجب أن نعترف بأن المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني بقدر ما هو مشروع عظيم وكبير وإنساني، قد قطع أشواطاً طويلة في العملية الصراعية المعقدة ضد الغزو الاستيطاني الصهيوني الذي يحمل مقومات التركيب الأوروبي الحديث والمعاصر ببرمجة خططه وتوحيد قوى التجمعات اليهودية لأكثر من مائة قومية في أصولها الأوروبية، الأميركية، السلافية، الشرقية. وصياغة تحالفات إقليمية ودولية نوعية ومتراكمة مع أوروبا وأمريكا حيث المصالح المشتركة بالهيمنة والتكنولوجيا والعلم المتطور، بينما بلدنا فلسطين وبلدان المشرق العربي عاشت ألف عام من التدهور والانحطاط تحت ضغط الإمبراطوريات الإقطاعية المتخلفة وبعدها الاستعماري البريطاني والفرنسي، ورغم ذلك استطاعت الحركة الوطنية الفلسطينية بعد نكبة 48 وم.ت.ف وخاصة بعد هزيمة 67 من إعادة بناء الشخصية الكيانية التمثيلية للشعب الفلسطيني.‏

وفي الإشارة إلى موضوع التحرير الكامل لفلسطين والمآل الراهن، فإن شيئاً من الاختلاط قد وقع بسياق السؤال المطروح، لأن الفكر السياسي الفلسطيني، قد تطور بالضرورة في خضم المشروع الوطني الفلسطيني، بحيث أخذ هذا الفكر يلامس الواقع الملموس بالتحليل الصائب والعقلاني الوطني الذي يستوعب حركة تطور ميزان القوى الفلسطيني- الإسرائيلي الصهيوني والإقليمي والعالمي والفعل الوطني المباشر وصولاً إلى صياغة البرنامج الائتلافي المشترك للشعب والثورة وم.ت.ف.‏

من هنا كان الانتقال الطبيعي من مشروع بلا ملامح برنامجية، وبنقاط عامة لا تستطيع أن تؤثر في الخريطة السياسية العربية والدولية، إلى برنامج وطني ملموس أخذ يفعل فعله في الأوساط العربية والأممية وداخل المجتمع الإسرائيلي.‏

مع ذلك فالانتكاس والتراجع الراهن في المشروع الوطني الفلسطيني، لا رابط له مع الانتقال من مشروع التحرير الكامل إلى البرنامج الائتلافي للمنظمة، لأن المآل الحالي تحصيل حاصل للسياسات والتداعيات التي عصفت بالمنطقة وانعكاساتها الفلسطينية وتمزيق برنامج الائتلاف الوطني على يد يمين ويمين الوسط في م.ت.ف.‏

كان يمكن أن تكون الأوضاع الفلسطينية أفضل مما هي عليه الآن، فيما لو التزم الجميع بالقاسم المشترك الائتلافي الوطني، وتم احترام المساحة الجامعة لأطياف وقوى الثورة وم.ت.ف وصيانة التحالفات الفلسطينية العربية على قاعدة القواسم المشتركة، والدولية على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، لكن اليمين ويمين الوسط في م.ت.ف ومجموعة الحركة الوطنية الفلسطينية أخذ ينفلت من المشترك إلى المصلحي الفئوي الضيق والأناني منذ عام 67 وخاصة 77 (زيارة السادات للقدس المحتلة) ولم يتمكن من ذلك إلا عام 91 بعد حرب الخليج الثانية وسلسلة الانقلابات السياسية على يده في م.ت.ف وأشير هنا إلى ضرورة مراجعة كتاب "نايف حواتمة يتحدث" الذي يكشف هذه المرحلة حتى أوسلو ويومنا.‏

إننا قطعنا الأيام الصعبة من السنوات السبع الأخيرة العجاف، والآن ندخل مرحلة جديدة، يمكن لها لو توفرت وتحققت وحدة الساحة الفلسطينية في إطار م.ت.ف المعافاة، أن تخدم من جديد مرحلة نهوض وطني فلسطيني يتم فيها تجديد حيوية وانطلاقة المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني.‏

إننا موجودون على أرض الصراع، والشعب الفلسطيني ما زال بملايينه (3.8) على أرض الضفة والقطاع ومناطق 1948، ونصفه الآخر في الشتات، وهذا الشعب المتجدد في حيويته وعطاءه العظيم، ما زال يشكل المفتاح لأي تسوية أو سلام، فلا سلام إلا به وله ولن ينعم الشرق الأوسط بأي هدوء أو رتابة ما دامت القضية الفلسطينية بعناصرها الأساسية معلقة بالهواء.‏

نحن لم نهزم، خسائرنا الاستراتيجية كبرى ومريعة ومرعبة، ورثناها عن قيادة إقطاعية أوتوقراطية لم تحسن أبداً توحيد الشعب بطبقاته وتياراته على الجامع الوطني المشترك حتى عام 48 وانطوت على نفسها بين 48-1967، إلى أن أخذ نهوض المقاومة العاصف مجراه رداً على هزيمة حزيران/ يونيو 1967. بعدها نحن وقعنا في استعماءات وانعطافات التداعيات الناتجة عن السياسات الحاكمة الحمقاء العربية والفلسطينية، والآن من جديد يمكن أن ينهض المشروع الفلسطيني فالشعب الفلسطيني ما زال حياً وقائماً وما زالت القضية هي القضية بثخانة جراحها وآلامها.‏

إن مشهد حركة الصراع مفتوح، لم يغلق بعد على خاتمة ما، والدلائل صارخة رغم مظالم أوسلو/ وبروتوكول الخليل، لنرصد معاً سياق الصراع ضد تطبيقات أوسلو الظالمة من نهب ومصادرة الأرض والاستيطان إلى الحصار والخنق الاقتصادي إلى تهويد القدس الكبرى وشطر مدينة خليل الرحمن وفتح قلبها لتنامى بؤُر الاستيطان، لنرصد معاً انتفاضة عمال قطاع غزة عند حاجز بيت حانون (ايرتز) 1994، انتفاضة الأقصى 96، انتفاضة الخليل -بيت لحم- شرق نابلس- المواصي من خان يونس حتى رفح 97-1998. وصراع الشعب وقواه الحية المنظمة ضد القمع المزدوج (الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي) والإصرار على إعادة بناء الوحدة الوطنية للشعب والبرنامج المشترك ومؤسسات الائتلاف الوطني م.ت.ف.. إن كل هذا يؤشر إلى مرحلة من النهوض الوطني تعتمل الآن، ويؤشر إن الصراع مفتوح فالهزيمة تعني بصراحة "أرمنة وأسرلة الشعب" و"صوملة" مناطق الحكم الذاتي ليكون فصل الختام بدلاً عن تطبيق قرارات الشرعية الدولية بحق تقرير المصير والدولة والعودة عملاً بـ 342-338-194-227.‏

جواب السؤال الثاني:‏

علينا أن نقر ونعترف بأن المشروع الصهيوني قد نجح في تحقيق خطوات استراتيجية ملموسة كبيرة جداً نتيجة ظروف محلية وإقليمية عربية ودولية، أشرنا لها هنا، أسهمت في خدمة تقديم وإسناد وتكريس لبنات المشروع الصهيوني فوق الأرض الفلسطينية وعلى حساب الشعب الفلسطيني وشعوب أمتنا العربية، فضلاً عن التردي وسوء إدارة الصراع في مواجهة عملية الغزو والاستيطان الصهيوني الكولونيالي لبلدنا وأقطار المشرق العربي من قبل أبناء المنطقة وخاصة الأجنحة السلطوية الإقطاعية والرأسمالية المتخلفة، والجناح البرجوازي الوطني في حركة التحرر الفلسطينية والعربية الذي وصل إلى مواقع الحكم في عواصم المشرق العربي وفي م.ت.ف.‏

فالمشروع الصهيوني ما كان له أن يحقق الخطوات الملموسة وإقامة الدولة اليهودية الصهيونية فوق أرض فلسطين، إلا بعد أن توفرت الظروف الموضوعية المحيطة بفلسطين والعالم العربي آنذاك، وفقدان الشعب الفلسطيني لحركته الوطنية الموحدة والقادرة على توجيه وقيادة عملية الصراع.‏

ومع التطور الذي حصل منذ نكبة 1948 التي نعيش ذكراها الخمسين، فإن المشروع الصهيوني تعرض بالضرورة لعدد من العوامل والمتغيرات دفعت بأطراف في الحركة الصهيونية من قوى وأحزاب للحديث عن حلول سلمية للصراع في الشرق الأوسط من وجهة تعتبر متقدمة قياساً لما كان يطرح وما زال على يد قوى اليمين التوراتي الصهيوني. فحزب العمل أصبح الآن يعترف ويقر بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني (كشعب) منذ العام 1988 بعد أن كانت قياداته تكرر "فلسطين كانت في الماضي أما الآن فهي إسرائيل والأردن وعلى اللاجئين الاندماج في البلدان التي يعيشون فيها"، أي "الأرمنة والاسرلة". كما برزت بعض الأطراف (راتس، شينوي، بام) لذلك يمكن الحديث عن تطور مفروض على أطياف وكتل حزبية وقوى سياسية صهيونية، كانت في السابق لا تقبل بمبدأ الصوت الآخر للشعب الآخر فوق أرضه (أي الشعب الفلسطيني)، ونعتقد بأن هذا التطور وبحدوده النسبية في انحسار المشروع الصهيوني إلى حدود معينة، ما كان ليقع لولا المسيرة الطويلة من الكفاح الوطني الفلسطيني المعبد بالتضحيات الجسام ولولا تمسك أكثر من (2.5) مليون فلسطيني بالبقاء فوق أرضهم الوطنية في الضفة والقدس وغزة ومناطق 1948- ولولا نضال الشعوب والجيوش العربية وعشرات آلاف الشهداء، ولولا التضامن الأممي الواسع وخاصة السوفيتي الذي انتقل بقضيتنا وحقوقنا الوطنية من قضية محلية وإقليمية إلى قضية دولية وعلى نطاق كل العالم والحركة الثورية العالمية.‏

إن ملامح التغير المفروض في الموقف الصهيوني لعديد القوى الإسرائيلية، بدأ بالتعبير عن نفسه بانحسار المشروع الصهيوني إلى حدود معينة كما أسلفت وفي الإقرار بوجود الشعب الفلسطيني بعد أن كان نسياً منسياً في قاموس كل أحزاب وقوى وكتل الدولة الصهيونية بعد كارثة 1948.‏

في الجانب الآخر فإن رؤية بعض القوى والأحزاب الصهيونية بدأت تتجه لإقامة ومد العضلات الإسرائيلية التكنولوجية إلى عموم المنطقة بدلاً من التوسع في الأرض المحيطة بفلسطين. وهذا ما ينضح به مشروع شمعون بيرس المعروف تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد" ومشروع عديد الأوساط الصهيونية الأقل يمينية نحو "نظام إقليمي جديد" بين دول الشرق الأوسط بدلاً عن أصولية المشروع الصهيوني التوسعي على ضفتي نهر الأردن وأجزاء من الجولان إضافة إلى خطة ضم أجزاء من سيناء (مدينة يميت ومستوطنات سيناء) قبل الحل الثنائي الإسرائيلي/ المصري (كامب ديفيد).‏

المشهد الإسرائيلي الصهيوني يشير إلى أن الصراع داخل المشروع الصهيوني لا زال مفتوحاً، بين وقت التوسع أو مواصلته، بين اقتسام الضفة والقطاع أم كل الضفة وأجزاء من القطاع، بين مواصلة أوروبية المشروع وأمركته أي التوسع أكثر فأكثر في الأرض المحتلة وبين التحول إلى دولة شرق أوسطية تستعيض عن التوسع المتزايد في الأرض بالتوسع التكنولوجي والاقتصادي.‏

جواب السؤال الثالث:‏

الاتفاقيات الجزئية والمتفردة التي تم توقيعها في أوسلو ووادي عربة وقبل ذلك في كامب ديفيد. جاءت في سياق تفكك مسارات التفاوض العربية مع العدو الإسرائيلي، ونجاح الدولة الصهيونية في استفراد الطرف تلو الآخر من الأطراف العربية.‏

الاتفاقيات الجزئية، كانت بمثابة ثمار سامة تحاول الآن دولة الاحتلال تعميمها في المفاوضات مع سوريا من خلال اعتبار الجولان أرضاً متنازعاً عليها، كما تم في اتفاق أوسلو الذي حول الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 من أرض محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار 242 و 338، إلى أراضي متنازع عليها، وفق اتفاق أوسلو الظالم، كما أن حكومات رابين -بيرس ثم نتنياهو تعمل على تعميم نموذج وادي عربة (ضم وبيع أراضي أو تأجير أو..) مع التفاوض حول خطة تقسيم سايكس بيكو بين سورية وفلسطين الانتدابية بدلاً من العودة إلى خط 4حزيران 1967 وهذا ما يؤدي على الفور إلى خسارة أكثر من 35% من هضبة الجولان وضمها للدولة الصهيونية، وهذه المساحة من الهضبة تمثل المناطق المائية والزراعية من أرض الجولان.‏

إن الاتفاقيات الجزئية والمنفردة فتحت الأبواب مشرعة أمام إسرائيل لإقامة العلاقات والتواصل مع دول العالم وبعض الدول العربية، بحجة أن السلام قد حل ووقع، وهنا فإن أكثر من (50) دولة في العالم اعترفت أو أعادت علاقاتها التي كانت قد قطعتها مع الدولة الإسرائيلية (تضامنا مع كفاح الشعب الفلسطيني)، بعد توقيع اتفاقيات "أوسلو، وادي عربة" وفي المقدمة دول مثل الصين، والهند، فيتنام، كازخستان، أوزبكستان، اذربيجان.. الخ كانت تربط الاعتراف والعلاقة مع الدولة العبرية باستجابتها لحق شعبنا بتقرير المصير والدولة المستقبلة بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين. وفتحت هذه الاتفاقيات بالتنازلات الكبرى التي تم تقديمها شهية التوسع ونمو اتجاهات التطرف في إسرائيل التي أرادت كسب المزيد من التنازلات. وأقول لكم بأنه منذ توقيع اتفاق أوسلو الأول في 13/9/1993 وحتى نهاية العام 1997 فإن أكثر من (450) ألف دونم تم مصادرتها لأغراض التهويد والاستيطان، حيث لم يشفع للأرض الفلسطينية الاتفاقيات الموقعة. كما لم تحصل شعوب بلادنا على "السمن والعسل" الناجم عن اتفاقيات السلام الهش التي تم توقيعها، فالأوضاع الحياتية والاقتصادية لشعوبنا تردت أكثر فأكثر بالرغم من الكلام الممجوج عن زمن السلام والبحبوحة والرفاه.‏

على يقين كامل نحن مقدمون على انفجارات لها بداية وليس لها نهاية محددة. فضغط الاحتلال واملاءاته وزحف عمليات التهويد والاستيطان بمثابة صواعق كبيرة يتم وضعها فوق برميل البارود التي ينمو ويتسع كل يوم على امتداد منطقة الشرق الأوسط من فلسطين وصولاً إلى الخليج حيث الأساطيل وبوارج العربدة الأمريكية والبريطانية.‏

إن مستقبل الصراع العربي -الإسرائيلي لن تكون خاتمة اتفاقيات الذل والإذعان والتفرد، فالشعب يكبو ويتهيأ وينطلق للدفاع عن مصالحه وحقوقه في نهاية المطاف.. وعلى الذين وقعوا الاتفاقيات الجزئية والمنفردة دون إرادة أو استفتاء شعوبهم حول القضايا المصيرية، عليهم أن يراجعوا أنفسهم، ويقفوا أمام شعوبهم وقفة نقدية ويعتذروا من شعوبهم والعرب والعالم على كسر قرارات الشرعية الدولية والتراجع عنها بحثاً عن حلول جزئية منفردة بعيدة جداً عن السلام الشامل المتوازن في هذه المرحلة والقائم على انسحاب العدو من جميع الأراضي المحتلة بعدوان 1967 إلى ما وراء خطوط 4حزيران /يونيو 1967 وضمان حق شعبنا بتقرير المصير والاستقلال وعودة اللاجئين وفق القرارين الأمميين 242و237، لأن ما بشروا به من سلام الرخاء لم يأت سوى بالمزيد من نهب وتهويد الأرض وتعدد اخطبوط الاستيطان وفتح شهية اليمين الصهيوني التوسعية في الضفة والقطاع والجولان... الخ والمعاناة والجمود الاقتصادي في الأردن وسورية ولبنان، والجوع والبطالة والحصار لاقتصادي في الضفة والقطاع فضلاً عن القمع المزدوج لحركة شعبنا الوطنية على يد الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي.‏

جواب السؤال الرابع:‏

منذ أوائل السبعينات، قدمنا اجتهادنا حول هذه المعضلة التي واجهت حركة المقاومة الفلسطينية وم.ت.ف وأكدنا أكثر من مرة بأن الربط بين الخاص والعام، بين الوطني القطري- والقومي ضرورة لا غنى عنها ولا بد منها، حيث تتداخل وتتشابك عوامل الصراع في المنطقة بين شعوبنا والغزو الاستيطاني الصهيوني فضلاً عن الغزو الإمبريالي الأمريكي متعدد الأشكال والأنماط.‏

فمقاومة المشروع الصهيوني ووقف زحفه وتمدده، والنهوض بالأوضاع الفلسطينية والعربية، يتطلب فعلياً الربط الديالكتيكي المحكم بين طرفي المعادلة، الوطني القطري والعام القومي، والاتفاقيات الثنائية والجزئية من كامب ديفيد إلى أوسلو ووادي عربة أسهمت بإحداث الاختلال في المعادلة العربية -العربية، معادلة الترابط بين القومي- والوطني القطري (العام- والخاص) لذا شاهدنا مسلسل التراجعات والانتكاسات المتتالية التي أصابت الجسد العربي ومنطقة الشرق الأوسط، فالاتفاقيات تم توقيعها، "ولكن لا سلام الشرعية الدولية أخذ مكانه ولا حل السلام بإنجازاته"، بل على العكس كما أسلفنا سابقاً فإن شهية التوسع والعدوان وتحقيق المكاسب الجديدة فتحت في الدولة الصهيونية.‏

إننا دعونا وما زلنا ندعو ونعمل لمؤتمر عام على مستوى الوطن العربي وبخاصة الدول المشرقية تتمثل في كل القوى والأحزاب والفعاليات والشخصيات الروحية الإسلامية والمسيحية ورجال الفكر والبرلمانات، لتأسيس حالة على امتداد المنطقة لمقاومة وفضح وتعرية المشروع الصهيوني والوقوف في وجه سلام القوة والغطرسة الإسرائيلي.‏

هذه التحركات الشعبية يمكن لها أن تعطي نتائج إيجابية، فالأنظمة ترتعد دوماً عندما ترى زحف الشعوب وإصرارها بالدفاع عن مصالحها وحقوقها، هذا ما لمسناه واضحاً أثناء أزمة المفتشين الدوليين في العراق وأزمة العراق الأخيرة مع الأمم المتحدة، حين فرض نهوض الشارع الوطني في مصر والأرض الفلسطينية المحتلة ولبنان وعدد من بلدان الخليج وغيرها مواقف تتسم بالإيجابية في مواجهة التحضيرات الأمريكية والبريطانية للعدوان الشامل على العراق.‏

إن خطوة بناء المؤتمر العام والمؤتمرات الشعبية الفرعية في كل بلدان العالم العربي وبالعمل ينبثق عنها برنامج قاسم مشترك قومي وقطري وأمانات مركزية وقطرية، لا يمكن أن تتم بين لحظة وأخرى، بل تتطلب العمل الجاد والمثابر من قبل الأحزاب والقوى لتثير حركة الشعب والشارع في العملية الوطنية الديمقراطية.‏

والوجه الآخر لهذه العملية عقد قمة مصالحة عربية -عربية تشتق "مشترك المصالح العليا" بين الأقطار العربية وفي المقدمة محاصرة المشروع التوسعي الصهيوني وغلق نوافذ التطبيع معه حتى يرتدع ويرحل عن الأرض المحتلة عام 1967 وينزل عند الشرعية الدولية، بحق شعبنا الفلسطيني بتقرير المصير والدولة وعاصمتها القدس العربية وعودة اللاجئين والنازحين بموجب القرارين الأمميين 194-237.‏

إن جسر القمة الشاملة العربية هو المراجعة النقدية الشجاعة لكل طرف بما فيه نحن الفلسطينيين مع خطايا وأخطاء قبل مدريد وبعدها، قبل أوسلو وبعدها لنعيد بناء العلاقة الحية بين الوطني والعربي القومي، بين الخاص والعام على قاعدة المصالح المشتركة.‏

جواب السؤال الخامس:‏

تسأل عن الخروج من المأزق الراهن، ونحن نجيب بالتالي:‏

المواجهة لم تتوقف أبداً بين قوى الصمود والقوى الوطنية العربية على امتداد المنطقة بكل تلاوينها السياسية والطبقية والأيديولوجية مع دولة الاحتلال والسياسة الأمريكية. فنحن المتضررين ويومياً ندفع الثمن الباهظ. لذلك فإن أشكال المجابهة موجودة وستستمر بأنماط مختلفة تبعاً للظروف والمعطيات، من جانب آخر أقرب لكم بأن الحال العربي الراهن "لا يسعد خاطراً ولا يسر صديقاً" فهو حال مفكك رغم المناخات الإيجابية التي بدأت تشق طريقها منذ فترة ليست بالقصيرة، والهجمة الانكلوامريكية في الخليج ولكنها بمكيالين، للعرب مكيال ولإسرائيل آخر، وإصرار الدولة العبرية على التمسك بموقفها وخطابها السياسي المعادي فعلياً للسلام الشامل والمتوازن "سلام الشرعية الدولية" إن كل ذلك يتطلب إعادة الحياة إلى الروح العربية المشتركة وإلى التضامن العربي -العربي والسير بخطوات فعلية ملموسة نحو المصالح العربية -العربية الشاملة فقد طال الحداد ووجب على الجميع إسدال الستار على الماضي الأليم والنظر بعين متفائلة إلى المستقبل وإلى المصالح القومية العليا بروح النقد الشجاع، وفي المقدمة نقد الذات الفلسطينية واعتذار فريق أوسلو الفلسطيني من شعبنا والأمة العربية على التفرد والانفراد وإغراق قضيتنا والعرب في متاهات الصفقات الجزئية والمنفردة وفك العلاقة بين القضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي -الإسرائيلي الصهيوني.‏

نعتقد أن هناك ضرورة وطنية وقومية وأخلاقية، مصلحية، لعقد قمة عربية -عربية شاملة وبحضور الجميع لإرساء المناخ الإيجابي في العلاقات العربية -العربية، وعلى طريق نظام أمن يحفظ ويصون العلاقات العربية ويؤسس للحدود الدنيا من التفاوض المشترك. هذا الأمر يحتاج إلى جهود مخلصة وإلى دور القوى العربية المؤثرة صاحبة الوجهة والدور الإقليمي والمتضررة من كل الكوارث التي وقعت..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244