خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

إجابات على الأسئلة المتعلقة بمرور نصف قرن على النكبة أجوبة المناضلة الفلسطينية: ليلى خالد

السؤال الأول:‏

للوقوف على أسباب الهزيمة وبالأحرى الهزائم المتكررة، لا بد من النظر للموضوع من جانبيه الموضوعي والذاتي.‏

وبالدرجة الأولى فإن طبيعة العدو الذي نواجه وطبيعة المشروع الذي خطط له ونفذ جزءاً منه هو بطبيعة الحال أحد الركائز الهامة في رؤية الهزيمة التي منينا بها.‏

إن العدو الذي نواجه يعتبر بحق أكبر حزب منظم في التاريخ وعلى المستوى العالمي، وأقصد بذلك الحركة الصهيونية، وهذه الحركة التي تم التأسيس لها على أيدي أناس نظروا لأنفسهم أنهم قادة العالم في المستقبل، أمثال هرتزل وجابوتنسكي وغيرهما، وقد استندوا في مشروعهم إلى أفكار توراتية وإلى أيديولوجيا مغرقة في رجعيتها، وكان لا بد من ترجمة هذه الأفكار بمشروع تمتد مساحته عبر العالم بتنظيم عالي المستوى ويجمع فيه يهود العالم أولاً، ويجند له كل التحالفات التي تتلاقى مع أفكاره، وكان لا بد من إيجاد قاعدة مادية لهذا المشروع للانطلاق منه ولتحقيق أهداف الحركة نفسها، وعليه فقد كانت الخطوة الأولى من أجل إنشاء هذه القاعدة هو التوجه لقوى دولية لدعم المشروع الصهيوني.‏

وقد وجد هذه المشروع مؤيدين له على رأسهم الدولة العظمى بريطانيا التي كانت تستعمر نصف الكرة الأرضية، وبعد جهود حصلت الحركة الصهيونية على وعد بريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين سنة 1917، وهكذا كان، ومنذ إقرار ذلك الوعد ازداد العمل وبذلت كل الجهود لتحقيق هذا الهدف.‏

لم تكتف الحركة الصهيونية بهذا الوعد، بل لقد عملت على تجنيد قوى أخرى لتجسيد هذا الوعد، وعليه فقد استحصلت على قرار في الأمم المتحدة- أعلى هيئة دولية- بتقسيم فلسطين بحيث يتحقق الوعد بإنشاء القاعدة المادية للحركة الصهيونية- أي إقامة وطن لليهود في فلسطين.‏

وبطبيعة الحال فقد تم استغلال النازية إبان الحرب العالمية الثانية لتكثيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ثم لاستخدام هذا الدور لإيجاد مزيد من التأييد لإقامة دولة لليهود.‏

وهكذا كان، فما أن انتهى الانتداب البريطاني لأرض فلسطين سنة 1948 حتى كانت العصابات الصهيونية المتواجدة آنذاك في فلسطين تعلن عن قيام دولة إسرائيل، متسلحة بقرار دولي وبالوعد الذي تم الحصول عليه من بريطانيا.‏

ولا يفوتنا أن نذكر أن ثلاث قواعد الرئيسة حكمت الحركة الصهيونية في محاولاتها لتنفيذ الجزء الأول من مشروع إقامة الكيان:-‏

الأولى: امتلاك القوة العسكرية‏

الثانية: امتلاك المال‏

الثالثة: السيطرة على وسائل الإعلام‏

وهذا ما حصل فعلاً إذ أن تنفيذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين قد سبقه هجرات متكررة من اليهود إلى فلسطين، وإنشاء تنظيمات مسلحة ثم الاستناد إليها في مواجهة الحالة الشعبية الفلسطينية/ الرافضة للهجرة الصهيونية والمقاومة لها وللانتداب البريطاني الذي كانت قواته تدعم هذه التنظيمات المسلحة والتي اتخذت شكل العصابات الفاعلة في فلسطين.‏

ولست هنا بصدد الاستعراض التاريخي للحركة الصهيونية، ولكننا بصدد إبراز أهم الملامح لكي ندرك طبيعة هذا العدو.‏

لم تكتف الحركة الصهيونية بالإعلان عن قيام دولة إسرائيل، بل إنها اعتبرت ذلك البداية، فكان لا بد من تدعيم هذه الدولة بكل الإمكانات كي تصبح دولة عصرية تمتلك السلاح والمال والعلاقات لأن الهدف ليس فقط إنشاء الدولة، بل الاستمرار بها كقاعدة للانطلاق منها للهيمنة على المنطقة كلها، خاصة وأن المنطقة العربية تمتلك أهم ثروة طبيعية -أي النفط- وقد استشرفت الحركة الصهيونية أهمية هذه المنطقة استراتيجياً ولذلك عملت كل ما في وسعها وما زالت لتحويل الدولة العبرية إلى قوة تمتلك السلاح والتكنولوجيا كي تكون قادرة على الهيمنة على المنطقة، هذا بالإضافة إلى تمويلها بالبشر عبر استقدام اليهود من شتى بقاع الأرض للاستيطان في فلسطين.‏

ولتحقيق هذه الأهداف مجتمعة فقد خاضت الدولة اليهودية حروباً ضد العرب وعلى كل الجبهات وكسبت هذه الحروب، كما احتلت مزيداً من الأرض من خلال حروبها هذه.‏

لقد تلاقت أهداف ومصالح الحركة الصهيونية مع مصالح الاستعمار القديم، وكذلك الاستعمار الحديث المتمثل في أمريكا الدولة القوية بعد الحرب العالمية الثانية، فنسجت أوثق العلاقات بينها وتم تجنيد أمريكا لتقديم كل الدعم اللازم للدولة الجديدة.‏

وجرى العمل وما زال حتى يومنا هذا بين إسرائيل والولايات المتحدة على حماية المصالح المشتركة بينهما في المنطقة بكل الوسائل.‏

هذه هي باختصار صورة العدو ومشروعه في منطقتنا‏

فماذا كان على الضفة الأخرى في المواجهة؟؟.‏

لن ندخل في سرد تاريخي إلا أن عناوين مختصرة ستعطي الإجابة نحددها على النحو التالي، وذلك فيما يخص الحالة العربية:‏

1-حالة التجزئة والتي تعمقت على مدار السنوات الطويلة وصلت إلى حالة من القطرية البغيضة‏

2-ضرب كل محاولات الوحدة العربية (مصر وسورية)‏

3-اشتداد حالة القمع من قبل الأنظمة الحاكمة في مواجهة الحالة الشعبية الرافضة لواقعها المرير.‏

4-غياب كامل للديمقراطية وضرب حقوق الإنسان في العالم العربي‏

5-تبعية اقتصادية شبه كاملة للسوق الرأسمالية، وعدم امتلاك الثروات لتطوير صناعات وبنى رأسمالية اقتصادية تواكب العصر‏

6-اشتداد حالة التآمر والضرب من قبل العسكر للحركة الشعبية‏

7-معظم حالات النهوض ضربت وقمعت [الثورات المسلحة- الانتفاضة الشعبية في فلسطين]‏

8-كافة الشعارات الثورية- السياسية أو الاجتماعية- لم تجد لها ترجمات فعلية في الواقع العملي.‏

9-انهيار المنظومة الاشتراكية وتأثيرها السلبي على مجمل الحركة الجماهيرية العربية.‏

هذه الأسباب وغيرها قد جعلت إمكانية تطور المشروع الوطني العربي عامة والفلسطيني خاصة محكومة بالفشل، وبالتالي الانحسار الذي نراه في أيامنا هذه، مما يؤكد أن عوامل الهزيمة قد طال حتى الشعارات، وهذا بعد أن ثبت فشل البرامج التي وضعت للمواجهة.‏

فالمنطقة برمتها ما زالت تعيش إرهاصات كبيرة، وتحتاج إلى جهود استثنائية وكبيرة جداً لكي تعيد للمشروع الوطني ركائزه وروافعه الضرورية للنهوض من الحالة الراهنة إلى حالة أعلى تصبح إمكانية الخروج من المأزق مسألة واقعية.‏

السؤال الثاني‏

لا أعتقد أن المشروع الصهيوني بجوهره قد تغير، لكن أشكال تطبيقه ربما طرأ عليها بعض التغيير فمثلاً مسألة التوسع بالأرض أي الاستيلاء عليها بالقوة قد استبدلت بمسألة الهيمنة الاقتصادية.‏

وهذا نجد تجلياته في عقد معاهدات الصلح مع بعض الدولة العربية وإقامة علاقات مع البعض الآخر بهدف الدخول الاقتصادي معها للوصول إلى حالة من التطبيع شاملة.‏

وبالطبع مسألة امتلاك الأسلحة والتكنولوجيا تبقى قائمة ليس هذا فحسب بل تطويرها لحماية الإنجازات والمصالح التي تشكلت بعد إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين.‏

وقد تأكد هذا الأمر بعد انعقاد المؤتمر الأخير للحركة الصهيونية العام الماضي في سويسرا، حيث تم الاحتفال بأربع مناسبات:‏

1-مائة عام على إنشاء الحركة‏

2-ثمانين عاماً على وعد بلفور‏

3-خمسين عاماً على قرار التقسيم‏

4-ثلاثين عاماً على توحيد القدس واعتبارها العاصمة الموحدة الأبدية‏

وقد رسم المؤتمر للمئة عام القادمة خطة جديدة تعزز الإنجازات التي تحققت من ناحية وإضافة أهداف جديدة لتعزيز هذه الإنجازات، وهذه الأهداف تتمحور حول مزيد من السيطرة وتعزيز النفوذ في المنطقة وفي العالم.‏

السؤال الثالث:‏

مما لا شك فيه أن الاتفاقات التي عقدت مع الكيان الصهيوني لها أكبر الأثر على مجرى الصراع العربي الصهيوني، ويتجلى هذا الأثر بتراجع البرامج التي تدعو إلى تحرير فلسطين من ناحية، وتعقيد الظروف لأية قوى ما زالت تحمل مشروعها الوطني من ناحية ثانية.‏

ويكفي القول أنه قد تم للحركة الصهيونية ما أرادته من هذه الاتفاقات، أي الاعتراف بحقها في الوجود على الأرض العربية في فلسطين، وضرب كل قرارات الشرعية الدولية، مما يحيل حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير أمراً بعيد المنال.‏

وعلى الرغم من كل هذه الاتفاقات فإن عوامل الصراع نفسها لم تنته، فما زالت إسرائيل ترى في نفسها القوة الأولى في المنطقة التي تعمل على ضرب أية عوامل نهضوية.‏

ومما يؤكد ذلك أي بقاء الصراع- هذه الممانعة الشعبية لنتائج الاتفاقات المبرمة. إذ لم تستطع هذه الاتفاقات فرض حالة التطبيع مع هذا الكيان من قبل الجماهير العربية إضافة لحالة الممانعة الشعبية للتطبيع في مصر والأردن.‏

وهذا سيكون له أثر في حالة اشتداد الصراع لاحقاً، لكنه سيكون محاطاً بظروف أعقد مما كان عليه الحال قبل توقيع هذه الاتفاقات مع الأنظمة.‏

السؤال الرابع:‏

إن مقاومة المشروع الصهيوني سياسياً واقتصادياً وثقافياً يحتاج بالدرجة الأولى إلى قوى صلبة البنيان ذات برامج واضحة تحدد فيها خطط عمل ترصد لها كل الإمكانات لتحويلها إلى واقع وهذه القوى لا يمكن لها النهوض دون عملية مراجعة شاملة للمرحلة السابقة واستخلاص دروسها حتى تتمكن من المضي قدماً بهذه البرامج.‏

فعلى الصعيد السياسي لا بد من وجود جبهات قطرية للقوى الوطنية لها برنامج من شقين، برنامج وطني خاص وبرنامج قومي عام تكون بنوده منسجمة مع بعضها البعض.‏

وبعد ذلك تطوير أية محاولات قومية للارتقاء بها إلى جبهة شعبية عريضة تضم في صفوفها كافة القوى المناهضة للمشروع المعادي بكل أبعاده مع توفير مقومات الصمود بالدرجة الأولى للوصول إلى مرحلة الهجوم والاشتباك مع المشروع في كافة المجالات وعلى كافة الصعد، مع تجنيد كافة الطاقات لإحداث اختلال في ميزان القوى لصالح هذه الجبهة العريضة هذا من جهة، ومن جهة أخرى بذل كافة الجهود للإطاحة بهذه الأنظمة السياسية التي تحمل عصا القمع وتمنع حالة النهوض المنشودة.‏

إن السيطرة على الثروات في المنطقة العربية من قبل الجماهير وقواها الحية هي الهدف الذي يجب أن تسعى له حتى تكون قادرة على المواجهة على الصعيد الاقتصادي من ناحية أخرى.‏

وبطبيعة الحال فإن المواجهة على المستوى الثقافي سيكون لها الأثر الفعال في تعبئة الجماهير في عملية الاختراق الذي أحدثها المشروع الصهيوني عبر اعتراف الأنظمة لكيانه والتعامل معه يكون كجزء طبيعي من المنطقة، فالجبهة الثقافية ضرورية لتثمينها خاصة في هذه المرحلة فهي آخر القلاع الآن، والحفاظ عليها من الاختراق هي مهمة وطنية لكل الوطنيين.‏

كل هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا بد من العمل على الصعيد الدولي كي تجد هذه الجبهة لها تحالفات ومؤيدين تناصرها في مواجهتها للمشروع الصهيوني، تماماً كما كان الحال إبان الحقبة النازية، فقد تضافرت الجهود الدولية من أجل إنهاء النازية كوجود عسكري وكإيديولوجي. وبدون ذلك فستبقى الأمور تراوح في مكانها، وعلى العكس فسوف تتراجع.‏

السؤال الخامس:‏

إن الخروج من المأزق الراهن يحتاج لجهود استثنائية، وقوى استثنائية أيضاً ذات برامج علمية قادرة على حشد كافة الطاقات من أجل تحويل هذه البرامج إلى واقع علمي.‏

ولا يمكن الخروج من المأزق دفعة واحدة بل بخطوات متدرجة وثابتة. وكما أشرنا في السؤال السابق فإن جبهة شعبية عربية عريضة مطلوبة وبإلحاحية شديدة تتجاوز فيها حالة القطرية في كافة أنحاء الوطن العربي.‏

إن ترجمة مقولة التكامل العربي على المستوى السياسي والاقتصادي هي مسألة ضرورية أيضاً لمواجهة المخاطر التي تتهدد كافة الوضع العربي.‏

كما أن الديمقراطية كأسلوب حياة مطلوب إشاعتها في نظمنا وإدارة شؤون مجتمعاتنا سوف يؤهل قوى فتيه قادرة على النهوض بأوضاع عالمنا العربي، وتكون قادرة على إنجاز المهام الكبيرة والخروج من المأزق الذي نحن فيه.‏

مسألة هامة أخرى تحتاج هي الأخرى لمزيد من التفعيل ألا وهي مقاومة كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، بحيث تصبح هذه المقاومة مقدمة لمقاومة أشمل وهي مقاومة المشروع الصهيوني برمته. وهذا يقودنا للقول أن إبقاء الاشتباك دائماً مع العدو لإحداث اختلال في ميزان القوى لصالح جماهيرنا العربية هو ضرورة وحاجة من أجل إحداث النهوض بتراكم إنجازات صغيرة تصبح لاحقاً انتصارات تؤدي إلى النصر الكامل على المشروع المعادي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244