خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

إجابة املي نفاع

رئيسة جمعية النساء العربيات، نشطة أردنية في مجال حقوق المرأة.‏

السؤال الأول: لماذا هزمنا؟ وأية عوامل ترونها أسباباً في انحسار المشروع الوطني الفلسطيني بدءاً من تحرير كامل فلسطين وصولاً إلى المرحلة الراهنة؟‏

الجواب: لم نهزم لأن قضيتنا خاسرة أبداً، قضيتنا عادلة. ولكن القضية العادلة حتى تنتصر يتوجب أن تهيأ لها المقومات الأساسية لكي تنتصر، وهذا الذي لم يتوفر لنا، ولم نكن مؤهلين له. لم نتعامل مع قضيتنا منذ البداية بعقلية علمية موضوعية تبني الأساس المتين للانتصار. ومن أهم أسباب الاخفاقات التي لحقت بقضيتنا، عدم توفر القيادة الواعية القادرة على تعبئة الجماهير وكسب الرأي العام العالمي على أساس برنامج كفاحي يوحد قدرات وطاقات الشعب الفلسطيني لمواجهة التآمر البريطاني المكشوف والهجرة اليهودية غير الشرعية إلى فلسطين -تلك الهجرة التي جرى التهيئة لها ودفعها من خلال أساليب متعددة شارك فيها قادة الحركة الصهيونية.‏

لم تدرك جميع القوى الوطنية الفلسطينية، في هذا الوقت المبكر، بأن المعركة الأساسية يجب أن توجه ضد الوصايا البريطانية من أجل الاستقلال الناجز لفلسطين والتصدي للهجرة اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية ولم تتبين طبيعة موازين القوى على حقيقتها.‏

هذا بالإضافة إلى الوضع العربي الذي كان سائداً، حيث كشفت نتائج كارثة عام 1948 وما بعدها بأن بعض الأنظمة العربية لم تملك قرارها السياسي المستقل، وقسم منها كان ضالعاً بالمخطط البريطاني الصهيوني. فخذلت الشعب الفلسطيني الذي قدم تضحيات كبرى وأبدى استبسالاً منقطع النظير في الدفاع عن أرضه عبر انتفاضات وثورات خاصة ثورة عام 1936.‏

السؤال الثاني: بعد مئة عام على قيام الصهيونية كحركة سياسية.. هل ترون أن المشروع الصهيوني قد تغير؟ وما هي أبرز ملامح التغيير فيه إن وجدت.‏

المشروع الصهيوني لم يتغير وذلك بسبب اعتماده على فكر وفلسفة عنصرية عرقية، دينية، اثنية رجعية معادية لمبادئ وقيم الحضارة ولا يمكن أن يتغير المشروع الصهيوني إلا إذا تغيرت المنطلقات التي يستند إليها وذلك إما بتغيير المجتمع وتحوله من مجتمع عنصري، عرقي يعتمد الخرافة إلى مجتمع مدني يعتمد على العقلانية والواقعية، وإن سياسة حكومة نتنياهو تجسيد فاضح لهذه السياسة العنصرية التوسعية العدوانية، والتي تجد الدعم والمساندة من إدارة الولايات المتحدة الأميركية التي يعشعش فيها عناصر صهيونية موغلة في عدائها للشعب الفلسطيني، والتي تحاول بشتى السبل عرقلة إيجاد أية تسوية عادلة وشاملة تضمن الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة على أرضه، ويتم تزويد حكام إسرائيل العنصريين بجميع أشكال الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، باعتبار إسرائيل أداة ردع تحمي مصالحهم في المنطقة العربية لمواصلة نهب ثرواتها الطبيعية والتحكم بمداخلها وممراتها المائية لمواجهة التكتلات المنافسة لها في المنطقة، ولكي تستند إلى قاعدة اقتصادية قوية تمكنها من تنفيذ سياستها في السيطرة السياسية على العالم.‏

السؤال الثالث: ما هو تأثير الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل وعدة أطراف عربية: كامب ديفيد، وادي عربة واتفاقيات أوسلو على مجرى الصراع العربي الصهيوني؟‏

الاتفاقات التي وقعتها أطراف أساسية في الجانب العربي مع إسرائيل لم ولن تؤثر على الصراع العربي الإسرائيلي إلا حين يتوفر في إسرائيل قيادة تحترم وتلتزم بهذه الاتفاقات، وتشعر أنها ستكون لصالح بقائها ووجودها المستقبلي.‏

فإسرائيل بحكامها الحاليين تعتقد أنها قادرة أن تناور وتلتف حول أية اتفاقية توقعها كون الولايات المتحدة الأميركية قادرة أن تحميها وتؤمن لها الدعم الكافي للسير في سياستها المبنية على الغطرسة والقوة. كما أنها تعتمد بذلك على ضعف خصومها الذين لا يستفيدون من قدراتهم وإمكاناتهم بالضغط عليها، وعلى إجبارها للرضوخ للشرعية الدولية وقرارات هيئة الأمم المتحدة، والاتفاقات الموقعة معها.‏

اتفاقية كامب ديفيد‏

كان من أخطر التطورات التي شهدتها المنطقة توقيع مصر على اتفاق كامب ديفيد، وخروج هذا البلد العربي الأكبر والأكثر إسهاماً في الحروب العربية الإسرائيلية وصاحب النصيب الأكبر في أعباء وتضحيات هذه الحروب من صف المواجهة مع إسرائيل بكل ما استتبع ذلك من اختلال كبير في الجبهة العربية. لقد وجهت مصر بتوقيع كامب ديفيد ضربة قوية للتضامن العربي وشقت طريق الحلول الانفرادية مع إسرائيل، ودشنت عهد انفراط العقد العربي، الذي وجد تعبيره المأساوي في الغزو الإسرائيلي للبنان، وحصار بيروت وإخراج منظمة التحرير منها عام 1982، ثم تجسد الانهيار العربي الرسمي بأجلى صورة في الغزو العراقي للكويت والنتائج الكارثية لحرب الخليج.‏

لقد طرأ تبدل على شروط ومضامين الحل السياسي للصراع العربي الإسرائيلي بعد كامب ديفيد، مع أن الجماهير العربية ظلت تتمسك بنهج النضال ضد العدوان والاحتلال. وسطرت ملاحم كفاحية مجيدة في هذا النضال تجلت بأنصع صورها في المقاومة اللبنانية الباسلة للاحتلال الإسرائيلي وللوجود الأمريكي، وكذلك في تفجر الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وتحولها إلى نهج ثابت في حياة الضفة والقطاع لبضع سنين.‏

مع ذلك فان قوى وأنظمة عربية عديدة صارت بعد كامب ديفيد، ترى أن الطريق إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي يمر عبر استرضاء إسرائيل والولايات المتحدة وراحت تعمل تحت شعار (إنقاذ ما يمكن إنقاذه) (وأوراق الحل بيد أمريكا) وهي شعارات محملة باليأس من جدوى النضال ومشبعة بروح التنازلات، والتسليم بشروط الحلول الإسرائيلية الأمريكية.‏

ورغم ذلك فإن إسرائيل قد صارت هنا أيضاً أكثر تشدداً وباتت استحقاقات الحل عندها تتجاوز كثيراً إنهاء حالة الحرب أو مجرد الاعتراف بوجود إسرائيل إلى ضرورة التطبيع العربي الكامل معها وفتح الأبواب العربية أمامها سياسياً واقتصادياً وثقافياً.‏

إن هذه الاشتراطات الإسرائيلية، تلاقت وتناغمت مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط والتي تبلورت في التسعينات خصوصاً بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفياتي. وهذه الاستراتيجية تقوم على بناء نظام وسوق شرق أوسطية تنتفي فيها الأولويات والروابط العربية وتشارك فيها إسرائيل وتركيا وغيرهما من البلدان وهو المشروع الذي نشطت بتنفيذه بعد حرب الخليج.‏

وعندما شرعت الولايات المتحدة بالدعوة إلى مفاوضات عربية إسرائيلية كان الانقسام العربي قد بلغ حداً يستحيل معه أخذ موقف موحد في مواجهة المبادرة الأميركية، ولذلك كان الاشتراك في مؤتمر مدريد في بعض وجوهه بديلاً عن مزيد من التشرذم العربي، والاستفراد الإسرائيلي بهذا الطرف أو ذاك.‏

لقد كانت المواقف العربية في الطريق إلى مدريد، وأثناء انعقاده تتسم بحد معقول من الاتزان والتماسك، غير أن الأمور بعد انفضاض مؤتمر مدريد وانتقال المفاوضات إلى واشنطن سارت في اتجاه مغاير.‏

لقد أبدت إسرائيل تعنتاً واضحاً، وبتغطية كاملة من الولايات المتحدة ثم إن المفاوضات العربية الإسرائيلية انقسمت إلى مسارات متعددة، وبعد ذلك ابتدأت المفاوضات المتعددة الأطراف كمسار مواز للمفاوضات الثنائية.‏

اتفاق أوسلو‏

وراحت إسرائيل والولايات المتحدة تركزان على تعميق الهوة بين كل مسار وآخر وإثارة الريبة والشكوك بين المفاوضين العرب. وإلى جانب ذلك تم التركيز على المفاوضات المتعددة لفتح فرص التطبيع أولاً بين البلدان العربية وإسرائيل وكانت ذروة التطورات المفاجئة في هذه المفاوضات هي انخراط منظمة التحرير وإسرائيل في مفاوضات سرية لعدة أشهر، توجت باتفاق أوسلو ثم اتفاقات القاهرة حول الحكم الذاتي في غزة وأريحا.‏

إن النهج الذي اعتمد في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية السرية والأوهام التي أغرقت بها اتفاقات أوسلو والقاهرة كحل للقضية الفلسطينية، وما تضمنته هذه الاتفاقات من التزامات سياسية واقتصادية وأمنية ألحق مزيداً من الضعف بمركز القضية الفلسطينية في إطار المفاوضات العربية الإسرائيلية، وساعد في تعزيز برنامج المفاوضات المتعددة الأطراف والأغراض، وأعطى ذريعة لأطراف عربية عديدة للشروع في إجراءات تطبيعية مع إسرائيل بصرف النظر عن طبيعة وآفاق حل الصراع العربي الإسرائيلي.‏

اتفاقيات وادي عربة‏

وخلال الفترة اللاحقة تعرض الأردن إلى ضغوط أمريكية متواصلة بهدف جره إلى مفاوضات منفردة مع إسرائيل فقد شددت أمريكا حصارها العدواني على ميناء العقبة، ومارست عبر صندوق النقد الدولي ونوادي الدائنين في باريس ولندن ابتزازاً كبيراً للأردن في أزمة ديونه الخارجية، ودأبت على التلويح له في ذات الوقت بوعود الدعم المالي وحل مشكلة الديون وتدفق الاستثمارات إذا ما دخل في صلح كامل مع إسرائيل، وبعد توقيع الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية عملت الولايات المتحدة على إثارة نوازع الخوف لدى الأردن من نتائج تقدم المفاوضات على المسار الفلسطيني ثم السوري كذلك.‏

لقد جاءت معاهدة الصلح الأردنية -الإسرائيلية في سياق تسارع مفاجئ وغير طبيعي لمسار المفاوضات الأردنية الإسرائيلية، وقد تم التوقيع عليها بالتعارض مع كل التأكيدات الأردنية الرسمية السابقة على الالتزام بالحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي. لقد جاء هذا الاختراق الكبير في المسار الأردني ليقضي على مبدأ الحل الشامل، ويسمح بتعميم نهج الحلول المنفردة الذي ابتدأ في كامب ديفيد، وتواصل في اتفاق أوسلو، ويوجه ضربة قاصمة للمقاطعة العربية مع إسرائيل وتحويل الأردن إلى بوابة عبور نحو الشرق وخصوصاً نحو أسواق بلدان النفط.‏

أما السلام الذي تبشر به معاهدة الصلح الأردنية الإسرائيلية فإنه وهم كبير لن يتحقق إن لم يتم التوصل إلى حل عادل لكل جوانب الصراع العربي الإسرائيلي وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.‏

إن فرض الحلول المنفردة يضع المنطقة أمام احتمال التوصل إلى اتفاقات عربية إسرائيلية مع الإبقاء على القضية الفلسطينية بدون حل وهذا يعني الإبقاء على أسباب التوتر والتفجر قائمة في الشرق الأوسط.‏

لقد نجح الجانب الإسرائيلي بالاستناد إلى دعم وتأييد الولايات المتحدة الأميركية في التلاعب بالأولويات والتي كان يفترض أن تشكل المدخل المنهجي والمنطلق المنطقي لبلوغ الحل الشامل. واتضح كذلك أن الاتفاقيات الثانية التي تم التوصل إليها مع إسرائيل، قد اشتملت على قضايا تمس أطرافاً عربية أخرى لم يجر التشاور معها بشأنها.‏

لقد حققت إسرائيل نجاحاً في توقيع هذه الاتفاقيات لأنها أعطت أولوية للقضايا التي تحقق لها مكاسب ملموسة كالقضايا الاقتصادية وقضايا التطبيع وقضايا الاندماج الاقتصادي والسياسي في المنطقة بينما دحرت إلى الخلف واجلت البحث في القضايا الأساسية التي تشكل المدخل الفعلي للحل العادل والشامل.‏

السؤال الرابع: كيف ترون ضرورة الربط بين الخاص الوطني والعام القومي من أجل بناء الجبهة الوطنية الشعبية العربية العريضة لمقاومة المشروع الصهيوني سياسياً واقتصادياً وثقافياً؟‏

لم تكن القضية الفلسطينية في يوم من الأيام قضية الشعب الفلسطيني وحده، أنها قضية كل العرب، وبقائها دون حل عادل وشامل هو بسبب عدم الربط الجدلي بين خصوصيتها كقضية لشعب عربي فلسطيني وقضية عربية. إن تجربة الخمسين عاماً الماضية من النضال البطولي للشعب الفلسطيني أكدت أن الجهد العربي ولا سيما الجهد الرسمي العربي في دعم النضال الفلسطيني قد استخدم لصالح الخاص العربي لكل بلد عربي بمفرده ولحل التناقض بين الشعوب العربية والسلطات الحاكمة في كل قطر عربي.‏

إن التلاحم الكفاحي العربي الفلسطيني المبني على الصدق والإخلاص والمعرفة العلمية لقوانين الصراع كفيل بدفع النضال المشترك خطوات إيجابية للإمام وهذا يتطلب تدارك النواقص والأوضاع السلبية وجهوداً جدية لتأمين الاستحقاقات التي تشكل شروطاً لا بد منها في هذه العملية المعقدة.‏

السؤال الخامس: في رأيكم وعلى ضوء المستجدات السياسية الراهنة كيف ترون أشكال الخروج من المأزق؟‏

ليس مستحيلاً الخروج من المأزق الحالي، فالاعتماد على الجماهير ووعيها والتحلي بالعقلانية الموضوعية، وليس العقلانية الاستسلامية، ووضع الأسس العلمية المستندة إلى تقدير موازين القوى، وحشد التأييد العالمي والذي يتزايد وينمو لصالحنا وتتزايد فيه عزلة حكام إسرائيل، واتخاذ الخطوات الفعلية في تهديد مصالح الإمبريالية الأميركية في المنطقة عملياً وسائل هامة في هذا الاتجاه.‏

فمثلاً فشل الولايات المتحدة في مؤتمر قطر الاقتصادي لفرض إسرائيل بالقوة على التعاون مع الدول العربية نتيجة مواقف كثير من الدول العربية قد أوضح أن هناك أسلحة وأوراق بيد العرب قادرة إذا ما استخدمت بإرادة عربية خالصة أن تؤثر، وكذلك مؤتمر القمة الإسلامي في طهران ومقرراته، واجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية في الدوحة مؤخراً أمثلة يجب دراستها والاستفادة منها في سياستنا المستقبلية وبالتالي لا بد من التأكيد على ما يلي:‏

1-تحقيق موقف عربي موحد من خلال إعادة الحد الأدنى للتضامن العربي وإحياء دور الجامعة العربية.‏

2-تأمين أوسع وأعمق أشكال التنسيق بين الأطراف العربية الأساسية الأردن وسورية والفلسطينيين.‏

3-التمسك بالثوابت القومية والوطنية على أساس الالتزام بالقرارات الدولية ولا سيما 242 و338 و425 على قاعدة الأرض مقابل السلام وتحقيق الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة: الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية والجولان والجنوب اللبناني.‏

4-الالتزام بمبدأ الحل الشامل والتمسك بحق الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره ومساندة كفاحه من أجل بناء دولته الوطنية المستقلة وبعودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى وطنهم.‏

5-تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة الثوابت الوطنية‏

6-مواصلة الجهود لكسب الرأي العام العالمي الذي تحاول إسرائيل تضليله وتحييده.‏

7-تشكيل جبهة شعبية عربية واسعة على نطاق المنطقة لدعم نضالات الشعب الفلسطيني ومنع كافة أشكال التطبيع الاقتصادي والثقافي والسياسي مع العدو الإسرائيلي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244