خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبة المفكر والكاتب الفلسطيني

الدكتور: أحمد صدقي الدجاني‏

الجواب الأول:‏

أول ما يتبادر إلى الذهن في محاولة الإجابة على هذا السؤال، هو استحضار المقصود بالهزيمة، ودلالة ضمير المتكلم، ذلك أن موضوع قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني الذي يدور حوله السؤال، له أبعاده الوطنية والقومية والحضارية والعالمية، ولكل من هذه الأبعاد دائرته التي يمكن التعبير عنها بضمير المتكلم.‏

الهزيمة من (الهزم) الذي هو (غمر الشيء حتى يتحطم) ويعبر عنه (بالحطم والكسر) وهي اصطلاحاً تدل [على التوقف عن الفعل لانعدام الإرادة الناجم عن تحول في الفكر والتصور أثناء مواجهة "عدو"، وتتجلى في التسليم "لمطالب هذا العدو بعد" الاستسلام "لما يعرضه عنوة].‏

والهزيمة تتجسد في اتفاق (الاستسلام) آخر الأمر، هو من نوع اتفاقات "الإملاء" DURESS، يجري إملاؤه DICTATED بعد أن تتوقف المقاومة العسكرية في أعقاب ضعف صور المقاومة الأخرى الروحية والفكرية والثقافية والاقتصادية ويمثل هذا الاتفاق توقف المقاومة السياسية. وتقع الهزيمة هنا على الصعيد الرسمي الذي وقع الاتفاق والتزم به وقد يشهد الصعيد الشعبي استمرار المقاومة في بعض صورها أو كلها تعبيراً عن رفض الاتفاق المحلي، فلا تكون الهزيمة كاملة ويبقى تحت الرماد "وميض نار يوشك أن يكون لها ضرام" ولا يلبث الانتفاض الشعبي أن يفرض نفسه على الصعيد الرسمي، ويبرز قيادة شعبية تستمد شرعيتها من المقاومة وهذا كثير الحدوث في الصراعات الممتدة.‏

ضمير المتكلم، كما يتضح من الشق الثاني في السؤال منصرف إلى الدائرة الوطنية الفلسطينية، وهي تقع في الدائرة القومية العربية الأوسع، التي هي جزء من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، إحدى الدوائر الحضارية في عالمنا.‏

انحسار المشروع الوطني الفلسطيني "بدءاً من تحرير كامل فلسطين وصولاً إلى المرحلة الراهنة" التي شهدت توقيع اتفاقيات أوسلو لإقامة حكم ذاتي انتقالي فلسطيني على جزء صغير من فلسطين، جاء في أعقاب حرب حزيران يونيو 1967 التي انتصر الكيان الإسرائيلي فيها، المدعوم من قوى الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على مصر وسورية، واحتل سيناء والجولان فضلاً عن القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي الأراضي الفلسطينية التي لم يحتلها عام 1948.‏

أبرز الأسباب "الأساسية عميقة الغور" التي أدت إلى هذا الانحسار في المشروع الوطني الفلسطيني، هو ما طرأ من تحول بفعل "النكسة" العربية على الشعار القومي العربي الخاص بتحرير فلسطين، الذي أصبح "إزالة آثار عدوان 1967" وما اتصل به من قبول فكرة التسوية السياسية والسير فيها. والتحرك في حدود قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 11/1967 وقد أوصل هذا التحول على الصعيد الرسمي العربي إلى التخلي عن هدف تحرير فلسطين عملياً والتركيز على هدف تحرير الأراضي العربية المحتلة عام 1967، تدريجياً تكيفت قيادة العمل الفلسطيني التي برزت بعد النكسة وتولت زمام منظمة التحرير الفلسطينية مع هذا التحول، وقبلت عام 1974 قرار قمة الرباط العربية أن تكون المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين، وأن تشارك بدورها في التسوية السياسية، وأن تصوغ برامجها المحلية بدءاً من مشروع النقاط العشر بصورة تناسب ذلك، وصولاً إلى قبول أوسلو في دورات مجلسها الوطني المتعاقبة. وتكشف دراسة حركات التحرر التي واجهت الاستعمار الاستيطاني، أن قوى الهيمنة التي تدعم المستعمر المستوطن تعمد أولاً إلى محاولة إخضاع الدول المحيطة بالقطر الذي يجري استعماره استيطانياً لتمنع مساندة هذه الدول لحركة التحرير التي تقاوم المستوطن أولاً، ثم لتفرض على هذه الدول من خلال (اتفاقات إملاء) ملاحقة أي عمل مسلح ضد المستعمر المستوطن ينطلق من أراضيها.‏

وهكذا فإن أحد ابرز أسباب التحول الفلسطيني الرسمي عن هدف التحرير: فلسطين كلها هو ما حدث من تحول عربي رسمي عن هذا الهدف، استتبعه التخلي عن الالتزام بالعمل القومي المساند للعمل الوطني.‏

سبب آخر اقترن بالسبب السابق هو أن جلّ الدول العربية المشاركة في الصراع العربي الصهيوني، انعطفت بعد حرب رمضان 10/1973، إلى متابعة السير في مساعي التسوية السياسية مع قبول الشرط الأمريكي بإيقاف جميع أشكال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، باسم "التخلي عن العنف واعتماد التفاوض سبيلاً وحيداً للوصول إلى التسوية" وقد قبلت قيادة العمل الفلسطيني هذا الشرط حين وافقت على المشاركة الفلسطينية المحدودة في مؤتمر مدريد يوم 30/10/1991 المعروف باسم مؤتمر سلام الشرق الأوسط، ملبية الشروط التي وضعها (مصمم المؤتمر) الأمريكي ثم وقعت على "نبذ الإرهاب" في اتفاق الاعتراف المتبادل بين الحكومة الإسرائيلية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية يوم 9/9/1997.‏

وهكذا ساد (أنموذج تفاوض شكلي) تخلى فيه الطرف الفلسطيني عن جلّ أوراقه وأهمها ورقة (المقاومة المسلحة) الأمر الذي جعل شمعون بيريز يصف هذا الأنموذج حين كان وزير خارجية في وزارة اسحق رابين "بيريز يفاوض بيريز" فيختار ماذا يعطي وماذا يمنح من الفتات لأن الفلسطينيين المفاوضين لا يملكون أوراقاً بأيديهم يتفاوضون عليها، وقد كشفت عملية التباحث في مرحلة ما قبل التفاوض المعلن منذ عام 1991 بين قيادة العمل الفلسطيني والإدارة الأمريكية ثم الحكومة الإسرائيلية عن قصور حاد في وفاء هذه القيادة ومتطلبات التفاوض ناجم عن نقص العناية بعلم التفاوض الذي يوضح التوقيت الأنسب للتفاوض وكيفية حصر أوراقه والتعامل بها.‏

لقد تفاعل هذا السياق مع معاناة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من ضعف قوي انتابها إثر الخروج من بيروت وحدوث انشقاقات في فصائلها، في ظل ضعف قوي مماثل انتاب النظام العربي منذ إبرام مصر اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، واقترنت هذه المعاناة بوقوع عناصر قيادية فلسطينية وعربية في شرك "وعود أمريكية عرقوبية" نجحت في استمالتهم إلى عالم المباحثات السرية. وأدى ذلك كله إلى أن تفقد قيادة العمل الفلسطيني فضيلة الصبر على المكاره في ساحة النزال في وقت كانت الانتفاضة قد مست العدو (بفزع) وجعلته متطلعاً للهروب من (جحيم غزة) فكان أن قبلت شروطه بدل أن تصبر حتى يفرض عليه تصاعد الانتفاضة قبول شروطها هي.‏

إن سبر أغوار (واقعنا) في دوائره الفلسطينية والعربية والحضارية الإسلامية، بنظرة نافذة، ترينا أن ما حل بنا من (هزيمة) بفعل تلك الأسباب على الصعيد الرسمي، لم يعم أعضاء النظام العربي الإسلامي، فقد تمسكت أكثر من دولة عربية بالدفاع عن حق المقاومة بكل أشكالها للاحتلال لكل من كانت أرضه محتلة، وعارضت محاولات دمغ المقاومة بأنها إرهاب، وعبرت عن ذلك عملياً بمساندة المقاومة المسلحة في جنوب لبنان وفي فلسطين المحتلة، فكان أن جذبت إلى موقفها هذا دولاً عربية أخرى وغير عربية أيضاً، وحدث مثل ذلك في الدائرة الإسلامية، الأمر الذي أثمر على الصعيد الدولي إفشال محاولة الولايات المتحدة الأمريكية فرض (مكارثية عالمية) في مؤتمر شرم الشيخ تواجه المقاومة بزعم الإرهاب، كما أثمر عرقلة المحاولات الأمريكية لفرض نظام الشرق الأوسط بقيادة الكيان الإسرائيلي على منطقتنا، وها نحن نرى اليوم تحولاً في الدائرة العربية بدأ منذ آخر عام 1994 مع قمة الاسكندرية الثلاثية وبلغ ذروة في القمة العربية أول صيف 1996، أثمر عودة الفعالية للنظام العربي واكبه تحول في الدائرة الفلسطينية، منذ هبة القدس أول خريف 1996.‏

نرى أيضاً بوضوح أن الهزيمة لم تنفذ إلى الصعيد الشعبي غير الرسمي حيث استمرت جل القوى الشعبية واضعة نصب العين مقاومة العدوان الصهيوني المستمر وتحرير الأراضي العربية المحتلة، وعبرت عن ذلك عملياً بصور كثيرة منها (مقاومة التطبيع) والدفاع عن حق المقاومة المسلحة ودعمها معنوياً ومادياً، كما نرى بوضوح أن هذه المقاومة المسلحة استمرت في صورة حرب شعبية متوسطة المدى في جنوب لبنان، وفي صورة عمليات فدائية في فلسطين المحتلة. ونرى تنامي مقاومة تضاعف إرهاق العدو. وبرؤية فكرية وثقافية واقتصادية ودبلوماسية وسياسية، وانتشار شعار (لا للحل العنصري في فلسطين) وشعار (شرط السلام العادل نبذ اليهود للصهيونية) وشعار (فلسطين العربية الديمقراطية الواحدة) وهذا الذي نراه يضر بقدرة المقاومة على الانتقال بالموقف الرسمي العربي من إحباط أجواء الهزيمة إلى تبني "استراتيجية" المواجهة في صراع النفس الطويل مع إتقان ما تتطلبه من "تكتيك".‏

الجواب الثاني:‏

بعد مائة عام على قيام الصهيونية كحركة سياسية.. هل ترون أن المشروع الصهيوني قد تغير؟ وما هي أبرز ملامح التغيير فيه إن وجدت؟‏

لم يطرأ تغير أساسي في "الصهيونية" فكرة وحركة بعد مضي أكثر من قرن على قيامها، وإنما حدثت تغيرات ثانوية، وتحولات. فالصهيونية لا تزال على صعيد الفكر، فكرة غريبة استعمارية استيطانية عنصرية اصطنعت "قومية" لليهود بزعم أنهم يشكلون "شعباً واحداً" وأنهم غير قابلين للاندماج، مما يجعلهم هدفاً دائماً للاضطهاد. وتعمم هذه الفكرة الصهيونية قراءة لتعاليم الدين اليهودي تزعم أن فلسطين وما حولها من النيل إلى الفرات هي "وطن" هذا الشعب. كما تعمم قراءة تاريخية تزعم بأن "الشعب اليهودي" له تاريخ متصل في فلسطين. والصهيونية لا تزال على صعيد الحركة تسير على نهج برنامج مؤتمرها الأول في بال عام 1897 من حيث تشجيع الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين، وإحكام قبضتها على اليهود في العالم، وإثارة مشاعر العنصرية فيهم، والتحالف مع قوى الهيمنة الغربية وخدمة مصالحها في دائرة الوطن العربي ودائرة الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي، بغية بلوغ السيطرة عليهما.‏

إن المشروع الصهيوني اليوم -كما يتجلى على أرض الواقع- يجاهر بعزم الصهاينة على "الاستيطان" في كل جزء من أرض فلسطين، وعلى "تهويد" القدس وجعلها عاصمة أبدية (كذا؟) للكيان الإسرائيلي، وعلى الاستمرار في احتلال هضبة الجولان. وهو لا يخفي توجهاته لطرد "الفلسطينيين" من وطنهم باسم "الترانسفير"، ولا العنصرية الصهيونية في ممارسته التي تخدم هذه التوجهات وقد أبرم قادة هذا المشروع داخل الكيان الإسرائيلي وخارجه تحالفاً استراتيجياً مع الولايات المتحدة الأمريكية جعل من (فلسطين المحتلة)" أكبر حاملة طائرات أمريكية" في المنطقة على حد تعبير ناطق عسكري أمريكي، ويسعى هذا التحالف لفرض نظام يحكم سيطرة قوى الهيمنة الغربية على المنطقة ويحمل اسم "نظام الشرق الأوسط".‏

هذا الثبات على الخطوط الأساسية للصهيونية فكرة وحركة لا يعني أنها لم تشهد تحولات خلال القرن الذي مضى على انعقاد مؤتمرها الأول بفعل ممارساتها على أرض الواقع.‏

وترسم هذه التحولات خطاً بيانياً متموجاً. فالقيادة الصهيونية للكيان الإسرائيلي لا تزال تدعو بإلحاح اليهود أن يهاجروا من أوطانهم إلى (أرض الميعاد) وهي تسهم أحياناً في تنظيم حملات تهجير لهم، مثل حملة التهجير الكبرى ليهود الاتحاد السوفيتي السابق التي شجعتها الولايات المتحدة الأمريكية، في نهاية الحرب الباردة، وقد سبقتها حملة تهجير الفالاشا من وطنهم اثيوبيا أوائل الثمانينات. ولكن قطاعات واسعة من صهاينة الكيان الإسرائيلي لا تنفي ضيقها من "أعباء التهجير" والاستيعاب التي تقع على كاهلها.‏

والقيادات الصهيونية للتجمعات اليهودية مع دعمهم الكيان الإسرائيلي غير المحدود لا يبدون الحماس المطلوب في الاستجابة عملياً (للتهجير) في أكثر الدول الغربية.‏

تحول هام حدث للصهيونية داخل الكيان الإسرائيلي يبدو بجلاء وبعد مضي خمسين سنة على إقامته يتمثل في احتدام صراع بين صهاينة علمانيين وصهاينة متدينين ويعبر هذا الصراع في أحد وجوهه عن تنافس بين الصهاينة الاشكناز الغربيين والصهاينة السفارديم الشرقيين وينجذب إلى خوض هذا الصراع شباب يهود أمريكيون يهاجرون إلى الكيان الإسرائيلي ويسهمون في ملء المستعمرات الاستيطانية ويجمعون بين جنسيتين. وينجم عن هذا الصراع حماس (للنزوح) من الكيان والعودة إلى الوطن في أوساط التجمع الإسرائيلي. وقد جاء في نشرة حاخامين من أجل حقوق الإنسان في 12/1997 التساؤل (كيف ينظر الله إلينا؟ وما حكمه علينا؟ حين يرى يهوداً يهاجمون يهوداً عند الحائط الغربي).‏

التحالف الاستراتيجي الصهيوني مع قوى الهيمنة الغربية، على الرغم من أنه خط ثابت، إلا أنه يخضع لتحولات بين فترة وأخرى. وقد بدأت بعض الدول الغربية الأوروبية تشعر بثقله على مصالحها، وعمدت الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال متمسكة به خدمة لمصالحها، إلى تفسيره على هواها حين نشبت أزمة الخليج الثانية فحظرت على الكيان الإسرائيلي القيام بأي تحرك أثناء الأزمة والحرب لإخراج العراق من الكويت مطلع عام 1991.‏

تبقى الإشارة إلى أن المناخ العالمي المحيط بالصهيونية اليوم مختلف عن ذلك الذي كان قبل قرن. فهي القاعدة الاستعمارية العنصرية الاستيطانية الوحيدة الباقية في آسيا وافريقيا، بعد أن سقطت مثيلاتها في افريقيا، وآخرها في جنوب افريقيا التي تحررت عام 1994 ويبرز في هذا المناخ حساسية شديدة ضد الممارسات العنصرية الصهيونية تدعو إلى المخاطر ما قاله يعقوب ثالمون في "محاسبة النفس"، أثر حرب رمضان من أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني جاء متأخراً نصف قرن ونضيف نحن "وليس من السهل أن يصمد أمام إرادة التحرير بل هو مستحيل".‏

الجواب الثالث:‏

ما هو تأثير الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل وعدة أطراف عربية: كامب ديفيد، وادي عربة، وأوسلو على مجرى الصراع العربي الصهيوني؟‏

مثل توقيع مصر على اتفاقات كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة 1979 مع الكيان الإسرائيلي بداية مرحلة جديدة في الصراع العربي الصهيوني على صعيد العلاقات الرسمية العربية بهذا الكيان، فلأول مرة في تاريخ الصراع اعترفت دولة عربية به رسمياً ورسمت خط حدود سياسية معه. وقد تكرر هذا الأمر مع الأردن في اتفاق وادي عربة عام 1994. وكانت حكومة لبنان قد أبرمت اتفاق أيار 1983 ولكن المقاومة الشديدة له أثمرت إلغاءه في خريف ذلك العام. وقد جاءت اتفاقات أوسلو 92-94-95 حاملة معها اعترافاً فلسطينياً رسمياً بالكيان الصهيوني الإسرائيلي في خطوط ما قبل حرب عام 1967 ومتضمنة في طياتها الالتزام بالتفاوض على البقية من فلسطين في الضفة والقطاع للوصول إلى ما سمي بالحل النهائي، لأن العدو الصهيوني اعتبرهما من (أرض إسرائيل) المتنازع عليها مع الفلسطينيين.‏

كان لهذه الاتفاقات آثارها القوية على الصراع ومجراه. فقد فرضت على الأطراف العربية الموقعة عليها فضلاً عن الاعتراف بالكيان الإسرائيلي دولة، الامتناع عن تأييد أي عمل لتحرير فلسطين المحتلة عام 48 والالتزام باحترام (أمن إسرائيل).‏

وحفلت هذه الاتفاقات التي أشرفت الولايات المتحدة على إبرامها والتوقيع عليها في البيت الأبيض، بنصوص ملأت مئات الصفحات وآلامها تتصل بمختلف نواحي العلاقات الثقافية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأمنية والسياسية، وتستهدف في مجملها تمكين الكيان الإسرائيلي في المحيط العربي. وهذا هو الهدف الذي استهدفه (مصمم) "عملية سلام الشرق الأوسط" الأمريكي التي بدأت في أعقاب زلزال الخليج بانعقاد مؤتمر مدريد يوم 30/10/1991 بمشاركة بقية الأطراف العربية وأطراف دولية.‏

التطبيق العملي لهذه الاتفاقات كشف استمرار الكيان الإسرائيلي في تبني فكرة الصراع ضد محيطه العربي لصالحه ولصالح قوى الطغيان التي يتحالف معها، واعتماد أساليب في هذا الصراع تناسب مرحلة اتفاقات السلام التي أبرمها. وتتضمن هذه الأساليب تكثيف التجسس والاختراق، وتدبير عمليات تخريبية تستهدف الأمن والاقتصاد وتنظيم حملات إعلامية تسيء لعلاقات الطرف العربي المستهدف دولياً وتضرب نشاط السياحة فيه. وكثيرة هي الأمثلة التي تتداعى إلى الخاطر على هذه الأساليب في ممارسات العدو الصهيوني، من الجاسوس عزام وأمثاله إلى محاولة اغتيال المجاهد خالد مشعل إلى حملات العداء ضد مصر في الكونغرس الأمريكي، ناهيك عن حوادث الاعتداء على السياحة.‏

نستطيع أن نرى بوضوح أيضاً أن الأطراف العربية في هذه الاتفاقات، تأكدت من النوايا الصهيونية تجاهها، وبدأت تتابع هذه الأساليب الجديدة، وتتصدى لها بما يناسبها من أساليب في مرحلة الاتفاق. وهكذا عاد الصراع إلى الاحتدام بينها وبين الكيان الإسرائيلي في حدود ما رسمته الاتفاقات من خطوط حمر، ومن المتوقع أن يشتد هذا الاحتدام.‏

لقد شهدت هذه المرحلة الجديدة تصاعد المواجهة العسكرية في جنوب لبنان بين الكيان الإسرائيلي المعتدي الذي يحتل قطاعاً هناك والمقاومة اللبنانية التي تنال دعم لبنان شعباً وحكومة ودعم سورية. ودلل استمرار المقاومة وتصعيدها على نجاح في الدفاع عن حق المقاومة الذي استهدفه التحالف الإسرائيلي الأمريكي بأشد حملات التشويه. ومكن هذا النجاح من مواجهة مخطط المكارثية العالمية الأمريكية كما سبق أن أشرنا.‏

كذلك شهدت المرحلة الجديدة استمرار عمليات الفداء داخل الكيان الإسرائيلي التي تزعزع أمن أفراده وتردع الممارسات الصهيونية العنصرية ضد شعب فلسطين العربي. وقد حدث هذا الاستمرار بالرغم من كل قيود الاتفاقات وتميز بحدوث تطوير إبداعي في بعض هذه العمليات. الأمر الذي يقطع بإمكان إبداع أساليب جديدة في المقاومة المسلحة الفدائية، في ظل ما تلاقيه من مساندة شعبية واسعة. ولاقت أيضاً أن هذه المرحلة الجديدة تشهد تصاعد صور أخرى من المقاومة الروحية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية في فلسطين المحتلة بأجزائها، تحاول الإفادة من حقائق ما بعد أوسلو على أرض الواقع.‏

مجمل القول أن الاتفاقات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على أطراف عربية في الصراع العربي الصهيوني أثرت سلبياً على الصراع في جوانب كثيرة، ولكنها لم تستطع أن تحول دون بروز الاستجابة العربية للتحدي الصهيوني الذي استغل الاتفاقات لتصعيد عدوانه. وتبدو هذه الاستجابة العربية اليوم واعدة وقادرة على متابعة خوض الصراع وإرهاق العدو.‏

الجواب الرابع:‏

كيف ترون ضرورة الربط بين الخاص والعام القومي من أجل بناء الجبهة الوطنية الشعبية العربية العريضة لمقاومة المشروع سياسياً واقتصادياً وثقافياً؟‏

الحاجة ماسة للربط بين الخاص الوطني (الفلسطيني) والعام القومي (العربي)، والأهم الحضاري (الإسلامي) وحركة التحرر (العالمية)، لمقاومة المشروع الذي تستهدف قوى الهيمنة الغربية الموجدة له منه التسلط على هذه الدوائر جميعها. فالقارونية الغربية حين مكنت الصهيونية العنصرية من استعمار فلسطين استيطانياً، لم تكن تستهدف اغتصاب بيت المقدس وفلسطين فحسب، وإنما استهدفت أيضاً التسلط القهري على الدائرة القومية العربية ودائرة الحضارة الإسلامية التي شارك في تشييدها مؤمنون مسلمون ومسيحيون ومن ملل أخرى وأقوام، وكذلك ضرب قوى التحرير في عالمنا.‏

الوقت أيضاً مناسب لتحقيق هذا الربط، بعد أن كشفت مجريات أحداث فترة ما بعد زلزال الخليج عما وضعه التحالف الصهيوني الإسرائيلي مع الاستعماري الأمريكي من مخططات شريرة للسيطرة والتسلط القهري على هذه الدوائر جميعها، ظهرت بوضوح في المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف في عملية (سلام الشرق الأوسط). وبعد أن كشفت أيضاً عن قدرة هذه الدوائر على حشد إمكاناتها لمقاومة هذه المخططات وإفشالها كما رأينا في إفشال المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد بالدوحة 11/1997، وفي تعبئة الطاقات في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد بطهران 12/1997.‏

هذا الربط يتطلب بداية التأكيد على أن يكون الانطلاق من أن قضية فلسطين والقدس في قلبها هي قضية فلسطينية عربية إسلامية تهم حركة التحرر العالمية. وهي من ثم مسؤولية مشتركة على هذه الصعد. كما يتطلب هذا الربط فلسطينياً الحفاظ على الكيان الفلسطيني الواحد، ممثلاً في منظمة التحرير الفلسطينية التي يقف في ساحتها جميع أبناء فلسطين داخل الوطن المحتل وخارجه وإعادة بناء مؤسساتها من خلال تحقيق وحدة وطنية متماسكة بين جميع قوى الشعب وفعالياته وفصائله. ويتطلب هذا الربط عربياً تقوية النظام العربي ومقاومة استبداله بنظام الشرق الأوسط، والتزام جميع أعضائه بمقرراته ومنهم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ويتطلب أيضاً في الدائرة الإسلامية تقوية نظام المؤتمر الإسلامي وتمتين الأواصر بينه وبين النظام العربي، وفق آلية محكمة. ويتطلب أخيراً تنظيم أقوى الصلات بحركة التحرر العالمية.‏

أنواع المقاومة التي نواجه بها هذا المشروع الصهيوني العنصري، تشمل المقاومة الروحية والفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية. وقد شرحناها وضربنا أمثلة عليها في افتتاح المؤتمر القومي- الإسلامي الثاني 10/1997 وفي "كتاب تفاعلات حضارية وأفكار للنهوض "وكذلك في الحديث عن المشروع النهضوي العربي أمام مؤتمر الأحزاب العربية 12/1996 وشرحها مفكرون عرب آخرون اسهموا في بلورة فكر عربي مقاوم.‏

مجالات هذه المقاومة واسعة تشمل كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وهي تندرج من المقاومة بالقلب فالنظر والانفاس فاللسان فاليد، والإشارة هنا للحديث الشريف عن مقاومة المنكر باليد وباللسان وبالقلب وهو أضعف الأيمان، ولأبيات لخليل مطران عن المقاومة بالقلم فإذا ما جرى تكسيره فباللسان ثم بالعين فالبزغات. ذلك أن شعار المرحلة الجديدة كما ارتفع.. في المؤتمر القومي- الإسلامي الثاني والعديد من المؤتمرات هو "فلنعتصم بالمقاومة" بكل أنواعها. وكل فرد يسهم بنصيب فيها من النقطة التي يقف عليها. وكل الأمة في مواجهة العدو في سفينة واحدة تضم جميع المقاومين. ولا بديل عن أن ترسو هذه السفينة على شاطئ السلامة في ميناء الانتصار.‏

الجواب الخامس:‏

في رأيكم في ضوء المستجدات الراهنة.. كيف ترون أشكال الخروج من المأزق؟‏

الإجابات التي طرحناها على الأسئلة الأربعة السابقة أوضحت رأينا في كيفية العمل على الصعيدين الرسمي والشعبي وهي تبين في مجملها أن الوقوع في المأزق يحدث عن الكف عن المقاومة، تماماً كما أن خروج من وقع فيه يكون بالعودة إلى المقاومة والتزام سبيل الجهاد بمفهومة الواسع، وصولاً لتحرير فلسطين والقدس والانتصار على الصهيونية العنصرية والقارونية الطاغوتية، وتحقيق أهداف مشروع الأمة الحضاري تحريراً. ووحدة وشورى ديمقراطية وعدلاً وتنمية وتجدّداً حضارياً يسهم في عمران العالم، الذي يعيش فيه المستأمنون بعد أن ينبذوا الصهيونية العنصرية لهم ما لنا وعليهم ما علينا، كما كان شأنهم في حضارتنا العربية الإسلامية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244