خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبة المفكر العربي

د. محمد جابر الأنصاري‏

17/3/1998‏

الجواب الأول‏

فيما يختص بالسؤال الأول... أرى بداية أنه كان هناك فارقاً في القوة الحضارية بين العرب عموماً وبين المعسكر الغربي المتبني لإسرائيل منذ أن بدأ الصراع العربي الإسرائيلي، أيضاً فإن إسرائيل نفسها بخصائصها المعينة المجتمعية.. إذا ما قورنت بأي مجتمع عربي فإنها تمتلك عناصر قوة فيما يختص بالصراع التكنولوجي والعلمي والعسكري، وهذه القوة انعكست في المجال السياسي بطبيعة الحال، وهذه.... خاصية مهمة من خصائص العصر الحديث، إذ في هذا العصر لا يمكن لأية قوة تمتلك فروسية القتال أن تحقق نصراً ما لم تمتلك فارقاً في القوة التكنولوجية والقوة الحضارية بصفة عامة. في العصور القديمة كان من الممكن لقوى غير متقدمة حضارياً أن تنتصر على قوى متقدمة حضارياً بسبب عنصر الفروسية لديها.. لكن هذا لم يعد ممكناً في العصر الحديث، دائماً فإن الهامش التكنولوجي الحضاري هو الذي يحسم في النهاية المعركة... هذا جانب... وهذه مسألة طويلة النفس، وكان على العرب أن يلتفتوا لهذا الشيء، والنهضة العربية التفتت لهذا الجانب، لكن المسيرة الحضارية في العالم العربي انتكست لأسباب ربما ليس هناك الآن مجالاً لتفصيلها، لكن الفارق الحضاري مازال قائماً بيننا وبين المعسكر الغربي المتبني لإسرائيل ولإسرائيل ذاتها... هذا أولاً.‏

ثانياً، كان من الممكن التعويض عن الفارق بتكثيف القدرات العربية كلها في جبهة عربية سياسية وقتالية واحدة وهذا ما تمت محاولته في الواقع ربما بعد عام 1948 إلى عام 1967، ولكن لأسباب معروفة للأسف لم يتمكن العرب الاستمرار في هذه الجبهة السياسية والعسكرية الموحدة وهذا غير عائد فقط في طبيعته لعوامل الصراع العربي الإسرائيلي وإنما أيضاً لعوامل عربية ذاتية، فلماذا لا تستطيع الكيانات العربية حتى الآن تكثيف جهودها في موقف سياسي وعسكري واحد؟ سواء بالنسبة للقضية الفلسطينية أو لقضايا عربية أخرى، هذا بحث يطول، ولكن هنا نسجل أن افتقاد عنصر الوحدة كان من الأسباب التي أدت إلى هزيمتنا كعرب وإلى انحسار المشروع الوطني الفلسطيني من تحرير كامل فلسطين وصولاً إلى المرحلة الراهنة.‏

ثالثاً، يوجد سبب آخر، سبق وأن أشرت إليه في أبحاثي عدة مرات، وهو يتعلق بتكوين العرب السياسي... إن هناك تقصيراً سياسياً تطبيقياً وفكرياً في مختلف المجتمعات العربية، فأيضاً حتى وعندما انحسرنا في الموضوع الفلسطيني وفي العمل الفلسطيني القطري انعكس القصور العربي العام في العمل الفلسطيني القطري بطبيعة الحال، وأدى أيضاً إلى أخطاء في الممارسة السياسية... حتى لو أخذنا المسألة في إطارها القطري ومنذ بدأ تطبيق اتفاق أوسلو في واقع الأمر، أنا لم يكن لدي وهم بشأن السقف السياسي لهذا الاتفاق، فالسقف السياسي واضح تماماً وهو أن إسرائيل ستفرض وتملي هذا السقف من حيث منع قيام دولة فلسطينية مستقلة أو إرادة فلسطينية حرة، لكن ما كنت قلقاً بشأنه هو: حتى في نطاق السلطة الفلسطينية وفي نطاق الممنوح والمسموح... إلى أي مدى سنستطيع إثبات قدرتنا على إدارة السياسة، وبخاصة إدارة السياسة المحلية، وهذا أيضاً وبعد التجربة... اتضح أن هناك مواطن قصور ليست خاصة بالفلسطينيين وحدهم بطبيعة الحال.. وإنما خاصة بهذا القصور السياسي العربي العام في إدارة الحياة السياسية العامة.‏

إذن أستطيع تلخيص الإجابة على السؤال الأول، بثلاثة أسباب: الفارق الحضاري، افتقاد الوحدة العربية، القصور السياسي العربي العام الذي انعكس فلسطينياً حتى في الدائرة القطرية الفلسطينية.‏

الجواب الثاني‏

في الإجابة على هذا السؤال أرى: أن التغيير الذي حصل هو اضطرار الحركة الصهيونية إلى الاعتراف بالوجود الفلسطيني، كون أن الإسرائيليين الآن وبعد مقولة غولدا مائير الشهيرة: أين الفلسطينيون؟ إني لا أراهم! فحتماً ومن ناحية مبدئية وأياً كانت النتائج الآنية.... فاضطرار إسرائيل للاعتراف بالوجود الفلسطيني هي نقطة تحول في المشروع الصهيوني.‏

نقطة التحول الثانية المهمة في المشروع الصهيوني: هي افتقاد مثالية البداية في المشروع الصهيوني وحدوث تطورات داخلية في الكيان الإسرائيلي باتجاه التأقلم مع الواقع الشرق أوسطي. ما طرح في البداية في فكر هرتزل من أن إسرائيل ستكون واجهة الحضارة الغربية لهذه المنطقة العربية المتخلفة، يعني أن المسألة لم تعد مطروحة بهذا اللون الأسود أو الأبيض، والتجربة العملية والواقعية لإسرائيل نفسها وباعتراف كثير من المفكرين الصهاينة في أن هذا الحكم الصهيوني بدأ ينجرح على أرضية الواقع، وبدأ الكيان الصهيوني يفتقد للقيادات التاريخية أو ما يتصورونه قيادات تاريخية"وحتى أعتقد أن ناحوم غولدمان نفسه في واقع الأمر كتب مقالاً منذ عدة سنوات قال فيه: إن زعماء إسرائيل الحاليين أصبحوا بمثابة زعماء أحياء وزعماء مناطق وليسوا زعماء لدولة أو لمشروع حضاري.‏

وربما كان نتنياهو الآن ومعه شارون يمثلان هذا التحول في المرحلة الراهنة.‏

الجواب الثالث‏

في الجواب على هذا السؤال أقول: إن الإشكالية الرئيسية بين العرب وإسرائيل هو الاختلال في ميزان القوى، والاتفاقيات التي ذكرتها في هذا السؤال هي تحصيل حاصل لهذا الخلل- ولا ننسى أننا قبل هذه الاتفاقيات وعندما كنا سائرين في الخيار العسكري... يعني أيضاً أن الاختلال في ميزان القوى هذا انعكس في خيار الحرب، واختلال القوى مثلما ينعكس في خيار الحرب... فهو ينعكس أيضاً في خيار السلم، والمهرب ليس من الحرب إلى السلم أو من السلم إلى الحرب كما ينادي الآن بعض العرب... ولكن الخلاص والحل هو في كيفية معالجة اختلال توازن القوى، لأن ميزان القوى إذا كان في غير صالحك.......‏

فإذا دخلت حرباً أو سلاماً في هذه الحرب.... فكلاهما سيكونان في غير صالحك، إذن العبرة تكمن في توازن القوى وليست بهذه الاتفاقيات أو بالتوجه سلماً أو حرباً.‏

إن التحدي الآن كبير جداً، وتوازن القوى في النهاية عائد إلى الإرادة العربية وإلى التوجه لحل القصور الذاتي العربي. نحن نتحدث كثيراً عن نظرية المؤامرة وعن تأثير القوى الكبرى وهذا عامل وارد جداً في المنطقة العربية، والمؤامرة مستمرة، ولكن السؤال: ما الذي يسمح لمفعول المؤامرة أن يستمر؟‏

نحن منتبهون إلى أن هناك مؤامرة... ونرى شواهد كثيرة لهذه التدخلات الغربية-إن شئت أن تسميها بمؤامرة- وهذا شيء طبيعي، فالقوى الكبرى تتدخل لصالحها، ولكن لماذا نحن مندهشون ومستغربون من هذا التدخل ومن ازدواج معاييرها؟ هذه ليست جمعيات خيرية، وإنما قوى لها مصالح وستعمل وفقاً لمصالحها، والتاريخ يتحرك بهذا الشكل ولا يتحرك بالشكل الأخلاقي البدائي، نحن منذ خمسين سنة نكرر أننا أصحاب حق.. وهذا صحيح... ونكرر أن الغرب مزدوج المعايير... وهذا صحيح أيضاً، ونكرر أن الغرب يتآمر علينا.... وهذا أيضاً صحيح!‏

ولكن ما العمل إذن في ضوء هذه الحقائق التي أصبحت بديهيات؟ والانشغال بتكرارها والاكتفاء بها لن يفيدنا شيئاً، لأن المطلوب هو أن نتوجه لمعالجة القصور الذاتي العربي في التكوين العام وليس فقط في تغيير النظام السياسي أو الموقف في التحول من الحرب إلى السلم أو من السلم إلى الحرب، وإنما التغيير يجب أن يكون في عمق الكيان العربي نفسه.. وهذه أعترف أنها مهمة صعبة وبعيدة المدى وتحتاج إلى نفس طويل وإلى وعي أيضاً بضرورة التغيير، فنحن ما لم نتوجه إلى الذات وإلى معرفة وتشخيص الذات العربية الجمعية والاعتراف بالأخطاء الموجودة في سلوكنا، يعني الاستمرار في الحديث عن المؤامرة لن يحل مشاكلنا، فأوجه القصور تكمن في السلوك العربي وفي الكيان العربي، فعلى المدى القصير يجب أن لا نوهم أنفسنا بإمكانية حدوث تحولات كبيرة.‏

الجواب الرابع‏

يجب أن نبدأ من الوطني إلى القومي، وأن لا نقفز إلى النتيجة قبل المقدمة، فالوطني هو المقدمة.... والقومي هو النتيجة وهناك خلل في مفهومنا للواقع أيضاً نابع من عقلية المؤامرة: فالمقصود بأن كياناتنا الوطنية كلها عبارة عن مؤامرة استعمارية وكلها تجزئة مصطنعة هو تصور تنقصه العلمية، فإذن يجب أن لا نتعامل مع الوطني وننتظر القومي لينزل علينا من علياء التاريخ أو من علياء التطورات المثالية والأيديولوجية، هذه ليست طريقة عملية مفيدة لمعالجة وضعنا الراهن، فسواء كان الوطني نتيجة لتجزئة دولية أو لتطور تاريخي، والكيانات العربية في الواقع هي إما هذا أو ذاك، لكن نحن الآن في اللحظة الواقعية الراهنة أمام واقع وطني لكل شعب عربي، وما لم نبن الجبهة الوطنية، ونحسن من انتمائنا الوطني ونعرف كيف نقيم المجتمع المدني، وكيف نقيم الدولة الوطنية ونعمق من انتمائنا الوطني فيما يتجاوز القبائل والحدود المحلية الضيقة، والمذاهب والطوائف، فإذا لم نخلق الانتماء الوطني... لن نستطيع أن نخلق الانتماء القومي.‏

وفي واقع الأمر، فإن مرور الفكر القومي المشرقي بتجربة سايكس بيكو خلقت لدينا منطقة سوداء في النظر إلى الموضوع، إذ أن الكيان الوطني من وجهة نظر الكثيرين.... لا يمكن النظر إليه! إذا نظرنا بالمقابل لتجربة المغرب العربي... نلاحظ أن الأشقاء هناك لا يعتبرون كياناتهم الوطنية تجزئة مصطنعة، لكنهم يعتبرون أنهم ناضلوا من أجل هذا الاستقلال الوطني وقيام هذا الكيان الوطني، ويعملون الآن من داخل تطوير هذا الكيان الوطني إلى بناء المغرب الكبير، ولابد من الإشادة هنا بالتجربة المغربية(وأقصد تحديداً المملكة المغربية) التي قامت على أساس وجود دولة وطنية ذات امتداد تاريخي، ولا نستطيع القول أنها قامت على أساس تجزئة استعمارية.... فهذا واقع تاريخ قائم، والكيان المغربي منذ أيام الأدارسة انفصل عن الدولة العثمانية، فإذاً يجب أن نتعامل مع التاريخ كتاريخ وهذا تاريخنا. الآن في المغرب المعارضة أصبحت حكومة، وقيام حكومة اليوسفي ومن خلال تطور ديمقراطي وتثبيت للدولة والوطن...... رغم أنها لم تكن مسيرة مثالية، أنا لا أقول أنها كانت مسيرة مثالية... بالرغم من ذلك أمكن الوصول إلى هذا الوضع، أشير أيضاً إلى الوحدة الوطنية في اليمن فقيام اليمن الكبير اليوم هو الخطوة الطبيعية، أما فيما لو أصرت صنعاء على قيام الوحدة مع طرابلس الغرب وأصرت عدن على الوحدة مع مسقط..... فلن يؤدي ذلك إلى ما هو مطلوب.‏

فالتجربة المغربية إذن هي نموذج للتطور السياسي، والتجربة اليمنية هي نموذج للتطور الوطني، فقيام الوطن اليمني الكبير في هذه المرحلة دليل على وجوب البدء من بناء الأوطان وأن يبدأ كل قطر عربي من البناء القطري..... لذلك لابد من العمل أولاً على الصعيد القطري من أجل الوصول إلى التقارب والتكتل القومي، وأعتقد أن هذا يشكل جوهر المسألة، فعندما سئل أحد الزعماء المصريين(سعد زغلول أو غيره لا أذكر): لماذا لا تدعو إلى الوحدة العربية؟‏

قال: (إن صفر+ صفر يساوي صفر) وهذه المقولة صحيحة، بمعنى إذا ظلت أوطاننا منهكة ومقسمة وتعاني مما يشبه الحرب الأهلية ومتخلفة حضارياً.... فهذه الأوطان إذا دخلت في مشروع وحدة(هذا إذا أمكنها الدخول أصلاً في مثل هذا المشروع!)‏

ماذا ستنتج؟ إذن يجب أن يبدأ كل بيت عربي ببناء بيته.‏

الجواب الخامس‏

أنا لا أرى ضوءاً في نهاية النفق السياسي آنياً، على المدى القريب، لكني أرى ضوءاً في نهاية النفق التاريخي والنفق الفكري، وذلك مشروطاً بالبدء بوعي مختلف وخصوصاً في الخطاب السياسي العربي والأيديولوجي كذلك.‏

أنا أعتقد أنه في اللحظة الراهنة على السياسيين أن يبدأوا ويحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والحركات السياسية العربية عليها أيضاً أن تحاول ذلك، ولكن علينا أن لا نوهم أنفسنا بأننا نستطيع إحداث انعطاف حاد قريب في المعركة السياسية أو العسكرية الراهنة، لكننا في ضوء التجارب الكثيرة القومية المريرة التي مررنا بها، وفي ضوء المتغيرات العالمية وضغط تيار العولمة حالياً يجب أن نعود إلى الذات... ... ... ... وأعتقد أن اللحظة الآن هي لحظة فكرية ولحظة ثقافية.‏

يستطيعون أن يمنعونا الآن من تحقيق الوحدة العربية، لكن لا تستطيع قوة في العالم أن تمنعنا من تغيير الوعي الداخلي الذاتي لدينا وتصحيحه، فالمسألة إذن لحظة ثقافية، والمطلوب صحوة عقلية في الوجدان العربي.... قبل الحديث عن الصحوة الدينية، فهذه إذاً لم تقترب من الصحوة العقلية...... فلن تكون صحوة حقيقية، لذلك أرى أن المستجدات السياسية الراهنة ستبقى كما هي إلى حد كبير، وقد تتغير العناوين، ولكن لن تتغير الصورة كاملة... إلا إذا بدأنا مراجعة فكرية وثقافية شاملة وأعتقد أن اللحظة هي لحظة ثورة ثقافية وفكرية عربية قبل أن تكون ثورة سياسية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244