خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبة الأستاذ/ بهجت أبو غربية

مناضل فلسطيني، كاتب عضو سابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.‏

-1-‏

قضية فلسطين في جوهرها وحقيقتها، قضية الصراع العربي، في مواجهة التحالف الصهيوني الإمبريالي، ولذلك فإن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بهذا الصراع تقتضي أن يجري البحث ضمن إطاره الواسع الصحيح، صراع الأمة العربية في مواجهة أعدائها، كما يجب أن يتعمق الباحث في التاريخ ليصل إلى جذور هذا الصراع التي تعود إلى أبعد من قرن، ولا يجوز أن نبدأ البحث من(مشروع تحرير كامل التراب الفلسطيني) كما حدد السائل، وهو تعبير يشير إلى الستينات من هذا القرن، وإذا كان السائل يتصور أن الصراع العربي في مواجهة التحالف الصهيوني الإمبريالي محصور في تاريخ حركة فتح فهو مخطئ، ولا يجوز أن ينطلق البحث من بداية حركة فتح أو بداية حركة منظمة التحرير الفلسطينية، ولا حتى من تاريخ صدور وعد بلفور عام 1917م.‏

كما اعترض أيضاً على عبارة(لماذا هزمنا) التي يستهل بها السائل أسئلته-إذا قصد بها المعنى المطلق للهزيمة الكاملة- فنحن خسرنا معارك واستولى العدو على أجزاء عزيزة جداً من أرضنا العربية ولكن أمتنا لم تهزم ما دامت لم تستسلم ولن تستسلم وما دام العدو لم يتمكن من حسم الصراع نهائية لصالحه ولن يتمكن.‏

لن أتطرق إلى تفاصيل تاريخ الصراع العربي ضد التحالف الصهيوني الإمبريالي لكن لابد من إيراد الحقائق التاريخية التالية:‏

- مع أن القرن التاسع عشر كان بداية التحرك الاستعماري الصهيوني الحديث في المشرق العربي، فإن أطماع الدول الغربية بفلسطين والمشرق العربي قديمة العهد، والحروب الصليبية خير شاهد على ذلك على الرغم من مظهرها الديني.‏

- كان نابليون بونابرت أول من دعا اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين وتأسيس دولة يهودية فيها، وذلك أثناء غزوته لمصر وفلسطين. ولقد نشر إعلاناً عام 1799 يقول فيه أن بونابرت يدعو جميع يهود آسيا وإفريقيا ليحضروا وينظموا صفوفهم تحت لوائه لإعادة تأسيس أورشليم كما كانت في الماضي.‏

- أقامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1839 وجهت معظم جهودها ونشاطها لما سمي"حماية الجالية اليهودية في فلسطين". وأصبحت مسألة حماية اليهود الشغل الشاغل للقنصلية البريطانية في القدس وذلك على الرغم من أن عدد اليهود في ذلك الوقت لم يتجاوز تسعة آلاف نسمة، وقد سعت بريطانيا منذ ذلك الوقت لتهجير اليهود إلى فلسطين، وحاول بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا إقناع السلطان العثماني بإباحة هجرة اليهود إلى فلسطين.‏

- عملت لجان أوروبية متعددة على نبش التاريخ والآثار القديمة في فلسطين-آثار العهد القديم على حد تعبيرهم- لشد انتباه اليهود ودفعهم وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، وقد جرى كل ذلك قبل أن يبدأ اليهود أنفسهم بطرح الأفكار الصهيونية ولم يبدأ اليهود أنفسهم بطرح فكرة(العودة) إلى فلسطين واستعمارها إلا بعد عام(1861) ومن المأثور عن ونستون تشرشل أنه كتب يقول"إذا قيض لنا وشهدنا قيام دولة يهودية لا في فلسطين وحسب بل على ضفتي نهر الأردن فإننا نكون قد عاصرنا حدثاً ضخماً في مصلحة الإمبريالية".‏

- كانت الحرب العالمية فرصة لانطلاق الاستعمار والصهيونية وأهدافهما في المنطقة العربية، فالاستعمار وبخاصة الإنجليزي والفرنسي يرغب في الاستيلاء على أشلاء الدولة العثمانية"الرجل المريض" ويعقد اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916 لاقتسام بلاد المشرق العربي، والصهيونية تريد أن تقيم لها دولة في فلسطين، وعلى ذلك جرى التعاقد بين الطرفين لمصلحتهما المشتركة على حساب العرب، فإقامة فاصل بشري غريب في أخطر جزء من الوطن العربي يفصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا، ويقطع الامتداد العربي ويعرقل قيام الوحدة العربية ويكون في الوقت نفسه قريباً من قناة السويس صفقة تخدم أغراض الاستعمار وتحقق حلم الصهيونية، وعلى ذلك جرى التعاقد وصدر وعد بلفور في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني(نوفمر) 1917، ويوم عقد وعد بلفور قال الصهيوني ماكس نورد لبلفور بحضور لويد جورج"نحن نعرف ما تتوقعونه منا، إن نكون حرس قناة السويس على طريقكم إلى الهند، نحن على استعداد لتنفيذ هذه الخدمة العسكرية ولكن من الضروري تمكيننا من أن نصبح أقوياء حتى نستطيع القيام بهذه المهمة.‏

الأمة العربية إذن، ومنذ قرن ونصف وحتى اليوم تواجه قوى عالمية كبيرة متحالفة تعمل عسكرياً وبكل الوسائل وبتصميم عنيف لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وزاد في أهمية تحالفها اكتشاف البترول في الأرض العربية. يجري ذلك في مرحلة تخلف وتمزق عربي، مما فرض علينا اتخاذ مواقف الدفاع بشكل مستمر لاختلال ميزان القوى لصالح الأعداء.‏

ومنذ صدور وعد بلفور يشن التحالف الصهيوني- الإمبريالي على الأمة العربية حرباً إثر حرب، عسكرية واقتصادية وسياسية، تدور معاركها الرئيسة على أرض فلسطين، حيث يعمل العدو على الاستيلاء على الأرض العربية وإجلاء أصحابها العرب وزرعها بالمستعمرين اليهود المهجرين من أنحاء العالم، ومن أجل ذلك، عمل ومازال على عزل فلسطين، وعزل قضية فلسطين عن عمقها العربي، والاستفراد بها.‏

إذن لقد خسرنا المعارك واستولى الأعداء على أرض فلسطين وأراض عربية أخرى وشردوا أهل فلسطين تحت كل كوكب وأقاموا الدولة اليهودية لسببين رئيسيين:‏

1- بسبب فعاليات الأعداء وتفوقهم حضارياً ومادياً وعسكرياً، وضربهم وتدميرهم لكل نهضة أو وحدة أو قوة عسكرية عربية نامية وقتلها في مهدها وغير ذلك من الفعاليات.‏

2- بسبب التجزئة والتمزق العربي، الذي نتحمل نحن العرب مسؤولية قسط كبير منه، وبسبب تخلفنا وضعفنا بالقياس إلى معسكر الأعداء وارتكابنا العديد من الأخطاء، ومن أهمها خضوع الحكام العرب للهيمنة الأجنبية وتنفيذ أهدافها.‏

ومع ذلك قاوم شعبنا هذا الغزو والعدوان. ومع أننا خسرنا الكثير من معاركنا، فإننا لم نستسلم، وحافظت أمتنا على تمسكها بحقها في أرضها، وحقها، في تحريرها والعودة إليها. كما حافظت على استعدادها للصمود في وجه أطماع العدو التي لم تنته بعد، ومواصلة الصراع ضده بكل الوسائل المتاحة. لحرمانه من الاستقرار. وقديماً قيل"ليس عاراً أن يحتل العدو جزءاً من أرضك ولكن العار أن تتركه يستريح ويستقر".‏

أما عن شعار(تحرير كامل فلسطين) الذي مازالت أغلبية شعبنا العربي تؤمن به كهدف استراتيجي بعيد المدى، ومع أن الإمكانات العربية والظروف العالمية الحاضرة تجعل تحقيقه بعيد المنال، فإنه من الضروري أن يظل هذا الشعار مرفوعاً لعدة اعتبارات منها.‏

1- إن حقنا في أرضنا العربية ثابت أصيل لا يجوز التنازل عن أي جزء منه تحت أي ظرف ومهما طالت فترة الاحتلال لا سيما وأن صراعنا مع العدو صراع وجود لا صراع حدود.‏

2- إن لدى أمتنا العربية إمكانات كبيرة لو أتيح لها أن تحشد ولو على المدى البعيد فإن ذلك كفيل بتغيير ميزان القوى لصالحنا، آخذين بعين الاعتبار أن هذا الصراع العربي ضد التحالف الصهيوني- الإمبريالي سيمتد لعشرات السنين. وإذا كان الصراع المسلح وغير المسلح يستهدف الآن حرمان العدو من الاستقرار، فإنه من الممكن تطوير وسائل الصراع في المستقبل.‏

3- إن ما يتمتع به الكيان الصهيوني الآن من دعم إمبريالي يمكن أن ينحسر في المستقبل لأسباب عديدة.‏

4- إن إسقاط شعار(التحرير والعودة) الاستراتيجي لصالح حلول مرحلية، في ظل اختلال ميزان القوى لصالح العدو، خطأً فادح وتفريط كبير، وطعن لنضال أمتنا العربية، لأن العدو المتفوق أقدر على صياغة الحلول المرحلية وتحويلها لصالحه، وتوظيفها في خدمة أهدافه، وهذا ما تؤكده الآن نتائج اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وتوابعها التي شكلت أكبر تراجع بل أكبر هزيمة للعرب منذ بدء الصراع وأقامت عقبات كأداء في وجه هدف التحرير. وحققت للعدو مكاسب كبيرة جداً.‏

**‏

-2-‏

بعد مئة عام على قيام الحركة الصهيونية، لم تتغير الأهداف الرئيسة للمشروع الصهيوني وإن اختلفت أو تطورت بعض الوسائل والأولويات.‏

فعند انطلاق الحركة الصهيونية عام 1898 استهدفت إقامة دولة يهودية من الفرات إلى النيل، ولتحقيق ذلك نفذت استراتيجيتين رئيسيتين متكاملتين:‏

1- الاستيلاء على الأرض العربية ولو على مراحل وتفريغها من أصحابها العرب.‏

2- جلب المهجرين اليهود من جميع أطراف العالم وتوطينهم في الأرض العربية المحتلة.‏

وما زالت هاتان الاستراتيجيتان معتمدتين حتى اليوم. ففيما يتعلق بالاستيلاء على الأرض، تمكنت الحركة الصهيونية، بمساعدة إمبريالية غير محدودة وبخاصة من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، من الاستيلاء على ثلثي أرض فلسطين عام 1948 وفرغتها من معظم سكانها، ولم تتوقف عند ذلك فاحتلت عام 1967 بقية أرض فلسطين وأراضٍ عربية من مصر وسورية ولبنان وهجرت قسماً كبيراً من أصحابها العرب، وهي اليوم وفي ظل الاحتلال تعمل على انتزاع الأرض العربية من أصحابها وتهجيرهم بوسائل متعددة.‏

ومن المعروف للجميع أن الحركة الصهيونية عامة وليس حزب حيروت والليكود فقط تعتبر شرقي الأردن جزءاً من دولتهم "يحكم بشكل مؤقت من قبل غيرهم" على حد تعبير جابوتنسكي.‏

وفي قناعتي الكاملة أن دولة العدو الصهيوني الآن تخطط وتهيء الظروف والوسائل لتنفيذ ذلك على المدى البعيد. وقد أتاحت لها معاهدة وادي عربة البدء بتنفيذ خططها فهي تعمل حالياً للسيطرة على الاقتصاد الأردني، تمهيداً للسيطرة السياسية والاستيطان، ولا يبطئ من تنفيذ هذه الخطط الاستعمارية الآن سوى استمرار المقاومة العربية في فلسطين والأردن خاصة، ونقص الإمكانات البشرية اليهودية لتنفيذ الاستيطان.‏

وأخالف بعض الكتاب والمفكرين الذين يقولون أن دولة العدو لم تعد تستهدف التوسع الجغرافي وتحولت إلى التوسع والسيطرة الاقتصادية فقط، وأعتبر أن استهداف دولة العدو للسيطرة الاقتصادية لم يغير من رغبتها وعزمها على التوسع الجغرافي، ولا يعدو الأمر أن يكون تبديلاً في الأولويات، بسبب ظروف قاهرة، من أهمها ما يبديه العرب من مقاومة، فرضت على العدو التباطؤ في حركة الاستعمار الاستيطاني.‏

وفي ما يتعلق بجلب المهجرين اليهود، فإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين مازالت مستمرة وسياسية معتمدة لا تحول عنها على اعتبار أن كل يهودي في العالم مواطن في الدولة اليهودية من حقه بل من واجبه أن يهاجر إليها وأن يستوطن فيها، ولا شك أن استمرار الهجرة الواسعة يتطلب بل يفرض التوسع الاستيطاني في الأرض العربية.‏

**‏

-3-‏

اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وتوابعها المبرمة بين دولة العدو الصهيوني والأطراف العربية ذات العلاقة، أوقعت بالحقوق العربية وبالمقاومة العربية أفدح الأضرار فقد قامت جميعها على قاعدة الاعتراف الرسمي بدولة العدو مما أكسبها شرعية قانونية من جهات عربية أتاحت لدولة العدو توظيفها لتوسيع قاعدة الاعتراف القانوني بها على المستوى العالمي فالعديد من الدول لم تعترف بدولة العدو إلا بعد اتفاقات أوسلو بما في ذلك دولة الفاتيكان، وأصبحت هذه الاتفاقات بذلك عقبة كأداء على طريق التحرير.‏

إلا أن هذا الاعتراف الرسمي العربي بدولة العدو لم يصاحبه اعتراف شعبي بل على العكس من ذلك فإن الشعب العربي في كافة أقطاره، يرفض هذه الاتفاقات ويسعى لإسقاطها، ويعتبرها صادرة عن جهات لا تمثل إرادة الأمة العربية ولا تملك الحق في هذا الاعتراف، وإن هذه الاتفاقات اتفاقات إذعان غير متكافئة عقدت تحت ظروف شاذة قاهرة، وتوازن مختل وإرادات غير حرة وغير متكافئة، وهي لذلك تعتبر اتفاقات غير شرعية وغير ملزمة.‏

ومما لا شك فيه أن المجتمع الدولي سيقف إلى جانب دولة العدو وحقها في البقاء والاستمرار استناداً إلى هذا الاعتراف، وخصوصاً إذا توفرت للعرب القوة العسكرية والقدرة على التحرير وأرادت أن تستخدم القوة العسكرية النظامية في معركة التحرير، إلا أن هذه الاتفاقات غير الشرعية لا تحرم الشعب العربي من استخدام إمكاناته ووسائله النضالية الشعبية غير الرسمية عندما تتوفر الإمكانات والخطط السليمة.‏

**‏

-4-‏

إن مقاومة المشروع الصهيوني سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على المستوى الشعبي تتطلب التحرك في عدة اتجاهات أهمها:‏

1- امتلاك الجماهير الشعبية العربية في كل قطر القدرة على ممارسة حرياتها الديمقراطية لتنظيم صفوفها، وممارسة حقها في توجيه سياسات حكوماتها الاقتصادية والثقافية والسياسية.‏

2- محاربة الإقليمية والطائفية، والفئوية على طريق الوحدة.‏

3- توحيد التنظيمات الشعبية على مستوى الوطن العربي عامة، وإقامة جبهة وطنية شعبية عربية عريضة وتوحيد جهودها وتساندها لتحقيق حرياتها الديمقراطية وتنفيذ برامجها في مواجهة العدو الصهيوني.‏

4- توجيه الإمكانات الشعبية لفرض إرادتها على أنظمة الحكم العربية للعودة إلى تنفيذ المقاطعة العربية لدولة العدو الصهيوني، وإلغاء ما جرى من تطبيع للعلاقات معها، وإفساح الحرية للعمل الشعبي المنظم ليقوم بدوره وواجبه الكامل في هذه المجالات وغيرها من مجالات المقاومة.‏

5- ولن تكتمل المساعي لتصبح فعالة ما لم تتحقق خطوات وحدوية عربية. لتوحيد الاقتصاد والعلاقات الخارجية، وإقامة التحالفات العسكرية، على طريق توحيد الكيانات السياسية.‏

10/3/1998‏

بهجت أبو غربية‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244