|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
أجوبة د. حامد خليل عميد كلية الآداب بجامعة دمشق السؤال الأول: - منذ أكثر من قرن تساءل المفكرون العرب: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ فترتب على طرح هذا السؤال القيام بمراجعة نقدية شاملة لمناهج التفكير لدينا، ولكافة طروحاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، فآذن ذلك بميلاد مشروع نهضوي كبير وطموح، لكنه انتهى منذ سبعينيات هذا القرن إلى ما يشبه الاحتضار. ونعود الآن لنتساءل: لماذا هزمنا؟ فهل يعني ذلك أننا سنقوم بمراجعة أخرى نقدية وشاملة، قد يتمخض عنها انبثاق مشروع نهضوي عربي جديد؟ أرجو ذلك. نعم: لقد هزمنا. ولن أطلب كثيراً من توضيح الدور الذي لعبه العامل الخارجي في ذلك خوفاً من أن يصبح المشجب الذي نعلق عليه كل أخطائنا، وإنما سأركز على العامل الداخلي الذي اعتبره العامل الأساسي الذي لولاه لما أمكن للعامل الخارجي أن يحقق النجاحات التي حققها. صحيح أن ثمة أكثر من صيغة للإجابة عن السؤال: لماذا هزمنا؟ لكنني سأختار الصيغة التي تبدو لي أنها أكثر غوصاً في العمق، وتشكل الجوهر الذي تكون كافة مظاهر الهزيمة اعراضاً له، أعني غياب العقلانية غياباً شبه تام عن حياتنا العربية المعاصرة. وفحوى الأمر أن أهم ما تعنيه العقلانية لأي مجتمع من المجتمعات إنما هو أن يتحكم بمقدراته، ويسيطر على حركته، ويضبط مساره، بحيث لا تفاجئه الأحداث، فتكون حركته مجرد ردة فعل انفعالية تجاهها سرعان ما تخمد جذوتها بمجرد انتهاء الحدث وبعدها يعود إلى سباته بانتظار حدث جديد يفرض عليه إما من الخارج أو من الداخل.. وهكذا دواليك .. ولأن العقلانية ليست سمة حياتنا المعاصرة على النحو الذي حددته قبل قليل فمن الطبيعي أن نهزم. وليس في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب. ويمكن تعداد بعض مظاهر غياب العقلانية الذي بسببه لا يتحكم المجتمع العربي بمقدراته، ولا يسيطر على حركته على النحو التالي: 1- عزل العقل عن شروط تكونه العلمي. 2- تحريم التشكيك أو الطعن أو حتى التساؤل حول صحة نسب المرجعيات المنتشرة في الوطن العربي سواء أكانت مرجعيات سياسية أو اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية أم غير ذلك. 3- هدر الموارد، إما بضخها إلى الخارج بالمجان، أو بإقامة نمط مجنون من الاستهلاك أو بتعطيل قيام أية نهضة تنموية حقيقية. 4- العمل الدؤوب من الداخل لإضعاف العرب تجاه عدوهم الرئيسي(الاحتكارات العالمية والصهيونية) إما بالتخلي عن القرار المستقل، أو الارتهان بقرار تلك الاحتكارات، أو بتكريس التجزئة القائمة من جهة، والقيام على تفتيتها هي نفسها من الداخل عن طريق إثارة النعرات الطائفية والقبلية والدينية والعشائرية والأثنية...... وغيرها من جهة أخرى. 5- تحطيم التوجه المؤسساتي في الإدارة والتنظيم والتخطيط، وإحلال آلية عمل تقوم على المزاجية والاعتباطية والمحسوبية.. وغيرها في إدارة شؤون القطاعات الإنتاجية الشاملة(اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية... الخ). 6- تجريد الفرد من مواطنيته بحرمانه من حقه في المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون الجماعة. 7- تغييب البحث العلمي عن أن يكون الأساس الذي بالاعتماد عليه يصاغ القرار التنموي من أي نوع كان، وترك العنان للارتجال والعشوائية والشخصية للاضطلاع بهذا الدور. 8- والأخطر من ذلك كله، والذي يعتبر بحق أصل كل هذه العناصر اللاعقلانية المذكورة، إنما هو إقامة نمط غير إنتاجي وتدميري من الإنتاج لصالح فئات اجتماعية طفيلية، وإطلاق العنان لها لتتحكم بمفاصل حياة المجتمع العربي المعاصر، وتقوده بالنهاية إلى حيث يلقى حتفه. إما بخصوص السؤال عن أسباب انحسار المشروع الوطني الفلسطيني بدءاً من تحرير كامل فلسطين وصولاً إلى المرحلة الراهنة، فإن الأمر لا يخرج عن الإطار الذي حددته قبل قليل للهزيمة العربية ككل، لا بل يمكنني القول أن غياب العقلانية كان أكثر حدة مما شهدناه على الساحات العربية الأخرى، والذي يمكن التعبير عنه بالنقاط الرئيسية التالية، دون أن يعني ذلك أنني أقلل من أهمية الروح النضالية التي تجلى بها الشعب العربي الفلسطيني طول خمسين عاماً من صراعه مع العدو الصهيوني: 1- حرف الروح النضالية المذكورة عن مسارها السليم، بحيث توظف بالكامل لضمان بقاء أمراء الكانتونات الفلسطينية الكثيرة، وتسخيرها لإرواء تعطشهم المجنون لممارسة السيطرة وجمع الثروات. 2- القيام بمحاولات مجنونة وغير محسوسة من قبل أولئك الأمراء لإنشاء سلطات بديلة استخدمت كذرائع لذبح الشعب العربي الفلسطيني واقتلاعه من مواقعه المؤقتة، كما حدث في الأردن ولبنان. 3- افتعال معارك دموية مجانية بين فصائل الشعب العربي الفلسطيني خدمة لمصالح بعض أولئك الأمراء، أو ذريعة لتمرير مخططاتهم التي لم تكن في صالح القضية الفلسطينية. 4- زج الفلسطينيين في معارك العرب الداخلية أو البيئية، الأمر الذي أدى إلى جعلهم يخسرون شيئاً فشيئاً الدعم المادي والمعنوي العربيين سواء على الصعيد الرسمي أو على الصعيد الشعبي. 5- والأخطر من كل ذلك تكريس النزوع الاستقلالي على الساحة الفلسطينية، الأمر الذي وجده كثير من القادة العرب فرصة للتحرر من كافة الالتزامات التي كانوا مرغمين على الوفاء بها تجاه القضية الفلسطينية، مما جرد المفاوض الفلسطيني من أقوى الأسلحة التي كان يمكن له أن يستخدمها للحصول على أكبر قدر ممكن من حقوقه. 6- تفتيت الجبهة الداخلية للشعب العربي الفلسطيني، وتغييب مرجعيته الأمر الذي أدى إلى تمزيق كيانه، وبعثرة جهوده، وتركه نهباً للفوضى والضياع. السؤال الثاني: - أعتقد أن الحلم الصهيوني بإقامة دولة من الفرات إلى النيل لم يعد قائماً لأسباب كثيرة محلية ودولية، لكن حل محله حلم من نوع آخر، وهو تحقيق ساحة اقتصادية وسياسية وأمنية شاسعة تكون"إسرائيل" هي المحرك الأساسي لها، والممسك بكل خيوطها، والبنك الذي تتجمع فيه معظم عائداتها. والجديد في الأمر هو أن السلاح الذي ستستخدمه في هذه المعركة الجديدة إنما هو محاولة تفتيت الهوية القومية العربية بشرذمة الوعي بها إلى نويات منعزلة، واختراق الثوابت والمناطق المحرمة في العقل العربي، وتهيئة ذلك العقل للتكوين من جديد بثقافة"الواقعية" و"العقلانية" و"المتغيرات الدولية"، وإرهاقه بتأجيج الشعور لديه بالإحباط والعجز واليأس واللاجدوى، تمهيداً لإعلان استقالته، والاستسلام لهذا"المنطق" الجديد، والقبول بكل استحقاقاته. وما مشروع"الشرق الأوسط الجديد" لشمعون بيريس سوى مؤّشر هام لهذا التحول في المشروع الصهيوني. السؤال الثالث: - شكلت الاتفاقيات المبرمة حتى الآن خطورة كبيرة جداً على مجرى الصراع العربي الصهيوني. ولأنني أعتقد أن طلقة الرحمة التي تطلق عادة لوضع حد لطموح أية أمة في التحرر والارتقاء والتقدم، إنما هي التي توجه إلى عقلها، فإنني أرى أن أخطر ما أفضت إليه الاتفاقيات المذكورة إنما هو اختراق الثوابت والمناطق التي ظلت محرمة طوال خمسين عاماً في العقل العربي بعامة، والفلسطيني على وجه الخصوص، كما ذكرت قبل قليل، وتهيئة ذلك العقل للتكون من جديد بثقافة"الواقعية" و"العقلانية" و"المتغيرات الدولية"، تمهيداً لتمييع الفكرة الواحدة الجامعة(وحدة الأمة العربية)، ومحو القضية الواحدة الجامعة أيضاً(القضية الفلسطينية) وإلغاء الدور الجامع الواحد لإدارة حركة المجتمع(وحدة النضال العربي)، وهي الأفكار التي شكلت محتوى ذلك العقل طوال نصف قرن، وذلك لصالح ثقافة تمهد الطريق لتثبيت فكرة"أمم" جوار شرق أوسطية، أو لنقل بمعنى آخر، إحلال فكرة"هويات قومية" أو ما وصفه شمعون بيريس في كتابه(الشرق الأوسط الجديد) "بتطوير فوق قومي للجماعات الإقليمية" محل فكرة هوية قومية عربية واحدة. والحق أن بيريز كان واضحاً كل الوضوح في توصيف هذه الحالة حينما قال: إن هذا التحول(ويقصد به قيام التنظيم الإقليمي الشرق أوسطي) لن يتم بسحر ساحر، أو بلمسة بيد دبلوماسية. فتوطيد"السلام" و"الأمن" يقتضي ثورة في المفاهيم. وهذه ليست بالهيّنة السهلة. إلا أنها ضرورية مع ذلك وبغيرها فإن أي شيء نحرزه سيكون قصير الأجل(ص79). أما على الصعيد السياسي فإن الأخطار تتجلى في إدخال"إسرائيل" رسمياً في لعبة التوازنات العربية، وجعلها طرفاً في صراعاتها، وشريكاً فاعلاً في حماية بعض أنظمتها من جهة، وفي تهديد بعض الأنظمة الأخرى من جهة أخرى. كما أن الاتفاقيات المنفردة المذكورة أضعفت الأطراف العربية المعنية بعملية الصراع العربي الصهيوني كلها بحرمانها إياها من مواجهة عدوها بموقف موحد يمثله فريق عربي مفاوض واحد كان يقدر له أن ينتزع من الحقوق أضعاف ما حققه كل طرف على حدة. السؤالان الرابع والخامس: أخشى أن تكون الفرصة قد ضاعت، وأن يكون من الصعب رأب الصدع، وجبر ما انكسر لكن على الرغم من ذلك، فإني أرى أن ثمة ما يمكن فعله في هذا المجال. وأعتقد أن أول ما ينبغي البدء به إنما هو تشكيل مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني تكون موضع ثقته، وجديرة باحترامه، وذلك لسبب بسيط هو أن العقل الفلسطيني مصاب الآن بالدوار، وهائم على وجهه، ويفتقر إلى وجود من يرجع إليه سواء على صعيد الفكرة أو على صعيد الممارسة. وتحقيقاً لذلك أرى أنه من المفيد الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني لفلسطينيي الداخل والخارج يضم ممثلين عن كافة القوى والفصائل والشخصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المستقلة ذات التوجه المناهض لتيار الاستسلام السائد الآن، وذلك بغية الوصول إلى فكرة الحد الأدنى الممكن الاتفاق عليها بغض النظر عن مستوى قدرة المؤتمر المقترح على الفعل والتأثير في مجرى الأحداث راهناً. وبعد أن يتحقق ذلك يسعى المؤتمر المذكور إلى إقامة روابط وعلاقات شعبية رسمية في كافة الأقطار العربية حيثما أمكن ذلك شريطة أن يكون الهدف الأول من ذلك إقامة الحوار وتبادل وجهات النظر بما يفضي إلى الوصول إلى تصورات عربية مشتركة حول كيفية مقاومة المشروع الصهيوني بأوجهه المتعددة الثقافية والسياسية والاقتصادية والأمنية. وأعتقد أن التحول الذي طرأ على الساحة الشعبية العربية، وإلى حد ما الرسمية، خلال العامين المنصرمين، يسمح لنا بالتفاؤل بأن شيئاً مهما يمكن تحقيقه في مجرى الصراع العربي الصهيوني الذي لم ينته بعد، ولا أعتقد أنه سينتهي في المستقبل المنظور. وأعتقد أيضاً أن عقد مؤتمر من النوع المقترح، وإقامة روابط وعلاقات شعبية ورسمية مع الأقطار العربية بهدف الوصول قبل كل شيء إلى رؤية عربية نظرية وعملية للخروج من المأزق الراهن أهم بكثير من أن أجيز لنفسي بأن أكون منظر لما يجب عمله راهناً ومستقبلاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |