خمســـون عامـــاً علــــى النكـــبة - د. فايز رشيد

دراســــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

أجوبة السيدة: حياة الحويك عطية

كاتبة وصحافية‏

السؤال الأول:‏

لا أعتقد أن بإمكان أحد أن يجيب مرة واحدة على سؤال: لماذا هزمنا؟ لكن الشق الثاني من السؤال يشكل بحد ذاته جزءاً من الجواب، إذا ما عدنا إلى صياغته بشكل آخر: هل صحيح أنه كان هناك مشروع وطني فلسطيني، أو بالأحرى قومي، لتحرير كامل فلسطين؟‏

لاشك أن سؤالي المشكك هذا لا يطال الجميع من قيادات ومناضلين، والدليل أن ما دفع من دم لم تحّصله أية قضية في التاريخ. لكنني أقصد مراكز صنع القرار الرئيسي وما يتفرع عنها. وقد تكون عملية تصفية الطرح المذكور أعلاه قد استغرقت فترة طويلة، ومرت بمراحل عديدة، وذلك لحساسيتها، وخطورتها، وتناقضها مع الشعار الطنان الذي كان يدوي عالياً، وإن كذباً أحياناً. ثمة مؤشرين لابد من الانتباه إليهما:‏

أولاً: إن وعي المخطط الصهيوني وما يشكله من خطر، لم يكن وعياً كافياً، منذ بداية الصراع، وذلك ما استتبع كون وسائل وأساليب المواجهة لم تكن صحيحة وقادرة.‏

ثانياً: أن تأرجح القضية بين الطرح القومي الذي كان الكثيرون يزايدون به دون إيمان صحيح ويتصرفون تحت غطائه بعقلية كيانية، وبين الحس الكياني الصريح الذي يتراوح سلوكه من اللامبالاة إلى التآمر(هذا بالنسبة للعرب) في حين يترجم هذا الحس لدى الفلسطينيين أنفسهم بسلوكيات تسقط عنهم التعاطف الشعبي تباعاً. كل هذا جعل اللحمة حول القضية الفلسطينية شكلية خطابية ادعائية، لا حقيقة فاعلة.‏

ثالثاً: كثيراً ما كان تجذر فلسطين في الوجدان الشعبي العربي، مدعاة لجعل الحكومات تسترضي هذا الوجدان بعزفها على وتر التحرير والنضال. في حين تجعلها ارتباطات أخرى تعمل على استرضاء جهات خارجية غارقة في صميم المشروع الصهيوني أو خاضعة له.‏

وهنا نصل إلى عقدة أخيل في موضوع العجز العربي. ألا وهي قضية الديمقراطية. فعندما لا يكون النظام الحاكم مستنداً إلى إرادة شعبية واعية ملتفة، تصبح العلاقة بينه وبين الشعب علاقة نفاقية، النفاقية لا تعرف إلاّ العصاة والجزره، ويصبح مضطراً إلى أن يسند بقاءه إلى جهات خارجية أو إلى معادلات وتوازنات دولية أو عربية، لا تتفق بالضرورة ومصالح الأمة الوجودية والحياتية. بل أنها غالباً ما تتناقض معها...‏

هذا المستنقع، هذه الرمال المتحركة، لم تعرف الثورة الفلسطينية وللأسف أن تبقى فوقها.‏

رابعاً: رغم كل الاختلافات من يسار ويمين، وتطرف واعتدال، ثمة قاسم مشترك أيديولوجي ظل يجمع اليهود في كل العالم حول إسرائيل، وداخل إسرائيل حول المشروع الواضح. وهذا ما لم يكن حالنا.‏

خامساً: عرفت الصهيونية جيداً كيف تخاطب العالم، كيف تزرع في أوروبا عقدة ذنب، ومن ثم تستغلها، كيف تضع يدها على كل مواقع التأثير الاقتصادي والثقافي خاصة، في معظم مناطق العالم(خاصة الولايات المتحدة وأوروبا- بما فيها روسيا) وتحكم بالتالي القرار السياسي. في حين لم نحسن نحن شيئاً من ذلك، وقد يتبادر إلى الذهن أولاً أن السبب هو الإيمان لكن الواقع أن ما هو أهم من ذلك هو التنظيم. التنظيم الدقيق المتمثل في مؤسسات اليهودية العالمية، ومؤسسات الحركة الصهيونية وتكوين دولة إسرائيل.‏

فإذا كانت الحرية والديمقراطية مصدر فاعلية الفرد والحكم والدولة، فإن النظام هو وسيلة تطبيق الإيمان عملياً، على الأرض، وذاك مالا يتأمن إلا بامتلاك القوة.. القوة العسكرية التي بنتها إسرائيل كأفضل ما يكون، والقوة الاقتصادية والسياسية بكل ما لهذه كلها من متبادلة مساندة.‏

وفي ضوء غياب هذا كله عن الواقع العربي، ومن ضمنه الفلسطيني، كان لابد من ضمور الحلم، وضمور مضمون الحق، وذاك ما لم يحصل فجأة في أوسلو، أو بسبب حرب الخليج... بل إنه حالة بدأت بوادرها تظهر منذ أواسط السبعينات على الأقل... وقد راحت الكتب والتصريحات الصادرة في الغرب تكشف لنا عن اتفاقيات سرية، وتنسيق ديبلوماسي مبكر للوصول إلى هذا الوضع.‏

السؤال الثاني:‏

ما تغير من المشروع الصهيوني، هو بالضبط التغير الذي يصيب عمل طالب جامعي أنهى البكالوريوس، ودخل مرحلة الماجيستير.‏

لقد طرحت في إحدى مقالاتي قبل سنة ونصف سؤالاً: في الأدب مرحلة تسمى: مرحلة ما بعد الحداثة Post modernism، فهل دخلنا مرحلة الـ Post modernism أي ما بعد الصهيونية؟ وقبل شهرين صدرت مجلة لوموند ديبلوماتيك بعنوان حمل المصطلح نفسه، وللمرة الأولى.‏

لكن ما بعد الحداثة هو حداثة جديدة أكثر تقدماً وإنجازاً في خط سير الأدب، وهكذا حال ما بعد الصهيونية. مثلاً، ثمة أجواء معادية للصهيونية تنمو في أوروبا(وإن كانت ما تزال ضعيفة)، وأكثرها يقع في صفوف اليمن المتطرف، والسبب الرئيسي لها هو استياء أصحابها من الابتزاز اليهودي الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية، والإحساس بسيطرة اللوبيهات اليهودية...... إذن هذا الوضع يختلف تماماً عن وضع العطف والتعاطف الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.... كما أن الحال نفسه ينطبق على صورة إسرائيل التي لم تعد مجموعة مسكينة مهددة وسط موج من الوحوش، بل أصبح الجميع يعرف قوتها وثباتها... إذن لابد أمام هذا كله عن أسلوب جديد في التعامل، وطروحات جديدة: مثلاً اللجنة المشرفة على أوشفيتز غيرت اليافطة التي على المدخل من رقم ستة ملايين ضحية إلى ما يقرب المليون.... وإذا كان هذا مثال رمزي صغير، فإنه يدل على أسلوب مسايرة الواقع والالتفاف عليه، هذا الالتفاف الذي يجعل كاتباً صهيونياً كزئيف شيف، يحكى في كتاب((المليون السابع)) من تحالف الصهيونية مع النازية.‏

لكن هذه المسايرة، والاعتراف بما بات معروفاً، لا يمنع فتح باب جديد يتمثل في العمل على تثبيت مسؤولية فرنسا- الدولة، عن مذابح الهولوكوست، وسويسرا- الدولة أيضاً، لفتح صفحة جديدة من الابتزاز السياسي.‏

كذلك نجد في كتاب بنيامين نتنياهو الأخير((أمن وسلام)) كلام كثير عن التيارات المناهضة للصهيونية في الولايات المتحدة واقتراح كيفية قمعها.‏

يرافق ذلك استمرار حثيث في السعي على السيطرة على وسائل الإعلام(Mass Media) ومصادر المعلوماتية التي أصبحت تحكم العالم الحديث.‏

أما في المنطقة فلا شك أن الصراع الآن يتبلور في جوانب تتقدم على الصراع العسكري وهذا ما يقود للسؤال التالي.‏

السؤال الثالث:‏

قد يبدو أن أخطر ما في هذه الاتفاقيات هو إعطاء مشروعية للاحتلال والاغتصاب والتنازل عن الحقوق.‏

لكن الواقع أن الخطر لا يقع هنا، فلا مشروعية تاريخية لأي اتفاق ينتقص من حقوق أمة ما، لأن هذه الحقوق ملك لأجيال الأمة في تعاقبها لا للجيل الذي قبل بها، والتاريخ يغص باتفاقيات عادت فألغيت عندما تهيأت الظروف المناسبة لذلك وفي مقدمتها القوة، والتوازنات الدولية.‏

والخطر إذن هو فيما يتحقق على الأرض لا على الورق: استيطان، مجاري مياه، استغلال خيرات. سيطرة على الصناعة، مما يصب كله في سياق السوق الشرق أوسطية، التي تخطط إسرائيل لها بحيث تصبح هي فيها رب العمل ونتحول نحن إلى مصدر مواد أولية رخيصة، ويد عاملة رخيصة وسوق مستهلك، مع ما يستتبعه ذلك من ترسيخ قيم السوق، والاستهلاك، وثقافة المستهلك إزاء المنتج. ويحضرني هنا مثال رمزي وهو أحد المشاريع الكثيرة التي أعدتها إسرائيل للمياه، وهو يقترح نشر بطاريات لاجتذاب الغيوم الماطرة على امتداد الحدود، على أن تمول كل من الأردن، مصر، سورية، لبنان، قبرص وإيران هذا المشروع، طالما أن إسرائيل تقدم الدراسة، ولا بد لتنفيذها في إسرائيل من أن يجلب بعض المطر للدول المباشرة(وهنا أشير إلى نوع خطير من أنواع التبعية، وهو التبعية العلمية، التي لا نتنبه لها ونحن ننشئ مبنى جديد لإدارة الجامعة، كلما أنشأت إسرائيل مركز بحث في جامعتها).‏

كما لا يغيب عن بال أحد، ونحن نتحدث في موضوع السوق وضع العمال الفلسطينيين الذين أصبح عنقهم كلياً مربوط بفتح أو غلق الحاجز الإسرائيلي.‏

في هذا السياق الجديد يصبح الصراع أقوى وأصعب ومتعدد الأطراف والأبعاد أكثر. ويصبح تبرير العمالة أسهل، وآثارها أعمق.‏

السؤال الرابع والخامس:‏

الربط بين الخاص الوطني والعام القومي لم يكن يوماً أكثر ضرورة منه الآن، ولكنه للأسف لم يكن يوماً أكثر ضعفاً بل وانعداماً منه الآن... لا على المستوى الفلسطيني- العربي، بل على المستوى العربي- العربي. لكأنها أيام الدويلات الأندلسية، لكننا لسنا في الأندلس، وما أمامنا ليس النهر الكبير....‏

قد يكون الطرح القومي اليوم بعيد المنال، ولكن لنعد إلى أسس أكثر عملية وبساطة، لنبدأ من الاقتصاد مثلاً كما تفعل أوروبا، (وإن كان اقتصادنا كله مرتهناً) لنحاول عبر الثقافة وعبر جعلها فوق التقلبات السياسية، وبعيدة عن النفخ في الأبواق.‏

لنعد إلى ما عندنا من طروحات فكرية قومية، (لا إلى الأنظمة والأحزاب التي طبقتها) ولنحاول البحث عن قواسم مشتركة تلتقي على حد السكين المسلط على رقابنا جميعاً.‏

وأعتقد أنه لا بد في هذه المرحلة من الالتقاء على مواقف واقعية ضرورية، وتشكيل جبهات عاملة فاعلة حولها. بعيداً عن المهاترات النظرية التنظيرية.‏

وإذا كان علينا أن نعترف باستحالة استنهاض حالة تعبوية هادرة لا على المدى القريب، فلنحاول البدء من مقاربة أخرى: مدخل العقلانية الصادقة، العالمة(أفلا نجد أن صوتاً كصوت إدوارد سعيد هو أعلى من صوت القادة السياسيين هذه الأيام؟)‏

مدخل الإنسان: حقوقه، حريته، حقه في أن يكون هو هو......‏

(لا بمعنى الأنانية الفردية المعطلة للدور العام، وإنما بمعنى واجب أداء دور ما في هذا الكيان العام).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244