|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثاني شكل الخيار الأوروبي- الغربي منذ عام 1923 خياراً وحيداً لا بديل عنه لدى النخبة الكمالية في تركيا. يبحث هذا الفصل في سياسة تركيا الهادفة إلى نيل العضوية الأوروبية وأسباب الرفض الأوروبي لعضويتها، كما يسلط الضوء على الخلافات التركية- اليونانية ومشكلة قبرص. إضافة إلى العلاقات التركية- الأمريكية. تركيا والدائرة الأوروبية- الأمريكية أولاً- تركيا وعضوية الاتحاد الأوروبي: في 3 آذار عام 1924 أعلن أتاتورك عن إلغاء الخلافة الإسلامية وقيام دولة علمانية تعتمد في دستورها القوانين الأوروبية(12)، ثم حل في العام نفسه منصب شيخ الإسلام وجميع الأجهزة المرتبطة به سواء كانت شرعية أم قضائية وألحق المدارس الدينية بوزارة مدنية كما أغلق جميع المحاكم الدينية وتوقف العمل بالقضاء الديني(13). ومع بداية عام 1926 ألغى أتاتورك العمل بالتقويم الهجري الإسلامي وبدأت تركيا العمل بالتقويم الميلادي، وفي عام 1928 أعلن عن إجراءات تقضي بإلغاء مادة "الإسلام دين الدولة التركية" وفي تموز من العام نفسه ألغى استخدام الحرف العربي في اللغة التركية وألزم استخدام الحرف اللاتيني وأمر بترجمة القرآن إلى اللغة التركية وكذلك تلاوة الصلاة باللغة التركية(14) وفي عام 1935 جرى تبديل يوم العطلة الأسبوعية من يوم الجمعة الذي له قدسية في الدين الإسلامي إلى يوم الأحد(15)، وكان أتاتورك يعتقد أنه قادر على تبديل كل شيء من البناء المؤسسي للدولة إلى الملبس الخارجي لرجل الشارع، لذلك قرر إلغاء الطربوش العثماني والقلبق الشركسي والعمة الكردية واستبدلها بالقبعة الأوروبية(16). لقد أراد أتاتورك بناء دولة معصرنة على غرار الدول الأوروبية والنمط الغربي، منطلقاً في ذلك من أيديولوجيته التي تركزت على مبادئه الستة (الجمهورية- الوطنية التركية- الشعبية- الدولتية- الثورية- العلمانية)(17)، هادفاً إلى تحقيق قطيعة تاريخية مع الماضي الإسلامي سعياً إلى إبعاد تركيا عن المجموعة العربية والإسلامية (بوصفها متخلفة) وتحقيق الحضارة الغربية(18). وانسجاماً مع هذا النهج سعت تركيا إلى الاندماج في الغرب، وكثيراً ما تطلب الأمر إجراءات قسرية للتخلص من الرموز المعارضة، وعملت الحكومات التركية المتتالية على بناء المؤسسات الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المستوحاة من مجتمع الغرب، واتخذت الالتزامات المطلوبة في هذا الإطار إزاء الأحلاف العسكرية الغربية، فقد انضمت تركيا إلى الحلف الأطلسي في نيسان عام 1952 وإلى حلف بغداد عام 1955 والسنتو 1959 وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل في عام 1949. وفي حزيران عام 1959 تقدمت تركيا بطلب العضوية إلى السوق الأوروبية المشتركة، ونجحت في عام 1963 في توقيع اتفاقية أنقرة للشراكة الاقتصادية مع أوروبا. وقد شجعت أوروبا تركيا على اتخاذ المزيد من الخطوات التي تؤهلها لعضوية الجماعة الأوروبية. كما أعطت أوروبا والغرب عموماً أهمية أمنية كبيرة لتركيا أثناء الحرب الباردة وذلك بسبب موقعها المجاور لحدود الاتحاد السوفياتي السابق. وفعلاً اتخذت تركيا مجموعة من الخطوات القانونية والاقتصادية والسياسية وحرصت على بعث هوية أوروبية باعتبار أن لها امتداداً في أوروبا يبرر هذه الهوية (3% من مساحة تركيا يقع في أوروبا و 97% في آسيا). معتقدة أن هذه الخطوات وبعث هذه الهوية ستؤهلها للعضوية الكاملة في الجماعة الأوروبية كعضو كامل الحقوق والواجبات. وقد أصبح نيل العضوية الأوروبية خياراً تركيا من منطلق أنها دولة أوروبية بالمعنى الشامل للأوروبية واعتقدت النخبة التركية أن ذلك ممكن باستكمال بعض شروط العضوية الناقصة اقتصادياً وديمقراطياً، وهذه قضية سوف تتكفل تركيا بتحقيقها مع مرور الوقت، بل وربما رأت هذه النخبة أن تركيا قد حققت شروط العضوية بالفعل(19)، وتقدمت تركيا بطلب العضوية الكاملة في الجماعة الأوروبية عام 1987 ولكن طلبها قوبل بالرفض إلا أن أوروبا لم تقل "لا" نهائية لجهة عدم قبول العضوية وبقيت مركز جذب سياسي واقتصادي وثقافي بالنسبة لتركيا التي سعت إلى توثيق علاقاتها مع العواصم الأوروبية وقد نجحت في عام 1995 في توقيع اتفاقية الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، وتهدف الاتفاقية إلى إلغاء كامل للحقوق الجمركية والقيود الخاصة بالتحديد الكمي للسلع وعلى تطابق أسعار البضائع التركية والأوروبية. وكذلك إلى سياسات تفضيلية وإلى مقارنة وتقارب القوانين الجمركية. وترى الأوساط الإسلامية في تركيا ولا سيما حزب الرفاه المنحل أن التوصل إلى هذه الاتفاقية قبل أيام من الانتخابات العامة التي جرت في كانون الأول عام 1995 كان مقصوداً بدرجة أو بأخرى من الجانبين التركي والأوروبي، فهي جاءت كوسيلة لدعم الأحزاب العلمانية في مواجهة حزب الرفاه الذي فاز في هذه الانتخابات. وقد أجرت تركيا في العام نفسه جملة من التعديلات في المواد الخاصة باحترام حقوق الإنسان من خلال السماح للعمال والموظفين بالعمل السياسي وخفض سن الانتخاب إلى 18 سنة والسماح للمعتقلين بالمشاركة في الانتخابات وزيادة عدد أعضاء البرلمان من 450 عضواً إلى 550 عضواً إضافة إلى مجموعة من التعديلات الأخرى. هذه الخطوات مجتمعة لم تكن كافية في نظر الاتحاد الأوروبي لقبول عضوية تركيا وجاء قرار بروكسل السلبي في كانون الأول عام 1997 بشأن هذه العضوية صدمة كبيرة في الأوساط الحكومية التركية وكانت الصدمة مضاعفة لهذه الأوساط بسبب قبول طلب العضوية المقدم من جمهورية قبرص. وعلى الرغم من أن الرد التركي على قرار بروكسل كان سريعاً فقد أعلنت تركيا مقاطعتها لعدد كبير من اجتماعات المجالس الأوروبية التي هي عضو فيها، وهددت بضم شمال قبرص رسمياً إلى أراضيها واتهم عدد من الزعماء الأتراك بينهم مسعود يلماظ زعيم حزب الوطن الأم وتانسو تشيلر زعيمة حزب الطريق المستقيم الاتحاد الأوروبي بأنه تحول إلى "ناد مسيحي"، في المقابل صعد عدد من الدول الأوروبية لهجتها تجاه تركيا بالتزامن مع موجة عنف شنتها بعض الجماعات اليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية وخاصة في ألمانيا ضد الأتراك المقيمين في أوروبا، واشترط الاتحاد الأوروبي لقبول تركيا في عضوية الاتحاد جملة من الشروط هي في العمق تبدو أسباباً قوية لرفض عضويتها في المدى المنظور ولعل أهم أسباب رفض هذه العضوية هي: 1- الاختلاف الحضاري وتباينه: بالرغم من أن أوروبا لا تؤكد هذا السبب علناً إلا أن الاختلاف الحضاري بين تركيا وأوروبا يعد من أهم أسباب رفض تركيا في عضوية الاتحاد، فحتى الآن تقتصر عضوية الجماعة الأوروبية على دول أوروبية مسيحية إضافة إلى أن الجماعة الأوروبية تشكل تكتلاً لمجتمعات ذات قيم ثقافية وسياسية واجتماعية مشتركة ومختلفة عن تركيا، والكثير من الأوساط السياسية الأوروبية تعد تركيا بلداً غير أوروبي رغم أن جزءاً منها يقع داخل أوروبا. ورغم الخطوات التي اتخذتها تركيا حتى الآن فإن أوروبا تدرك أن تركيا في النهاية بلد مسلم ويشكل المسلمون فيها نحو 98 بالمئة من مجموع السكان البالغ 64 مليون نسمة، وفي ظل صعود التيار الإسلامي في تركيا باتت أوروبا تأخذ البعد الإسلامي في تركيا بعين الاعتبار في حين تريد أوروبا تأسيس اتحاد منسجم مع بنيتها دينياً وفكرياً واقتصادياً، وميثاق الاتحاد يؤكد على هذه المسألة. هل السبب نفسه يفسر رفض أوروبا لعضوية المغرب أيضاً؟ صحيح أن أوروبا قد تقبل بعض الدول في عضوية عدد من مؤسساتها لأسباب تحتمها عليها مصالحها الاقتصادية والسياسية الدولية لكن ذلك لا يعني القبول بإدماج الآخرين المختلفين حضارياً ودينياً وثقافياً في بُعدها وانتمائها الحضاريين وعلى سبيل المثال، لقد أضحى البرلمان الأوروبي وهو أعلى سلطة تشريعية في دول الاتحاد الأوروبي ينتخب على أساس مباشر في الدول الأعضاء ومن منطلق التحالفات الحزبية عبر هذه الدول جميعاً. فهل يمكن بسهولة تصور انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ثم اشتراك حزب له توجه إسلامي واضح (حزب الفضيلة مثلاً) في الانتخابات البرلمانية الأوروبية؟(20) وفي الواقع، يعد الاختلاف بين تركيا وأوروبا من أهم أسباب رفض الاتحاد الأوروبي تركيا في عضويته، فمسألة الاختلاف الحضاري بالنسبة للأحزاب الديمقراطية المسيحية في دول الاتحاد تعد مسألة حاسمة، وتعتقد هذه الأحزاب أنه يجب على تركيا التفريق بين الرغبة الأوروبية في تطوير العلاقات معها وبين مسألة قبولها عضواً في الاتحاد. فقد جاء في البيان الذي صدر في نهاية لقاء الأحزاب الديمقراطية المسيحية في دول الاتحاد في الرابع من آذار عام 1997 "أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي غير ممكن في المدى القريب ولا في المدى البعيد، نؤيد تعاوناً مكثفاً جداً مع تركيا ولكن مشروع أوروبا هو مشروع حضاري وهناك اختلاف حضاري بين تركيا وأوروبا"(21). 2- الخلافات التركية- اليونانية: لقد كان للموقف اليوناني على الدوام دور رئيسي في عرقلة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إذ يحق لليونان وكذلك باقي الدول الأعضاء في الاتحاد بموجب ميثاق الاتحاد استخدام حق الفيتو ضد انضمام أي عضو جديد لا ترغب فيه، والفيتو اليوناني هنا يعود إلى الخلافات التركية- اليونانية المزمنة والعديدة (سنتحدث عنها لاحقاً) إذ تثير هذه الخلافات توتراً دائماً في العلاقات التركية- اليونانية والأوروبية وفي هذا السياق نجحت اليونان حتى الآن في تجميد العديد من المساعدات الأوروبية المخصصة لتركيا، كما ترفض اليونان الضغوط الأمريكية المطالبة بتغيير موقفها تجاه قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وقد أعلن رئيس الوزراء اليوناني كوستاس سيمييتس صراحة أثناء القمة الأوروبية التي عقدت في مدينة كارديف البريطانية في منتصف حزيران 1998 أنه رفض طلباً من الرئيس الأميركي بيل كلينتون يطالبه بضرورة تغيير موقف بلاده تجاه تركيا تسهيلاً لقبولها في عضوية الاتحاد الأوروبي(22). 3- نقص الديمقراطية: ترى أوروبا أن سلوك أنقرة وعنفها ضد الأقليات القومية في الداخل وخاصة الأكراد وعدم اعترافها بخصوصية الشعب الكردي وهويته وكذلك قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية وتدخل الجيش في الحياة السياسية، هذه القضايا في نظر أوروبا معايير سياسية ثقافية لقبول عضوية تركيا، وقد شكل سلوك أنقرة العسكري ضد الأكراد أحياناً كثيرة سبباً في توتر العلاقات مع العديد من الدول الأوروبية خاصة بين ألمانيا وتركيا. 4- العامل الاقتصادي: يبلغ عدد سكان تركيا حالياً نحو 64 مليون نسمة ويتوقع أن يبلغ عام /2020/ مئة مليون، ومثل هذا العدد الضخم من السكان يثير قلق أوروبا وخوفها، وكذلك الوضع الاقتصادي التركي حيث بلغ العجز المالي 400% في الربع الأول من عام 1998. والمديونية العالية (80 مليار دولار عام 1997)(23) وتزايد البطالة وأوضاع الريف ومعدلات التزايد السكاني مقارنة مع الدول الأوروبية، كل ذلك يثير قلق أوروبا وخوفها من انسحاب هذه المشاكل وتبعاتها على الوضع السكاني والاقتصادي لأوروبا والإخلال بالبنية السكانية والاقتصادية لدولها في وقت تتصاعد فيه موجات اليمين المتطرف في معظم دول أوروبا مطالبة بوضع حد لهجرة الأجانب وترحيلهم من أوروبا، حيث يعيش نحو مليوني تركي في ألمانيا وحدها. وفي الواقع رغم هذه الأسباب القوية لرفض عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي فإن النخبة السياسية التركية تعتقد أنه لا بديل عن خيار تركيا الأوروبي فهي ترى أن مجالات الجذب لتركيا خارج الاتحاد الأوروبي ضعيفة وتؤكد أن العدول عن هذا الخيار يعني إسقاط 200 سنة من تاريخ تركيا الحديث. ثانياً: النزاع التركي- اليوناني: تضارب البعد السياسي والحضاري: يتجاوز النزاع التركي- اليوناني في العمق المشكلات والأزمات الطارئة بين البلدين لأسباب تاريخية حضارية وأخرى سياسية وجغرافية يكاد يكون من المستحيل حصرها وتسويتها. فهو نزاع مقترن بتاريخ طويل من الصراعات المريرة والعدوان والحروب بين شعبين مختلفين في القيم والمعتقدات الحضارية، وكان بالنسبة لليونان يتمحور حول التخلص من الحكم الأجنبي واستعادة أرضه التاريخية وبالنسبة للأتراك كان حتى عام 1922 حكاية الهزائم والتراجعات.... وهذا النزاع يضفي حالياً طابع الحدة في مسيرة تشكل ميزان القوى في البلقان(24) وقد كان للشعار الذي رفعه أوزال في بداية التسعينات "العثمانية الجديدة" عاملاً في عودة شعار "ميغالوايديا- الفكرة العظيمة" في أثينا، وبالتالي في إيصال الحزب الاشتراكي اليوناني (باسوك) من جديد إلى السلطة الذي هو حامل راية الهيللينية. وعليه مع التغيرات والتحولات الجارية حضرت "العثمانية" و"الهيللينية" بقوة في سياسات أنقرة وأثينا، تجاه البلقان، لتكون الأبعاد التاريخية والحضارية والقومية الممزوجة بالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية هي التي تفسر وتسيطر على الممارسات اليونانية والتركية معاً تجاه عدد كبير من القضايا والمشاكل الخلافية بين البلدين، وأضحت المشاكل القومية والمذهبية والدينية التي تفجرت عقب انهيار الاتحاد اليوغسلافي واشتدادها في البوسنة والهرسك وكرواتيا ومقدونيا وألبانيا وكوسوفو... الخ تخيم بظلالها على توجهات البلدين وتبعث في كل منهما العوامل التاريخية لخريطة النزاع، فاليونان تؤكد على الأرثوذكسية كعنصر من عناصر السياسة الخارجية وهو عملياً أدى إلى بروز نوع من التحالف السياسي الأرثوذكسي. اليوناني الروسي البلغاري الصربي في مواجهة تركيا مسلمة لها مشاكل عديدة مع دول الجوار الجغرافي وأهم مشاكل الخلاف بين تركيا واليونان. 1- بحر إيجة ويعتبر من أقدم ملفات الخلاف بين اليونان وتركيا ومنشأه أن الاتفاقات والمعاهدات التي رسمت الحدود البحرية بينهما لم تستطع أن تكون مرجعية قانونية وسياسية لحل الخلاف رغم وجودهما في حلف واحد "الأطلسي" وأهم هذه الاتفاقات والمعاهدات: أ- معاهدة لوزان التي وقعت في 24 تموز 1932 وحددت الحدود التركية اليونانية. ب- اتفاق 4 كانون الثاني 1932 الموقع بين إيطاليا وتركيا ويحدد أوضاع مجموعة جزر الدوديكانيز (12 جزيرة). جـ- معاهدة باريس الموقعة في 10 شباط 1947 بين إيطاليا واليونان بشأن أرخبيل الدوديكانيز. د- اتفاق القانون البحري عام 1982 والذي يحدد عرض المياه الإقليمية لكل دولة بـ 12 ميلاً. وقد تفجر الخلاف اليوناني- التركي حول المياه الإقليمية بعدما صدق البرلمان اليوناني على الاتفاق الأخير في أيار 1995، حيث يسمح الاتفاق لأثينا ببسط سيطرتها على مياهها الإقليمية في بحر إيجة، وتعتقد أثينا بموجب هذه الاتفاقية أن أياً من الجزر /2800/ الموجودة في بحر إيجة يقع تحت سيطرتها وإذا مدت مياهها الإقليمية إلى اثني عشر ميلاً يصبح 72 في المئة (الآن 44 في المئة) من بحر إيجة تحت سيادتها مقابل 9 في المئة (الآن 8) لتركيا و 19 في المئة (الآن 48) مياهاً دولية، وبالتالي يتحول بحر إيجة من بحر مفتوح كما هو حاله الآن إلى بحيرة يونانية ويترتب على ذلك ما عدا الساحل الجنوبي إغلاق منفذ تركيا على البحر المتوسط(25) وعليه ترفض تركيا تطبيق القانون البحري لعام 1982 على مياه بحر إيجة وتعتقد أن لمياه هذا البحر أوضاعاً خاصة. وفي مواجهة الطموح اليوناني هذا ترفض تركيا الأمر بشدة وتهدد مؤسستها العسكرية بالخروج إلى الجزر في كل لحظة كتعبير عن التحدي والاستعداد للمواجهة العسكرية إذا مدت اليونان سيطرتها 12 ميلاً في بحر إيجة، وقد وصلت الأمور بين البلدين إلى حافة الحرب في تموز عام 1996 عندما أنزلت القوات التركية علماً يونانياً من فوق جزيرة إيميا في بحر إيجة. وارتباطاً بمساحة المياه الإقليمية يتحدد المجال الجوي وذلك وفقاً لاتفاقية شيكاغو 1954، وكذلك الجرف القاري وهذا يعني أن الأتراك سيقتصر مجالهم الجوي فوق بحر إيجة على ستة أميال كما أنهم سيحرمون من الاستفادة من الثروات الموجودة في هذه الجزر حيث كان موضوع التنقيب عن النفط في جزر بحر إيجة موضع خلاف شديد بين البلدين. ورغم أن اتفاقية سويسرا (بيرن عام 1976) نصت على وقف التنقيب عن النفط في هذه الجزر من قبل البلدين إلا أن اليونان استأنفت التنقيب عن النفط في إيجة من جديد ومنذ عام 1987 رغم مطالبة تركيا لها مراراً إما بوقف هذا النشاط أو الحصول على حقوق مماثلة. كذلك تأتي قضية تسليح بعض الجزر وإقامة القواعد العسكرية عليها ضمن بؤر النزاع المتجددة بين البلدين، وتتهم تركيا اليونان بإقامة قواعد عسكرية في 12 جزيرة معروفة باسم جزر "الدوديكانيز" بغية فرض سياسة الأمر الواقع في هذه الجزر في حين تتهم اليونان تركيا بتوسيع قاعدة مطار جزيرة "غوكجيه" الواقع شمالي بحر إيجه كي يصلح لهبوط القاذفات رغم أن اتفاقية باريس عام 1947 تحرم تسليح الجزر المذكورة واستخدامها لأغراض عسكرية. 2- المسألة العرقية في البلقان: مع تفكك يوغسلافيا إثر انهيار الاتحاد السوفياتي برزت المسألة العرقية بحدة في البلقان وكان من آثار بروز تقاطع مصالح تركيا ومسلمي كرواتيا والبوسنة وألبانيا ومقدونيا وكوسوفو وأتراك بلغاريا في مواجهة تقاطع مصالح صربيا واليونان وروسيا وبلغاريا حيث يعيش في منطقة تراقيا الغربية الواقعة شمال شرقي اليونان على الحدود مع تركيا نحو /120/ ألف مسلم من أصل تركي، وتتهم تركيا السلطات اليونانية بمحاولة طمس الهوية الإسلامية والتركية لهذه الأقلية من خلال سياسة تهجيرهم من أراضيهم وطمس هويتهم وتغيير الأسماء وتقييد حركتهم ومنع انتخاب زعمائهم الدينيين وحرية التعليم والتملك في حين ترفض اليونان الاتهامات التركية وتعتبرها تدخلاً في شؤونها الداخلية وتؤكد على حرية الأتراك فيها بصفتهم مواطنين يونانيين(26). وفي مواجهات الاتهامات التركية هذه تطالب اليونان تركيا بمنح بطريركية الروم الأرثوذكس في استانبول وضعاً خاصاً والاعتراف بها كدولة مستقلة على غرار دولة الفاتيكان الكاثوليكية وتستند اليونان في طلبها هذا إلى أنه عندما فتح السلطان محمد الثاني استانبول أقر استمرار الوضع الديني القائم في المدينة ومنها حرية العبادة واستقلال المؤسسات الدينية لكن تركيا بدورها ترفض الطلب اليوناني وتعتبره مخالفاً لمعاهدة لوزان عام 1923 التي أقرت بتبعيتها للسيادة التركية. ورغم الخلفية التاريخية للنزاع التركي- اليوناني على البلقان إلا أنهما تتنافسان على إيجاد مدى اقتصادي وجيوسياسي في هذه المنطقة التي تتشكل من جديد أمنياً وسياسياً، وربما يتجسد هذا التنافس بنوع من التعاون الإقليمي من خلال إقامة منظمات إقليمية للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري بين دول البلقان وقد ظهرت ملامح مثل هذا التعاون في المؤتمر الأول لدول البلقان الذي عقد في جزيرة كريت في تشرين الثاني 1997 وقد حضره كل من تركيا واليونان وألبانيا ورومانيا ويوغسلافيا ومقدونيا والبوسنة. ثالثاً: المشكلة القبرصية: تعد المشكلة القبرصية واحدة من تلك المشكلات المعقدة والتي تنذر تطوراتها بتأزم خطير في العلاقات بين تركيا واليونان، وتعود جذور المشكلة إلى بداية القرن الحالي عندما انتقلت الجزيرة إلى السيادة البريطانية عام 1878 بموجب اتفاق خاص بين بريطانيا والدولة العثمانية بعد أن كانت تتبع للأخيرة منذ عام 1517 ثم تخلت تركيا عن كامل حقوقها في الجزيرة بموجب معاهدتي سيفر 1920 ولوزان عام 1923 وبقيت الجزيرة تحت السيطرة البريطانية حتى عام 1960 حين تم الإعلان عن استقلال قبرص وتعيين الأسقف مكاريويس أول رئيس لها إلا أن الجزيرة التي يشكل اليونانيون فيها نسبة 80 بالمئة من السكان والأتراك نحو 20 بالمئة ظلت موضع جذب وخلاف ونزاع بين تركيا واليونان لأسباب تتعلق بالدول الإقليمي لكل منهما. وتعقدت المشكلة أكثر عندما دخلت القوات العسكرية التركية عام 1974 الجزيرة واحتلت القسم الشمالي منها والذي تقدر مساحته بنحو 38 بالمئة من مساحة الجزيرة وتحتوي على 70 بالمئة من الموارد الطبيعية فيها، ويعود السبب المباشر لاجتياح القوات التركية الجزء الشمالي من قبرص إلى الانقلاب العسكري الذي حدث في الجزء الجنوبي منه عام 1974 بدعم وتوجيه من المجلس العسكري الذي كان يحكم أثينا آنذاك والدعوة لتوحيد قبرص مع اليونان. وقد أعلن القبارصة الأتراك في عام 1983 عن قيام "جمهورية شمالي قبرص التركية" ولم يعترف بها أحد سوى تركيا بل أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 541 الذي اعتبر الجمهورية الجديدة غير شرعية. ورغم المبادرات الدولية العديدة التي طرحت بهدف إيجاد حل سلمي للمشكلة (مبادرة الأمم المتحدة 1992 والتي عرفت باسم مبادرة "غالي" نسبة إلى الدكتور بطرس غالي، المبادرة الأميركية عام 1993 حيث يأمل المبعوث الأميركي ريتشارد هولبروك بتحقيق اتفاق للسلام في الجزيرة القبرصية على غرار اتفاق دايتون للسلام في البوسنة، المبادرة البريطانية التي طرحها وزير خارجيتها الأسبق مالكوم ريفكند وقد عرفت بـ "النقاط العشر")، إلا أن جميع هذه المبادرات والجهود التي بذلت اصطدمت بالأبعاد اليونانية والتركية للنزاع. ومؤخراً وبعد موافقة الاتحاد الأوروبي على قبول قبرص كمرشحة للانضمام إلى الاتحاد وصفقة الصواريخ الروسية أرض- جواس 300 التي اشترتها قبرص تعقدت المشكلة القبرصية أكثر فتركيا تعتقد أن قبول عضوية قبرص في الاتحاد الأوروبي نصر لليونان وضربة قصوى لها لأن ذلك يعني بقاء تركيا خارج الاتحاد ولذا وقعت تركيا معاهدة الإدماج مع جمهورية شمالي قبرص، وقد أعلنت عن إدماجها اقتصادياً بها. أي أن تركيا ستلجأ إلى إدماج هذه الجمهورية بشكل نهائي بها لقطع الطريق أمام المطالبة الأوروبية بإجلاء القوات التركية البالغ عددها نحو 40 ألف جندي من شمال الجزيرة في حال ضمت قبرص إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وجاءت أزمة الصواريخ الروسية إس 300 لتدفع الأجواء نحو المزيد من التصعيد حيث تؤكد أنقرة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما نشرت قبرص هذه الصواريخ على أراضيها وستحول دون ذلك حتى لو اقتضى الأمر توجيه ضربة عسكرية جديدة للجزيرة، وترى أن نشر هذه الصواريخ في قبرص يشكل تهديداً حقيقياً لأمنها لأن سرعة طيران هذه الصواريخ كبيرة جداً ويصل مداها إلى 150 كم حيث لا تبعد المنشآت العسكرية التركية في الجنوب سوى 100 كم عن قبرص اليونانية. فضلاً عن ذلك فإن هذه الصواريخ متحركة ولا تحتاج إلى قواعد ثابتة مما يسهل تحركها من مكان إلى آخر ويصعب تدميرها من قبل تركيا. وهكذا أضحت الجزيرة القبرصية عامل توتر ونزاع متجدد في العلاقات التركية- اليونانية وربما الأوروبية لاحقاً. رابعاً- العلاقة مع الولايات المتحدة اتسمت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة بشيء من الثبات، إذ جمعت بينهما روابط متينة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ إعلان مبدأ ترومان وسياسة "الاحتواء" الأمريكية. وانطلقت الولايات المتحدة في علاقاتها مع تركيا من تصور استراتيجي مفاده الاستفادة من الدور الجيوستراتيجي لتركيا في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، وقد أقيمت على الأراضي التركية قواعد عسكرية عدة ومحطات تنصت ورادار. فيما حظيت تركيا على الدوام بمساعدات اقتصادية وعسكرية ضخمة من الولايات المتحدة إلى درجة أن قواتها البرية تتلقى الحصة الكبرى من بين قوات الحلف الأطلسي، ورغم أن العلاقات بينهما مرت أحياناً بفترات توتر لا سيما في أعقاب تفجر الأزمة القبرصية عام 1974 إلا أنها كانت ترتقي دوماً إلى حالة أرقى وأمتن، خاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي بين البلدين في 10 كانون الثاني عام 1980 والتي أعطت دوراً متميزاً لتركيا على الصعيد العسكري والاستراتيجي في المنطقة(27). فهذه (الاتفاقية) جاءت عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران والاجتياح السوفياتي لأفغانستان. كما أن تركيا استفادت من هذه الاتفاقية بالحصول على ترسانة عسكرية ضخمة من الدول الغربية، وزيادة المساعدات المخصصة لها. وقد وصلت المساعدات السنوية لها من الولايات المتحدة في عام 1985 إلى 934 مليون دولار بعد أن كانت عام 1980 بحدود 400 مليون دولار(28). ورغم أن بعضهم توقع اضمحلال أهمية تركيا ودورها في الاستراتيجية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي إلا أن التوقعات لم تكن صحيحة تماماً، ففي إطار المتغيرات الدولية وإعادة الولايات المتحدة رسم استراتيجيتها العالمية برز دور تركيا كبلد مفتاح بحكم موقعه الجيوسياسي الحيوي بين آسيا وأوروبا، قادر على القيام بأدوار مؤثرة في البلقان وآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط في مواجهة خصوم واشنطن، ومازاد من أهمية تركيا ظهور مصادر جديدة للطاقة أي النفط والغاز بكميات كبيرة في دول حوض بحر قزون التي تربطها بتركيا علاقات تاريخية وقومية وثقافية عميقة الجذور، حيث تأمل الولايات المتحدة أن تقتدي هذه الدول بالنموذج التركي العلماني وليس بالصيغة الإيرانية للراديكالية الإسلامية، ويؤكد تقرير استراتيجية الأمن القومي الصادر عام 1997 "أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية تخدم على نحو جيد بوجود دولة تركية ديمقراطية، علمانية مستقرة، ذات توجه غربي" مقابل التصور الأمريكي هذا، وخاصة بعد قرار بروكسل السلبي بشأن قبول طلب تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي تحرص تركيا على توطيد علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة أكثر فأكثر بغية الحصول على مساعدتها في مواجهة المشكلات المختلفة وللضغط على العواصم الأوروبية للتخفيف من حدة معارضتها لدخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي. وفي كثير من الأحيان تتحرك تركيا والولايات المتحدة بصورة مشتركة في أكثر من قضية ومحور سواء في الشرق الأوسط أي توطيد التحالف العسكري التركي الإسرائيلي أو في البلقان أي بشأن قضية كوسوفو وقبلها البوسنة والهرسك. أو في آسيا الوسطى بخصوص النفط ومشاريعه إضافة إلى قضية كاراباخ المتنازع عليه بين أزربيجان وأرمينيا. ولعل ما يعكر صفو العلاقات التركية الأمريكية أحياناً تلك التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين الأمريكيين فيما يتعلق بحقوق الإنسان والأسلوب الدموي الذي تنتهجه المؤسسة العسكرية التركية ضد أكراد تركيا، علماً بأن واشنطن تتجاهل عن عمد أوضاع الأكراد في تركيا على مذبح الاعتبارات الاستراتيجية، فيما تنسق في الوقت ذاته مع أنقرة بشأن أوضاع أكراد العراق، سواء في إطارات قوات الحماية الدولية المتمركزة في جنوبي شرق تركيا أو في إطار رعاية المصالحة بين الأطراف الكردية المتنازعة في شمالي العراق. وفي الواقع العلاقات التركية الأمريكية هي علاقات استراتيجية محورية مرشحة للمزيد من التطور بسبب أهمية كل طرف للآخر في تحقيق تطلعاته حيث تتقاطع المصالح والمواقف بشأن العديد من القضايا الحيوية في العالم. في نهاية هذا الفصل يمكن القول إن مسيرة تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي محفوفة بالعقبات لأسباب تركية تتعلق بالهوية والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد وعدد السكان، وكذلك لأسباب أوروبية مماثلة ومهما تكن فإن النخبة التركية الحاكمة "العلمانية" تعتقد أنه لا بديل عن الخيار الأوروبي لأن إسقاط هذا الخيار يعني إسقاط تاريخ تركيا الحديث وترى أن الزمن كفيل بإزالة تلك العقبات. هل ينبغي القول على تركيا أن تُميز بين قبول عضويتها في الحلف الأطلسي مبكراً وبين طموحها إلى اكتساب عضوية الاتحاد الأوروبي؟ فكون تركيا تصلح تماماً لمهمات الحلف الأطلسي لا يؤهلها بالضرورة كي تكون ذات فائدة مماثلة للاتحاد الأوروبي لأن الشروط المطلوبة لكل من الدورين والموقعين تختلف اختلافاً كلياً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |