|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثالث منذ تأسيس الجمهورية التركية لم تعط تركيا أهمية كافية لإقامة علاقات إيجابية مع العالم الإسلامي إلا أنه مع المتغيرات الدولية تسعى تركيا إلى إقامة علاقات متوازنة مع الدول الإسلامية. يبحث هذا الفصل في السياسة التركية تجاه الدول الإسلامية. ويحرص على تقديم رؤية واقعية للقضايا الخلافية بين تركيا وجيرانها العرب، خاصة في ظل دخول إسرائيل عنصراً جديداً في السياسة التركية الإقليمية. تركيا والدائرة الإسلامية أولاً- تركيا والعالم العربي رغم أن الأتراك والعرب عاشوا معاً مدة تزيد عن أربعة قرون في ظل دولة واحدة هي الدولة العثمانية، ورغم المصالح المشتركة التي تربطهم في العصر الحديث بحكم الجوار الجغرافي وعوامل الثقافة والدين والتاريخ، إلا أن العلاقات التركية- العربية ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى كانت تشوبها القلق والسلبية والشك، وكانت الرؤية المتبادلة بين الأتراك والعرب في مقدمة العوامل التي أدت إلى انغلاق كل طرف عن الآخر، إلى حد جهل كل طرف بالآخر(29). فالأتراك يعتقدون أن العرب تآمروا في الحرب العالمية الأولى مع القوى الاستعمارية لتفكيك الإمبراطورية العثمانية وأدى ذلك في النهاية إلى وقوع العرب أنفسهم تحت الهيمنة الغربية، في المقابل يعتقد العرب ولا سيما في المشرق العربي أن الوجود العثماني (التركي) في الوطن العربي كان استعماراً تحت شعار الدين الأمر الذي مهد الطريق حضارياً وتقنياً للاستعمار الأوروبي. أي أن الخبرة التاريخية للعلاقات بين الجانبين مغلفة بالمرارة كما أنها وقعت فريسة تفسيرات تاريخية متناقضة(30) وحسب الجنرال التركي المتقاعد شادي إرغوفنتش فإن البلاد العربية مازالت بعيدة عن تركيا. وتركيا مازالت غير مهتمة بالبلاد العربية(31). في البعد السياسي التاريخي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى انطلقت النخب التركية الحاكمة في سياساتها تجاه الدول العربية من أنها تقدم نموذجاً سياسياً طورته خصيصاً ليناسب التطور السياسي والعقائدي والاقتصادي في المنطقة العربية، وقد تحكم بالنظرة التركية تجاه الدول العربية خيار تركيا الاستراتيجي المرتبط بالغرب، فقد كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في 28 آذار عام 1949 وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1950، وفي إطار دورها في الأحلاف العسكرية (الأطلسي 1952- بغداد 1955- السنتو 1959) كثيراً ما مارست تركيا سياسة تجاه الدول العربية قوامها التوتر والضغط، كما حدث عام 1957 عندما حشدت قواتها العسكرية على الحدود السورية الشمالية في أعقاب المطالبة الواسعة في سورية بالوحدة مع مصر، وتكررت هذه المواقف في أثناء إنزال القوات الأمريكية في لبنان بنقل هذه القوات من قاعدة إنجرليك التركية مباشرة وكذلك وقفت إلى جانب فرنسا ضد الجزائر في الأمم المتحدة عام 1958(32) في حين لم تنظر تركيا إلى مسألة إقامة علاقات إيجابية مع الدول العربية سواء في إطار المصالح الإقليمية أو الانتماء الحضاري إلا مع بروز عاملين: 1-الأزمة القبرصية بعد عام 1974 حيث وجدت تركيا نفسها في عزلة دولية في صراعها مع اليونان في الجزيرة بعدما وقفت معظم الدول الغربية إلى جانب اليونان. 2-بروز دور النفط في السبعينات وتأثيره على السياسة الدولية وقد تزامن ذلك مع أزمة اقتصادية كانت تركيا تشهدها. في نهاية الستينات تميزت السياسة التركية تجاه الدائرة العربية والإسلامية بعدة سمات أهمها: 1- عدم التدخل في النزاعات العربية، وكذلك في الصراعات الإقليمية كالحرب العراقية الإيرانية. 2- التوجه نحو إقامة علاقات إقليمية متوازية مع الدول العربية على غرار علاقاتها مع إسرائيل وإيران. وكانت سورية الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة إذ أنها لا تعترف بالسيادة التركية على لواء اسكندرون (هتاي) الذي سلبته تركيا بالاتفاق مع فرنسا عام 1939(33). 3- تأييد المواقف الفلسطينية خاصة بعد حرب 1967 في قضية الصراع مع إسرائيل من خلال التأكيد على ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية وبخاصة القرار 242، واتباع سياسة إيجابية في هذا السياق بعد انضمامها لعضوية منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1976. ورغم هذا التطور في السياسة التركية تجاه العالم العربي إلا أن العلاقات التركية- العربية بشكل عام ظلت في دائرة الشك والسلبية ويعود الأمر بالدرجة الأولى إلى أن البعد الغربي ظل حاضراً بقوة في سياسات تركيا الأمنية العسكرية والاقتصادية الأمر الذي جعل الطرف العربي ينظر إلى هذه السياسة بعين الشك والحذر والقلق. إلا أن هذه المعادلة تعرضت للاهتزاز مع اهتزاز موقع تركيا في الاستراتيجية الغربية، أثر انهيار الاتحاد السوفياتي. وحرب الخليج الحدث الأساس الذي مهد الطريق لسياسة تركية أكثر فعالية في العالم العربي، حيث تخلت تركيا عن سياستها الانكفائية والحذرة في الشرق الأوسط لصالح القيام بدور إقليمي أكثر فعالية. وقد عبر الرئيس أوزال عن التوجه المستقبلي لبلاده أثناء حرب الخليج بالقول: "بعد انتهاء هذه الحرب لن يعود الشرق الأوسط إلى ما كان عليه إذا ما أخذنا في الاعتبار كل الحقائق التاريخية في المنطقة، فقد يكون بإمكاننا جلب السلام إلى المنطقة وأرى أن على القوة الأخرى من خارج المنطقة أن تسهل لنا هذه المهمة... نحن مستعدون لتنفيذ كل المشاريع التي تعيد بناء المنطقة اقتصادياً مثل مشاريع تنمية الموارد المائية بما فيها طريق إيصال مياه الأنهار التركية إلى شبه الجزيرة العربية في خطوط أنابيب تسير جنباً إلى جنب مع أنابيب النفط والغاز...... سيعتمد هذا التعاون الاقتصادي على إنشاء صندوق نقد من شأنه تسهيل عملية التنمية الاقتصادية، ويمكن إنشاء هذا الصندوق بالاعتماد على نسبة مئوية معينة من الفوائد النفطية إلى جانب مساهمات من الدول العربية الغنية"(34). ويمكن القول إن السياسة التركية في التسعينات تجاه العالم العربي والإسلامي انطلقت من قضايا ومسائل محددة أهمها: 1-إن انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي حوّل دور تركيا كرأس حربة أطلسية في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق إلى دور أكثر أهمية وشمولية وتعقيداً في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط نحو التطلع إلى دور دولة إقليمية محورية تتوسط هذه الأقاليم الجغرافية المهمة. 2-إن حرب الخليج الثانية بظروفها والنتائج التي أفرزتها جعلت تركيا عنصراً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من لعبة الأمم في الشرق الأوسط وذلك من خلال عوامل المياه والنفط والأمن والأقليات القومية، خاصة الأقلية الكردية منها في شمال العراق ونشوء نواة كيان كردي فيه يمس مباشرة الوضع الجيوأمني لتركيا. 3-إن بدء مفاوضات التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل واعتراف معظم الدول العربية بدولة إسرائيل واحتمالات التوصل إلى اتفاق سلام بين سورية ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة ثانية يتيح لتركيا تجاوز الكثير من الحذر والحساسيات في علاقاتها الشرق أوسطية وبخاصة العربية منها التي تعتقد أن تركيا متحيزة لإسرائيل. 4-إن النظام الشرق أوسطي الجديد المحتمل، هو نظام محكوم بالغلبة الإسرائيلية وبكونه امتداداً للنظام العالمي الجديد المحكوم بالسيطرة الأميركية، وبالتالي فإن حجم الدور التركي في النظام الشرق الأوسطي الجديد محكوم إلى حد بعيد بالاستراتيجية الأميركية- الإسرائيلية(35)، ومحكوم أيضاً بمدى تدعيم تركيا علاقاتها مع إسرائيل وأمريكا خصوصاً على الأصعدة الأمنية والعسكرية والاستراتيجية. 5-تركيا بدورها شهدت تغييرات متسارعة في الداخل أهمها صعود التيار الإسلامي إلى الواجهة السياسية التركية، ويحظى بتأييد جماهيري كبير ويحتل المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية والنيابية التي جرت في أعوام 1995- 1996، وهذا العامل المستجد في الداخل التركي لابد أن يكون له اعتبار ووزن في السياسة الخارجية التركية حيث يعمل التيار الإسلامي جاهداً للارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية. وتمثل التسعينات عهد تحول في علاقات تركيا بالشرق الأوسط والغرب، في إدراك تركيا أنها تبتعد أكثر فأكثر عن أوروبا سياسياً مقابل الإحساس بإعادة اكتشاف ذاتها ضمن دائرة تشمل البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وإيران والعالم العربي وباتت فئات واسعة من النخبة الفكرية والسياسية والعسكرية في المجتمع التركي ترى أن الاتجاه نحو المنطقة العربية لا يجب أن يقتصر على ما تحدده الاستراتيجية الغربية لأن ذلك يضعف الدور التركي ولا يقويه ويجعله دوراً تابعاً وعميلاً(36). وانطلاقاً من مسائل الأمن اتجهت تركيا بعد حرب الخليج إلى القيام بدور مؤثر في رسم تفاعلات المنطقة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، وقد شهدت العلاقات التركية مع عدد من الدول العربية الخليجية والمغاربية ومصر والأردن تطورات إيجابية في مجالات التجارة والنقل والرساميل والصناعات والمشاريع الاقتصادية في حين شهدت العلاقات التركية- السورية والتركية- العراقية توتراً متزايداً بسبب مشاكل قديمة متجددة فرضها الثابت الجغرافي والحدود المشتركة والاتفاقات الدولية التي رسمت الحدود بين هذه الدول بعد الحرب العالمية الأولى. 1- المياه: لعل قضية الخلاف السوري العراقي- التركي على مياه نهري الفرات ودجلة من أكثر القضايا مدعاة للإثارة والتوتر بين تركيا وجارتيها العربيتين (سورية والعراق)، خاصة بعد أن أضحت المياه ثروة مطلوبة لا يمكن تجاهل نقصها مع ازدياد الحاجة إليها في المجالات المختلفة، وأساس المشكلة هنا عدم وجود قواعد قانونية واضحة وملزمة يرجع إليها لتسوية النزاع رغم وجود أربع اتفاقيات دولية لاقتسام مياه النهرين. وهذه المعاهدات هي: 1-المعاهدة الفرنسية- البريطانية في 13/12/1920 حول استخدام مياه دجلة والفرات. ونصت هذه المعاهدة على تشكيل لجنة مشتركة مع تركيا وسورية (فرنسا) والعراق (بريطانيا) لمعالجة المشكلات الخاصة بمياه النهرين، وبخاصة في حال بناء منشآت هندسية في أعاليهما. 2-معاهدة لوزان في 24/7/1932 التي تلزم في المادة /9/ بوجوب أخطار كل من سورية والعراق كلما رغبت تركيا في القيام بأعمال إنشائية على دجلة والفرات. 3-معاهدة حلب في 3/5/1930 بين تركيا وفرنسا وبريطانيا، ونصت على أن لسورية وتركيا حقوقاً متساوية بالانتفاع من مياه دجلة بوصفه نهراً مشتركاً. 4-معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين تركيا والعراق في 9/3/1946 والتي تنص على ضرورة التعاون المشترك بينهما في ما يختص بالمياه الدولية المشتركة(37). 5-اتفاقية الصداقة وحسن الجوار (أنقرة 30/5/1926) بين سورية (أي فرنسا) وتركيا بشأن تأمين المياه التي تُسقى من نهر قُويق الذي ينبع من تركيا ويروي مدينة حلب. 6-بروتوكول التعاون الاقتصادي والفني (أنقرة 25/12/1980) بين العراق وتركيا، ثم انضمت إليه سورية في عام 1983 وينص على تشكيل لجنة فنية مشتركة لدراسة مواضيع المياه المشتركة وخاصة الفرات ودجلة (38). ورغم اللقاءات الثنائية السورية- التركية والعراقية- التركية. وكذلك 16 اجتماعاً للجنة الثلاثية السورية- العراقية- التركية التي شكلت عام 1982 إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاقية بشأن الحصة النهائية لكل دولة من مياه النهرين، ولعل الإنجاز الوحيد الذي تحقق في هذا المجال كان البروتوكول السوري- التركي عام 1987 والذي تعهدت تركيا بموجبه بتمرير حد أدنى من مياه نهر الفرات بمقدار 500م3 في الثانية. سورية والعراق تعتبران دجلة والفرات نهرين دوليين وتؤكدان أن المشاركة فيهما حق تاريخي من حقوقهما إلى جانب موقفهما في دعم مفهوم شمولية المياه الدولية، حيث ينبغي التوحيد بين المنبع والمجرى والمصب كخط مائي متكامل لا يجوز الفصل بين أجزائه وذلك وفق ما نصت عليه مبادئ هلسنكي عام 1966 بشأن استخدام مياه الأنهار الدولية(39)، وتطالب سورية والعراق بالتوصل إلى اتفاقية نهائية بشأن مياه نهر الفرات وتشكيل لجنة دولية للنهر على غرار لجان أنهار الدانوب والكونغو، والكف عن الاستخدام الأحادي للمياه في إقامة المشاريع المائية، في حين تعتبر تركيا دجلة والفرات نهرين تركيين عابرين للحدود وتدّعي أن لهما حوضاً واحداً وحق امتلاكها لهما. بالتالي حق استخدام مياه النهرين حتى النقطة التي تعبران فيها حدودها، وحسب وجهة نظرها هذه لا يحق لأحد أن يقرر كيفية استخدام مياه النهرين لأن في ذلك مساً لسيادتها عليهما(40)، وجاءت الاتفاقية الدولية الجديدة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21/5/1997 برقم 869/51/A بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لمصلحة سورية والعراق إلا أن تركيا رفضت هذه الاتفاقية بهدف الإبقاء على الوضع الحالي للنهرين كي تتمكن دون أي قيود من مواصلة مشروع غاب. وفي الأعوام الأخيرة اتجهت تركيا إلى ربط المياه بمسألة الأمن وأحياناً بالنفط! وإلى استخدام المياه كسلاح ضد سورية التي تتهمها تركيا بدعم حزب العمال الكردستاني PKK الذي يخوض حرباً مسلحة ضد الدولة التركية منذ عام 1984. وقد ازدادت مشكلة المياه تعقيداً في ضوء توجه تركيا إلى بناء مشاريع مائية ضخمة في وقت تعاني المنطقة من نقص في المياه وتحذر مراكز الدراسات الاستراتيجية من حدوث صراعات وحروب مياه محتملة في الشرق الأوسط، وفي ارتباطه بمسألة المياه يحتل مشروع غاب موقعاً مركزياً في رسم علاقات تركية مع كل من سورية والعراق. مشروع غاب GAP: يتألف مشرع الـ غاب من 22 سداً و 19 محطة للطاقة الكهربائية ومشروعات أخرى متنوعة في قطاعات الزراعة والصناعة والمواصلات والري والاتصالات، والغاب من حيث المساحة هو أضخم مشروع في العالم ويشمل ثماني محافظات وعند إتمامه تقارب مساحة الزراعة المروية من خلاله 8.5 مليون هكتار أي نحو 19 بالمئة من مساحة الأراضي المروية في تركيا. وتوفير 106 مليون فرصة عمل(41) جديدة في هذه المناطق ذات الأكثرية الكردية(42). ومن أهم سدود مشروع الغاب، سد أتاتورك: وقد دشن هذا السد في تموز 1992 بحضور رؤساء وممثلي 29 دولة إضافة إلى نحو مئة دبلوماسي، يقع السد على نهر الفرات على بعد 24 كلم من مدينة بوزوفا، وهو يعد الثالث في العالم من حيث حجم قاعدته 84.5 مليون م2، والثامن من حيث الارتفاع 190م والخامس عشر من حيث حجم المياه في بحيرة السد، والثامن عشر من حيث حجم إنتاج الطاقة الكهربائية، وفي حال امتلاء السد ستبلغ كمية المياه المخزنة 48.7 مليون م3 والارتفاع الأقصى لمنسوب المياه 162م بعرض 15 متراً أي ما مجموعه 882 ألف هكتار(43). وإلى جانب سد أتاتورك هناك سدود أخرى عديدة تنفذها تركيا اعتماداً على مياه نهري دجلة والفرات منها: بريجيك، قره قايا، قرقميش، غازي عينتاب، كيبان، ودجلة الخ. تعتقد تركيا أنها بتنفيذها لمشروع الغاب فإنها ستصبح دولة متحكمة بالأمن المائي والغذائي لدول المنطقة، فضلاً عن استخدام المياه كثروة وطنية يمكن مبادلتها بالنفط أو كسلاح لتحقيق مطالب أمنية، ففي حفل تدشين سد أتاتورك هدد الرئيس التركي سليمان ديميريل الذي كان آنذاك رئيساً للوزراء قائلاً: "إن مياه الفرات ودجلة تركية ومصادر هذه المياه هي موارد تركية كما أن آبار النفط تعود ملكيتها إلى العراق وسورية، نحن لا نقول لسورية والعراق إننا نشاركهما مواردهما النفطية ولا يحق لهما القول إنهما تشاركاننا مواردنا المائية. إنها مسألة سيادة. إن هذه أرضنا ولنا الحق في أن نفعل ما نريد(44) وقد كرر ديميريل أقواله هذه مع افتتاح كل مشروع مائي جديد. ومشروع غاب الذي يهدف في الأساس إلى تحقيق التنمية في جنوبي شرقي تركيا فضلاً عن البعد الكردي فيه (تعتقد بعض الأوساط التركية أن مسألة العنف في جنوبي شرقي تركيا سببه التخلف وغياب التنمية) فإن هذا المشروع سيلحق أضراراً بالغة بالزراعة والصناعة والكهرباء والأراضي في سورية والعراق، وتقدر المصادر السورية أن كمية المياه التي ستتدفق إلى سورية بعد استكمال الغاب ستنخفض بمقدار 40 بالمئة. وإلى العراق بنسبة 80 بالمئة(45). ويتسبب هذا النقص بأضرار بالغة في مجالات الكهرباء والصناعة والاستخدام البشري وكذلك بأضرار مضاعفة بالأراضي الزراعية كتزايد نسبة الملوحة والتصحر والتلوث خاصة في ضوء التأكيدات السورية على أن جزء من هذه المياه ملوثة. وقد اعترف مسؤول في شركة شل النفطية فرع تركيا بقيام الشركة بضخ نحو نصف مليون برميل من المياه الإنتاجية الملوثة بالنفط والمذيبات وغيرها من المواد الكيميائية وطرحها في حوض المياه الجوفية في ميديات بجنوب شرق تركيا على محاذاة الحدود السورية- العراقية مما أصاب احتياطات مياه الشرب بالتلوث(46). مشروع مياه أنابيب السلام أعلنت تركيا عن هذا المشروع في حزيران عام 1987، ويهدف المشروع إلى تزويد دول الشرق الأوسط من فائض مياه نهري (سيحان وجيحان) التركيين. في البداية طرحت تركيا تصوراً أولياً للمشروع يقوم على إيصال المياه إلى سورية والأردن وإسرائيل وبعض دول الخليج إلا أن الرفض العربي وخاصة السوري لإيصال المياه إلى إسرائيل من خلال أنبوب عبر أراضيها دفع بتركيا إلى مراجعة هذا التصور واستبداله بمشروع أوسع. ويتألف المشروع من خطين، الأول: تركيا- حلب- حماه- حمص- دمشق- عمان- المدينة المنورة- ينبع- مكة- جدة- ويبلغ إجمالي طول الخط نحو 2650 كيلو متر. أما الخط الثاني فيتألف من: تركيا- الكويت- الجبيل- المنامة- الدوحة- أبو ظبي- دبي- عجمان- رأس الخيمة- مسقط ويبلغ طول الخط الإجمالي نحو 2900 كيلو متر. وأما كلفة المشروع الإجمالي فتبلغ نحو 21 مليار دولار، وبطاقة 6 مليون متر مكعب يومياً. (الخط الأول 305 والخط الثاني 2.5 م3 من المياه). وتكلفة الحصول على المتر المكعب من المياه يتراوح بين (0.84 إلى 1.07 دولار) وتهدف تركيا من وراء المشروع إلى جني عائدات مالية تقدر بنحو ملياري دولار سنوياً(47). وقد رفضت الدول العربية مشروع مياه أنابيب السلام التركي لأسباب عدة أهمها: 1- الخوف من أن يصبح أمنهم المائي بيد تركيا ولا تستبعد الدول العربية أن تلجأ تركيا إلى قطع هذه المياه في الظرف الأمني أو استخدامه كسلاح لبلوغ الدور الإقليمي الذي تنشده. 2- التكاليف الباهظة للمشروع والسعر المرتفع للمياه. وفي الواقع لا تقتصر أبعاد المشاريع المائية التركية هذه على الجوانب الاقتصادية والتنموية، إنما لها أبعاد أخرى أمنية فهي إذ تستخدم سلاح المياه، تهدد الأمن القومي العربي من خلال ضربها قوام الخطط التنموية في كل من سورية والعراق. وكذلك تأثير العلاقة الإسرائيلية- التركية في المسلك التركي حيال أزمة الفرات واستخدام تلك العلاقة والأزمة للضغط على سورية في المرحلة الراهنة من المفاوضات الخاصة بالمسار السوري- الإسرائيلي ومن بين الأدلة على ذلك التأثير تصريح السفير الإسرائيلي في واشنطن 19/1/1996 بأن هناك بعداً تركياً للسلام مع سورية وأن تركيا ذات أهمية بالنسبة إلى موارد المياه في المنطقة(48)، كما تسعى تركيا في إطار لجنة المياه ضمن المفاوضات متعددة الأطراف وكذلك في إطار المؤتمرات الاقتصادية الإقليمية- الشرق أوسطية إلى إشراك إسرائيل والولايات المتحدة في المبادرات التي تطلقها بخصوص المشروعات المائية، وقد برز هذا الاتجاه بشكل واضح في مؤتمر "مياه العالم: تمويل مشروعات المستقبل" الذي انعقد في استانبول في 29- 30 أيلول عام 1997 وتهدف تركيا من وراء ذلك إلى جذب استثمارات أجنبية لتمويل مشروع (غاب) والاستفادة من الخبرات الإسرائيلية والأمريكية المتطورة في مجالات الزراعة والري والهندسة الوراثية. وفي ظل السلبية التي تظلّل العلاقات التركية- السورية العراقية فإن ملف المياه سيظل مفتوحاً ومرشحاً للمزيد من التفاقم في ظل السياسة المائية التركية التي تتجاهل الحقوق السورية والعراقية في مياه نهري دجلة والفرات وتتهرب من التوقيع على اتفاق بشأن الحصة النهائية لكل طرف من المياه وتعمل على تنفيذ مشاريعها المائية الضخمة غير آبهة بالاعتراضات العربية في سبيل أن تتحكم بالأمن المائي وربما الغذائي لجيرانها العرب في القرن المقبل. 2- قضيتا لواء اسكندرونة والموصل: لا تزال مشكلة لواء اسكندرون إحدى المشاكل القائمة بين سورية وتركيا والتي تطفو إلى السطح من وقت إلى آخر، وتلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين، وترجع مشكلة لواء اسكندرونة إلى 20/10/1921 عندما أقرت فرنسا وتركيا في اتفاقية أنقرة لتخطيط الحدود بين سورية وتركيا بإقامة نظام إداري خاص لمنطقة اللواء علماً أن فرنسا كانت أقرت في وثيقة رسمية عام 1920 بتبعية اللواء لسورية. وشكلت اتفاقية أنقرة مدخلاً لقيام تركيا بتوسيع حدود النظام الإداري الخاص، وتقديم التسهيلات للأتراك منها جعل اللغة التركية لغة رسمية في اللواء وتضخيم الوجود السكاني التركي فيه، وفي إطار خطة لفصل اللواء عن سورية وضمه إلى تركيا عقدت الأخيرة سلسلة من الاتفاقيات مع فرنسا منها اتفاقية أنقرة للصداقة وحسن الجوار في 30/5/1926، واتفاقية أخرى للغرض نفسه في 22/6/1926، وفي عام 1938 أجرت تركيا بالتنسيق مع فرنسا انتخابات في اللواء زورت نتائجها وبموجبها حققت الأقلية التركية أغلبية في المجلس الأعلى لإدارة اللواء، وقد فاز الأتراك بـ 22 مقعداً والعرب السوريون بـ 18 مقعداً، وفي العام نفسه اجتاحت القوات التركية اللواء دون أن تتحرك فرنسا (الدولة المنتدبة على سورية) ضد الاجتياح التركي. وهكذا تآمرت فرنسا وتركيا على سلخ اللواء عن سورية فقد وقع البلدان في 23/6/1939 اتفاق الضم الذي أدخل اللواء بموجبه في السيادة التركية وأصبح يعرف باسم "هاتاي"(49). سورية لم تقبل بضم اللواء إلى تركيا ولا تعتبر قضية اللواء انتهت، فحتى الآن لا يزال موقع اسكندرون يظهر على الطوابع والخرائط السورية. إلا أن ظروف الصراع مع إسرائيل وعدم رغبة سورية في تشتيت جهودها وتوسيع جبهات المعركة جعلها تؤجل هذا الملف. وإذا ما توصلت سورية إلى اتفاق سلام مع إسرائيل فإنه يتوقع أن تبدأ سورية بفتح ملف اللواء مع تركيا(50). وفي مؤتمر نظمه معهد السلام الأمريكي في واشنطن عام 1994 وشارك فيه خبراء من سورية وتركيا والولايات المتحدة أعلن السوريون المشاركون في المؤتمر عن رغبتهم في تجديد المطالبة بلواء اسكندرونة عن طريق الأمم المتحدة وقد أبدت تركيا ردوداً غاضبة تجاه الإعلان السوري هذا. بل أعلنت تركيا أن سورية تحتل مناطق حدودية تقدر بنحو خمسين كيلو متراً على طول الحدود بين البلدين(51) وخلال الأزمة السورية التركية الأخيرة عادت قضية لواء اسكندرونة لتطرح نفسها كقضية خلافية بين البلدين وقد طلبت تركيا من سورية التوقف عن المطالبة بحقوقها في اللواء. وفي 19/10/1998 وجه الرئيس التركي سليمان ديمريل خطاباً من لواء اسكندرونة حذر فيه سورية من أي مطالبة باللواء، وذكرت مصادر تركية آنذاك أن تركيا تسعى إلى الحصول على تعهد سوري باعتراف بالسيادة التركية على لواء اسكندرونة(52). أما بالنسبة لمشكلة الموصل فعلى الرغم من مرور 70 سنة على توقيع تركيا اتفاقية بشأن تبعية الموصل للسيادة العراقية إلا أنها مازالت موضع جذب لأنقرة في اتجاه اعتبارها منطقة انتزعت منها. فمع انهيار العراق إثر حرب الخليج الثانية بدأت بعض الأوساط التركية تتحدث عن مصالح حيوية لتركيا في شمال العراق. ورغم نفي أنقرة الرسمي وجود أطماع تركية في هذه المنطقة إلا أن جملة سلوكيات أنقرة والتصريحات الغامضة للمسؤولين الأتراك بشأنها تؤكد غير ذلك، ففي 6 تموز 1994 كشفت صحيفة (حريت) التركية عن خطة كان أعدها الرئيس التركي الراحل أوزال لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: عربية وكردية وتركمانية، وحسب هذه الخطة يمكن تأسيس فيدرالية تركية مع الدويلة الكردية والتركمانية أي ضم منطقة الموصل وكركوك الغنية بالنفط، كما أن الحزب القومي التركي المتطرف يتمحور أحد مطالبه حول ضم شمال العراق إلى تركيا باعتباره جزءاً من تركيا اقتطع منها تحت الضغط البريطاني لذا يؤكد ضرورة استعادته. وقد طالب الرئيس التركي سليمان ديميريل صراحة في 3/5/1995 بإعادة ترسيم الحدود بين تركيا والعراق، و(استرداد) إقليم الموصل(53)، ولوحظ بعد حرب الخليج الثانية اتساع حدة نطاق العمليات العسكرية التركية في شمال العراق. ومنها عملية فولاذ 1997 في الفترة من 14/5/1997 إلى 21/6/1997 حيث وصلت القوات التركية في يومها العاشر إلى مشارف الموصل، فضلاً عن أن هذه العمليات وما تبعها من عمليات كعملية "فجر" في أيلول عام 1997 كانت مقدمة لإعلان المنطقة الأمنية التركية في شمال العراق في 22/10/1997 على امتداد الحدود العراقية التركية ولعل هذا السلوك دفع بالكثيرين إلى التساؤل هل رماد حرب الخليج الثانية وانهيار العراق أنضجا المطالبة التركية بشمال العراق، تلك المطالبة التي لم تتوقف منذ مؤتمر فرساي عام 1919؟ ثانياً- المشكلة الكردية: تعد المشكلة الكردية واحدة من تلك المشكلات المتشعبة والمعقدة في الشرق الأوسط، لأسباب جغرافية تتعلق بتوزع الأكراد بين ثلاث دول كبيرة في المنطقة في العراق وإيران وتركيا. مع وجود أعداد منهم في سورية ولبنان وأرمينيا وأذربيجان. وكذلك لأسباب أمنية، فالمشكلة الكردية لا تخص الأكراد وحدهم بل تخص الدول والشعوب التي يعيش الأكراد بينهم تاريخياً، وقد تحولت المشكلة الكردية من مشكلة محلية إلى مشكلة إقليمية تهم العراق وسورية، وإيران وتركيا، كما أضحت لها أبعاد غربية، كأولوية أمنية غربية (أمريكية) في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد رعاية واشنطن لاتفاق المصالحة الأخير بين مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وجلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد تحفظت أنقرة تجاه الاتفاق المذكور ورأت فيه نواة لقيام دولة كردية في كردستان العراق. ورغم أنه لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد السكان الأكراد، إلا أن الإحصائيات على تباينها تشير إلى أن عددهم يبلغ نحو 20 إلى 30 مليون نسمة وبذلك يشكلون أكبر أقلية قومية محرومة من كيان خاص بهم. وأكبر نسبة للأكراد هي في تركيا، وتشير المصادر الكردية إلى أن عددهم في تركيا يتراوح بين 16 و 18 مليون نسمة في حين تشير المصادر المحايدة إلى أن عددهم يتراوح بين 10 و 12 مليوناً فيما تقول المصادر التركية الرسمية أن عددهم لا يتجاوز ستة ملايين (54)، وتبلغ نسبة مساحة كردستان تركيا نحو ربع المساحة الإجمالية لتركيا ومعظم الأكراد في تركيا يسكنون ثلاثة عشرة ولاية في جنوب شرق الأناضول ويعيش نحو مليون كردي في غرب الأناضول إما هجروا قسراً أو هاجروا طلباً للعمل والرزق(55). ورغم أن مشكلة تقرير مصير الشعب الكردي في تركيا أثيرت في اتفاقية سيفر 1920 بين تركيا والحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، حيث نصت البنود 62 و 63 و 64 من الاتفاقية المذكورة على إقامة كيان قومي كردي في جنوب شرق تركيا، يحصل الشعب الكردي -حسب الاتفاقية- بعد خمس سنوات من قيام هذا الكيان على استقلاله، بموجب استفتاء تشرف عليه عصبة الأمم، إلا أن الزعيم التركي أتاتورك نجح في إبدال بنود اتفاقية سيفر المذكورة بمعاهدة لوزان عام 1923 التي تجاهلت الحقوق القومية الكردية المنصوصة في اتفاقية سيفر(56). ومنذ ذلك الوقت حاولت تركيا وما زالت إنكار الهوية القومية للشعب الكردي في تركيا بشتى الوسائل السياسية والقانونية والأمنية وقد سمتهم بـ"أتراك الجبال" إلا أنه وعقب حرب الخليج وانحسار السلطة المركزية العراقية عن شمال العراق وجدت تركيا نفسها متورطة في المسألة الكردية بعد أن قفزت هذه المسألة إلى واجهة الأحداث التركية في الداخل والخارج وأضحت مدرجة في جدول أعمال السياسة الداخلية والخارجية التركية. ففي الداخل تصاعدت حدة عمليات حزب العمال الكردستاني PKK الذي يخوض حرباً دموية ضد الدولة التركية منذ آب عام 1984، وقد وصلت ضحايا هذه الحرب من الجانبين إلى نحو ثلاثين ألف قتيل وفي الخارج أسفرت التطورات اللاحقة لحرب الخليج عن ظهور نواة دويلة كردية في شمال العراق حيث تخشى تركيا من انسحاب آثار هذه الدويلة مستقبلاً على أكراد تركيا. ورغم أن تركيا شاركت في "قوات الحماية الدولية" التي تركزت في قاعدة انجرليك التركية في عام 1991 بهدف حماية أكراد العراق من هجمات محتملة ضدهم من قبل نظام صدام حسين، وحرصت تركيا على تبني سياسة أكثر مرونة وانفتاحاً من قبل إزاء الأكراد في مناطقها الجنوبية- الشرقية، فقد أقر البرلمان التركي 1991 مشروع قانون "مكافحة الإرهاب" الذي نص على إلغاء القانون رقم 2932 الصادر عام 1982 بشأن حظر الحديث باللغة الكردية، وإلغاء المواد 141- 142- 163 من القانون الجنائي المتعلق بالجرائم الأيديولوجية، والمقصود بذلك إنشاء أو الانتماء إلى عضوية أحزاب دينية أو يسارية(57)، إلا أن هذه السياسة لم تؤد إلى نتائج مرضية فقد تفاقمت المشكلة الكردية في الداخل التركي أكثر فأكثر ووسعت المشكلة دائرة الانقسام بين الأحزاب التركية والجيش، وأرخت بظلالها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وباتت الحرب ضد حزب العمال الكردستاني تكلف الخزينة التركية سنوياً نحو /10/ مليارات دولار(58). خارجياً أدت هذه المشكلة إلى مزيد من التوتر في العلاقات مع سوريا وإيران حيث تتهم تركيا هاتين الدولتين بدعم حزب العمال الكردستاني في حربه ضد الدولة التركية، كما أن الاجتياحات العسكرية التركية المتكررة لشمال العراق بهدف ضرب مواقع الحزب المذكور وتوجه أنقرة إلى إقامة منطقة أمنية في شمال العراق على امتداد الحدود العراقية- التركية أدى إلى التوتر في العلاقات التركية مع سورية بالدرجة الأولى والعراق وإيران بالدرجة الثانية خاصة بعد أن ربطت أنقرة بين مشكلة الأمن "الإرهاب" والتوصل إلى اتفاقية مع سورية والعراق بشأن مياه نهري دجلة والفرات وكذلك توطيد علاقاتها العسكرية مع إسرائيل من خلال عقد سلسلة اتفاقيات عسكرية معها، وجاءت الأزمة التركية السورية الأخيرة في تشرين الأول عام 1998 والتي انتهت بتوقيع اتفاقية أضنة بين البلدين في التاسع والعشرين من الشهر نفسه ومن ثم اختطاف تركيا لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في منتصف شباط 1999 من العاصمة الكينية نيروبي وما تبع ذلك من ردات فعل كردية غاضبة داخل تركيا وكذلك في العواصم الأوروبية والآسيوية ضد المصالح التركية إضافة إلى مطالبة دولية واسعة بإيجاد حل سلمي للمشكلة الكردية في تركيا، هذه الأمور وغيرها أظهرت عمق المشكلة الكردية في تركيا وارتباطها بالسياسة الخارجية لتركيا وعلاقاتها الإقليمية والدولية. وفي الواقع أضحت هذه المشكلة ملفاً دائم التوتر في العلاقات التركية الخارجية ليس مع سورية والعراق وإيران فحسب بل مع أرمينيا وروسيا واليونان وقبرص وألمانيا وهولندا إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية الأخرى. حيث تصر أنقرة على القول إن المشكلة هي من صنع الخارج وإنها مشكلة "إرهاب" في حين أنها في جوهرها مشكلة تركية داخلية مزمنة يعود تاريخها لأكثر من ثلاثة قرون عندما كانت ولايات كردستان داخل الدولة العثمانية تتمتع بأشكال من الحكم المحلي والذاتي(59) فيما تنكر الحكومات التركية المتتالية منذ 1923 وحتى الآن هذه المشكلة. والسياسة التركية تجاه المشكلة الكردية تبدو متناقضة، ففي الوقت الذي لا تعترف فيه تركيا بوجود مشكلة كردية في تركيا وتتبع ضدهم أشد الأساليب العسكرية في الداخل، تقوم بدور الحماية لأكراد العراق وتقيم مع الفصائل الكردية في شمال العراق أشكالاً من التعاون الأمني والسياسي، وترعى جهود الوساطة السلمية بين الفصيلين الكرديين المتحاربين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني. وتهدف تركيا من وراء هذه السياسة أولاً: تحييد أكراد العراق إزاء المشكلة الكردية في تركيا، بل وتجيير هؤلاء ضد حزب العمال الكردستاني خاصة في ضوء الخلافات العميقة بين هذا الحزب والحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانياً: استخدام الورقة الكردية كعامل ضغط ضد جيرانها الجنوبيين للقيام بدور إقليمي. ولكن الثابت في السياسة الخارجية التركية أن أنقرة ترفض قيام دولة كردية مستقلة في العراق وتلتقي توجهاتها هذه مع توجهات إيران والعراق وسورية في رفض قيام دولة مستقلة للأكراد، ومن هنا تكرر تركيا مبادئ سياستها تجاه العراق القائمة على تمسك تركيا بوحدة أراضي العراق وسيادته. ومعارضتها أية محاولة لإقامة دولة كردية في شمال العراق(60). الأبعاد الكردية في السياسة التركية تجاه سورية والعراق أضحت قوية، وبسببها تتعرض العلاقات التركية السورية إلى توتر مستمر، فتركيا تتهم سورية بدعم حزب العمال الكردستاني ويطلق مسؤولوها في العديد من المناسبات التهديدات ضد سورية في حين تنفي سورية الاتهامات التركية وتبدي المرونة والهدوء تجاه التهديدات والتصريحات الاستفزازية للعديد من المسؤولين الأتراك. ورغم المحاولات المتبادلة من الجانبين لتسوية الخلافات وتصحيح الأجواء وبدء مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وكان آخرها زيارة معاون وزير الخارجية السوري عدنان عمران إلى أنقرة في تموز 1998 إلا أن هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة لم تنجح في تصحيح الأجواء السلبية بين البلدين. خاصة في ظل إصرار تركيا على ربط موضوع المياه بمشكلة "الإرهاب" وتوطيد تحالفها العسكري مع إسرائيل، وكانت سورية وتركيا وقعتا اتفاقات في عامي 1992- 1993 بشأن أمن الحدود بين البلدين(61) وفي الواقع ستظل المشكلة الكردية حاضرة في السياسة التركية تجاه دول الجوار العربي (سورية والعراق) ما بقيت هذه المشكلة دون حل، وبتقديري مهما ذهبت تركيا في إنكار هذه المشكلة الداخلية فإن ذلك لن يكون حلاً لها على المدى المنظور، وما لم تتجه تركيا إلى التعاطي الإيجابي مع مشكلتها الكردية، والاستمرار في محاولة تصديرها إلى الخارج فإن هذه المشكلة سوف تسبب المزيد من التدهور في علاقات تركيا مع دول الجوار الجغرافي فضلاً عن أنها ستظل عقبة كبيرة تمنعها من القيام بدور إقليمي سواء تجاه الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى وحتى أوروبا. ثالثاً- العلاقة مع إيران يمكن وصف العلاقات التركية الإيرانية بأنها "ليست حميمة ولا عدائية" ويعود ذلك إلى الحساسية الفائقة التي تحكم العلاقات بينهما، لأسباب تاريخية تتعلق بالنظرة المتبادلة إزاء الصراع "العثماني- الصفوي"، وأسباب معاصرة تتعلق بالأيديولوجية السياسية للبلدين والتنافس بينهما على النفوذ في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، إضافة إلى القضايا الأمنية المشتركة عبر الحدود. منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تعتقد "تركيا العلمانية" أن "إيران الراديكالية" تشكل خطراً على نظامها العلماني وترى أن صعود التيار الإسلامي في تركيا سببه -بهذا القدر أو ذاك- إيران التي تمارس جهوداً لتصدير الثورة إلى تركيا. في المقابل، ترى إيران أن الحكومة التركية التي تحارب الإسلام والنشاط الإسلامي في تركيا باسم "حماية المبادئ العلمانية للدولة التركية" وكذلك علاقة تركيا المتميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى علاقتها الوثيقة مع إسرائيل والتي تتوطد يوماً بعد آخر وترتقي إلى مستوى الحلف، ترى طهران أن مجمل السياسة التركية هذه تشكل تحدياً لسياستها الخارجية. في الوقت نفسه، تتقاسم أنقرة وطهران الهموم الأمنية المشتركة عبر الحدود، فالاتفاق الأمني الموقع بين البلدين في أيلول عام 1992 لم يحقق الثقة الكاملة بشأن المسائل الأمنية. وأنقرة تتهم طهران بتقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني وللإسلاميين في تركيا، فيما طهران تتهم أنقرة بتقديم الدعم لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. اقتصادياً مع انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى عن روسيا برز عنصر جديد في العلاقات التركية- الإيرانية، وقد تمثل هذا العنصر في المنافسة على ربط هذه الجمهوريات اقتصادياً بمشاريعها الاستراتيجية خاصة في مجال مشاريع النفط والغاز. أما بالنسبة لباقي الدول الإسلامية: دول الخليج العربي ودول المغرب العربي ومصر ونيجيريا وباكستان وأندونيسيا وماليزيا.. الخ. فلا تكاد تكون هناك مشكلة سياسية بالمعنى الخلافي بين تركيا وهذه الدول. إنما تسعى تركيا إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية مع هذه الدول وتأسيس مجموعات اقتصادية معها كمجموعة الدول الثمانية: تركيا، مصر، باكستان، إيران، بنغلادش، نيجيريا، ماليزيا، وأندونيسيا. والتي تأسست عام 1997 وقد عقد المؤتمر الأول لرؤساء المجموعة في استانبول في حزيران 1997 وتحرص تركيا على تصدير منتجاتها وخاصة المواد الغذائية وبعض الآليات ومؤخراً الأسلحة إلى هذه الدول واستيراد المواد الأولية منها لا سيما النفط والغاز. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |