تركيا وقضايا السياسة الخارجية -خورشــيد حسين دلي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الرابع

تركيا والدائرة الاسرائيلية‏

تميزت العلاقات التركية- الإسرائيلية منذ البداية بالتحسن المستمر في كافة المجالات، فقد كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في آذار عام 1949 وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1950 ، ورغم أن العلاقات بينهما مرت ببعض المحطات التي شهدت فيها تراجعاً شكلياً في مجال التمثيل السياسي كما في عام 1956 على أثر تعرض مصر للعدوان الثلاثي وعام 1980 على أثر إعلان إسرائيل القدس عاصمة أبدية لها. إلا أن العلاقات بين البلدين ظلت متينة وقوية، ومنذ مطلع التسعينات تشهد هذه العلاقات المزيد من التحسن في المجالات والصعد المختلفة، ويعمل البلدان على تطوير علاقاتهما تجاه التكامل في منطقة الشرق الأوسط على أساس أنهما الحليفان الاستراتيجيان للولايات المتحدة في المنطقة، وقد تطور الاتفاق العسكري التركي- الإسرائيلي الذي تم توقيعه في شباط عام 1996 إلى حلف عسكري يحمل العديد من المخاطر الأمنية على دول المنطقة لا سيما سورية، فالاتفاق يسمح للطيران الحربي الإسرائيلي باستخدام الأجواء والقواعد التركية. هذا الاتفاق الذي لا سابق له في الشرق الأوسط أعطى لإسرائيل قدرة استطلاعية هائلة في سبر أجواء المنطقة وجمع المعلومات عن بلدانها، وكانت المناورات التركية- الإسرائيلية- الأمريكية التي جرت في بداية عام 1998 قبالة الشواطئ السورية على بعد لا يزيد عن مئة كيلومتر تحت عنوان "الحورية الواثقة" إحدى نتائج هذا الاتفاق.‏

- مظاهر وأبعاد العلاقة‏

رغم أن التعاون العسكري التركي- الإسرائيلي يثير الخوف والقلق لدى الدول العربية والإسلامية من عودة سياسة الأحلاف العسكرية إلى منطقة الشرق الأوسط، فإن تركيا لا تعطي للرفض العربي والإسلامي أهمية وتتجه أكثر فأكثر إلى توطيد علاقاتها العسكرية مع إسرائيل وفي مختلف الصعد، ومن أبرز مظاهر هذا التعاون في السنوات الأخيرة:‏

1- الزيارات المتبادلة والمكثفة لكبار المسؤولين العسكريين والسياسيين بين البلدين على مستوى وزراء الدفاع وهيئة الأركان والاستخبارات ومدراء الأقسام ورؤساء الحكومة. وقد جرت العادة في كل زيارة أن يتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاقات عسكرية جديدة بين البلدين وبعضها سرية مع تصريحات بأن هذه الاتفاقيات ليست موجهة ضد أحد.‏

2- توقيع العديد من الاتفاقات العسكرية الهامة في مجال صناعة الأسلحة. فمنذ توقيع اتفاق شباط عام 1996 تم التوصل إلى 16 اتفاقية جديدة في مجال التعاون العسكري، أبرزها الاتفاق على إنتاج صواريخ متوسطة المدى 500 كم ذات قدرة توجيه عالية في ضرب الأهداف المتنوعة، وشراء تركيا لدبابات إسرائيلية من نوع ميركافا 3 للحلول محل الدبابات التركية أم 60 ويبلغ عدد دبابات هذه الصفقة 800 دبابة قتالية بقيمة 4.5 مليون دولار ويقضي الاتفاق بتصنيع هذه الدبابات في تركيا. وكذلك توقيع اتفاقية بقيمة 600 مليون دولار لتحديث 54 طائرة مقاتلة تركية من نوع فانتوم أف 4 في إسرائيل، واتفاق إنتاج مشترك لصواريخ أور- بوباي- 11 تعمل على طائرات اف 16 واف 4 وقد اشترت تركيا 200 صاروخ من نوع بوباي- 1 عام 1997 من إسرائيل(62).‏

3- تطوير التعاون بين البلدين في المجالات الأمنية والاستخبارات وتبادل المعلومات حيث أقامت إسرائيل بالاتفاق مع تركيا مراكز استخباراتية في جنوب شرق تركيا وكذلك في شمال العراق ومنها مشترك مع الولايات المتحدة تحت اسم وحدة 200 مهمتها جمع المعلومات عن البلدان المجاورة (سورية، العراق، إيران) وذلك باستخدام معدات خاصة بالجاسوسية الإلكترونية مقابل تزويد إسرائيل تركيا بمعدات وأجهزة رصد وشبكات رادارية متطورة لتجهيز المنطقة الأمنية التي أعلنتها في شمال العراق(63).‏

4- تحديث الجيش التركي حيث وضعت تركيا خطة عسكرية وميزانية ضخمة قدرها 150 مليار دولار لتحديث قواتها العسكرية البالغ عددها نحو 850 ألف عنصر(64) على مراحل وتعتزم تركيا بناء مفاعل نووي في خليج أكويو (جنوب شرقي تركيا) وهو ضمن عشرة مفاعلات نووية تنوي تركيا بناءها بحلول العام 2020(65).‏

ولعل توجه تركيا إلى تعزيز مؤسساتها العسكرية بهذا الشكل الضخم لا يستهدف الحركة الكردية المسلحة في الداخل فقط وإنما يندرج في إطار أدوار أمنية تجاه دول الجوار.‏

وإلى جانب التعاون العسكري الوثيق بين تركيا وإسرائيل تشهد العلاقات الاقتصادية بينهما تطوراً كبيراً، حيث تقررَّ إقامة سوق حرة مشتركة بين البلدين في العام ألفين، وكانت تركيا عقدت اتفاقية ثنائية لبيع مياه نهر مانوجات إلى إسرائيل عبر خليج أنطاكيا(66)، كما تستعين أنقرة بالخبرة الإسرائيلية في مشروع الغاب خاصة في مجال الأساليب الحديثة للري والهندسة الوراثية.‏

من جهة ثانية، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة للنظر في تركيا، وهي ظاهرة بروز دور الجالية اليهودية في مختلف مرافق الدولة التركية لاسيما في مجالات التجارة والإعلام والصناعة، ورغم أن التاريخ الفعلي لهذه الجالية يعود إلى عام 1492 عام سقوط غرناطة وذلك عندما نظمت إسبانيا حملة كبيرة لتهجير اليهود من إسبانيا إلى الدولة العثمانية، وهؤلاء معظمهم كانوا من أصحاب مهن المعرفة والعلم وذوي الخبرة في صناعة السلاح، إلا أنهم كانوا يحرصون على الدوام على إخفاء أسمائهم ونفوذهم ونشاطاتهم وسط بحر إسلامي، ومنذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 وقيام دولة إسرائيل في عام 1948 بدأت هذه الجالية تظهر إلى العلن شيئاً فشيئاً حتى أضحت في التسعينات قوة لا يستهان بها في الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية التركية.‏

ورغم انخفاض عدد اليهود في تركيا من مئة ألف عام 1923 إلى 20 ألفاً فقط في عام 1992، وقد هاجر معظمهم إلى إسرائيل في الخمسينات والستينات من هذا القرن(67)، فإن هؤلاء يسيطرون على صناعات النسيج والسيارات والألبسة الجاهزة والإعلان والإعلام والكيمياء في تركيا وتجارة الاستيراد والتصدير، وتقول الإحصائيات أن الجاليات اليهودية تملك في استانبول نحو 3400 مكتب استيراد وتصدير من أصل 3800 مكتب، وفي هذا الإطار برزت أسماء هامة في أوساط الجالية اليهودية وفي مقدمتهم جاك قمحي وإسحاق الاتون والبيربيلين وإيرول اقصوي وعزيز قارح، وهؤلاء أسسوا العشرات من الجمعيات والمنظمات المختلفة وقد باتت نشاطاتهم على رأس قائمة أخبار المجتمع والاقتصاد في الصحافة التركية، وقد كان جاك قمحي على علاقة وثيقة بكل من الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال والإسرائيلي حاييم هرتزوغ وبفضل علاقاته هذه لعب دوراً هاماً في تحسين العلاقات التركية- الإسرائيلية ولعل أكبر حدثين في تاريخ الجالية اليهودية في تركيا هما:‏

1- تأسيس مركز العام 500 في بداية التسعينات المستوحى اسمه من ذكرى مرور 500 عام على هجرة اليهود من إسبانيا إلى تركيا، وقد أسس المركز رجل الأعمال اليهودي الكبير جاك قمحي ومن أهم أهداف المركز رعاية مصالح الجالية اليهودية التركية وتنظيم شؤونهم وأوضاعهم وعلاقاتهم داخل الحكومة التركية.‏

2- إنشاء محطة تلفزيون SHOW. T. V بعد حرب الخليج الثانية مباشرة وهي محطة تلفزيونية يشرف عليها رجال المال والأعمال واليهود في تركيا وخارجها ومنهم جاك قمحي وإيرول اقصوي وجيهان قوماندريت وأحمد منير أريتغون ومعظم برامج هذه المحطة تهتم بمواضيع الإثارة السياسية والأفلام الجنسية والخلاعية والإباحية والعنف بهدف إحداث المزيد من التخريب وإفساد الذوق العام(68).‏

مخاطر تطور العلاقة على المنطقة العربية‏

العلاقة التركية- الإسرائيلية أضحى لها مسار أمني سلبي على الأمن القومي العربي خاصة وأن إسرائيل تسعى إلى التأثير على التوجهات الخارجية للسياسة التركية من خلال المؤسسة العسكرية، سياسة الضغط على الدول العربية لإجبارها على تقديم التنازلات في عملية التسوية العربية الإسرائيلية، والواقع رغم القلق العربي من مسار تطور العلاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل نظراً لآثارها الأمنية على الدول العربية في المدى المنظور، إلا أن تركيا تؤكد عزمها على توطيد هذه العلاقة مع إسرائيل نحو التكامل في الدور الإقليمي وفي إطار سعيهما إلى إقامة نظام إقليمي شرق أوسطي في المنطقة تقومان فيه بدور المحور ويعتقد الدكتور هيثم كيلاني أن تركيا تجهز نفسها للالتفات إلى الدائرة العربية التي تشكل ميداناً للمصالح والمنافع الاقتصادية والمالية والاستثمارية والتجارية(69)، حيث تتحرك تركيا على مستويات الأمن والاقتصاد والمياه والمواصلات، وقد عادت تركيا مؤخراً لتطرح من جديد مشروع إنشاء منظمة أمن وتعاون شرق أوسطية فضلاً عن هدف تركيا القيام بدور محوري في الشرق الأوسط فإنها تهدف من وراء هذا الحلف إلى تقوية موقفها تجاه أوروبا بعد رفض الاتحاد الأوروبي عضويتها في الاتحاد وكذلك للحصول على دعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في مواجهة اللوبين اليوناني والأرمني كما تطمح إلى الدخول إلى المؤسسات المالية العالمية الكبيرة التي هي أشبه بنادٍ دولي مفتاحه في يد رجال المال اليهود في العالم، في حين تهدف إسرائيل من وراء علاقتها مع تركيا إضافة إلى تطويق سورية من الخلف كما صرح بذلك شمعون بيريز عقب توقيع الاتفاقية العسكرية التركية- الإسرائيلية، وممارسة الضغوط عليها، والقيام بدور أمني تجاه سورية والعراق وإيران، إضافة إلى ذلك فإنها تطمح إلى استخدام تركيا كجسر للوصول إلى الجمهوريات الآسيوية التي استقلت عن روسيا والتي يصفها الرئيس الإسرائيلي وايزمن بالمنطقة الضخمة حيث الثروات النفطية والغازية والموارد المختلفة الضخمة.‏

- ردود الفعل‏

تخشى الدول العربية والإسلامية وكذلك اليونان وأرمينيا من مسار تطور العلاقات العسكرية التركية والإسرائيلية والتي بلغت مستوى "الحلف" كما تخشى هذه الدول من البعد الإسرائيلي والأمريكي في السياسة الخارجية التركية.‏

وتعتقد هذه الدول ولا سيما سورية بأن الاتفاق العسكري التركي الإسرائيلي في 23/2/1996 يشكل مقدمة لفرض ترتيبات أمنية إقليمية في منطقة الشرق الأوسط. خاصة في ظل توقف عملية السلام بفعل السياسة المتشددة لحكومة بنيامين نتنياهو ورفض هذه الحكومة لمرجعية مؤتمر مدريد وصيغة الأرض مقابل السلام، فيما تحاول تركيا التقليل من المضامين الاستراتيجية، للاتفاق وتقول: أنه لا يشكل تحالفاً عسكرياً، وأنه ليس موجهاً ضد أي ظرف ثالث، إلا أن الثابت هو أن هناك مجموعة من الأهداف الاستراتيجية تسعى تركيا إلى تحقيقها وفي المقدمة منها: جعل تركيا الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة، دولة مصنعة للسلاح، تقوم بتصدير الأسلحة بأنواعها إلى دول المنطقة ومنها الدول العربية. وكذلك أن تتقاسم وإسرائيل مسؤولية وضع الترتيبات الأمنية للنظام الإقليمي الشرق أوسطي، وذلك على قاعدة تحالفهما الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.‏

الدول العربية وخاصة سورية تعتبر أن هذا الاتفاق خطر على الأمن القومي العربي وعملت سورية على حشد دعم عربي ضد التحالف التركي الإسرائيلي وضد سلوك أنقرة بشأن المياه وشمال العراق. كما أن سورية عملت على توطيد علاقاتها مع إيران وبدرجة أقل مع اليونان وأرمينيا كخطوات "كابحة" أو "موازنة" لتطور التحالف التركي الإسرائيلي. وقد اتهمت تركيا سورية خلال الأزمة الأخيرة بينهما بالوقوف وراء الحملة المعارضة لها في العالم العربي بشأن تحالفها مع إسرائيل.‏

إيران أيضاً، تعارض الاتفاق العسكري التركي- الإسرائيلي وتعتبره تهديداً لأمنها، خاصة وأن الاتفاق يفتح المجال الجوي التركي أمام السلاح الجوي الإسرائيلي مما يعني إمكان إسرائيل القيام بتوجيه ضربة عسكرية لإيران ومنشآتها العسكرية ولم يستبعد عدد من المسؤولين الإسرائيليين القيام بمثل هذه الضربات ضد إيران على غرار ما فعلته إسرائيل ضد العراق عندما ضربت المفاعل النووي العراقي عام 1981.‏

اليونان وأرمينيا تبديان قلقهما إزاء الاتفاق العسكري التركي الإسرائيلي وقلقهما ينبع بالدرجة الأولى من خلافاتهما مع تركيا بشأن عدة قضايا وخلافات مزمنة.‏

بشكل عام شكل الاتفاق العسكري التركي- الإسرائيلي متغيراً قلقاً في علاقات تركيا مع دول الجوار ولا سيما العربية، وتعتقد الدول العربية أن هذا الاتفاق يثير المخاوف في المنطقة من العودة إلى سياسة الأحلاف العسكرية، كما أنه يحول دون إقامة علاقات إيجابية بين تركيا والدول العربية خاصة في ظل توقف عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244