تركيا وقضايا السياسة الخارجية -خورشــيد حسين دلي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الخامس

تنتمي مجتمعات العديد من جمهوريات آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي إلى المجموعة التركية التي تجمعها مع تركيا "الرابطة الطورانية" وتعتقد تركيا أنه بإمكانها حالياً القيام بدور الدولة الإقليمية الكبرى حيال هذه الجمهوريات.‏

يبحث هذا الفصل في السياسة التركية تجاه دول آسيا الوسطى والطموح إلى إقامة رابطة إقليمية مع هذه الجمهوريات ذات الأصول التركية، كما يعرض العقبات والتحديات التي تواجهها تركيا لتحقيق طموحها هذا.‏

تركيا ودائرة آسيا الوسطى والقفقاس‏

أولاً- الطموح إلى إقامة "العالم التركي"‏

أدى انهيار الاتحاد السوفياتي السابق واستقلال الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى في مطلع التسعينات إلى بروز "عالم تركي"، شكل محور جذب اقتصادي وعرقي وسياسي بالنسبة لتركيا التي تربطها صلات تاريخية عرقية ودينية بشعوب هذه الجمهوريات، وقد أدى زوال الضغط الناجم عن وجود دولة الاتحاد السوفياتي وظهور فراغ في هذه المنطقة الجغرافية الغنية بالموارد الهائلة إلى ظهور طموح تركي نحو إقامة روابط اقتصادية وسياسية مع هذه الجمهوريات وإقامة "مجلس العالم التركي أو الجامعة التركية" على غرار المنظمات القومية أو الاقتصادية كالجامعة العربية والاتحاد الأوروبي. في سبيل ذلك حرصت تركيا على إظهار نفسها بمظهر الشقيق الأكبر لهذه الجمهوريات خاصة وإن خمساً من أصل ست جمهوريات هي ذات أصول عرقية تركية، وتربطها بتركيا لغة مشتركة وهي: أذربيجان (في القفقاس) وتركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان. أما الجمهورية السادسة، طاجكستان، فتنتمي إلى الثقافة الإيرانية ويتكلم أبناؤها اللغة الفارسية(70) كما حرصت تركيا على تقديم نفسها لهذه الجمهوريات على أنها تمثل النموذج العلماني الليبرالي الذي يصلح الاقتداء به من جهة ويخلصهم من آثار المرحلة السوفيتية السابقة والتي تعرضت فيها ثقافتهم الروحية إلى الكبت والإهمال والتجاهل من جهة ثانية.‏

وقد تحركت تركيا تجاه هذه الجمهوريات على مستويات عدة: إقليمياً: عبر توسيع منظمة التعاون الاقتصادي (ايكو ECO) فقد ضمت إلى عضويتها في شباط عام 1992 كلاً من أذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجكستان وقرغيريا فيما منحت كازاخستان صفة مراقب، ويذكر أن منظمة ECO تأسست عام 1960 وتضم كلاً من تركيا وإيران وباكستان وتسعى المنظمة لتكون إطاراً للتعاون الإقليمي بين دولها الأعضاء في مجالات التجارة والمصارف والاستثمار وإقامة مناطق تجارية حرة. وكذلك في بعض مجالات الصناعة والطاقة والاتصالات والنقل.‏

وعلى غرار منظمة ECO بذلت تركيا جهوداً حثيثة لإقامة منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود عام 1992 والتي تضم إلى جانب تركيا كلاً من بلغاريا وروسيا ورومانيا وجورجيا ومولدافيا وإرمينيا وأذربيجان وهي منظمة تسعى للقيام بمهام مشابهة لمنظمة ECO.‏

وعلى المستوى الثنائي بادرت تركيا إلى الاعتراف بالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وإقامة العلاقات معها فور إعلانها الاستقلال عن روسيا، وبعد جهود دبلوماسية وزيارات قام بها كبار المسؤولين الأتراك واتفاقيات ثنائية مع معظم هذه الجمهوريات نجحت تركيا في عقد أول قمة لهذه الجمهوريات في أنقرة يومي 30 و 31 تشرين الأول 1992، ثم القمة الثانية في استانبول عام 1994 والثالثة في بشكيك 1996 والرابعة في طشقند.‏

وقد حدد الرئيس التركي أوزال في القمة الأولى تصوراً لإقامة "العالم التركي" عبر إعادة الروابط العرقية والثقافية والسياسية بين هذه الجمهوريات من خلال خطة اقتصادية شاملة في مجالات التجارة والمواصلات والجمارك والنفط والاستثمارات واللغة، حيث تطمح تركيا إلى الاستفادة الكبيرة من الموارد الهائلة لهذه المنطقة لاسيما النفط والغاز هذا من جهة، ومن جهة ثانية لتقوية دورها ونفوذها الإقليميين في هذه المنطقة الجغرافية المهمة في مواجهة النفوذين الروسي والإيراني حيث البعد الشيعي لإيران والأرثوذكسي لروسيا. ومن جهة ثالثة لتقوية مواقفها وأهمية دورها تجاه الاتحاد الأوروبي الذي يرفض حتى الآن قبول تركيا في عضوية الاتحاد وكذلك تجاه الغرب عموماً بعد أن قلت أهمية الدور التركي في الحلف الأطلسي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، والعوامل التي تدفع تركيا إلى توثيق روابطها بالجمهوريات التركية كثيرة، أهمها: وحدة العرق واللغة والدين وملء الفراغ والتطلع إلى القيام بدور إقليمي، وقد تجسد هذا التوجه في أحد صوره في أحياء الرابطة الطورانية تلك الرابطة التي تربط أتراك آسيا الوسطى بأتراك الأناضول، وخاصة أن منطقة آسيا الوسطى كانت واقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية (التركية) طيلة القرنين الخامس عشر والسادس عشر. إلا أن النخبة التركية الحاكمة حذرة تجاه هذه المسألة الحساسة كي لا تتهم بالعنصرية وبالانقلاب على العلمانية لأن من شأن ذلك زيادة المصاعب في العلاقات مع أوروبا، لذا تحرص تركية الحالية بزعامة الرئيس سليمان ديميريل على إبراز العلاقة مع هذه الجمهوريات في إطار المسؤولية ونظام القيم والتوازن المشترك مع روسيا، بخلاف الرئيس أوزال الذي كان يركز على "التاريخ المشترك والروابط الثقافية والعرقية العميقة"(71).‏

وفي سبيل تحقيق طموحاتها تجاه آسيا الوسطى قامت تركيا بخطوات اقتصادية وثقافية وسياسية تجاه هذه الجمهوريات بغية إعادة الروابط معها وتوطيد العلاقات في شتى المجالات تمهيداً لعلاقات أوثق من التعاون الثنائي والإقليمي.‏

ففي المجال الثقافي والإعلامي:‏

نجحت تركيا في آذار 1993 في التوصل مع أوزبكستان وتركمنستان وكازاخستان وقرغيزيا وأذربيجان إلى وضع أبجدية واحدة مشتركة أطلق عليها "الأبجدية التركية المشتركة" هي الأبجدية اللاتينية المعتمدة حالياً في تركيا منذ العام 1928(72).‏

- إعداد معاجم لغوية باللهجات التركية بهدف توحيد المصطلحات والرموز وإيفاد مدرسين للغة التركية إلى هذه الجمهوريات بأعداد كبيرة.‏

- إيفاد واستقدام وتبادل البعثات العلمية والتعليمية مع هذه الدول.‏

- إقامة محطات تلفزيونية لبث برامج تركية خاصة بهذه الجمهوريات(73).‏

- إمداد هذه الجمهوريات بأعداد كبيرة من الآلات الكاتبة والكمبيوترات واحتياجات تأسيس المطابع بالحروف اللاتينية.‏

وتعمل تركيا على اتخاذ المزيد من الخطوات الثقافية والإعلامية في هذا المجال منها إحداث مراكز أبحاث للعالم التركي مهمته دراسة جوانب التاريخ والأدب والجغرافيا والتراث واللغة والفن وعلم الاجتماع في جمهوريات "العالم التركي"، وفي المجال الاقتصادي والاتصالات: ربطت تركيا شبكتها الهاتفية بشبكات هذه الجمهوريات(74) ووقعت تركيا مجموعة من الاتفاقيات الثنائية مع هذه الجمهوريات في مجالات التجارة والنقل والمواصلات والجمارك. واتفاقيات أخرى في مجالات إقامة مشاريع صناعية ونفطية وزراعية، كذلك تقديم القروض الميسرة لهذه الجمهوريات وتخصيص مبالغ للاستثمار والبحث عن الجدوى الاقتصادية للتعاون المالي والمصرفي. وفي السنوات الأخيرة دخلت تركيا في منافسة شديدة مع روسيا وكذلك شركات النفط العالمية من أجل الفوز بنقل نفط بحر قزوين عبر أراضيها انطلاقاً من ميناء باكو الأذربيجاني ليصدر إلى أوروبا عبر ميناء جيحان التركي في خليج الإسكندرون على البحر المتوسط بدلاً من روسيا التي تطمح هي الأخرى إلى نقل نفط قزوين من خلال ميناء نوفوراسيك الروسي على البحر الأسود. وفي المجال السياسي: اعترفت تركيا رسمياً باستقلال هذه الجمهوريات في أيلول عام 1991، وقامت بتعديل هيكلية وزارة الخارجية بحيث أصبح لها أمانتان عامتان إحداهما مخصصة لشؤون العالم التركي(75). ومهمتها متابعة العلاقات والإشراف على السفارات التركية في عواصم هذه الجمهوريات وعلى القنصليات في المراكز السياسية "للجمهوريات التركية" ذات الحكم الذاتي. وكذلك وقعت تركيا معاهدة دفاع مشترك مع أذربيجان كما وقعت مجموعة من الاتفاقيات العسكرية مع عدد من هذه الجمهوريات تشمل تبادل البعثات العسكرية ومجالات التدريب.‏

ثانياً- العقبات والتحديات‏

رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها وتبذلها تركيا على كافة المستويات والصعد وفي شتى المجالات إلا أن هذه الجهود لم تثمر حتى الآن عن وقائع ملموسة تمهد الطريق أمام الطموحات التركية الاقتصادية والأمنية والسياسية في آسيا الوسطى والقفقاس بحيث تصبح دولة إقليمية تتمتع بموقع الدولة المحورية في هذه المنطقة الهامة والحساسة والغنية، والسياسة التركية تجاه هذه الجمهوريات تصطدم بمجموعة من العقبات والتحديات المحلية والإقليمية والدولية الصعبة.‏

وأهم العقبات المحلية:‏

1- عقبات تتعلق بالإمكانيات الذاتية لتركيا، فتركيا تفتقر إلى الإمكانيات المالية والاستثمارية والعلمية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة للقيام بدور إقليمي كبير تجاه هذه الجمهوريات التي مازالت تعاني من بنى قديمة متخلفة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والزراعية حيث لا تزال الفروقات شاسعة بين المدن والريف، وهناك عقبات تركية أخرى تتعلق بالبنيان السياسي التركي والأيديولوجية الكمالية (نسبة إلى كمال أتاتورك) هذه الأيدلوجية التي لا تزال تهيمن على عقلية النخبة التركية الحاكمة تمنع هذه النخبة من التفكير خارج الخيار الأوروبي. إلا في إطار الدور الوظيفي لهذا الخيار نفسه.‏

2- وهناك أسباب تتعلق بهذه الجمهوريات نفسها أهمها وجود خوف لدى عدد منها من تصورات تركية مركزية تجاههم، قد تؤدي إلى سيطرة أنقرة بالمعنى الإقليمي على هذه الجمهوريات، خاصة كازاخستان حيث يكرر رئيسها نور سلطان نزار باييف عقب كل قمة "لمجموعة الدول التركية" قائلاً: "إن تركيا تريد العودة بنا إلى النموذج السوفياتي" و"إلى قاعدة الأخ الكبير"(76) كما أن كل من كازاخستان وأوزبكستان ترغبان القيام بدور في منطقة آسيا الوسطى ومحيطها نظراً لثقلهما الاقتصادي والسكاني والتقني، ومن الأسباب الخاصة بهذه الجمهوريات أيضاً وجود نسبة كبيرة نسبياً من السكان لا يتحدثون التركية بل الروسية (في كازاخستان نسبة التحدث بالروسية 45%)(77) فضلاً عن أن الثقافة الروحية في عدد من هذه الجمهوريات وبخاصة طاجكستان هي أقرب إلى الفارسية كما أنه يوجد نسبة غير قليلة من الشيعة في مناطق عدة من آسيا الوسطى.‏

أما على الصعيد الخارجي فيمكن التوقف عند العقبات التالية:‏

البعد الروسي:‏

- وجود روسيا كقوة أورآسية وأوروبية ضخمة لا تزال تهيمن على هذه الجمهوريات في العديد من المجالات تشكل تحدياً كبيراً أمام الطموح التركي تجاه آسيا الوسطى، فهذه الجمهوريات تجمعها بروسيا العديد من المنظمات الإقليمية كمنظمة الكومنولث التي تضم كل ورثة الاتحاد السوفياتي السابق ما عدا دول البلطيق الثلاث، ومنظمة الاتحاد السلافي التي تضم إلى جانب روسيا وهذه الجمهوريات روسيا البيضاء وأوكرانيا وهدف هذه المنظمات الإقليمية ملء الفراغ الذي ظهر في هذه الجمهوريات في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي من جهة وللرد على المحاولات التركية والإيرانية الساعية إلى دور إقليمي من جهة ثانية، فضلاً عن هذا هناك صراع روسي- تركي مرير على مد أنابيب النفط من هذه المنطقة عبر أراضي كل منهما لتصديرها من ميناء نوفوراسيك الروسي على البحر الأسود أو جيحان التركي عبر البحر المتوسط. كذلك وجود تحالف روسي أرميني غير معلن في مواجهة التحالف التركي- الأذربيجاني المعلن في هذه المنطقة. وأساساً قضايا الخلاف بين روسيا وتركيا تاريخية وكثيرة تمتد إلى المياه الدافئة والحلف الأطلسي، فحتى الأمس القريب كانت تركيا تلعب دور الشرطي في الحلف الأطلسي ضد الاتحاد السوفياتي كما أن البعد الإسلامي في السياسة التركية يقابله بعد أرثوذكسي في السياسة الروسية تجاه منطقة آسيا الوسطى والبلقان والقوقاز، حيث هناك ملامح تحالف روسي صربي بلغاري يوناني لمحاصرة تركيا، فالبعد الروسي بمضامينه المتعددة يشكل التحدي الأكبر لتركيا في آسيا الوسطى.‏

البعد الإيراني:‏

إيران شأنها شأن تركيا تبحث عن دور إقليمي في هذه الجمهوريات لأسباب ودوافع لا تقل أهمية عن الأسباب والدوافع التركية. وتعمل إيران للاستفادة القصوى من هذه الجمهوريات عسكرياً لا سيما في مجال استقدام الخبرات والتكنولوجية العسكرية، وتسعى إلى إقامة سوق إسلامية مشتركة مع هذه الجمهوريات وعلى تنشيط دورها في منطقة بحر قزوين التي تضم بالإضافة إليها كل من روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وفي إطار الخطوات العملية افتتحت إيران في أيار 1996 خطاً للسكك الحديدية يربطها بآسيا الوسطى (خط الحرير) يهدف إلى تسهيل نقل البضائع والتجارة بين إيران وهذه الجمهوريات، أما ثقافياً فقد نشأت منظمة اللغة الفارسية مع طاجكستان. وشأن إيران شأن روسيا من حيث الخلافات وتعدد مواطن النزاع مع تركيا، بل إن مخاوف إيران إزاء الدور التركي في هذه الجمهوريات أقوى وذلك لسببين:‏

1- وجود نسبة كبيرة من الأذريين في إيران يقدر عددهم بـ12 مليون وهؤلاء يتواصلون مع أبناء جلدتهم داخل أذربيجان ومعظمهم من الشيعة، ومثل هذا الوضع يثير الخوف المستقبلي لدى إيران لأنه إن أصبحت تركيا دولة إقليمية قوية فقد تشجع الأذريين في إيران على المطالبة بالانفصال والانضمام إلى أذربيجان.‏

2- الدور التركي في هذه المنطقة يحظى بدعم الولايات المتحدة وإسرائيل ونسبياً أوروبا لأسباب تتعلق بالنموذج التركي العلماني الليبرالي لمواجهة المد الإيراني في هذه الجمهوريات من جهة ولمصالحها الخاصة من جهة ثانية. ومثل هذا البعد يشكل تحدياً للسياسة الإيرانية وثوابتها السياسية الخارجية. وفي مواجهة ذلك تسعى إيران لتفعيل دورها ونفوذها في هذه الجمهوريات اقتصادياً وثقافياً وسياسياً في مواجهة الدور التركي وقد أصبح الدور الإيراني في هذه الجمهوريات ينظر إليه بعين التحدي بالنسبة لتركيا.‏

رغم هذه العوامل المحددة للتنافس الإيراني- التركي في آسيا الوسطى فإن مسار التنافس بينهما بدأ يأخذ في السنوات الأخيرة طابع التعاون في مجال إقامة مشاريع البنية التحتية لا سيما في مجال النفط والغاز والاتصالات والمواصلات، فالمصلحة المشتركة تقتضي التعاون وليس المجابهة.‏

الضغوط الغربية:‏

الغرب نفسه (أمريكا، أوروبا، إسرائيل، مع تباين دور كل طرف من هذه الأطراف ونظرته إلى دور تركيا في آسيا الوسطى) لا يحبذ دوراً تركياً قوياً في آسيا الوسطى يصل إلى مستوى دولة إقليمية محورية، صحيح أن الغرب يشجع الدور التركي في المنطقة لمنافسة النموذج الإيراني الإسلامي المتشدد كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين والأوروبيين وتأكيدهم على النموذج التركي العلماني الليبرالي كنموذج صالح للاقتداء به من قبل الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى.‏

نعم الغرب يشجع الدور التركي في هذه المنطقة، الدور الذي يقف في وجه النموذج الإيراني المتشدد وفي وجه العودة الروسية إلى هذه المنطقة، وكذلك الدور الذي يقوم بمهام الجسر بين الغرب وهذه الجمهوريات إلا أنه يرفض الدور التركي في هذه الجمهوريات إلى درجة قيام "مجلس العالم التركي" لأن ذلك يعني الانقلاب على "العلمانية" والعودة إلى السياسة القومية الضيقة أي "الطورانية". كذلك يرفض دور الدولة الإقليمية المحورية القوية في هذه المنطقة لأن ذلك يشكل خطراً على المصالح الغربية وقد يؤثر على التوجهات السياسية التركية الاستراتيجية في الانفكاك عن الغرب والعودة إلى الارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية والقيام بدور فعال في هذه الدائرة بما يشكل انقلاباً في موازين القوى والهياكل الإقليمية والدولية لخارطة القوى في البلقان وأوروبا والشرق الأوسط.‏

وعليه فإن الغرب حريص كل الحرص على بقاء الدور التركي في آسيا الوسطى محدوداً بحدود الدور الوظيفي في استراتيجيته الدولية.‏

الخلاصة والخاتمة‏

عقب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج وعملية التسوية السلمية العربية- الإسرائيلية تعرضت ثوابت السياسة الخارجية التركية للاهتزاز. فبعد أن حسمت تركيا خيارها الاستراتيجي لصالح الارتباط بالغرب وانكفأت عن أي توجه للارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية. عادت تركيا من جديد واكتشفت أنها ليست دولة أوروبية فقط بل دولة شرق أوسطية وآسيوية وبلقانية وقفقاسية، وبدت لها خريطة تركية جديدة تمتد من البحر الأدريارتيكي إلى حدود الصين، ومع هذه التحولات شهدت تركيا تغييرات سياسية في الداخل تجسدت في وصول التيار الإسلامي ممثلاً بحزب الرفاه "الفضيلة لاحقاً" إلى الواجهة السياسية التركية. وقد أضحى هذا التيار عاملاً مهماً في الخلفية السياسية الداخلية للسياسة الخارجية التركية.‏

ومع هذه المتغيرات وجدت تركيا نفسها أمام مسألة الخيارات التي ترتبط بها مسألة الهوية ويمكن القول إن تركيا في المرحلة الراهنة تجد نفسها أمام خيارات ثلاثة:‏

1- الخيار القديم- الجديد الساعي إلى الاندماج في الغرب الأوروبي سياسياً وأمنياً واقتصادياً.‏

2- الخيار الشرق أوسطي، حيث تعتقد تركيا أنها ستكون دولة محورية إلى جانب إسرائيل في النظام الإقليمي للشرق الأوسط وذلك بسبب موقعها الجغرافي وامتلاكها موارد المياه.‏

3- خيار العالم التركي أي خيار التوجه إلى إقامة شكل من أشكال الترابط مع الجمهوريات الإسلامية ذوات الأصول التركية في آسيا الوسطى كـ"مجلس العالم التركي أو جامعة الدول التركية أو فيدرالية العالم التركي" على غرار المنظمات الإقليمية في العالم".‏

رغم هذه الخيارات الثلاثة لتركيا، إلا أن النخبة التركية "العلمانية" الحاكمة لا تعتقد أن هناك خياراً لتركيا خارج الخيار الأوروبي، وإن كانت ترى ضرورة التحرك الإقليمي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في حين يرى التيار الإسلامي أن الخيار الأوروبي يجب الاستفادة منه ولكنه ليس الخيار النهائي، ويرى ضرورة ترسيخ التحولات اللازمة للارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية كخيار وهوية. وفي الواقع هذه الخيارات ليست منفصلة بعضها عن بعض وكل خيار يتأثر بالآخر تفاعلاً لجهة الموقع والدور وارتباطاً بالقضايا الإقليمية المحيطة بالسياسة الخارجية التركية.‏

فالاتحاد الأوروبي الذي لا يقول "لا" نهائية كما لا يقول "نعم" لجهة قبول تركيا في عضوية الاتحاد يدفع بتركيا إلى الشرق الأوسط. إلا أن تعثر عملية السلم العربية- الإسرائيلية وكذلك الخلافات التركية مع دول الجوار العربي بشأن المياه والأقليات والأمن، إضافة إلى قضايا أخرى كل ذلك يؤخر السعي التركي إلى الشرق الأوسطية ويدفع بها إلى دائرة آسيا الوسطى مع نقص الإمكانيات وغياب البنية السياسية الحضارية المطلوبة لإقامة أشكال من التجمعات مع الجمهوريات التركية الإسلامية في هذه الدائرة إضافة إلى العقبات والتحديات المحلية والإقليمية التي تحد من دورها في آسيا الوسطى. كل ذلك يدفع بها من جديد لإعادة تقييم خياراتها السياسية. ومع إعادة التقييم تطرح مسألة الهوية نفسها على تركيا من أعمق الأبواب وأعقدها.‏

وفي ظل تفاقم أخطار المشكلة الكردية على الداخل التركي وتحول هذه المشكلة إلى ملف دائم التوتر في العلاقات مع دول الجوار وأوروبا وكذلك عجز الأيديولوجية الكمالية الرسمية للدولة عن التعامل مع التيار الإسلامي وإصرار المؤسسة العسكرية التركية على إقصاء كل نشاط لهذا التيار فضلاً عن رفضه الهوية الإسلامية لتركيا، هذه القضايا وغيرها تدفع بتركيا إلى الانشغال بقضاياها الداخلية كقضايا أولية حساسة مدرجة على جدول أعمالها باستمرار وهي التي تحدد إلى حد كبير علاقات تركيا مع معظم دول الجوار بشكل سلبي أو ايجابي، وتزداد الصورة سوداوية أكثر إذا أدركنا أن علاقات تركيا مع معظم دول الجوار سلبية تتراوح بين العداء والتوتر والقلق والخلافات وغياب الثقة. فمشاكلها مع اليونان أضحت مزمنة، وسياساتها المائية والأمنية تجاه دول الجوار العربي وإيران تشكل مصدر قلق وتوتر وخوف دائم لهذه الدول، وسياستها في آسيا الوسطى تلقى المزيد من التحدي الروسي والأرميني، إضافة إلى ذلك فإن الباب الأوروبي كما يبدو، سيظل مغلقاً أمامها لأسباب أوروبية بالدرجة الأولى وليست تركية كما يتصور البعض.‏

سياسة الدول العربية تجاه تركيا وإن تبدو متباينة من دولة إلى أخرى إلا أن الإطار العام لهذه السياسة تؤكد على أهمية إقامة علاقات إيجابية مع تركيا انطلاقاً من التراث الحضاري المشترك للعرب والأتراك، وضرورة إقامة مصالح إقليمية مشتركة بحكم الجوار الجغرافي والأمن المشترك.‏

وتعتقد الدول العربية أن سوء التفاهم والفتور في العلاقات التركية العربية يمكن إزالتهما عبر حلول تدريجية للمشكلات الخلافية: كالمياه والأقليات والحدود والأمن.. الخ. إلا أن العقبة التي تحول دون تحقيق ذلك تتمثل في السياسة التركية تجاه العالم العربي. فهذه السياسة يحكمها بُعد أمريكي- إسرائيلي يهدف إلى فرض ترتيبات أمنية محدودة في المنطقة. كما أن السياسة التركية بشأن المشكلات الخلافية مع دول الجوار العربي (سورية- العربي) تتسم إما بنوع من اللامبالاة عبر التهرب من التوصل إلى اتفاقيات نهائية بشأن المياه، أو بنوع من التهديد والاستفزاز.‏

وفي ظل هذه العلاقات السلبية والعقبات والتحديات التي تعترض إنجاز خياراتها السياسية وتفاقم المشاكل الداخلية تحرص تركيا أكثر فأكثر على بقاء علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة وعلى توطيد علاقاتها مع إسرائيل، لتقوية دورها في مواجهة التحديات التي قد تعصف بها، ولكن من يجزم أن إسرائيل نفسها ليست لها حسابات مع تركيا؟ وفي السياق ذاته هل هناك ثوابت محددة في الاستراتيجية الأميركية تجاه تركيا ودورها؟ ولكن من يجزم بأن هذه الثوابت لن تتغير إذا ما تحقق السلام العربي- الإسرائيلي فعلاً، وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة مغايرة لما هي عليه الآن؟ والحديث عن تطبيع العلاقات الأمريكية- الإيرانية بدأ يأخذ منحى عملياً مع مرحلة الرئيس محمد خاتمي.‏

مع وجود هذه المشاكل والعقبات والتحديات، المحلية والإقليمية والدولية لا تبدو الجيوسياسية التاريخية لتركيا طموحاً عقلانياً دولاتياً، وفي ظل غياب البنيان السياسي الحضاري والإمكانات اللازمة لدور الدولة الإقليمية المحورية يصبح الخوف واقعاً من أن تكون الطموحات التركية الكبرى هي أقرب إلى "الخيال الجامح" وقد يصبح هذا الخوف حقيقة إذا ما انسحبت الجيوسياسية الإقليمية بآثارها على الداخل التركي بما قد يؤدي إلى الحديث عن "سيفر جديد".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244