|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:07 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
المقدمــــة
صداقة عُمرٍ
في الخامس عشر من كانون الثاني
-يناير- 1952، وفي أعقاب أصبوحة شعرية أقيمت في مدرج العقاد بكلية اللغة العربية
برعاية الأستاذ الشاعر الدكتور حسن جاد، وشارك فيها عدد من الطلبة الشعراء في
الكلية تعرّفتُ إلى الطالب السوري الحمويّ الشاعر علي دمر. كان عليٌّ صاحب المبادرة في التعرف
إليّ، حيث أقبل -بعد أن فرغتُ من إلغاء قصيدتي- معرباً عن إعجابه بها وبجودة
إلقائي لأبياتها. وقد شكرت له تلك المبادرة، وبادلته التهنئة، وأعربت له عن سروري
بالتعرف إليه، وعن إعجابي بقصيدته التي فاقت في جودتها جميع ماأُلقي في تلك
الأصبوحة من قصائد. منذ ذلك الحين توثقت العلاقة بيني
وبين علي وصار كلٌّ منا لايرى إلا مع صاحبه. لقد شكّلت مع عليٍّ ثنائياً كان مثار
حديث الزملاء وإعجابهم. وكانت الشاعرية بالإضافة إلى كثير من
ألوان التوافق في المشارب والأفكار والهوايات من الأمور التي عملت على تمتين عُرى
الصداقة بيننا. ولعل الفقر الذي كان يطحن كلاً منا بكلكله كان من أهم العوامل التي
ألّفت بيننا. لم تمضِ بضعة أيام على تلك الأصبوحة
الشعرية حتى دعاني عليّ إلى تناول طعام الغداء في منزله بسوق السلاح في حيّ
الغورية، فقد كان -رحمه الله وعلى الرغم من ضيق ذات اليد- كريماً نديّ الكف،
لايمقت من الصفات التي تعيب الرجال أكثر من البخل. وفي طريقنا إلى منزله أعلمني بأنه
متزوج من ابنة عمٍ له، وحدّثني عن يتمه المبكر، وطفولته البائسة، وعن ولده البكر
كهلان الذي قضى وهو مايزال برعماً يتفتّح، وعن ولده الثاني أنس الذي منّ الله به
عليه عوضاً عن أخيه كهلان، وعن حبه لوطنه ومسقط رأسه، وعن هيامه بعاصي حماة
ونواعيرها وحُوْرِها وحَوْرِها وصفصافها، وعن شوقه إلى رفاق صباه من شعراء حماة
وأدبائها اللامعين. وقد قال عليّ فيما قال إن علي دمر هو
اسم الشهرة الذي يعرف به ويوقّع به أعماله الأدبية؛ وإن اسمه الحقيقي هو محمد عالي
حمراء دُمّر. وقد حدثت علياً بدوري عن حياتي
الخاصة، وحياة أسرتنا ومامرّت به من ظروف وتقلبات قبل النكبة وبعدها. وهكذا لم تكد
تمضي بضعة أسابيع حتى أصبح كلٌّ منا بالنسبة إلى صاحبه أشبه مايكون بكتاب مقروء خطّه
مؤلفه بأسلوبٍ سهل ممتنعٍ لا يستعصي منه شيء على مَنْ يطالعه. أحببت علياً حباً صادقاً لم أحسّ
بمثله نحو أيّ صديق آخر أحببته من قبل عليّ أو بعده، وأحسب أن علياً قد أحبني
مثلما أحببته، وأصفى لي الود كما أصفيته له. وقد وصل بنا الأمر أن أحدنا لم يعد
قادراً على مفارقة صاحبه، وصار كل منا يطلق على الآخر لقب "صديق العمر". كنت أرتاد مع عليّ الأمسيات الشعرية
والندوات الأدبية والعلمية والسياسية والمحاضرات المتنوعة التي تقام في جامعات
القاهرة ومنتدياتها وروابطها ونواديها وجمعياتها. وقد رأيت -كما رأى عليّ- أن من غير المعقول
أن نظل متباعدين سكناً بعد أن ائتلفت روحانا إلى هذا الحد فاقترحت عليه أن ينتقل
بأسرته للعيش في ضاحية الزيتون التي كنت أقطن فيها برفقة شقيقي غالب الذي كان
مايزال في المرحلة الثانوية. وكانت الزيتون آنذاك ضاحيةً جميلة هادئة من ضواحي
القاهرة الشمالية، والسكن فيها يوفّر للطالب جواً يفضل بكثير مايوفّره له سوق
السلاح وسواه من أحياء مصر القديمة ذات العبق التاريخي والتي تشعر قاطنيها بأنهم
لايزالون يعيشون في القرون الوسطى. استجاب عليّ لذلك فاستأجر غرفةً
ملاصقة للغرفة التي كنت أعيش فيها مع شقيقي في الدور الثاني من أحد المنازل بحارة
حنفي. وكان أمام الغرفتين ساحةٌ واسعة يشكلها سقف الدور الأول مما يوفر لنا مكاناً
ملائماً للمذاكرة والمطالعة. أصبحت وعلياً جارين لايفترق أحدنا عن
الآخر إلاّ في ساعات النوم والقيلولة. كنا نقرأ معاً مختارات البارودي والمفضليّات
والنقائض والمعلقات وديوان الحماسة وغير ذلك من عيون قديم الشعر وحديثه. وعندما
كان يدنو موعد الامتحانات كنا نعطي أنفسنا إجازة من مطالعة الشعر، ونروضها بصعوبة
على مجانبته مؤقتاً، ونقبل بهمّة عالية على الاستعداد للامتحانات. وعندما كان
يراودنا شيء من التهاون الذي يعتري النفس البشرية كنا نسارع إلى تذكر مانحن فيه من
شظف العيش، وخشونة الحياة، وما نتطلع إليه من الرّغد والبلهنية والنعيم فيشدّ ذلك
من عزمنا، ويدفعنا إلى بذل المزيد من الجد والاجتهاد، ويحفزنا إلى الإقبال بنهم
على ينابيع العلم والمعرفة كي نحقق لأنفسنا حياةً أفضل. وقد فرضت علينا رقّة أحوالنا ألاّ
نسافر إلى بلادنا في العطل الصيفية الطويلة، كما يسافر غيرنا من الطلاب الميسورين،
وكان لنا في ذلك خيرٌ كثير. فقد هيأ لنا بقاؤنا في القاهرة فرصاً ذهبية أقبلنا
فيها على إشباع نهمنا للقراءة وشهود الأمسيات والندوات والمحاضرات، والتعرف إلى
عدد كبير من شعراء مصر وأدبائها، وممن كان ينزل في مصر من شعراء الوطن العربي
وأدبائه وسياسيّيه ممن كانت تغصُّ بهم الساحة المصرية آنذاك. وكان ممن تعرفنا إليهم من شعراء مصر
وأدبائها الأساتذة صلاح عبد الصبور، وكمال نشأت، وكامل أمين، ومحمد فوزي العنتيل،
وسعد دعبيس، ونجيب سرور، وكيلاني سند، وحسن الصيرفي، وحسن فتح الباب، وأبو السعود
الجهني، وعبد الله أبو عيد، وأحمد الشرباصي، وكامل السوافيري، ومصطفى السحرتي،
ومحمد ناجي وسواهم. وعرفنا من شعراء السودان محمد
الفيتوري، ومحيي الدين فارس، وتاج السر الحسن، وجيلى عبد الرحمن، وغيرهم. ومن لبنان عرفنا شاعره الكبير المرحوم
محمد علي الحوماني. ومن العربية السعودية عرفنا إبراهيم هاشم الفلالي، وعبد الله
عبد الجبار، ومحمد سعيد العامودي. وكانت القاهرة في ذلك الحين موئلاً
للأحرار الفارين من الاستعمار وعملائه الذين كانوا ولايزالون يضيقون بالرأي الآخر.
وقد عرفنا من هؤلاء الشيخ البشير الإبراهيمي، وعلال الفاسي، وعبد الله التل
وسواهم. في الخامس من أكتوبر عام 1953 عاد أخي
غالب إلى القدس بعد أن أنهى المرحلة الثانوية من تعليمه، وبقيت وحدي في القاهرة
أُعاني من الوحدة التي لم يخفف من وطأتها عليّ سوى وجود علي دمر بجواري. كنت أولّي وجهي شطر الكلية مع عليّ،
وأعود إلى البيت منها برفقته. وكانت الساعات التي نقضيها معاً حافلةً بالمناقشات
والمطارحات الشعرية، وإجازة الأبيات التي كنا نستوحيها من الأحداث الطارئة
والمواقف العابرة. وكانت روح الفكاهة تغلب على هذا النوع من الأبيات. وفي الرابع والعشرين من تموز -يوليو-
1955 ظهرت نتيجة امتحان الشهادة العالية لكلية اللغة العربية. وجاء عليّ ليزفّ
إليّ بشرى نجاحه ونجاحي في ذلك الامتحان في العاشرة من مساء ذلك اليوم، ولم ننم
ليلتها من الفرح. لقد كنا واثقين من النجاح، فقد بذلنا
من الجهد ما أهّلنا لأن نكون في الصدارة بين الناجحين الفائقين. فقد حصلت على
المرتبة الثانية بينما حصل عليٌّ على المرتبة الثالثة. وقد علّق عليٌّ على ذلك
بقوله: أرأيت يارجا حتى في النجاح أبينا إلا أن نكون متلازمين؟! وقد أجبته على ذلك بقولي: أرجو أن نظل
هكذا متلازمين يا أبا أنس مدى الحياة، وأن يجمعنا الله معاً بعد البعث في عليّين. لقد عجزت شاعرية كلٍّ منا عن وصف
سعادتنا بهذا النجاح الذي كان مؤذَناً ببدء مرحلة جديدة من مراحل حياتنا. شيء واحد
كان يعكّر صفو فرحتنا تلك.. ولم يكن ذلك الشيء سوى توجّسنا من الفراق الوشيك. كنا نعلم أن لحظة الفراق آتيةٌ
ولاريب، ولكنّا كنا نحاول أن نطرد عن مخيلتنا شبح تلك اللحظة آملين أن نجد من
الوسائل مايكفل لنا بقاءنا معاً في بلد واحد. وتقدمنا معاً إلى البعثة السعودية
التي وفدت إلى القاهرة للتعاقد مع من تحتاج إليه وزارة المعارف في المملكة من
المدرسين. وتعاقدت البعثة مع عليّ وأحجمت عن التعاقد معي لسبب بسيط جداً وهو أن
عليّاً كان يحمل في جعبته بطاقة توصية للشيخ ناصر المنقور -رئيس البعثة- من الملحق
الثقافي في السفارة السورية في القاهرة المرحوم الدكتور زكي المحاسني. أما أنا فلم
يكن لديّ مثل هذه التوصية. عدت إلى الأردن، وسافر عليّ وأسرته
إلى المملكة العربية السعودية لتبدأ غربته ومعاناته في تلك البلاد. وبعد سبع سنوات جاءت اللحظة التي قدّر
لي فيها أن أتعاقد للعمل في المملكة العربية السعودية، حيث عيّنت في إحدى مدارس
الرياض في الوقت الذي كان فيه عليّ في إحدى مدارس مدينة الهفوف. كانت الرسائل بيني وبين عليّ في
السنوات السبع التي افترق فيها كل منا عن الآخر متصلة لاتكاد تنقطع. وكنا نلتقي في
بعض العطل الصيفية في مدينة القاهرة لنتذكر معاً أيامنا الخوالي التي كنا نتمنى
رجوعها على الرغم مما ذُقنا فيها من ألوان الفاقة والحرمان. ولم يكد عليٌّ يسمع بوصولي إلى مدينة
الرياض حتى بادر بإرسال قصيدة يدعوني فيها لزيارته في مدينة الهفوف. وقد لبيت
الدعوة في عطلة عيد الفطر وأمضيت في ضيافته أسبوعاً كاملاً لا أحلى منه ولا أجمل. وقد جاء في قصيدة عليّ التي دعاني
فيها لزيارته قوله:
وكنت قد أجبته على دعوته بهذه
الأبيات:
لم ألبث طويلاً في السعودية، حيث صدر
أمر من سلطات الأمن فيها يقضي بترحيلي عن تلك البلاد خلال ثلاثة أيام دون أن
يشيروا إلى الأسباب التي دفعتهم إلى إصدار ذلك القرار الجائر. اهتبلت الفرصة فقررت التفرغ للحصول
على درجة الماجستير. وقد حصلت عليها فعلاً عام 1967. وبعد حصولي على تلك الدرجة
تعاقدت للعمل في دولة الكويت، واستمرت المراسلات بيني وبين عليّ. وكان رحمه الله قد أعرب في رسائله عن
تلهّفه للعمل في الكويت، وقد حاولت بدوري أن أحقق له رغبته تلك، ولكن جميع
محاولاتي قد ذهبت أدراج الرياح، فقد كان بين حكومتي السعودية والكويت اتفاق غير
مكتوب يقضي بعدم استقطاب أيٍّ منهما لأحد من العاملين في التدريس في البلد الآخر. في نيسان -إبريل- من عام 1985 أصدرتُ
ديواني الثاني. وكنت حريصاً على أن يكون علي دمر أول من يقرؤه من الأصدقاء. وكانت
رسائل عليّ في السنوات الأخيرة قد بدأت تقل إلى درجة جعلتني غير متأكد من معرفة
عنوانه. ولجأت إلى صديقنا المشترك الأستاذ الشاعر منذر الشعار لأستعين به في معرفة
عنوان عليّ فوجدته غير واثقٍ مثلي من ذلك. ولم أجد مندوحةً من إرسال رسالة إلى
عليّ على آخر عنوان أعرفه له، وهو عنوانه في بلدة الطرف في الهفوف. ولكن الرسالة
لم تعتم أن عادت إليّ وهي تحمل على ظهرها تلك العبارة المشؤومة "المذكور غير
موجود في المدرسة". انقبضت نفسي، وداخلني الروع والفزع،
وقلت في نفسي: "خيرٌ إن شاء الله... ماذا جرى لعليّ؟ أين أنت الآن يا أبا
أنس؟!" وانطلقت أضرب أخماساً في أسداس حتى كان ذات يوم أعقب عودة رسالتي إلى
عليّ بقليل. اتصل بي في ذلك اليوم الصديق منذر الشعار لينقل إليّ خبر انتقال عليّ
إلى جوار ربه إثر نوبة قلبيّة داهمته في مساء يوم الاثنين الثالث عشر من جمادى
الآخرة سنة 1405 هـ الموافق للرابع من آذار عام 1985م. وقد تمّ تشييع جثمانه الطاهر في اليوم
نفسه، حيث ووري التراب في بلدة الطرف من أعمال الهفوف الواقعة في المنطقة الشرقية
من المملكة العربية السعودية. وقع الخبر عليَّ وقوع الصاعقة، ولم أجد أمامي سوى أن
أقول: لاحول ولا قوّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. إذن فقد توقف قلب الشاعر، ومات الصديق
الصدوق والشاعر المبدع، والإنسان المرهف الإحساس، المفعم بالحب والحنان. مات عليّ
دون أن يحقق شيئاً من أحلامه الكبيرة، ودون أن يشهد أمته التي طالما نافح عنها وعن
أمجادها منتصفةً من أعدائها الذين تكأكؤوا عليها كما تتكأكأ الأكلة على قصعتها. مات الشاعر المرهف في ديار الغربة،
ولم يترك وراءه سوى اثني عشر من البنين والبنات، ومثل هذا العدد أو مايقاربه من
الدواوين والمؤلفات. مات علي دمر دون أن يحقق آماله التي لم تكن شخصيّة ذاتية،
بقدر ماكانت إنسانيةً عامةً. ولعل خير مايشير إلى هذه الآمال ماصدَّر به بعض
دواوينه من إهداءات، فهو في باكورة إنتاجه "رعشات" يهدي رعشاته إلى
الطموح المجنّح، وفي "حنين الليالي" يهدي ديوانه إلى حنين الليالي للفجر
السعيد، وإلى الأرواح الظامئة للجمال، الهائمة في ليالي الشوق والحرمان وللعوالم
المضيئة بالسعادة والأمل، وإلى الشعوب الكادحة في هجير العبودية والتعاسة وسعير
الأحقاد والحروب، وإلى الحياة في ظلال الحرية والإخاء ونعيم العدالة والسلام. هذا هو علي دمر الإنسان الشاعر الذي
لم تشغله همومه الخاصة، وطموحاته الذاتية، عن هموم الإنسانية وطموحاتها، فراح
يتغنى بها ويغني لها منذ أن أبدعت قريحته الفذّة أول قصيدة وإلى أن لقي وجه ربه
وهو يشمخ بقامته بين الكبار من الشعراء الذين عاصروه. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||