|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:08 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الشـــــعر
فـي شـــعر علـي
دُمّــــر
الشعر -كفن- يشكّل في حد ذاته موضوعاً
استأثر باهتمام شاعرنا علي دمر. ومن أجل ذلك نجد أنه عندما طلع على الناس بديوانه
الأول "رعشات" قد قدّم نفسه إليهم على أنه ليس أكثر من فرخ هزار يتغنى
على فنن في روضة من رياض حماة. وعلى الرغم من أن ألحان هذا الهزار مازالت في
بداياتها وأنها لم تبلغ بعد مابلغته ألحان الهزار الكبير المتـمّرس، فإن النسيم الهيمان
في الروض قد ردد شدوه، والعصافير المزقزقة قد توقفت عن زقزقتها لتصغي بكل وقار إلى
غنائه، وأنّ مياه النهر قد تمنت أن تتجمّد حتى ترتوي من ألحانه.[1])
فالشاعر كما يتراءى لنا من هذه
الأبيات مدلٌّ بشاعريته وبما يصدر عنها من ألحان تبشر الناس بمولد شاعر لن يلبث أن
يملأ الآفاق بشعره العذب، وألحانه التي تأسر القلوب. لقد أدرك عليّ منذ نعومة أظفاره أن
الموهبة الشعرية نعمةٌ لايمنحها الله إلا إلى فئة قليلة مختارة من خلقه تجعلهم في
مقدمة الصفوة التي يتكفل التاريخ بحفظ أخبارها وذكرها بين الناس على مر العصور. وهو محق في أن يدلّ بموهبته، وأن
يباهي بهذه المنحة الإلهية التي ينبغي أن يوظفها في سبيل الحب والخير والجمال وغير
ذلك من القيم والمبادئ التي درجت الإنسانية على تقديسها وتبجيل من ينافح عنها
ويدعو إليها. وقد نذر عليٌّ نفسه وشعره منذ البداية للدفاع عن المعذبين والمحرومين
ومحاربة المفسدين في الأرض الذين أباحوا لأنفسهم استعباد العباد واستباحة البلاد. وفي قصيدته "شاعر" يرسم لنا
علي صورة رومانسية لشاعر مُعَذَّبٍ ساح مغترباً تائهاً في الأرض يحمل شحوب لونه
وبؤسه محتسياً مرارة كأس شقائه لأنه لم يجد عند مجيئه إلى هذه الدنيا غير اليتم
والعذاب والظلام، مما جعله يتمنى أن يعود لعالم الفناء الذي وفد منه بعد أن سُدّت
جميع الأبواب في وجهه باستثناء باب الأحزان الذي وقف أمامه دون أن يغلق مصراعيه في
وجهه. وقد طلب هذا الشاعر الموت، غير أن الموت سخر منه وأدبر عنه دون أن يحقق له
رغبته"[2]).
غير أن هذا الشاعر المعذب اليتيم الذي
لايزال في عمر الزهرة يحمل بين جنبيه نفساً طموحاً، تهزأ بالبؤس والعذاب، وتقابل
الشدائد بابتسامة ساخرة، يحبس صاحبها دموعه التي لاتسمح لها رجولته المبكرة بأن
تتحدر من عينيه. وهو يصرُّ على مجابهة المصائب والإبقاء على شمعة أمانيه متقدة في
لياليه المضمّخة بالضباب، وهو يسير قدماً للخلود على الرغم من عوادي الزمن وحساد
فنه وأعداء فكره ومبادئه.[3])
ويستمر علي في رسم صورة هذا الشاعر
الذي صدّ عنه الأحبّة بالرغم من إخلاصه لهم، وتضحياته من أجلهم.[4])
ويختم الشاعر قصيدته هذه بقوله لنا: إن
هذا الشاعر لم يجد بداً في النهاية من اعتزال الناس بعد أن ساء ظنه بهم وبكل مافي
الكون، فانزوى بعيداً عن البشر الذين شملهم بسخطه واستعاض عن معاشرتهم بمسامرة
الأفلاك والنجوم.
وفي ديوان "حنين الليالي"
يتساءل عليّ عن قيمة الحياة إذا هي خَلَتْ من الشعر... إنها في نظره حياة بليدة
مثقلة بالأعباء، يسودها التشاؤم القاتل، وتثقلها الهموم السوداء.[5])
وهو يرسم لنا صورة جميلة للشاعر من
خلال تصويره للرسالة التي ينهض بأعبائها، فهو لحن الظلماء الطائف مع الفجر، وخفق
الأكباد من لفحة الهجر، وعطر الخميلة الغنّاء، وعصف اللهيب في المعارك، وحلم
الجياع، وطيف الإنصاف الذي يراود مخيلات المحرومين والمستعبدين.[6])
ويشهد الشاعر في عام 1953 أمسية شعرية
في كلية دار العلوم يستمع فيها إلى مالايتفق مع ما آمن به من قيمٍ شعرية ومبادئ
أدبية تتلخص في احترام تقاليد الشعر العربي الأصيل وتقديسها فيطلع علينا بقصيدة
"نكبة الشعر" يصور فيها ما آل إليه أمر الشعر من هوان على أيدي فئة من
غربان الشعر الذين شوهوا وجهه الجميل بدعوى الحداثة والتجديد، فراحوا يلوكون ثيّب
المعاني ويحشون قصائدهم بالأقوال السخيفة والمعمّى من الرموز، مدّعين أنه شعرٌ
هامس، أو أنه بصوره الجديدة يدقُّ عن أفهام المتمسكين بعمود الشعر الذين يرفضون
الإلغاز والإبهام. وهكذا تحوّل ميدان الشعر إلى روض مستباح تصول فيه غربانٌ تدّعي
أنها عنادل مغردة بألحان جديدة تشنّف الآذان.[7])
وفي هذه القصيدة يشير الشاعر إلى آفة
من الآفات التي أصابت الساحة الأدبية في منتصف القرن العشرين، ومازالت تنخر فيها
حتى الآن، وهي آفة "الشِّلَلِيّةٍ" التي مكّنت الأدعياء من السيطرة على
الصحف وغيرها من وسائل الأعلام، ووضعت العراقيل في سبيل الأصلاء من المبدعين:
ثم ينتقل بعد ذلك إلى وصف مايصوغه
هؤلاء الأدعياء من شعر يسبغون عليه صفة الحداثة التي تتلاءم وروح العصر بأسلوب
ينضح بالسخرية والاستهزاء.
أما جناية هؤلاء الأدعياء على الشعر
الذي لطّخوا وجهه الجميل وأخفوا أريجه الفواح، ودنسوا طهره المقدس، فقد وصفها
عليٌّ على النحو التالي:
وقد صوّر الشاعر هؤلاء الأدعياء أقبح
تصوير، فالدعيُّ منهم يزاحم الكفء في خطب ود الحسناء الطاهرة، وهو عاتٍ يمد يده
الظالمة ليحصد الأزهار في قسوة وعنف وهي نديّةٌ متفتحة بدلاً من أن يتركها في
مكانها الطبيعي ترسل إريجها الفواح الذي لاينبغي أن يحتكره أحد. وهو كالقبيحة التي تسرق حليّ الغيد
الحسان لتستر به قبحها المكدر للأفراح محاولة منافسة الملاح. ثم يختتم قصيدته بتوجيه نصحه إلى
هؤلاء الأدعياء ليريحوا ويستريحوا.
وإن أنس فلن أنسى كيف قام علي دمر
-رحمه الله- بطباعة هذه القصيدة وراح بمعونة أصدقائه والمعجبين به يوزع مئات النسخ
منها على طلاب كلية اللغة وطلاب كلية دار العلوم وأعضاء هيئتي التدريس في هاتين
الكليتين حتى يشفى غليله من أولئك الأدعياء الذين أثاروا غضبه وأهاجوا شاعريته
بشعرهم الهجين المغموز النّسب والهويّة. وقد تطرق الشاعر في قصيدته "بين
الشهرة والخلود" إلى قضيّةٍ هامة، هي قضية عدم اعتراف الأمة بنوابغها
الحقيقيين من الشعراء وتقصيرها في تسليط الأضواء عليهم، لينعموا بما هو حق لهم من
الشهرة وذيوع الصيت قبل أن يغادروا هذه الحياة، في الوقت الذي ترفع فيه الأدعياء الذين
يجيدون فنون التزلُف والتسلق، وخفض الرؤوس، وإحناء الهامات وبيع الكرامة ومسح
الأحذية في سبيل شهرة عابرة لن تلبث أن تزول، لأن الأمم مفطورة على التمييز بين
الخبيث والطيب، وبين الشعراء الأصلاء والمتشاعرين. وهو مؤمن في قرارة نفسه بأنه وإن يكن
قد حُرِمَ ما يستحقه من شهرة في حياته في هذا الزمن العربي الردي، انطلاقاً من أنه
لاكرامة لنبيٍ في قومه، فهو لامحالة ظافرٌ بها في المستقبل عندما يتصدّى الدارسون
من الأجيال القادمة للبحث عن كنوز شاعريته، فيكتسبون هم أيضاً شهرة لاتقل عن شهرة
صاحب هذه الكنوز ومن شابهه من الأبطال والعظماء.[8])
ولعلي دمر من النقّاد موقف خاص
لايسرهم، ولا يدخل السعادة إلى نفوسهم، فهو سيّء الظن بهم وبمراميهم وأهدافهم، وهم
في نظره ليسوا إلا عصبةً احترفت الإثارة والضجيج، وسخّرت أقلامها للإشادة بكل
دعيٍّ من أدعياء الفن الذين يعيشون كالطفيليات على سرقة معانيهم وأفكارهم من
الشعراء العظماء والأخذ عنهم. والنقاد في نظره صنفان: الأول مغرضٌ
يسعى إلى تحقيق هدفٍ محدد، والثاني جاهلٌ متحذلق يسقم الأذواق، ويزكم الأنوف بما
يفوح من نقده من النتن والعفونة. وهم ليسوا إلا مجموعات من الأنذال تهيم على وجوهها في دروب النقد والأدب
وليس لها من همٍ إلا الترويج لشهادات الزور التي ينشرونها في الصحف الصفراء التي
احترفت التنويه بالطبالين والدجالين الأدعياء. وهو ينصح القراء بعدم التأثر بآراء
الناقدين سواءٌ كانوا مادحين أو قادحين ويدعوهم إلى تذوق نكهة الفن الحقيقية
بالإقبال على قراءته من مصادره قبل أن يتأثروا بآراء هؤلاء النقاد[9]).
ويطّلع الشاعر على بعض القصائد
الأمريكية المترجمة والمنشورة في كتابٍ سماه ناشره ظلماً "ديوان الشعر
الأمريكي" فيقول ساخراً من هذا الشعر، ومايتضمنه من هذيان وترّهات، مستنكراً
أن يكون للأمريكيين شعرٌ يعجب ويطرب، لأنهم في نظره ليسوا إلا رعاة بقرٍ أجلاف، قد
احترفوا الإغارة والقتل، وإثارة الفتن والحروب، وصناعة أسلحة الدمار والتخريب،
والتآمر على حريات الشعوب، وأن نفوسهم الفظّة غير مؤهلة لصناعة الأحلام الإنسانية
التي يصورها الشعراء[10]).
ونحن -وإن كنا نشاطر الشاعر كرهه
لأمريكا وسياستها- إلاّ أننا لانوافقه على موقفه هذا من الشعر الأمريكي لثلاثة
أسباب: أولها: أن ماقرأه
من بعض القصائد الأمريكية المترجمة لايمكن أن تكون كافية للحكم على الشعر الأمريكي
كله. وثانيها: أن
الترجمة للشعر خاصة تذهب برونقه، وتفقده كثيراً من خصائصه الجمالية التي لاشك أنها
متوافرة فيما لو قُرئ باللغة الأصلية التي وضع بها. وثالثها: أن كون
الأمريكيين رُعاة بقر، وصناع أسلحة، ومحترفي عدوان، لايمنع أن يكون فيهم شعراء
عظام، يأتون بالمطرب المعجب من الشعر الرفيع. فقد كان العرب رعاة إبل وشاء، وكانت
الحروب بين قبائلهم لا تنطفئ إلا لتشتعل من جديد، وعلى الرغم من ذلك فقد كانوا من
أشعر الأمم وأكثرها احتفالاً بالشعر والشعراء. ولعل الرسائل المحرجة الثلاث التي بعث
بها علي دمر إلى الشاعر الكبير نزار قباني تدخل في هذا الباب الذي يصور فيه عليّ
حبه للشعر، وحرصه على خلو شكله ومضمونه من كل ماقد يشوّه جماله، حتى لوكان ذلك
التشويه ناجماً عما قد يكون في شعر أي شاعر من تناقض فكريّ، ربما يكون ناشئاً عن
اختلافٍ في المواقف، أو تغير في الظروف، أو تطور في المفهوم، وهي الأمور التي
نستطيع أن نزعم أنها كانت وراء ماقد يلحظه القارئ من وجود مثل هذا التناقض في شعر
نزار قباني الذي قاله في الزعيم الراحل المرحوم جمال عبد الناصر في حياته، والذي
صاغه في عدد من مرثياته له بعد وفاته. وعلي دمر لاينكر المكانة الكبيرة التي
يحتلها نزار قباني بين شعراء العصر. وأنه في طليعة الذين أضافوا إلى الشعر العربي
كثيراً من أسباب القوة التي حفظت له منزلته في نفوس أبناء الضاد التي عزفت عن
الشعر بعد أن أسقمت أذواقها تلك التجارب التافهة التي يطلع عليهم بها المتشاعرون
من دعاة التجديد بين حينٍ وآخر. وهو يعترف بأن نزاراً شاعر راسخ
القدم، وأنه أقام ألف دليل ودليل على روعة لغتنا وطواعيتها واستجابتها لدواعي
التطور والتحديث والمعاصرة ولكن عليّاً -على الرغم من ذلك -ينعي على نزار قباني
ماأطلق عليه "بعض شطحاته ومبالغاته وانحرافاته في بعض الأفكار الاجتماعية
العربية"[11]). وبالرغم مما أعرفه عن علي دمر من كرهٍ
شديد لشعر التفعيلة ونفوره منه، إلا أنه قد لجأ إلى استخدام هذا اللون من ألوان
الشعر في رسالتين من رسائله الثلاث التي وجهها إلى نزار قباني. وقد بدأ رسالته الأولى بتصوير إعجابه
الشديد بنزار وشاعريته حيث قال:[12]) إلى أخي نزار تحية الإعجاب
والوقار لشاعر الجمال والحب والقتال مفجِّراً من كل
حرف طاقة انفعال في الروح
والخيال. وبعد أن طلب إليه أن يتحلى بالصبر
ساعة تسلمه رسائله حتى يتمكن من قراءتها ينتقل إلى تصوير إعجابه بشعره: ياصاحبي قرأت كل شعرك
الجميل فكان إعجابي بلا
مثيل بأنضر العباره وأرشق الإشاره بالفن، بالغزاره يا صاحب المدرسة
الجديدة ثم لايلبث بعد هذا أن ينتقل إلى توضيح
مايأخذه على شعر نزار من بعض الشوائب التي تتمثل أكثر ما تتمثل فيما يحتوي من
تناقض في الفكر والشعور. لكنني ياصاحبي فكرت في أمور في شعركم تدور تناقض خطير في الفكر، في
الشعور ويبدأ علي في ضرب الأمثلة لهذا
التناقض الذي لايرضى عنه، ولا يستسيغ وجوده في شعر نزار مبيناً موقف القباني من
المرحوم جمال عبد الناصر وهو على قيد الحياة عند حدوث النكسة عام 1967م.[13]) فمثلاً موقفكم من شخص عبد
الناصر تقول في -هوامش
النكسة- "ياسلطان ياسيدي السلطان لقد خسرت الحرب
مرتين لأن نصف شعبنا
ليس له لسان ماقيمة الشعب
الذي ليس له لسان" وبعد أن يثني عليّ على هذا الموقف من
مواقف نزار من مسألة حرمان الشعب من حرية التعبير يقول: ياشاعر الإنسان هذا كلام رائع
البيان لكن هنا سؤال من ذلك السلطان؟ من قادنا للحرب
مرتين؟ من خسر الحروب
مرتين؟ من جعل الشعب بلا
لسان؟ محاصراً كالنمل
كالجرذان .......... من صانع
المجازر؟! أليس عبد
الناصر؟! ويمضي الشاعر في ضرب الأمثلة على ذلك
التناقض الفكري الذي يملأ شعر نزار قباني السياسي، فمن هجوم نزار على الفكر الذي
قاد العرب إلى الهزائم، إلى حملته على الخطب العنترية التي لاتصلح حتى لقتل
الذباب، إلى تزييف الحقائق المتمثل في إطلاق مصطلحات غير دقيقة على مايحدث للعرب
من هزائم، إلى فضح الخداع الذي يمارسه الحاكم العربي البهلوان الذي دأب على احتراف
البلف والتهويش. والملاحظ أن كل مرة كان يلحظ فيها علي
دمر شيئاً من التناقض الفكري والشعوري في شعر نزار نراه يلجأ إلى تصويره ثم يتبع
ذلك بسؤال يخرج به مع معناه الأصلي إلى معنى التقرير. كقوله: مَنْ صاحب الفكر
الذي قاد إلى الهزيمة؟! مَنْ الذي كان
كلامه المثقوب كالأحذية القديمة؟! من مبدعُ
التهاتر؟! أليس عبد
الناصر؟! وكقوله: مَنْ الذي حارب
بالخطابة؟ بمنطق الطبلة
والربابة؟ ......... فمن تراه صاحب
الخطاب؟ من الذي سمَّيْته
هزءاً أمير المؤمنين؟ ......... من الذي تاجر
بالمشاعر؟ أليس عبد الناصر؟! هذا الهجوم الشعري العنيف من نزار على
عبد الناصر في حياته تحوَّل -في رأي علي دمر- إلى حب عارم عنيف بعد وفاته،
المأساوية المفاجئة. لقد أصبح جمال في رأي نزار والد الأمة العربية، ومعلمها
الكبير، ونبيها الشهيد الذي لاتستحق أن يُبْعَثَ فيها مثله، فهو كثير على الأمة
العربية التي أدمنت قتل الصحابة والأولياء. وحين يبدأ فصل جديد من فصول المأساة
التي تعيشها الأمة العربية ينبري عليّ إلى توجيه تهمة أخرى إلى نزار تتلخص في أنه
يمثل دوراً جديداً فوق خشبة المسرح الذي تعرض عليه فصول هذه المأساة.[14]) وبعد هذا كله
انسدل الستارْ ورفع الستار وجُدِّدَ المكياج ولبس الشاعر
وجهاً آخراً في حَلْبة
التمثيل واستُبدِلَت
مناظر المسرحِ من جديدْ فقلت: ياوالدنا جمال عبد الناصر عندي خطاب عاجل
إليك من الملايين التي
قد أدمنت هواك ........ يا أيها المعلم
الكبير كم حزننا كبير وعندما يسألنا
أولادنا من أنتم في أي
عصر عشتمْ في عصر أيّ ملهم في عصر أيّ ساحر نجيبهم في عصر
عبد الناصر. ........ قتلناك يا آخر
الأنبياء قتلناك، ليس
جديداً علينا اغتيال الصحابة
والأولياء وأيامنا كلها
كربلاء لماذا قبلت
المجيء إلينا فمثلك كان كثيراً
علينا فليتك في أرضنا
ماظهرت وليتك كنت نبَّى
سوانا ثم يوجه علي دمّر عتبه الشديد إلى
نزار عبر هذه الأمثلة المفعمة بالاستنكار والتعجب. ما ذلك التناقض
العجيب يانزار من الذي قد كان
بهلوان؟ من يلبس الطرطور؟ ويخدع الجمهور؟ هل كان حاوي
الشعر أم مدجّل الخطاب وفي ختام هذه الرسالة يقذف الشاعر في
وجه نزار بتهمة متاجرته بالشعر قائلاً: لكنه لابأس
يانزار فالتاجر الخبير
يكتشف يعرف كيف تُؤكلُ
الكتف وهذه تجارة
الأشعار والآراء كأنها تجارة
البناء تبيع للراغب
مايشاء ***** وفي الرسالة الثانية ينعي عليّ على
نزار تهجمه على تراث العرب وتاريخهم وحضارتهم، ورفضه لكل ذلك ونصيحته لأمته بالأخذ
عن بلاد الثلج والضباب إن هم أرادوا أن يصلحوا من شأنهم ليصبحوا كما قال عنهم
القرآن الكريم "خير أمة قد أُخرجت للناس"[15]) فمرةً تَسُبُّ
تاريخ العَرَبْ تسخر من كل
حضارات العربْ تقول من: "خمسة آلاف من
السنين ذقوننا طويلهْ نقودنا مجهولهْ عيوننا موانئ
الذبابْ يا أصدقائي
جرّبوا أن تكسروا الأبواب ياأصدقائي جرّبوا
أن تقرؤوا كتاب أن تكتبوا كتاب أن تبحروا إلى
بلاد الثلج والضبابْ" ........ وقلتَ في قصيدة
رافضةٍ "أرفضكم
جميعاً وأختم الحوار لم يبق عندي لغةٌ أضرمت في معاجمي وفي ثيابي النار ....... أرفض ميراث أبي وأرفض الثوب الذي
ألبسني وأرفض العلم الذي
علّمني وكلَّ ما أورثني أرفضُ سيف الدولة
المغرور ........... وأقتل المعلقات
العشر والألفيّهْ وأهدم الشرق على
أصحابهِ تكيَّةً تكيَّهْ وعلى الرغم من هذا الرفض الصارخ من
نزار لتاريخ العرب وتراثهم وحضارتهم فإنه -كما يرى عليّ- يقع في تناقض فكري فاضحٍ
آخر عندما نراه في قصائد أخرى يستلهم آثار معاوية، وأمجاد بني أمية وبني حمدان
والمتنبي وصلاح الدين الأيوبيّ وحطين وحضارة العرب في الأندلس، وطارق بين زياد
وقرطبة وغرناطة.[16]) وبعد هذا الرفض
يانزار تستلهم الآثار تشحذُ من معاويةْ مجداً ونصراً من
بني أميَّهْ ومن بني حمدان،
من خيولهم ومن سيوف خالد
تشحذ نصل السيف فكل أسياف العرب في عصرنا من
الخشب تقول في دمشق:
ومن ذُرا حِطّين تدعو صلاح الدين غنَّيْتَ في
قرطبةٍ حضارةَ العرب بكيتَ في الأندلس ورحتَ ترثي ذلك
المجدَ الذي لم يَدْرُسِ ثم يتساءل عليّ
بعد أن يجبه نزاراً بكل ذلك: فأين ذلك الرفضُ
يانزار لكل ميراث العرب وأين ذاك
السَّبُّ يانزار للشرق، للعربْ ......... هل نحن كنا يا
أخي لانعرف الكتاب؟! لم نكتب الكتاب؟! هل نحن يا.... نوع من الذباب؟! **** وفي الرسالة الثالثة لم يأتِ عليٌّ
بجديد، فقد أعاد صياغة ماسبق أنه وجّه إلى نزار من تهم في رسالتيه السابقتين
عائداً في هذه الرسالة إلى رحاب الشعر الأصيل الذي يعتمد فيه الشاعر على وحدة
البيت والقافية. وقد زعم عليَّ في رسالته هذه أنه كان
في استطاعته أن يفعل مثلما فعل نزار، وأن يصل إلى ماوصل إليه نزار من ثراء لو أنه
تاجر بشعر الإثارة الجنسية، غير أن حرصه على أن يظل رائداً من رواد الفكر المخلصين
لعروبتهم وأمجادهم وتراثهم حال بينه وبين ذلك.[17])
ونحن نقول لعلي: إنه ماكان بإمكانه أن
يفعل ذلك، لأنه لم يخلق لمثله، وإن نزار قباني ليس من الذين يتاجرون بشعرهم، أو من
الذين يسخرونه في خدمة الطغاة والمستبدين. وإننا لانعرف شاعراً نال من الذين
تسببوا في هزيمة هذه الأمة كنزار وأن ماظنه صديقي علي -غفر الله له- من تهجم نزار
على العرب وتاريخهم وحضارتهم، ليس إلا من قبيل جلد الذات أو النقد الذاتي الذي
يلجأ إليه الشاعر عندما يفيض به الحزن، ويجرفه تيار اليأس ويغرقه في لجة انعدام
الوزن الذي قد يفقد معه منطقيته واتزانه. وأن ماحسبه عليّ تناقضاً فكرياً ليس إلا
لوناً من ألوان الشعر الذي ينمُّ عن مواقف مختلفة للشاعر. وقد قدّر لنا أن نعاصر الفترة التي
أعقبت النكسة، وحملت نزار قباني على كتابة قصيدته "هوامش على دفتر
النكسة" وهي القصيدة التي جعلت منه هدفاً لعدد من الكتاب المأجورين من أمثال
أنيس منصور وصالح جودت الذين سددوا إليه سهامهم المسمومة ونجحوا في منعه ومنع
قصيدته من دخول مصر، وقد استمر ذلك إلى أن بعث نزار قباني برسالته إلى الرئيس جمال
عبد الناصر ومعها قصيدته المذكورة فما كان من ذلك الرئيس الملهم -رحمه الله- إلا
أن أصدر أوامره برفع الحصار عن نزار وشعره والسماح له بدخول مصر معززاً مكرّماً،
كما أمر الإذاعة والتلفاز بالعودة إلى التعامل مع نزار وإذاعة أغانيه. لقد اتسع
صدر عبد الناصر لنقد نزار، ولم تأخذه العزة بالإثم، ولم يضق ذرعاً بالرأي الآخر
كما يفعل غيره من الحكام والمتنفذين. أما رثاء نزار لعبد الناصر، وتفجعه
عليه وتصوير حب الملايين له بعد أن صدمها فقده في وقت كانت تتوقع فيه أن يبقى حتى
يثأر لنفسه ولأمته من أعدائها الخبثاء، كما كانت توحي بذلك إرهاصات حرب الاستنزاف
فإن ذلك إن دلَّ على شيء فإنما يدل على الحزن المبرّح الذي أحس به نزار، كما أحس
به كل عربي أُشرِبَ حُبّ عبد الناصر. من أجل ذلك تمنيت لو أن تراث صديقي
عليّ الشعريّ قد خلا من هذه القصائد الثلاث التي لم تضف إلى رصيده الفنيّ شيئاً
يستحق الذكر. فهي عند مَنْ يتأملها من أقل قصائده شأناً ومكانةً. لقد صنعت تلك القصائد بأسلوب هو أقرب
مايكون إلى التقريرية والمباشرة، كما أرغمت صاحبها على استخدام شعر التفعيلة في
كتابتها وهو الذي ظل طوال أيام حياته يحاربُه ويحارب المتحمسين له من الشعراء
والنقاد. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||