|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:09 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الأســـــرة
فــي شـــعر علــي دُمّـَـر
كان ضيق الاتجاه الأسري، وندرة قصائده
في الشعر العربي القديم من العيوب التي وُصِمَ بها هذا الشعر. ولكن الشعراء العرب بعد عصر النهضة
-وبخاصة شعراء المهجر- قد تداركوا ذلك فأقبلوا على محيط الأسرة يستوحون منه أعذب
القصائد التي صوروا فيها عواطفهم تجاه أبناء أسرهم. ولم يلبث شعراء الوطن العربي أن
تابعوا إخوانهم شعراء المهجر في العناية بهذا الغرض من أغراض الشعر المستحدثة
والاحتفال به. وقد حظيت الأمهات بالنصيب الأوفى من حب الشعراء، ثم تلاهن في ذلك
الأبناء والبنات والأزواج والزوجات والأحفاد والحفيدات. وكان الآباء والأجداد
والجدات أقل أفراد الأسرة ذكراً في قصائد الاتجاه الأسري. أقبل الشعراء على صياغة القصائد التي
أودعوها حبهم لهؤلاء جميعاً وصوروا برّهم وعطفهم عليهم، وتعلقهم بأشخاصهم، وحرصهم
على ما ينفعهم، وإشفاقهم مما يتهددهم من مكاره، وما يحيق بهم من أخطار. وقد صوروا
بالإضافة إلى هذه المشاعر أشواقهم وحنينهم إليهم عندما تطوح بهم النوى خارج الوطن
الذي درجوا فيه وقضوا فيه أجمل سنوات العمر. وكان على دُمّر -رحمه الله- واحداً من
هؤلاء الشعراء الذين صوروا شدة تعلقهم بأسرهم. وقد ذكر لي في إحدى رسائله أنه قد
استوحى من محيط أسرته ست قصائد ولكن لم يتوافر لديّ من هذه القصائد الست سوى ثلاث
أحسب أنها كافية لتصوير ما يعمر قلب علي من حب لزوجته وأبنائه. هذا فضلاً عن كثير
من الأبيات التي لا يفتأ يصور فيها عواطفه نحوهم في كثير من قصائده التي تناولت
شتّى الموضوعات والأغراض. ولعل أول قصيدة تطالعنا في هذا المجال
هي قصيدة "زوجتي" التي بعث بها إلى أم أنس في 20/12/1951 بعد وصوله إلى
القاهرة من أجل الالتحاق بكلية اللغة العربية. يقول عليّ في مطلع قصيدته مصوراً
حالته النفسية في غربته، شاكياً طول المسافة التي تفصل بينه وبين أسرته(1) :
وهو يخشى عليها من الذكرى، ولهذا فهو
يوصيها ألا تستسلم للحزن عندما تتذكره:
وضفاف النيل بما حباها الله من جمال،
وما يميس فيها من الغواني والحسان لا يمكن أن تخمد شوقه إلى العاصي وزوجته التي
تعيش على ضفافه:
وهو يترحم على تلك الليالي الجميلة
التي قضاها مع زوجته في انسجام روحيّ وإحساس صادق بالسعادة والحب
ثم يستحلفها لتخبره عن حال وليدهما
الثاني أنس الذي لم يكن قد مضى على ولادته أكثر من سبعين يوماً بقوله:
ولكي يدفع الشاعر ما قد يتبادر إلى
ذهن شريكة حياته من أفكار غير صائبة عن سبب رحيله فإنه يُبِّررُ ذلك لها بقوله
الذي يستخدم فيه أسلوب الالتفات مخاطباً صغيره بقوله:
ثم يختم قصيدته بهذا البيت المؤثر
الذي يحمل شحنةً عاطفية تكفي لأن تجعل منه وحدهُ قصيدة خالدة:
حقاً إنه الإيجاز الذي يدخل في باب
جوامع الكلم، حيث يُلَخِّصُ الشاعر فيه أعظم حلم يداعب مخيّلةَ المغترب، وهو
اللقاء بأحبابه، وفي الوقت نفسه فإنه يعزي ذويه ويطالبهم بالتصبر وليس الصبر إن لم
تكن الأقدار قد كتبت له العودة إليهم بعد أن يكون قد حقق أحلامه التي تغرّب في
سبيلها. **** أما رائعة الشاعر "ولدي
أنس" والتي تُعَدُّ وبحق عروس ديوانه "حنين الليالي" فَحدِّثْ ولا
حرج عما اشتملت عليه من عواطف جيّاشةٍ صادقة، وَصُورٍ حيَّةٍ متناسقه، وأسلوب سهل
مُمْتَنع، وخيالٍ مُجَنَّحٍ مُحَلِّق يأخذ بالألباب ومجامع القلوب. نظم الشاعر هذه القصيدة بمناسبة العيد
الأول لميلاد ولده أنس، فجاءت على خير ما تجيء عليه القصائد. فقد توافرت فيها
الوحدة العضوية التي تعانقت فيها وحدة الموضوع مع وحدة المشاعر التي يثيرها
ويستدعيها، وما يستتبع ذلك من ترتيب للصور والأفكار يجعل القصيدة تتقدم وتتنامى
شيئاً فشيئاً حتى تنتهي إلى الخاتمة التي يتطلبها ترتيب الأفكار والصور. ومن هنا نجد أن أجزاء هذه القصيدة قد
شكلت بنيةً حيَّةً لكل جزء فيها وظيفته، إذ يقود كل جزء منها إلى ما بعده عن طريق
التسلسل المنطقي في التفكير والمشاعر. وهكذا تقف هذه القصيدة أمامنا شامخةً تامة
الخلق والتكوين مباهية ببنيتها الحسية المتألقة. بدأ عليّ قصيدته بوصف تلك المشاعر
المتضاربة التي يمتزج فيها الفرح والخوف اللذين أثارهما في نفسه قدوم ولده أنس
بالحزن الذي خلَّفَهُ رحيل شقيقه كهلان الذي فجعته به الأقدار وهو في شهوره الأولى
من رحلة الحياة.(1) .
هذا الصراع بين المشاعر المتناقضة،
والأحاسيس المتباينة، يقود الشاعر إلى التأمل في هذه الحياة وما يصيب فيها الإنسان
من طوارق الحدثان التي تنتهي بالموت وتجعل الشاعر يُحسُّ بالندم لجنايته على أنس
جناية تشبه تلك التي جناها والد المعريّ على ولده:
والشاعر الذي أدرك بعد فوات الأوان
جنايته على ولده، يرى أن من أضعف الإيمان أن يبرر له فعلته تلك في هذه الأبيات:
ولكي يزيد ولده اقتناعاً بحسن نيته،
ونبل مقصده نراه يلجأ إلى تصوير ما طرأ على حياته البائسة من تبدل إيجابي بعد
ولادته.
ويستمر الشاعر في تصوير ما يحمله في
نفسه لولده من حبّ، وما يحتفظ له في قلبه من مكانة، وما يستعذبه وأمه من أجله من
سهد وعذاب، وما يحس به من تشابه قائم بينه وبين ولده.
ولا يفوت عليّ الشاعر الحساس أن يصور
أثر تلك الحركات الصغيرة البدائية التي يأتي بها الطفل في عامه الأول، فتدخل إلى
نَفْسَيْ والديه ما تدخل من الغبطة والحبور والاستحسان.
وينظر الشاعر بعينيّ خياله إلى
المستقبل فيتصوّر ولده وقد أصبح يباهي أترابه ويفاخرهم برجولته المكتملة، ويقف إلى
جانب أبيه الشيخ العاجز ليشدّ من عضده ويفاخر بشعره مقابل ما أولاه من حب في صغره
وبرّاً به ورعايةً لحقه، ووفاءً لما له في عنقه من ديون.
وأخيراً ينهي الشاعر رائعته بهذه
الوصية الغالية التي يوجهها إلى ولده أنس مستشرفاً بها المستقبل:
وفي قصيدته "جسر المجد" نجد
شاعرنا يعلن للدنيا بأسرها أنه قد أصبح أباً لطفلين، وذلك بعد أن منّ الله عليه
بولده الثاني "هاني" وأن أُبوّته هذه تحتم عليه أن يهجر اللهو واللعب
وأن يلزم نفسه بالجد والكسب والعناء من أجل أن يوفر لطفليه ما يليق بهما من الحياة
الكريمة اللائقة[1])
وقد أدرك الشاعر أن ولديه يواجهان
عالماً مفعماً بالرعب، مكتظّاً بالذئاب الغادرة، فوجد أن من حقهما عليه أن يوصيهما
بالتحلي بالجد والاجتهاد للوصول إلى الرتب العالية التي لا يصل إليها غير
المغامرين الشجعان والمخاطرون الأشداء:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||