علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الرابع

الرثاء في شعر علي دُمَّر

ليس لعلي دمر في هذا الباب سوى قصيدتين صاغهما في رثاء والدته التي مُني بفقدها قبل أن يُتِمَّ العقد الثاني من عمره.

وبفقد عليٍّ أُمَّه تضاعف إحساسه بالوحدة ومرارة اليتم، لأن والده كان قد انتقل إلى جوار ربه قبل أن يستهلّ صارخاً بشهور قليلة.

وقد حُقّ لعليٍّ أن يبكي والدته بكاءً صادقاً صوّر فيه حزنه الشديد، وآلامه النفسية، ومعاناته من قِلَّة النصير، وحرمانه من الحنان، ووحدته التي لم يعد يؤنس وحشته فيها أيُّ جليس.

والملاحظ أن علياً في رثائه قد ترسم خُطا الشعراء القدامى فهو يبدأ قصيدته الأولى "إلى الخلد يا أماه" بالدعاءِ على مَنْ نعى إليه والدته، بالرغم من أن الناعي لا ذنب له. لأنه ليس أكثر من ناقل خبر لم يتسبب في موت من نعاه، غير أن علياً لم يرَ في النعي إلا سهماً قد سدَّده الناعي إلى صدره فأدماه:[1]):

ألا أيُّها الناعي نعتكَ النوادبُ

 

 

وولولَ يبكيك الثَّكالى النواحِبُ

رشقت إليّ اليوم سهماً مسدَّداً

 

 

فأدمى فؤادي وهو بالطعن ثاقبُ

لقد وضع الناعي الشاعر في حالة اضطراب نفسي جعلته يظن أن نعيَ أمه ليس إلا مزحة ثقيلة من صديق يداعبه، ولكنه لم يلبث أن يثوب إلى رشده بعد أن يعاوده اتزانه النفسي فيعلم أن موت أمه ليس إلا حقيقة واقعة جعلته يجهش بالبكاء، وجعلت شبابه ولونه يحولان إلى صفرة شاحبة تشي بما يعتمل في صدر صاحبها من ألمٍ مبَّرحٍ وحزن عميق.

أفي الحقِّ يا أُمَّاهُ ما جيء لي بهِ

 

 

بأنك تحت الترب والموت حاجبُ

بسمتُ له لما أتاني كأنني

 

 

حسبتُ مزاحاً من صديقٍ يداعِبُ

فلما علمتُ الصدق أجشهتُ باكياً

 

 

وحال شبابي صفرةً وهو شاحبُ

ويأتي رفاق الشاعر لتعزيته، ولكن هول الفاجعة يجعله عاجزاً عن الرد عليهم بغير الدموع التي ذَرَفَتْها عيناه:

وجاء رفاقي للعزاء بجمعهم

 

 

يقولون لا تحزن عدتك النوائبُ

فلم أستطع ردَّ الجوابِ وإنما

 

 

تصدَّع رأسي والدموع سواكبُ

وقد استنكر عليّ رحيل أمه السريع، وهو ما يزال فتىً غضَّ الإهاب لم تصقله الأيام، ولم تُحَنِّكْهُ التجربة، فراح يناشدها أن ترفق بوحدته لأنها كانت أنيسه الوحيد الذي يعينه على مجابهة عبوس الزمن ومرارة الحياة.

وكيف رحلت اليوم؟ لم أبلغ المُنى

 

 

وسني إلى العشرين كادت تُقاربُ

حنانَك يا أماه، رفقاً بوحدتي

 

 

فما لي في ذا الكون بعدك صاحبُ

وكنتِ أنيساً لي إذا الهم زارني

 

 

وعبَّسَ دهري وجهه وهو قاطبُ

وبعد أن يُذكِّرَ أمَّه بحدبها عليه في طفولته ينتقل إلى تصوير إحساسه المرير باليتم المضاعف الذي لا يهوّن من قسوته عليه سوى إيمانه بأن الموت كأسٌ مترعة لا بُدّ أن يشرب منها جميع الناس.

حنانَك يا أُمّاهُ أنت أنيستي

 

 

بدنيايَ. مات الأُنسُ والدمعُ جالبُ

فيا دمعُ أنجدني ولاتَكُ ناضباً

 

 

وكيف أُرَجِّى الدمع والدمعُ ناضبُ

كفى أنني إذْ جئت للكون لم أجد

 

 

بهِ من أبٍ واليتمُ للطفل ناكبُ

وما الموت إلا الكأس للناس مُتْرَعٌ

 

 

وكل امرئ من ذلك الكأس شاربُ

ومع استيعاب الشاعر للصدمة نراه ينتقل إلى تصوير صبره وصموده في وجه العوادي والأهوال وعزمه على مواجهة الرزايا التي عقدت معه حلفاً حتى ألفها وألفته.

وكلُّ رزايا الدهر طُرَّاً عرفتُها

 

 

وسيفي ماضٍ في النوازلِ ضاربُ

لئن كانت الأيام تبغي مَذَلَّتي

 

 

فإني شديدٌ علمتني التجارِبُ

أنا الجبل المرفوع في كل قوّةٍ

 

 

وكل عوادي الدهر وَبْلٌ تَناوَبُ

 وفي ختام القصدية يدعو الشاعر لأمه بأن تكون ممن تشملهم رحمة الله لما امتازت به من تقوى وصلاح، ثم لا يلبث أن يذكرنا بأبي الطيب المتنبي في رثائه لأمه وفخره بها حين قال:

ولو لم تكوني بنت أكرمِ والدٍ

 

 

لكان أباك الضخمَ كونُك لي أُمَّا

ويقول على بعد الدعاء لوالدته قولاً هو أقرب ما يكون إلى قول المتنبي.

إلى الخلدِ يا أُماهُ والخلد مسكنٌ

 

 

لمثلك إذ فيكِ التُّقى والمواهبُ

وإن كنتِ لم تُبقي مفاخَر جَمّة

 

 

سواي فإن الفخر فيك لواجبُ

ولدتِ علياً للبرايا حميدةً

 

 

فكنتُ كما تجلو الظلام الكواكبُ

سأصعد في الدنيا إلى ذروة العُلا

 

 

وإني على متن السحاب لراكب

أنا الشعر والدنيا خيالٌ لشاعرٍ

 

 

ستبلغُ مني ما تشاءُ الرغائبُ

ولما كان تأثير الحزن كتأثير الخمر المعتّقة يزداد كلما تقدّم به العهد وطال عليه الأمد نجد أن علياً قد أجاد في رثائيته الثانية "أشباح" أكثر من رثائيته الأولى، حيث صور مأساة يتمه تصويراً توارت فيه "الأنا" التي رأيناها مُتَضَخّمةً في مرثاته الأولى لأمه.

لقد غطّت سحائب الحزن الكثيفة التي غلّفت حياة عليّ على "الأنا" عنده مما جعل هذه القصيدة تخلو من افتخاره بنفسه ومن تقمُّصِهِ لشخصية أبي الطيب. فقد بدأ قصيدته بتصوير نفسه وهو يسير بين القبور في ظلمة الليل باحثاً عن رسم قبر -هو قبر أمه- في إحدى الليالي العاصفة الهوجاء"[2])

سارَ بينَ القبورِ واللَّيلُ داجٍ

 

 

والرياحُ الهوجاءُ تعصفُ حَوْلَهْ

يسحب الساق باتئادٍ ويهوي

 

 

خارقاً رهبة الظلام وهَوْلَهْ

ثم لما اهتدى إلى رسم قبرٍ

 

 

خرَّ فوق الثرى يتمتمُ قولَهْ

وينكبُّ الشاعر باكياً على قبر أمه شاكياً افتقاره إلى حنانها، سائلاً عن حالها تحت التراب، وعن إمكان رؤيتها بعد أن برّح به الألم، وأضناه العذاب.

آه أُمّاه والحنان دفينٌ

 

 

ها هنا يا رؤوم تحت الترابِ

كيف يا رب ترقد الآن أمي

 

 

جفَّ دمعي وغاض ماء شبابي

هل أراها؟ وكيف غابت؟ فإني

 

 

بعدها الآن في أمر العذاب

ويستمر الشاعر في شكواه إلى أمه مصوراً افتقاره إلى مَنْ يرحمه ويعطف عليه بين الناس، ورهبته من الظلام المخيف، وكيف أنه لم يعد بين المخلوقات من يشفق عليه غير النجوم والرياح:

 

لم أجدْ لي بينَ الأنامِ رحيماً

 

 

بعدَما غبتِ في الثرى عَنْ عيوني

آه يا أمُّ والظلام كثيفٌ

 

 

زاد فيه تألمي وشجوني

أنجم الليل أشفقت من زفيري

 

 

أصغت الريح في الدُّجى لأنيني

ووالدة الشاعر التي كانت مصدر سلوانه وعزائه في حياتها، قد أصبحت منبع حيرته وشقائه بعد وفاتها. كيف لا وهي لم تعد تُصغي إلى شيء من توسلاته، ولا تعلم شيئاً عن تنكر أقرب أقربائه وخيانتهم له:

كنت بالأمسِ سلوتي وعزائي

 

 

ثم أمسيت حَيْرتي وشقائي

تحت هذا الثرى تقيمين ما إنْ

 

 

تسمعين الوجيب حين ندائي

خانني الناس بعد موتك حتى

 

 

إخوتي منهمو لقيتُ بلائي

وفي رقَّةٍ بالغة يوجه الشاعر عتبه إلى أمه التي تركته قبل أن يشتد عوده، وتُكْتَشَفَ مواهبه وخصالُه:

ضعتُ يا أمُّ في الحياة كأني

 

 

لؤلؤٌ تحت هذه الأوحالِ

ما درى الكون من ذكائي ونُبلي

 

 

غير أني مشرَّدٌ ساء حالي

لم أزل بعد في بداية عمري

 

 

كيف أسرعت للفنا والزوالِ؟!

ويبلغ الحزن واليأس بالشاعر حدّاً يجعله يتمنى الموت، بل يتمنى لو أنه لو لم يجئ إلى هذه الحياة.

آه أُمّاهُ قد مَلَلْتُ حياتي

 

 

قرَّ يأسي وضاع مني رجائي

أتخطّى بين الأنام نحيلاً

 

 

أشتهي الموت هازئاً بالبقاءِ

ليتني لم أكن ولدت فخيرٌ

 

 

من شقاء الحياة دنيا الفناءِ

وتثور في الشاعر رغبة التحدي فيوجه خطابه إلى الرياح طالباً منها أن تعصف بشدة كي تثير الرعب في أعماقه، وإلى القبور أن تُغَنِّي لأشباح الجن التي تتراقص بينها، وأن تشارك الرياح في نسف بردته التي يتلفع بها، وإلى السحب أن تغمره بالثلج لعله يختفي عن عيون دهره ويستريح:

اعصفي يا رياحُ في الليل عَصْفا

 

 

وابعثي في الدُّجى بنفسي خوفا

واهزجي يا قبور بالجن رقصا

 

 

وانسفى بردتي مع الريح نَسْفَا

واغمريني يا سُحْبُ بالثلج يهمي

 

 

علّني عن عيون دهري أَخْفى

ويستمر الشاعر في التعبير عن عدم رغبته في الحياة في صور مختلفة إلى أن يوجه خطابه إلى الأشباح الحمقاء التي تهيم بين القبور، طالباً منها أن تمزقه إرباً، وأن تحمله إلى دار الفناء لعله يلتقي فيها روح أمه التي لا يجد السرور إلا بوجودها.

آه حَمْقى الأشباحِ بين القبور

 

 

مزّقيني ثم احمليني وسيري

نحو دار الفناءِ عَلِّيَ ألقى

 

 

روح أمي فأغتدي في حبور

إيهِ حمقى الأشباح نحو خيالي

 

 

قرّبي واصخبي وضِجّى وثورى

ويظل الشاعر على هذه الحال من اليأس وكره الحياة حتى يخر منكباً على قبر أمه مبللاً ترابه بدموعه، إلى أن تأتي أخته التي بحثت عنه طويلاً حتى وجدته عند الفجر على هذا الوضع المُحزن.

ثم أغفى على يديه صريعاً

 

 

راجفاً بلل التراب بدَمْعِهْ

فَتَّشَتْ أخته عليه طويلاً

 

 

وديوك الصباح رنَّت بِسَمْعِهْ

ثم جاءت نحو المقابر حيرى

 

 

فرأته بين القبور بَوِضْعِهْ

 



[1]) ص21 رعشات

[2]) ص29- رعشات

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244