|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:10 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
المجتمع
في شعر علي دُمَّر
انطلق علي دمر في تصوير المجتمع
وموقفه منه ومن الناس الذين يتألف منهم من إحساسه المبكر بالظلم. فقد ولد شاعرنا
يتيماً لم يُقَدَّر له أن يرى أباه، ثم لم يلبث أن أصبح لطيماً وهو فتى يافعٌ غضُّ
الإهاب، لم تنضجه الخبرة، ولم تحَنكِّهُ التجربة، ولم تَشْدُدْ من ساعده الأيام. وقد كان يُتْمُهُ المضاعفُ هذا شهادةً
كافيةً أهَّلته للالتحاق بحزب البؤساء الذين يجثم فوقهم الفقر بكلكله، ويطحنُهم
الشقاءُ برحاه. يقول شاعرنا مصوراً هذه الحقيقة:[1])
وقد كان من البدهي في هذه الحالة أن
يقف علي إلى جانب المعذبين والمستضعفين، وأن يوجه سهام سخطه إلى طبقة الموسرين من
أصحاب رؤوس المال والإقطاعيين الذين استغلوا الفقراء أسوأ استغلال، ولم يجودوا
عليهم بغير الفتات الذي يقيم الأَوَدَ حتى يتمكنوا من الاستمرار في القيام على
خدمتهم وتنمية ثرواتهم. وقد رأى عليّ قبل أن يشنّ حملته على المستغلين أن يحدد
للناس ولهؤلاء خاصة موقفه الاجتماعي وانتماءَه الطبقي مفاخراً بانتسابه إلى طبقة
المسحوقين من العمال والفلاحين والأجراء الذين تُبنى الأركان بجهودهم في وقت
السلم، وتُصان الأرض بارواحهم في زمن الحرب، وعلى الرغم من هذا الدور العظيم الذي ينهضون
بتأديته فإنهم لا يجنون إلا القليل، وهم الذين على أكتافهم يصعد القادة، ويرتقي
الزعماء[2])
وقد صوّر لنا الشاعر صراعه مع المجتمع
ونتيجة هذا الصراع وموقفه منه في قصيدته "حياتي" التي بدأها مخاطباً
حبيبته[3]):
وقد ذكر الشاعر سبباً آخر يبرر فيه
فشله وخسارته، وهو اتصافه بالنبوغ الذي يثير حفيظة الناس ويدعوهم إلى محاربة
أصحابه:
وعلى الرغم من فشله فإن شاعرنا لا
ييأس ولا يستسلم ولا يفقد أمله في النصر.
ثم يصور لنا رأيه في الناس الذين لم
يقدروا نُبْلَهُ وطهارته، بل رموه بكثير من النواقص، وراحوا يكيدون له بشتى
الوسائل والأساليب، غير أن ذلك لم يمنع شاعرنا من مقابلة إساءاتهم بالإحسان، على
الرغم من إيمانه بأن السعادة ستظل وقفاً على الأغنياء، وأن الشقاء سيظل من نصيب
الفقراء:
ولم يكن سخط الشاعر ونقمته على
الظالمين الذين لا يفتؤون يحرمون الناس من أبسط حقوقهم وقفاً على ظُلاّم بلده، بل
نراه يتعدى ذلك ليشمل الظالمين من جميع الشعوب، سواءً كانوا معاصرين أو سابقين. استمعوا إليه وهو يأسى في قصيدته
"بنت البلد"، لاضطرار سمراوات مصر إلى العيش في مهاوي البؤس والشقاء،
ويتمنى أن يتمَكّنَ شعبُهن من القضاء على مظاهر البؤس والتخلف والقهر حتى تبدو بنت
البلد المصرية السمراء في أبهى صورة من صور الأناقة والجمال[4])
وفي قصيدة أخرى نراه يخاطب النيل
مذكراً إياه بما شهد في الماضي من مظاهر البؤس والنعيم واستباحة الأقوياء للضعفاء،
وبما رأى من ملاحين أفنوا أعمارهم في الكدح دون أن يحصلوا على ما يكفل لهّم
الكرامة في هذه الحياة، بينما أسيادُهم الظَلَمَةُ يرتعون في النعيم على ضفتيه[5])
وقد آلم نفس الشاعر طغيان ظاهرة
الانتحار التي تَفَشَّتْ في بعض المدن السورية في ربيع سنة من سنوات الخمسينيات
بسبب استفحال ظاهرتي الفقر والبطالة، فصور لنا موقفه من ذلك في قصيدته "ربيع
الفقير" التي بدأها بقوله[6])
ثم انتقل إلى بيان أثر ذلك على كلٍ من
الغني والفقير:
وهو يسائل المسؤولين الذين لا يفتؤون
يتبجحون في تصريحاتهم الخادعة التي يزعمون فيها أنهم بعد أن حرروا البلاد من
الاحتلال الأجنبي، قد تمكنوا من إرساء دعائم الاستقلال، وإحياء تراث بني أمية،
وإشادة صروح العدالة والرخاء، ويقول لهم إن كان الأمر كذلك فلماذا استشرت ظاهرة
الانتحار بين الفقراء؟
ويمضي الشاعر في قصيدته شارحاً
للمسؤولين كذب مزاعمهم التي يفندها استفحال البؤس بين فئات الموظفين الذين أصبحت
رواتبهم عاجزةً عن الوفاء بالحدود الدنيا من التزاماتهم نحو أسرهم مما يدفع بهم
إلى الانتحار، ناهيك عن العاطلين الذين لا يجدون ما ينفقون:
ثم يهيب بالمسؤولين قبل أن يختتم
قصيدته فيدعوهم إلى الإسراع في معالجة هذه المعضلة مذكراً لهم بأن بلادهم تفيض
بالخيرات في الوقت الذي يجأر فيه المواطنون بالشكوى من الفاقه في مختلف أنحاء
البلاد:
وقد صور لنا شاعرنا في قصيدته
"جسر المحبة" أساليب الإقطاعيين الظالمة في التعامل مع الفقراء[7])
وفي هذه القصيدة يوصي الشاعر أبناءه
باتقاء الناس، والتعامل معهم في حذر شديد بعد أن ساء بهم ظنه، ولم يعد يثق بأحدٍ
منهم:
ثم يستأنف حملته على الطغاة
والمستبدين مصوراً أساليبهم البشعة في الحفاظ على مصالحهم، والإبقاء على مظاهر
السلطان في أيديهم:
وعلي دمر لا يُعْفي الفقراء
والمسحوقين من المسؤولية، إذ إن خضوعهم واستسلامهم وتمجيدهم للطغاة هو الذي مكّن
لهؤلاء من الاستمرار في التسلط والظلم ونهب الثروات.
وقد حمل على دمَّر حملة شعواء في
قصيدته "الإنسانية المخدوعة" على أولئك الذين يتخذون من الأديان وسيلة
للتفريق بين الشعوب من أجل تحقيق أهداف دنيوية رخيصة[8])
ولم ينس أن يُذَكّر الناس بما نجم من
مآسٍ عبر التاريخ نتيجة لاستغلال الأديان من قبل ذوي الأغراض المشبوهة:
وقد دفع ذلك الشاعر إلى أن يتساءل عن
الغاية الحقيقية التي من أجلها نزلت الأديان:
ثم لا يلبث أن يجيب على هذا التساؤل
مبيّناً الغاية الحقيقية التي أنزل الله من أجلها الأديان على الناس:
وقد كره علي دمر ظاهرة التحزب
والأحزاب، فعاش حياته مستقلاً لا ينتمي إلى جماعة أو تنظيم حزبيّ، مؤثراً الحفاظ
على حريته الفكرية التي لا تُقيّدها الشعارات والمبادئ الحزبية، نابذاً التعصب
لأيّة فئة من الفئات التي تدّعي احتكار الصواب وتخطئة الآخرين، لا يتعصّبُ إلا
عندما تتعرّضُ أماني الشعب ومكاسبه للعدوان. ولا يستمدُّ أفكاره إلا من مباديء
دينه الحنيف، ولا يعترف بغير زعامة الرسول الأعظم محمد صلوات الله وسلامه عليه[9])
وقد هاجم عليٌّ بعض التقاليد
الاجتماعية التي تجعل من الفتاة الشرقية سلعة تباعُ بالمزاد في سوق الزواج، حيث
يجبرها الأهل -غير آبهين برأيها- على الارتباط برجل لا تريده ما دام قادراً على
شرائها بالثمن الذي يطلبون. يقول عليّ ناعياً على المجتمع هذا المسلك المشين:[10])
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||