|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:11 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
السياسة
في شعر علي دمر
ليس من السهل أن نفصل شعر الوطنية
والقومية عن السياسة، لأن التجارب الوطنية والقومية في الشعر ليست إلا وليدة
السياسة التي ينتهجها الحكام وَمَنْ وراءهم من الدول الكبرى المتنفذة التي تسيرهم
وتحركهم وتجبرهم بشتى الأساليب على الدوران في فلكها إلى أن يقيض الله لهذه الدول
الصغيرة من القادة الأحرار مَنْ ينقذها من هوّة التبعية والخضوع لإرادة الأجنبي
وعملائه. وهكذا نجد أن للشعر السياسي ثلاثة
أبعاد. البعد الأول هو البعد الوطني، وهو
وليد انتماء الشاعر لوطنه الصغير واهتمامه بمشكلاته وقضاياه. والبعد الثاني هو البعد القومي، وهو
وليد انتماء الشاعر إلى أمته الكبرى ووطنه العربي الكبير وما يجمع بينه وبين أبناء
الأمة والوطن الكبير من آمال وآلام مشتركة وغيرهما من أسباب الوحدة والاندماج. والبعد الثالث هو البعد الإنساني أو
العالمي، وهو وليد القضايا والمشكلات التي تهم أبناء الإنسانية في مختلف الأقطار
بغض النظر عن اختلافهم في الجنس أو اللون أو الدين. *** أحب علي دمر وطنه الصغير سوريا حباً
عنيفاً صادقاً ضاعف منه وعمل على تعميقه إحساسه بالغربة التي أكلت معظم أيام
حياته. لقد أحب عليّ وطنه على الرغم من أن هذا الوطن لم يعطه
حقه في الحياة الحرة الكريمة فوق ثراه. بل اضطره إلى أن يقضي معظم أيام حياته
غريباً مشرداً باحثاً عما يوفّر لأسرته التي كانت تتنامى عاماً بعد عام ما يكفل
لها تهيئة الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. لم يُتَحْ لعلي أنْ يتمتع برؤية مجالي
الحسن في بلاده إلا لماماً، وفي فترات قصيرة متباعدة. وفي الوقت نفسه فإن هذا
الوطن الذي حكم على شاعره بالاغتراب قد أَغْدق الرعاية على من لا يستحقها [1])
ولكن روح الشاعر -على الرغم من كل هذه
السلبيات التي تشوّه وجه الوطن الجميل -لا تزال تهفو إليه، وإلى ما فيه من أحباب
وخِلاّن، ولا زالت تتخيل أنها -برغم البعد تُحَلِّقُ في أجوائه، وتتفيَّأُ ظلال
خمائله.
وإيمان الشاعر بوعي شبابه، وقدرته على
النهوض بالوطن يجعله واثقاً من أنه لا بد مُحَقّقٌ ما يصبو إليه من أمجاد في مجال
الحضارة والرُّقيّ، ومن قدرته على الإسهام في تحقيق السلم العالمي الشامل الذي لا
بد أن تنعم الإنسانية كافة بالعيش في ظلاله. ويتخذ الشاعر من الإنجاز الكبير الذي
حقّقهُ شباب وطنه في معركة الاستقلال وإصرارهم على رفض الأحلاف والمعاهدات دليلاً
على صدق
وكما رأى على دمر نفسه ناطقاً بلسان
شعبه ووطنه الصغير سورية، فقد عَدّ نفسه معبراً عن مطامع أمته العربية ووطنه
العربي الكبير، فراح يصور لنا موقفه من مشكلات أمته وقضاياها، ويعبر عن طموحاتها
وآمالها مستنهضاً هِمَمَ أبنائها، مُنْحياً باللائمة على طغاتها المستبدين الذين
تاجروا بمآسي أمتهم وبلادهم متناسين ما يكمُنُ في وجدان الشعب من حقد لن يلبث أن
يعصف بهم ويطيح بما يتمتعون به من بطش وجبروت. إنّ أوّل ما يطالعُنا في شعر عليّ
السياسيّ من شعره المصطبغ بالصبغة القومية هو افتخارُه بالانتساب إلى هذه الأمة
العظيمة التي لم تَلِنْ يوماً لقويّ، ولم ترضَ بالخضوع لظالم:[3])
وهو يقيم الدليل على صدق ادّعائه هذا
مستشهداً بالوقائع التاريخية:
وهو عندما يفتخر بتاريخ أمته إنما
يتخذ من ذلك وسيلةً لحفز همم أبنائها المعاصرين، حتى يرفضوا الظلم والخنوع، كما
فعل أسلافهم، وحتى لا تتحول بلادهم ومقدراتها إلى أسلاب:
وهو يعاهد خالد بن الوليد نيابةٌ عن
أحفاده الأشبال بإعادة أمجاد اليرموك إلى الحياة، وبحتمية نهوض هذه الأمة من
سباتها واستردادها عزتها وكرامتها.
وفي قصيدته "ويحُ اليهود"
نراه يهدد شذاذ الآفاق ويتوعدهم بالويل والثبور، وعظائم الأمور[4]) سنلتقي لدى
الهياج الأكْبَرِ ونجعلُ الدماءَ
مِثْلَ الأَبْحُرِ ونخطفُ الهاماتِ
خطفَ الأَنْسُرِ بجحفل ضخم كيومِ
المَحْشَرِ من كلِّ ليثٍ
كاسرٍ غَضَنَفرِ نخوضُ في بحرِ
النجيعِ الأَحْمَر إن لا يحمحمْ في
الطراد يَهْدُرِ ويستمر في وصف أبناء العروبةِ
وشجاعتهم واستبسالهم إلى أن يقول: ويح اليهود من
ردىً مُزَمْجِرِ لمّا نوافي
كالوباءِ الأَصْفَرِ وعليٌّ لا يجد لإقناع العالم بأن ما
حققه اليهود من نصر إنما هو نصر مؤقت حققوه في غفلةٍ من الزمن، وبأنه لن يلبث أن
يزول ويتحطم على صخرة إصرار أبناء الأمة العربية على تحرير ما سلبوه من أرضهم، لا
يجد لهذا الإقناع أفضل من أن يُضَمِّن ختام قصيدته تلك الأبيات التي تغنّى بها
طرفة بن العبد التغلبي مُعَبِّراً بها عمّا ينتظر قبّرةَ مَعْمَر من مصير حتمي لا
مفرّ منه: يا غادة اليهود
لا تستنسري "يا لك من
قُبّرةٍ بِمَعْمَرِ خلا لكِ الجوُّ
فبيضي واصفري ونقرّي ما شئتِ
أَنْ تُنَقِّري قد ذهب الصيَّادُ
عنك فابشري ورفع الفخُّ
فماذا تحذري لا بُدَّ يوماً
أنْ تُصادي فاحذري" وقد صدق علي رحمه الله -إذ ما كان
للقبرة اليهودية أن تستنسر لو لم تغب عن أجوائها النسور العربية، ولو لم يرفع
الصياد العربي ما ينبغي أن ينصبه لها من فخاخٍ وشراك. وفي قصيدة "ضغط" يقول علي
دُمَّر لأعداء الأمة الذين تكأ كؤوا عليها كما تتكأكأ الأكلةُ على قصعتها إنّ
شِدةَ الضغط على هذه الأمة لا بد وأن يؤدي إلى انفجار غضبها الذي سيحوّل هؤلاء
الأعداء إلى مزقٍ وأشلاء:[5])
وفي قصيدة وعود) يتخذ عليّ من الفخر
بأمته والتّغني بأمجادها أسلوباً يحث به المعاصرين من أبنائها على النهوض وذلك عن
طريق تذكيرهم بالرسالة الحضارية التي حملها أبناء الأمة العربية إلى شعوب الأرض:[6])
وتَسْتَفِزُّ مأساة اللاجئين شاعرية
عليّ كما استفزّت وأثارت شاعرية غيره من شعراء الخمسينيات، فيصور ما يعانونه في
خيامهم من بؤس وحرمان، وما يتهددهم من الجوع والذل، وما يحُسُّون به من شوق إلى
الأرض ومن فيها من الأحبّة والأهل والخِلاّن. يقول من قصيدته "اللاجئون"[7])
ولا ينسى عليّ أن يصور ما أُلْصِقَ
باللاجئين من تهم باطلة، وما بذل لهم تجار السياسة الذين صنعوا مأساتهم من وعود
كاذبة، مبيناً لهؤلاء التجار أن الشجب والاحتجاج لا يعيدان شيئاً من الحقوق، ولا
يُحرران شبراً واحداً من الأرض، لأن ما سُلبَ بالقوة لا يمكنُ أن يُسْتَرَدَّ إلاّ
بالقوّة:
وعلي دمر مؤمن أشد الإيمان بأن عودة
هؤلاء اللاجئين الذين أُخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً لا بد متحققة، وقد صور لنا
هذا الإيمان في قصيدته "النازحون" التي أهداها إلى صديقه كاتب هذه
السطور بمناسبة صدور ديوانه الأول "الضائعون"[8])
وقد صدقت نبوءة الشاعر، إذ لم تلبث
جموع هؤلاء اللاجئين أن تحولت إلى كتائب من الفدائيين الذين أجبروا العالم على أن
يعترف لهم بحق العودة وتقرير المصير. وقد صُعق علي دمر عندما سمع بسقوط
مدينة حيفا في أيدي العصابات اليهودية عام 1948 فراح يتساءل باستنكار..!"
وبعد أن صوّر لنا ما ارتكبته العصابات
اليهودية من فظائع في تلك المدينة بدأ يَصُبُّ جام غضبه على جميع العرب والمسلمين
الذين وقفوا يتفرجون على ما يحدث في حيفا وفي غيرها من المدن الفلسطينية، مطالباً
بقطع ألسنتهم إنْ هُمْ همُّوا بالتغني بأمجادهم السالفة ومفاخرهم البائدة:
ولا يجد الشاعر مناصاً من تذكير شباب
أمته بكفاح أبنائها ومن إبداء استغرابه واستهجانه لقعودهم عن القتال:
ولا ينهي الشاعر قصيدته قبل أن يحمل
حملةً شعواء على المتحكمين في مقدرات هذه الأمة وغفلتهم وانغماسهم في الملذات.
ثم يقارن بينهم وبين الأعداء الذين لم
يتقاعس حتى نساؤهم عن حمل السلاح.
لم تصل أيدينا إلى أكثر من قصيدة
واحدة من شعر علي دمر الذي صاغه من وحي السياسة العالمية وهي قصيدة "ابنة
المال" التي حمل بها حملة شعواء على الولايات المتحدة الأمريكية التي عدّها
أصلاً للشرور في هذا العالم المضطرب المشحون بالمآسي والحروب، والمسكون بالرعب
والخوف من جرّاء السياسة التي انتهجتها الحكومات الأمريكية المتعاقبة رغبةً منها
في السيطرة على العالم والتحكم بمقدرات شعوبه التي عانت من أمريكا ما لم تعانِ
مثَلهُ من أيةَ قُوّة كبرى عبر تاريخ الإنسانية الطويل. وقد بدأ علي قصيدته هذه في تصوير
الأساليب التي يتخذها الأمريكيون من أجل السيطرة على الشعوب[9])
ثم يحمل الشاعر على حكام الشعوب
المتخلّفة الذين يتهاوون راكعين أمام السيد الأمريكي متظاهرين في الوقت نفسه
بمعاداة أمريكا وسياستها، بينما هم في الواقع ليسوا إلا أُجراء أذلاء يستخدمهم
الأمريكيون في تشديد قبضتهم على شعوبهم ونهب ما يستطيعون من الخيرات، وتنفيذ ما
يطمحون إلى تنفيذه من مخططات
ثم يوجه الشاعر خطابه إلى أمريكا
مباشرة، واضعاً أمام أعين سياسيِّيها ما جَرَّتْهُ سياسة بلادهم على شعوب العالم
الثالث من مآسٍ ونكبات:
ولم يغب عن وعي الشاعر أن يكشف
للأمريكيين أن الشعوب المكافحة قد عرفت الهدف الأكبر الذي تسعى السياسة الأمريكية
إلى تحقيقه من وراء سعيها إلى تفجير الصراعات وإشعال نيران الحروب في شتى بقاع
الأرض.
ولم ينس عليّ أن يشير إلى حصّة العرب
التي نالوها من جرّاء هذه السياسة الأمريكية البغيضة .
أجل لقد أدرك الشاعر أن السياسة
الأمريكية التي عملت على زرع "إسرائيل" في قلب العالم العربي لم تهدف
إلا إلى إبقاء هذه البقعة من العالم بما لها من قدرات شرائية هائلة على شراء
السلاح في حالة توتر دائم وصراع مستمر. ولم يَفُتْ شاعرنا أن يسخر من إدعاء
الأمريكيين من أن بلادهم ليست إلا سيدةً العالم الحر بقوله:
وقد اشتعل قلب الشاعر غيظاً من
استغلال أمريكا لبعض رجال الدين الذين لا يتمتعون بأي وَعْي سياسي، فراحوا يمجدون
أساليبها، ويدعون إلى الوقوف بجانبها، وقد أغاظه كذلك تظاهرها بالمحافظة على القيم
المسيحية وهي أبعد ما تكون عن ذلك، وإصرارها على خلق زعماء تنصبهم على كرسي الحكم
في مختلف بقاع الأرض دون أن يكون لأيّ منهم شيء من صفات الزعامة الحقيقية.
وأخيراً بيشر الشاعر أمريكا بقرب زوال
هيمنتها على العالم، لأن الشعوب قد اكتشفت حقيقتها من جهة، ولأن سنة اضمحلال
الامبراطوريات التي تسود ثم لا تلبث أن تبيد لا بُدَّ جاريةٌ عليها كما جرت على
غيرها عبر تاريخ الإنسانية الطويل.
أجل لقد أعلن المؤمنون بحقوقهم وحقوق
بلادهم في الحرية والاستقلال نفير الجهاد، بل ونقل هؤلاء المجاهدون المعركة إلى
عقر دار السيد الأمريكي الأحمق الذي لا يريد أن يتعظ بغيره أو يعتبر بسواه. وتأتي رباعيات علي دمر التي تضمنها
ديوانه "شعب الله المختار" في سياق الشعر الذي يصور فيه رأيه في السياسة
العالمية. وقد اشتمل هذا الديوان -والذي يشكل الفصل التاسع من رباعيات علي دمر
التي لم تُطْبَعْ فصولها الأخرى بعد -اشتمل على أربع وثمانين رباعية صاغها الشاعر
في وصف اليهود وأساليبهم الخبيثة في السيطرة على العالم، وما يزعمونه لأنفسهم من
تَمَيُّزٍ على سائر البشر. وقد اشتملت رباعيتان منها على تذكير
اليهود بمعايشتهم العرب والمسلمين عبر التاريخ، وتضمنت ثمان منها تفنيد المزاعم
التي تتلخص في ادعائهم أنهم شعب الله المختار، وخصّ الشاعر إحدى وأربعين رباعية
بوصف أساليبهم الخبيثة في السيطرة على العالم، وضمّن ثماني رباعيات وصفه لأخلاق
اليهود وما يتسمون به من وضاعة ودناءة ونذالة وانحطاط أخلاقي وحقد ودهاء. وذكّرهم في إحدى رباعياته بما تعرضوا
إليه من نكبات لم يتعظوا بها، ولم يستفيدوا شيئاً من دروسها، بل زادتهم سوءاً إلى
سوئهم الذي جُبِلوا عليه. وفي خمس رباعيات صوّر الشاعر اتحاد
اليهود -على باطلهم- وتفرق العرب على الرغم من أنهم أصحاب حق. وذكر في رباعيتين
صلة القربى التي تجمع بيننا وبينهم، تلك الصلة التي لم تحل بينهم وبين أن يصبحوا
أشد عداوة للعرب والمسلمين من غيرهم من البشر. ثم كشف عليّ في إحدى رباعياته زيف ما
يدّعون من أن الله قد وعدهم بالعودة إلى فلسطين، والتي يسمونها أرض كنعان أو أرض
الميعاد، كما بين في رباعية أخرى أن يهود هذا العصر لا يشكلون أمة واحدة، لأنهم
خليط متنافر من أعراق شتى لا رابط يجمع بينها غير الدين الذي يحاولون جاهدين صبغه
بالصبغة القومية بوسائل مختلفة في طليعتها إحياء لغتهم الميتة. وقد بدأ عليّ رباعياته تلك بتذكير
اليهود بمعايشتهم لنا في بلادنا معايشة كفلت لهم أن يعيشوا معنا في بلهنية ورغد،
ولكن ذلك لم يمنعهم من التحول إلى ذئاب مسعورة تنهش بلادنا وأجسادنا[10])
ثم يذكرهم بعدم اتعاظهم بما أصابهم من
نكبات على أيدي الشعوب الأخرى التي فاقوها في الإجرام والإرهاب[11])
ثم يُذَكِّرُ العرب باتحاد اليهود
-على ما هم عليه من باطل- وإصرار العرب على التشبث بالفرقة والشتات دون تفكير في
العواقب -على الرغم من أنهم أصحاب حق[12])
ويتساءل الشاعر مستغرباً إن كان
اغتصاب اليهود لديارنا تنفيذاً لوصية أبيهم الذي يزعم بأنه عمٌّ للعرب!![13])
وينفي عليّ وجود رابطة نسب حقيقية
تجمع بين اليهود الأمر الذي لايؤهلهم أن يكونوا أبناء عمومتنا، لأنهم ليسوا إلا
خليطاً من حثالات شتى متنافرة لا يجمع بينها سوى الطمع في بلادنا وخيراتها[14])
وَسِحَنُ اليهود اللئيمة لا تخفي ما
تكن نفوسهم الوضيعة من الحقد الدفين والشر المزمن المُتَأصِّل؟
وفي كفر اليهود بالمبادئ السامية
والمثل العليا التي تدعو إليها جميع الأديان السماوية، وإصرارهم على عدم الانصياع
لتوجيهات المصلحين والحكماء وعبثهم بالقيم الإنسانية يقول الشاعر:[15])
ثم يصور عداوتهم لكل ما ينزل من
السماء من ديانات[16])
وفي تصوير جرائمهم البشعة في حق
البشرية يشير الشاعر إلى جريمة أصحاب الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم
والتي اقترفها الملك اليهودي ذو نواس في حق نصارى نجران. وقد قدر للشاعر أن يرى
آثار تلك المحرقة بعينيه في إحدى زياراته للمنطقة التي حدثت فيها. يقول الشاعر:
ثم يوجه الشاعر خطابه إلى ربّه
متسائلاً عن حقيقة ما يدّعيه اليهود السفهاء من أنهم "شعب الله المختار"
وعما إذا كانت رسالة الشعب المختار تتمثل في سفك دماء غيره من الشعوب.[17])
وعلي دمر لا يصدق أن الله المنزَّه عن
الظلم يمكن أن يقطع وعداً لشعب حقير كاليهود بمنحه أرض فلسطين المقدسة كما يزعم
حكماء صهيون، وأن يعبث بالشعوب ومصائرها كما يدّعون[18])
وشاعرنا لا يعتقد أن شعب الله المختار
يمكن أن يكون على هذا القدر من السفالة والانحطاط والوحشية[19])
ثم يخلص الشاعر إلى النتيجة التي
يطمئن إليها قلبه فيقول موجّهاً خطابه إلى الله.[20])
وأخيراً يتطرق إلى تصوير أساليب
اليهود في السيطرة على العالم [21])
ويذكر الشاعر أن من تلك الأساليب
سيطرتهم على المؤسسات الصحفية الكبرى التي ينفثون بواسطتها سموْمهم وأفكارهم.[22])
ومنها سيطرتهم على دور النشر التي
ينشرون فيما يصدر عنها من كُتب كل ما يريدون أن ينشروا من آراء فاسدة، ومبادئ
هدّامة[23])
ومن أساليبهم التي وضعوها موضع
التنفيذ تغيير النظم وقلب الحكومات، كما فعلوا بالقيصرية الروسية والخلافة
العثمانية[24])
ومنها إجبار الفاتيكان على تبرئة
اليهود من دم المسيح[25])
ولم يكن إنشاء "هيئة الأمم
المتحدة" سوى أسلوب من أساليبهم الجهنمية في السيطرة والتحكم في سياسات الدول[26])
ومن تلك الأساليب سيطرتهم على صناعة
السينما في "هوليود" وغيرها[27])
ومنها دخول بعض اليهود في الإسلام
لنسفه من الداخل[28])
ومنها الجاسوسية التي مكنّت جواسيسهم
المتمرسين من التغلغل في أوساط العرب بأساليب ماكرة لا تخطر ببال أحد[29])
ومنها إنشاء الجمعيات العالمية
كالماسونية التي تضم كثيراً من الشخصيات الحاكمة ونجوم الفكر والأدب والفن في كثير
من البلدان والتي كان هدفها الرئيس هو القضاء على الأديان.[30])
ومنها الهجوم على اللغة العربية
الفصحى والتهجم عليها ووصمها بالتخلف وعدم ملاءمتها للتعبير عن روح المعاصرة،
والدعوة إلى إحلال اللهجات العامية محلها للتفرقة بين العرب والتي تُعَدُّ لغة
القرآن في مقدمة عوامل الوحدة التي يمكن أن تجمع بينهم. وإذا حدث ذلك فإن كل قطر
عربي سيصبح مضطراً إلى أن يترجم ما يصدر في الأقطار العربية الأخرى من كتب حتى
يفهمها بنوه بعد أن تكون قد كتبت بإحدى اللهجات العامية العرجاء[31])
ومنها محاولة تحطيم الشعر العربي
الأصيل، واحلال أنماط أخرى هجينة محلَّه، على الرغم من عدم توافقها مع الذوق
العربيي وما ألفه من تقاليد شعرية صقلتها القرون، ورسّخت دعائمها المنابر والمجالس
عبر الأجيال[32])
ومنها إيجاد كُتَّاب يدعون إلى ترسيخ
دعائم الكيانات القطرية للحيلولة بينها وبين الوحدة أو الاتحاد، ولو عن طريق إشعال
الفتن والحروب
وفي آخر رباعية من رباعياته يحذر عليّ
أُمَّته مما يخبئه لها المستقبل من أخطار تزحف عليها كالجراد:
رحم الله أبا أنس الذي شهد في حياته
كثيراً من الأخطار التي زحفت على أمته وديارها، ولكن الله رحمه فلم يشهد ما
يتهددها من أخطار، وما يزحف عليها من مصائب تفوق ما شهده هو آلاف المرات. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||