علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل السادس

السياسة في شعر علي دمر

ليس من السهل أن نفصل شعر الوطنية والقومية عن السياسة، لأن التجارب الوطنية والقومية في الشعر ليست إلا وليدة السياسة التي ينتهجها الحكام وَمَنْ وراءهم من الدول الكبرى المتنفذة التي تسيرهم وتحركهم وتجبرهم بشتى الأساليب على الدوران في فلكها إلى أن يقيض الله لهذه الدول الصغيرة من القادة الأحرار مَنْ ينقذها من هوّة التبعية والخضوع لإرادة الأجنبي وعملائه.

وهكذا نجد أن للشعر السياسي ثلاثة أبعاد.

البعد الأول هو البعد الوطني، وهو وليد انتماء الشاعر لوطنه الصغير واهتمامه بمشكلاته وقضاياه.

والبعد الثاني هو البعد القومي، وهو وليد انتماء الشاعر إلى أمته الكبرى ووطنه العربي الكبير وما يجمع بينه وبين أبناء الأمة والوطن الكبير من آمال وآلام مشتركة وغيرهما من أسباب الوحدة والاندماج.

والبعد الثالث هو البعد الإنساني أو العالمي، وهو وليد القضايا والمشكلات التي تهم أبناء الإنسانية في مختلف الأقطار بغض النظر عن اختلافهم في الجنس أو اللون أو الدين.

***

أحب علي دمر وطنه الصغير سوريا حباً عنيفاً صادقاً ضاعف منه وعمل على تعميقه إحساسه بالغربة التي أكلت معظم أيام حياته. لقد أحب عليّ وطنه

على الرغم من أن هذا الوطن لم يعطه حقه في الحياة الحرة الكريمة فوق ثراه. بل اضطره إلى أن يقضي معظم أيام حياته غريباً مشرداً باحثاً عما يوفّر لأسرته التي كانت تتنامى عاماً بعد عام ما يكفل لها تهيئة الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.

لم يُتَحْ لعلي أنْ يتمتع برؤية مجالي الحسن في بلاده إلا لماماً، وفي فترات قصيرة متباعدة. وفي الوقت نفسه فإن هذا الوطن الذي حكم على شاعره بالاغتراب قد أَغْدق الرعاية على من لا يستحقها [1])

وطنى المحبَّب سوريا وعشيرتي

 

 

أهواه مهما عقّني وقلاني

فيه لمعدوم الشعور كرامةٌ

 

 

وبه لربِّ الشعر كلُّ هوانِ

يذوي به فن الأديب كما ذوى

 

 

في الروض من ظمأٍ جنَى الأفنانِ

ولكن روح الشاعر -على الرغم من كل هذه السلبيات التي تشوّه وجه الوطن الجميل -لا تزال تهفو إليه، وإلى ما فيه من أحباب وخِلاّن، ولا زالت تتخيل أنها -برغم البعد تُحَلِّقُ في أجوائه، وتتفيَّأُ ظلال خمائله.

وله هفت روحي على علاّته

 

 

تشتاق للأحباب والخِلاّنِ

وتعيشُ في وهم الخيال بجوِّهِ

 

 

برؤى الخمائل أو صدى الغُدرانِ

وإيمان الشاعر بوعي شبابه، وقدرته على النهوض بالوطن يجعله واثقاً من أنه لا بد مُحَقّقٌ ما يصبو إليه من أمجاد في مجال الحضارة والرُّقيّ، ومن قدرته على الإسهام في تحقيق السلم العالمي الشامل الذي لا بد أن تنعم الإنسانية كافة بالعيش في ظلاله.

ويتخذ الشاعر من الإنجاز الكبير الذي حقّقهُ شباب وطنه في معركة الاستقلال وإصرارهم على رفض الأحلاف والمعاهدات دليلاً على صدق
ما يتنبأُ به[2])

ولقد يسيرُ على طريق المجد في

 

 

ظلِّ الحضارة ثابتَ الأركانِ

بشبابه الراني لآفاق العُلا

 

 

بالعلم والخلق الأصيلِ الباني

هُمْ قاوموا فيه الطُّغاة وجَفَّفوا

 

 

سبل الفساد بيقظة الشجعانِ

لم يَبْقَ فيه لطامعٍ متسلطٍ

 

 

أملٌ ولا لمُغَرِّرٍ شيطانِ

خُدِعَتْ شعوبُ الأرضِ إلا شعبُنا

 

 

بعهود حربٍ أو عهود أمانِ

فَلْتَعْلَمِ الدنيا بأنا أمةٌ

 

 

خلعت قيود الذلِّ والإذعانِ

نبغي خلاص الكون من نار الوغى

 

 

ليعيش في السلمِ الهنيءِ الحاني

وكما رأى على دمر نفسه ناطقاً بلسان شعبه ووطنه الصغير سورية، فقد عَدّ نفسه معبراً عن مطامع أمته العربية ووطنه العربي الكبير، فراح يصور لنا موقفه من مشكلات أمته وقضاياها، ويعبر عن طموحاتها وآمالها مستنهضاً هِمَمَ أبنائها، مُنْحياً باللائمة على طغاتها المستبدين الذين تاجروا بمآسي أمتهم وبلادهم متناسين ما يكمُنُ في وجدان الشعب من حقد لن يلبث أن يعصف بهم ويطيح بما يتمتعون به من بطش وجبروت.

إنّ أوّل ما يطالعُنا في شعر عليّ السياسيّ من شعره المصطبغ بالصبغة القومية هو افتخارُه بالانتساب إلى هذه الأمة العظيمة التي لم تَلِنْ يوماً لقويّ، ولم ترضَ بالخضوع لظالم:[3])

 

قومي ذوو عِزّةٌ ما لان عودهمو

 

 

لظلم باغٍ ولا ذلّوا لذي غَلَبِ

وهو يقيم الدليل على صدق ادّعائه هذا مستشهداً بالوقائع التاريخية:

سل جند فارس في ذي قار ما فعلوا

 

 

والقادسية ما لاقت من الحرَبِ

لمّا مَشَتْ لجهادِ الظُلْمِ خيلهمو

 

 

داست حوافرها الدنيا ولم تَهَبِ

يا يومَ يرموك والتاريخ في عجبٍ

 

 

وخالدٌ يقذفُ الرومانَ باللّهبِ

وهو عندما يفتخر بتاريخ أمته إنما يتخذ من ذلك وسيلةً لحفز همم أبنائها المعاصرين، حتى يرفضوا الظلم والخنوع، كما فعل أسلافهم، وحتى لا تتحول بلادهم ومقدراتها إلى أسلاب:

 

أبعد فتحٍ وملكٍ لا نظير له

 

 

نغدو متاعاً لسلاّبٍ ومغتصبِ

 

ما أقبح العيش في ذلٍ وفي ضعةٍ

 

 

من بعد عزٍ وسلطانٍ بناه أبي

وهو يعاهد خالد بن الوليد نيابةٌ عن أحفاده الأشبال بإعادة أمجاد اليرموك إلى الحياة، وبحتمية نهوض هذه الأمة من سباتها واستردادها عزتها وكرامتها.

لَبَّيْكَ يا خالدَ الغازين إنَّ هنا

 

 

أشبالَ صدْقٍ يرون العيشَ بالنَّصَبِ

لا بد من وقعةِ اليرموك ثانيةً

 

 

يمشي بها النصرُ في أثوابه القُشُبِ

ونخسف الأرضَ أو نطوي السماءَ إلى

 

 

أن يُسْتَرَدَّ جميعُ العِزِّ لِلْعَرَبِ

وفي قصيدته "ويحُ اليهود" نراه يهدد شذاذ الآفاق ويتوعدهم بالويل والثبور، وعظائم الأمور[4])

سنلتقي لدى الهياج الأكْبَرِ

ونجعلُ الدماءَ مِثْلَ الأَبْحُرِ

ونخطفُ الهاماتِ خطفَ الأَنْسُرِ

بجحفل ضخم كيومِ المَحْشَرِ

من كلِّ ليثٍ كاسرٍ غَضَنَفرِ

نخوضُ في بحرِ النجيعِ الأَحْمَر

إن لا يحمحمْ في الطراد يَهْدُرِ

ويستمر في وصف أبناء العروبةِ وشجاعتهم واستبسالهم إلى أن يقول:

ويح اليهود من ردىً مُزَمْجِرِ

لمّا نوافي كالوباءِ الأَصْفَرِ

 

وعليٌّ لا يجد لإقناع العالم بأن ما حققه اليهود من نصر إنما هو نصر مؤقت حققوه في غفلةٍ من الزمن، وبأنه لن يلبث أن يزول ويتحطم على صخرة إصرار أبناء الأمة العربية على تحرير ما سلبوه من أرضهم، لا يجد لهذا الإقناع أفضل من أن يُضَمِّن ختام قصيدته تلك الأبيات التي تغنّى بها طرفة بن العبد التغلبي مُعَبِّراً بها عمّا ينتظر قبّرةَ مَعْمَر من مصير حتمي لا مفرّ منه:

يا غادة اليهود لا تستنسري

"يا لك من قُبّرةٍ بِمَعْمَرِ

خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفري

ونقرّي ما شئتِ أَنْ تُنَقِّري

قد ذهب الصيَّادُ عنك فابشري

ورفع الفخُّ فماذا تحذري

لا بُدَّ يوماً أنْ تُصادي فاحذري"

وقد صدق علي رحمه الله -إذ ما كان للقبرة اليهودية أن تستنسر لو لم تغب عن أجوائها النسور العربية، ولو لم يرفع الصياد العربي ما ينبغي أن ينصبه لها من فخاخٍ وشراك.

وفي قصيدة "ضغط" يقول علي دُمَّر لأعداء الأمة الذين تكأ كؤوا عليها كما تتكأكأ الأكلةُ على قصعتها إنّ شِدةَ الضغط على هذه الأمة لا بد وأن يؤدي إلى انفجار غضبها الذي سيحوّل هؤلاء الأعداء إلى مزقٍ وأشلاء:[5])

دم العروبة يغلي في جوانحنا

 

 

يوماً ستُبدي أمانيه الميادينُ

والحَصْرُ بعد طويلِ الحصر يعقبه

 

 

تفجُّرٌ يحرق الأكوانُ مجنونُ

وكيف يحيا امرؤٌ فيه عروبتُه

 

 

إذا غدت في يد الأعدا فلسطينُ

 

يا مَنْ يحاول سلْبَ النَاسِ ملكهمو

 

 

العسَفُ والظلمُ يأتي بَعْدَهُ الهونُ

حانت لنا وقعة حمراء طائشةٌ

 

 

للخصم من نارها ذلٌّ وتوهينُ

وفي قصيدة وعود) يتخذ عليّ من الفخر بأمته والتّغني بأمجادها أسلوباً يحث به المعاصرين من أبنائها على النهوض وذلك عن طريق تذكيرهم بالرسالة الحضارية التي حملها أبناء الأمة العربية إلى شعوب الأرض:[6])

كَمْ ركزنا في الشرقِ منا بنودا

 

 

وقذفنا لِلْغَرْبِ منا جنودا

وأمامَ القضاةِ بالعدل منا

 

 

وقف الظلمُ خاشعاً رِعديدا

أمةٌ أنشأت صروح الحضارا

 

 

ت، وسارت في العز شأواً بعيدا

نحنُ قومٌ لنا الفخارُ إذا ما

 

 

قد ذكرنا مع الفخار جدودا

يومَ هَدُّوا هياكل الجهل والبغي

 

 

وشادوا للنور صرحاً مشيدا

وجَرَوْا فوقَ هذهِ الأرض كالأ

 

 

مواجِ زحفاً وكالرمالِ عديدا

طَهَرُّوها من المظالمِ عَدْلاً

 

 

بعد أن كان تابعوها عبيدا

وتَسْتَفِزُّ مأساة اللاجئين شاعرية عليّ كما استفزّت وأثارت شاعرية غيره من شعراء الخمسينيات، فيصور ما يعانونه في خيامهم من بؤس وحرمان، وما يتهددهم من الجوع والذل، وما يحُسُّون به من شوق إلى الأرض ومن فيها من الأحبّة والأهل والخِلاّن.

يقول من قصيدته "اللاجئون"[7])

وخيامٍ للاجئين كساها الثلجُ

 

 

في الليل بُرْدَةً كالفِراءِ

تتضاغى أطفالهم من أذى الجوع

 

 

نياماً على ثرى الغبراءِ

إن عَوَتْ في الصقيع والدجن ريحٌ

 

 

اتّقوْها بالعُرْيِ وسط العراءِ

خلَّفوا في ديارهم كسوةَ العزِّ

 

 

وباتوا في كسوة الغرباءِ

يتراءى لهم خيالُ قصورٍ

 

 

غادروها في الجنة الفيحاءِ

أينَ جيرانُهم؟ وأين ذووهم؟

 

 

واجتماع الأحبابِ والأقرباءِ

فرقتهم أيدي الزمان ونار الـ

 

 

خصم في تيهِ ذِلَّةٍ وبلاء

 

ولا ينسى عليّ أن يصور ما أُلْصِقَ باللاجئين من تهم باطلة، وما بذل لهم تجار السياسة الذين صنعوا مأساتهم من وعود كاذبة، مبيناً لهؤلاء التجار أن الشجب والاحتجاج لا يعيدان شيئاً من الحقوق، ولا يُحرران شبراً واحداً من الأرض، لأن ما سُلبَ بالقوة لا يمكنُ أن يُسْتَرَدَّ إلاّ بالقوّة:

إنْ أَتَوْا بَلْدَةً لِبُلْغَةِ عيشٍ

 

 

قيل عنهمْ أسبابُ نشر الغلاءِ

شردوهم عن مالهم ثم قالوا

 

 

لكموا عندنا جزيل العطاءِ

أيها السالب الجواد تفضَّلْتَ

 

 

وأسْبَغْتَ وافِرَ الآلاءِ!!

هذه حجة القويّ وهذي

 

 

سنة الكون محنة الضعفاءِ

لا يردُّ الحقوق من غاصبيها

 

 

غير نيران ثورةٍ حمراءٍ

كم دفعنا بالاحتجاجِ اعتداءً

 

 

لمْ يُفدْ غير نكبةٍ واعتداءِ

وعلي دمر مؤمن أشد الإيمان بأن عودة هؤلاء اللاجئين الذين أُخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً لا بد متحققة، وقد صور لنا هذا الإيمان في قصيدته "النازحون" التي أهداها إلى صديقه كاتب هذه السطور بمناسبة صدور ديوانه الأول "الضائعون"[8])

 

 

زأر الشاعر الرهيف: كفاكم

 

 

ليس شعبي بيائس أو ضعيفِ

الشريدون والطريدون يوماً

 

 

سيهزون عالم التزييفِ

إن يكُ العصر عصرَ نور وعلم

 

 

فأراه كتائهٍ مكفوفِ

وحطام الأخلاق في عصرنا البا

 

 

غي شظايا ضميره المنسوفِ

هؤلاء الضعاف يوماً سيبدو

 

 

منهمو كل مارد وعنيف

إن يكونوا قد شُرِّدوا في شتاءٍ

 

 

سيعودون عند عود الخريفِ

لن يضيعوا فالدهر يخجل إما

 

 

كلفوه بمثل ذا التكليفِ

لن يذلوا فالذل أحقر من أن

 

 

يتلاقى بالعرب بين الصفوفِ

وقد صدقت نبوءة الشاعر، إذ لم تلبث جموع هؤلاء اللاجئين أن تحولت إلى كتائب من الفدائيين الذين أجبروا العالم على أن يعترف لهم بحق العودة وتقرير المصير.

وقد صُعق علي دمر عندما سمع بسقوط مدينة حيفا في أيدي العصابات اليهودية عام 1948 فراح يتساءل باستنكار..!"

ما وراء الأصداء يا ليلُ؟ هل ما

 

 

جت بحيفا كتائبُ الأوغاد؟!

أم يُلاقون عند حيفا حتوفاً

 

 

كامنات للغدر بالمرصاد؟!

وبعد أن صوّر لنا ما ارتكبته العصابات اليهودية من فظائع في تلك المدينة بدأ يَصُبُّ جام غضبه على جميع العرب والمسلمين الذين وقفوا يتفرجون على ما يحدث في حيفا وفي غيرها من المدن الفلسطينية، مطالباً بقطع ألسنتهم إنْ هُمْ همُّوا بالتغني بأمجادهم السالفة ومفاخرهم البائدة:

لهف نفسي للطفل يذبح في المهد

 

 

فتسري دماؤه في الوسادِ

لهف نفسي للغانيات الصبايا

 

 

رائحات مع العلوج غوادي

يتصارخن أين آباؤنا العُرْبُ

 

 

وإخوانُنا ذوو الإمجادِ

أخرسِ المسلمين والعُرْبَ طراً

 

 

إن تغنوا بسالف الأمجاد

ولا يجد الشاعر مناصاً من تذكير شباب أمته بكفاح أبنائها ومن إبداء استغرابه واستهجانه لقعودهم عن القتال:

كيف ليلي وكيف ألقى نهاري

 

 

والعدو اليقظان ملءُ البوادي

يا رفاق الجهاد كم قد رمينا

 

 

زهرة العمر في وطيس الجهادِ

كم سبحنا على اللهيب شداداً

 

 

وامتطينا في الهول ظهر الشداد

قعد العُرْبُ بعدنا واستراحوا

 

 

عن توالي الأمداد بالأمدادِ

ولا ينهي الشاعر قصيدته قبل أن يحمل حملةً شعواء على المتحكمين في مقدرات هذه الأمة وغفلتهم وانغماسهم في الملذات.

والكبار الكبارُ فينا رؤوسٌ

 

 

خائراتٌ بالجُبْن والإفسادِ

خدعتهم من العُداة صنوفٌ

 

 

من دعايات لاذعٍ قوّادِ

وهمو في النعيم ما دام فيهم

 

 

لا يُبالون بيعنا للأعادي

ثم يقارن بينهم وبين الأعداء الذين لم يتقاعس حتى نساؤهم عن حمل السلاح.

لهف نفسي على نساءِ الأعادي

 

 

حاملات في الحرب ثقل العتاد

وهنا المترفون هاموا سكارى

 

 

بالأغاني والسينما والرقادِ

يا لَذُلِّ المُصاب كم بعد هذا

 

 

من دخان يسد أفق البلادِ؟!

لم تصل أيدينا إلى أكثر من قصيدة واحدة من شعر علي دمر الذي صاغه من وحي السياسة العالمية وهي قصيدة "ابنة المال" التي حمل بها حملة شعواء على الولايات المتحدة الأمريكية التي عدّها أصلاً للشرور في هذا العالم المضطرب المشحون بالمآسي والحروب، والمسكون بالرعب والخوف من جرّاء السياسة التي انتهجتها الحكومات الأمريكية المتعاقبة رغبةً منها في السيطرة على العالم والتحكم بمقدرات شعوبه التي عانت من أمريكا ما لم تعانِ مثَلهُ من أيةَ قُوّة كبرى عبر تاريخ الإنسانية الطويل.

وقد بدأ علي قصيدته هذه في تصوير الأساليب التي يتخذها الأمريكيون من أجل السيطرة على الشعوب[9])

كم تُعانين في الشعوب اصطيادا

 

 

وتوالين حنكةً واجتهادا

بالصداقات والتحالف أضحى

 

 

كل ما في الوجوهِ منك فسادا

بالدُّلارات والمواعيد صار الـ

 

 

ـكَوْن سوقاً تشرين فيه العبادا

ثم يحمل الشاعر على حكام الشعوب المتخلّفة الذين يتهاوون راكعين أمام السيد الأمريكي متظاهرين في الوقت نفسه بمعاداة أمريكا وسياستها، بينما هم في الواقع ليسوا إلا أُجراء أذلاء يستخدمهم الأمريكيون في تشديد قبضتهم على شعوبهم ونهب ما يستطيعون من الخيرات، وتنفيذ ما يطمحون إلى تنفيذه من مخططات

كم مليك وكم رئيس وطاغ

 

 

يتهاوى على يديك انقيادا

خدَّر الشعب بالأكاذيب حتى

 

 

نفذت كلها غدا جلاّدا

لك يُبدى العِداء وهو أجيرٌ

 

 

كل ما قد أردته قد أرادا

راح باسم الشعوب يقضي ويمضي

 

 

والشعوب الغَفْلى تغطُّ جمادا

أشبعتها الأسياد عُرْياً وجوعاً

 

 

وهي في الجهل تعبد الأسيادا

ثم يوجه الشاعر خطابه إلى أمريكا مباشرة، واضعاً أمام أعين سياسيِّيها ما جَرَّتْهُ سياسة بلادهم على شعوب العالم الثالث من مآسٍ ونكبات:

يا ابنة المال كم لمالك في الشـ

 

 

رق مآسٍ تُقَطِّعُ الأكبادا

في الأقاصي مجازرٌ وبحارٌ

 

 

من دماءٍ فجَّرْتِها أحقادا

التلال الكبار قتلى وجرحى

 

 

أنت ضرّجتها أذىً وعِنادا

هي تبغي الخلاص منك نضالاً

 

 

سوف لا يعرف الونى والنفادا

ولم يغب عن وعي الشاعر أن يكشف للأمريكيين أن الشعوب المكافحة قد عرفت الهدف الأكبر الذي تسعى السياسة الأمريكية إلى تحقيقه من وراء سعيها إلى تفجير الصراعات وإشعال نيران الحروب في شتى بقاع الأرض.

 

كلما شمت بارقاً لطغاة

 

 

رحتِ تعطينهم لسَفْكِ عتادا

ألبيع السلاح تصلين في الد

 

 

نيا حروباً تزلزل الآبادا؟!

 

تغمرين الأكوان بالقتل كيلا

 

 

يلقى سوق الإنتاج فيك كسادا

وتذلين كل قطرٍ ليغدو

 

 

لرؤوس الأموال عندك زادا

ولم ينس عليّ أن يشير إلى حصّة العرب التي نالوها من جرّاء هذه السياسة الأمريكية البغيضة .

ولتهديدنا لندخل حرباً

 

 

قد أقمت اليهود توري الزنادا

أجل لقد أدرك الشاعر أن السياسة الأمريكية التي عملت على زرع "إسرائيل" في قلب العالم العربي لم تهدف إلا إلى إبقاء هذه البقعة من العالم بما لها من قدرات شرائية هائلة على شراء السلاح في حالة توتر دائم وصراع مستمر.

ولم يَفُتْ شاعرنا أن يسخر من إدعاء الأمريكيين من أن بلادهم ليست إلا سيدةً العالم الحر بقوله:

أنتِ أُمٌّ للعالم الحرِّ إما

 

 

كان معنى الحرية استعبادا

 

وقد اشتعل قلب الشاعر غيظاً من استغلال أمريكا لبعض رجال الدين الذين لا يتمتعون بأي وَعْي سياسي، فراحوا يمجدون أساليبها، ويدعون إلى الوقوف بجانبها، وقد أغاظه كذلك تظاهرها بالمحافظة على القيم المسيحية وهي أبعد ما تكون عن ذلك، وإصرارها على خلق زعماء تنصبهم على كرسي الحكم في مختلف بقاع الأرض دون أن يكون لأيّ منهم شيء من صفات الزعامة الحقيقية.

 

كم شيوخٍ أفتوا بأنك دينٌ

 

 

سيعيد الإسلام صرحاً مشادا

كم صليب رفعته ليظنوا

 

 

فيك تقوىً وعفَّةً ورشادا

كم زعيمٍ خلقته ليقود الشعب

 

 

نحو المراد منه اقتيادا

وأخيراً بيشر الشاعر أمريكا بقرب زوال هيمنتها على العالم، لأن الشعوب قد اكتشفت حقيقتها من جهة، ولأن سنة اضمحلال الامبراطوريات التي تسود ثم لا تلبث أن تبيد لا بُدَّ جاريةٌ عليها كما جرت على غيرها عبر تاريخ الإنسانية الطويل.

يا ابنة المال لا يفيدك مال

 

 

يوم تصحو الشعوب يغدو رمادا

صاح بوق الجهاد في الشرق مهما

 

 

صغتِ حلفاً، غداً يلبي الجهادا

إن هذي الأحلاف ليست شعوباً

 

 

بل عيوناً في قومهم أفرادا

أنت في حالة احتضار فطيشى

 

 

واملئي الكون ضَجّة وحدادا

أجل لقد أعلن المؤمنون بحقوقهم وحقوق بلادهم في الحرية والاستقلال نفير الجهاد، بل ونقل هؤلاء المجاهدون المعركة إلى عقر دار السيد الأمريكي الأحمق الذي لا يريد أن يتعظ بغيره أو يعتبر بسواه.

وتأتي رباعيات علي دمر التي تضمنها ديوانه "شعب الله المختار" في سياق الشعر الذي يصور فيه رأيه في السياسة العالمية. وقد اشتمل هذا الديوان -والذي يشكل الفصل التاسع من رباعيات علي دمر التي لم تُطْبَعْ فصولها الأخرى بعد -اشتمل على أربع وثمانين رباعية صاغها الشاعر في وصف اليهود وأساليبهم الخبيثة في السيطرة على العالم، وما يزعمونه لأنفسهم من تَمَيُّزٍ على سائر البشر.

وقد اشتملت رباعيتان منها على تذكير اليهود بمعايشتهم العرب والمسلمين عبر التاريخ، وتضمنت ثمان منها تفنيد المزاعم التي تتلخص في ادعائهم أنهم شعب الله المختار، وخصّ الشاعر إحدى وأربعين رباعية بوصف أساليبهم الخبيثة في السيطرة على العالم، وضمّن ثماني رباعيات وصفه لأخلاق اليهود وما يتسمون به من وضاعة ودناءة ونذالة وانحطاط أخلاقي وحقد ودهاء.

وذكّرهم في إحدى رباعياته بما تعرضوا إليه من نكبات لم يتعظوا بها، ولم يستفيدوا شيئاً من دروسها، بل زادتهم سوءاً إلى سوئهم الذي جُبِلوا عليه.

وفي خمس رباعيات صوّر الشاعر اتحاد اليهود -على باطلهم- وتفرق العرب على الرغم من أنهم أصحاب حق. وذكر في رباعيتين صلة القربى التي تجمع بيننا وبينهم، تلك الصلة التي لم تحل بينهم وبين أن يصبحوا أشد عداوة للعرب والمسلمين من غيرهم من البشر.

ثم كشف عليّ في إحدى رباعياته زيف ما يدّعون من أن الله قد وعدهم بالعودة إلى فلسطين، والتي يسمونها أرض كنعان أو أرض الميعاد، كما بين في رباعية أخرى أن يهود هذا العصر لا يشكلون أمة واحدة، لأنهم خليط متنافر من أعراق شتى لا رابط يجمع بينها غير الدين الذي يحاولون جاهدين صبغه بالصبغة القومية بوسائل مختلفة في طليعتها إحياء لغتهم الميتة.

وقد بدأ عليّ رباعياته تلك بتذكير اليهود بمعايشتهم لنا في بلادنا معايشة كفلت لهم أن يعيشوا معنا في بلهنية ورغد، ولكن ذلك لم يمنعهم من التحول إلى ذئاب مسعورة تنهش بلادنا وأجسادنا[10])

بكل بلادنا عاش اليهود

 

لهم تَرَفٌ ومالٌ لا يبيدُ

فمذْ حملوا السلاح عَدَوْا علينا

 

ذئاباً ليس توقفهم حدودُ

ثم يذكرهم بعدم اتعاظهم بما أصابهم من نكبات على أيدي الشعوب الأخرى التي فاقوها في الإجرام والإرهاب[11])

 

ويشكو يهود الأرض مما أصابهم

 

من الظلم في شتّى بلادٍ وأَعْصُرِ

وقد أحزنوا الدنيا بإرهاب هتلرٍ

 

فلما تولَّوْا جاوزوا عسف هِتْلَرِ

ثم يُذَكِّرُ العرب باتحاد اليهود -على ما هم عليه من باطل- وإصرار العرب على التشبث بالفرقة والشتات دون تفكير في العواقب -على الرغم من أنهم أصحاب حق[12])

 

برغم الباطل اتحد اليهودُ

 

ورغم الحق تَقْصِمُنا الحدودُ

فباطلهم بوحدته انتصارٌ

 

وحق العرب بالفوضى شريدُ

ويتساءل الشاعر مستغرباً إن كان اغتصاب اليهود لديارنا تنفيذاً لوصية أبيهم الذي يزعم بأنه عمٌّ للعرب!![13])

 

وقالوا إننا أبناءُ عمٍّ

 

أيسحقُ عمنا دنيا أخيهِ

ويطردنا من الدار اغتصاباً

 

أهذا ما توارث عن أبيهِ

وينفي عليّ وجود رابطة نسب حقيقية تجمع بين اليهود الأمر الذي لايؤهلهم أن يكونوا أبناء عمومتنا، لأنهم ليسوا إلا خليطاً من حثالات شتى متنافرة لا يجمع بينها سوى الطمع في بلادنا وخيراتها[14])

 

همو من شعوبٍ عِدَّةٍ قد تهوَّدت

 

 

وليس بهم صدق انتسابٍ لأصلنا

حثالاتُ أقوامٍ بدون ضمائر

 

 

أتوا غرباءً طامعين بأرضنا

 

وَسِحَنُ اليهود اللئيمة لا تخفي ما تكن نفوسهم الوضيعة من الحقد الدفين والشر المزمن المُتَأصِّل؟

 

خَلَتْ سِحَنٌ لهم من كل خيرٍ

 

فليس بها سوى الحقد الدفينِ

فلا تُنْمى لِسامٍ أو لِحامٍ

 

ولا توحي سوى الشر الزمينِ

وفي كفر اليهود بالمبادئ السامية والمثل العليا التي تدعو إليها جميع الأديان السماوية، وإصرارهم على عدم الانصياع لتوجيهات المصلحين والحكماء وعبثهم بالقيم الإنسانية يقول الشاعر:[15])

 

لقد عبث اليهود بدين موسى

 

وحادوا عن هدى العهد القديمِ

وخانوا روح داود الكريم

 

وتوجيهات "سلمان" الحكيم

ثم يصور عداوتهم لكل ما ينزل من السماء من ديانات[16])

 

لقد حادوا عن الأديان طُرَّاً

 

وقد قتلوا هداة الأنبياءِ

وقد عبدو إله الأرض مالاً

 

ومالوا عن تعاليم السماءِ

 

وفي تصوير جرائمهم البشعة في حق البشرية يشير الشاعر إلى جريمة أصحاب الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي اقترفها الملك اليهودي ذو نواس في حق نصارى نجران. وقد قدر للشاعر أن يرى آثار تلك المحرقة بعينيه في إحدى زياراته للمنطقة التي حدثت فيها.

يقول الشاعر:

 

شاهدت محرقة الأخدود ميِّتَةً

 

في جنب نجران تحكي قصة الرُّعُبِ

قضى اليهود عليها في جرائمهم

 

واحرقوا أهلها في النار كالحطبِ

ثم يوجه الشاعر خطابه إلى ربّه متسائلاً عن حقيقة ما يدّعيه اليهود السفهاء من أنهم "شعب الله المختار" وعما إذا كانت رسالة الشعب المختار تتمثل في سفك دماء غيره من الشعوب.[17])

 

يقولون يا رباه عنك سفاهةً

 

قد اخترت شعباً واحتقرت سواهُ

فهل شعبك المختار جاءَ لغايةٍ

 

ليَسْفِكَ من هذا الوجود دماه

وعلي دمر لا يصدق أن الله المنزَّه عن الظلم يمكن أن يقطع وعداً لشعب حقير كاليهود بمنحه أرض فلسطين المقدسة كما يزعم حكماء صهيون، وأن يعبث بالشعوب ومصائرها كما يدّعون[18])

 

وهل أنت واعدت اليهود بعودةٍ

 

إلى أرضنا غصباً ليسبوا ويسلبوا

وفيها خلقت العُرْب ثم أزلتهم

 

معاذ إلهي بالخليقة يَلْعَبُ

وشاعرنا لا يعتقد أن شعب الله المختار يمكن أن يكون على هذا القدر من السفالة والانحطاط والوحشية[19])

 

أتختار أوباش الخلائق كلهم

 

ومَنْ ملؤوا الدنيا فساداً مُدَبَّرا

ومَنْ عَبَدَ العجلَ النُّضار وأسرفوا

 

بكل الخطايا واستباحوا دمَ الورى

ثم يخلص الشاعر إلى النتيجة التي يطمئن إليها قلبه فيقول موجّهاً خطابه إلى الله.[20])

فحاشاكَ مِنْ هذا ومِنْ كل خِسَّةٍ

 

 

فانت إله الكل والعدلُ واحدُ

 

وكم زيَّفوا عنك الكثير وأودعوا

 

 

شرائعهم ما شاء باغٍ وحاقِدُ

وأخيراً يتطرق إلى تصوير أساليب اليهود في السيطرة على العالم [21])

لنا في كل قُطرٍ خافياتٌ

 

وكُتّابٌ، مجَّلاتٌ، مدارسْ

نبلبل كل تفكير ونُعْطي

 

بها فوضى المباديء والدسائس

ويذكر الشاعر أن من تلك الأساليب سيطرتهم على المؤسسات الصحفية الكبرى التي ينفثون بواسطتها سموْمهم وأفكارهم.[22])

كبار الصحف في الدنيا إلينا

 

يعود الختل فيها والسمومُ

تُغذِّي الناس بالتزييف منها

 

ومنها يصدر الفكرُ اللئيمُ

ومنها سيطرتهم على دور النشر التي ينشرون فيما يصدر عنها من كُتب كل ما يريدون أن ينشروا من آراء فاسدة، ومبادئ هدّامة[23])

ودور النشر في الدنيا أذاعت

 

كما نهوى من الفِكَرِ الأَجيرَهْ

نُهَدِّمُ ما نشاء بها ونبني

 

من الآراءِ في الكتب الوفيرَهْ

ومن أساليبهم التي وضعوها موضع التنفيذ تغيير النظم وقلب الحكومات، كما فعلوا بالقيصرية الروسية والخلافة العثمانية[24])

هدمنا القيصرية واتخذنا

 

إلى هدم الخلافة ألفَ دَرْبِ

وساد الدونما في جيش تركٍ

 

لعزلِ خليفةٍ ولشنق عُرْبِ

ومنها إجبار الفاتيكان على تبرئة اليهود من دم المسيح[25])

أمرنا مَنْ أردناه فلبّى

 

وُبَرَّأ جُرْمَنا في أمر عيسى

وخالفَ دينهُ ولُرَبَّ يومٍ

 

يقول بأنني من دين موسى

ولم يكن إنشاء "هيئة الأمم المتحدة" سوى أسلوب من أساليبهم الجهنمية في السيطرة والتحكم في سياسات الدول[26])

في هيئة الأمم استطعنا أننا

 

نُملي على الدنيا إرادة شعبنا

نلهيهمو بتجادلٍ وتنازعٍ

 

وننفذ الخطط الرهيبة وَحْدنا

ومن تلك الأساليب سيطرتهم على صناعة السينما في "هوليود" وغيرها[27])

فمن هوليود آلاف البغايا

 

ذوات الحسن والفن البديعِ

لَهُنَّ بكل قلبٍ ألف جُرْحٍ

 

وسحرٍ جاذبٍ مُهَجَ الجميعِ

ومنها دخول بعض اليهود في الإسلام لنسفه من الداخل[28])

كم من يهودِ خفاءٍ

 

قد أسلموا من دهورِ

وبعد وقتٍ طويلٍ

 

قادوا خطير الأمورِ

ومنها الجاسوسية التي مكنّت جواسيسهم المتمرسين من التغلغل في أوساط العرب بأساليب ماكرة لا تخطر ببال أحد[29])

"كوهين" قاد طويلاً

 

أُمورنا بالخفاءِ

مهاجراً عربياً

 

مبرقعاً بالوفاءِ

ومنها إنشاء الجمعيات العالمية كالماسونية التي تضم كثيراً من الشخصيات الحاكمة ونجوم الفكر والأدب والفن في كثير من البلدان والتي كان هدفها الرئيس هو القضاء على الأديان.[30])

 

 

بجمعيات ماسونٍ كَنَسْنَا

 

ديانات الجميع بكل دربِ

لنسرى وحدنا في كل نفسٍ

 

ونغسل غيرنا من كل قَلْبِ

ومنها الهجوم على اللغة العربية الفصحى والتهجم عليها ووصمها بالتخلف وعدم ملاءمتها للتعبير عن روح المعاصرة، والدعوة إلى إحلال اللهجات العامية محلها للتفرقة بين العرب والتي تُعَدُّ لغة القرآن في مقدمة عوامل الوحدة التي يمكن أن تجمع بينهم. وإذا حدث ذلك فإن كل قطر عربي سيصبح مضطراً إلى أن يترجم ما يصدر في الأقطار العربية الأخرى من كتب حتى يفهمها بنوه بعد أن تكون قد كتبت بإحدى اللهجات العامية العرجاء[31])

على لغةِ العروبةِ كلَّ يومٍ

 

هجومٌ قاصدٌ شَلَّ البيانِ

ليُصبح كلُّ قطرٍ في حمانا

 

غريبَ الفكر مختلف اللسانِ

ومنها محاولة تحطيم الشعر العربي الأصيل، واحلال أنماط أخرى هجينة محلَّه، على الرغم من عدم توافقها مع الذوق العربيي وما ألفه من تقاليد شعرية صقلتها القرون، ورسّخت دعائمها المنابر والمجالس عبر الأجيال[32])

وشعرُ العُرْبِ أَصْلَوْهُ حُروباً

 

بلا سببٍ سوى قتل المشاعرْ

صحيح الشعر سمَّوْهُ عموداً

 

وسَمَّوْا هاذراً بالسخفِ شاعِرْ

ومنها إيجاد كُتَّاب يدعون إلى ترسيخ دعائم الكيانات القطرية للحيلولة بينها وبين الوحدة أو الاتحاد، ولو عن طريق إشعال الفتن والحروب

كيانات هنا وهناك قامت

 

تحارب بعضها حرب الإبادةْ

وكُتاب لنا مِنْ كلِّ لَوْنٍ

 

تفكِّكُ أو تُذيُب بنا الإرادةْ

وفي آخر رباعية من رباعياته يحذر عليّ أُمَّته مما يخبئه لها المستقبل من أخطار تزحف عليها كالجراد:

 

ونحن بغفلةٍ عمّا سيأتي

 

ونسبحُ في شعارات الأعادي

فيا ويح الغد المرقوب إنى

 

أرى الأخطار تزحف كالجرادِ

رحم الله أبا أنس الذي شهد في حياته كثيراً من الأخطار التي زحفت على أمته وديارها، ولكن الله رحمه فلم يشهد ما يتهددها من أخطار، وما يزحف عليها من مصائب تفوق ما شهده هو آلاف المرات.

 



[1]) ص67- حنين الليالي.

[2]) ص68 حنين الليالي.

[3]) ص78 رعشات.

[4]) ص81 رعشات

[5]) ص84- رعشات

[6]) ص86-رعشات

[7]) ص76- حنين الليالي.

[8]) ص144- غيبوبة الحب

[9]) ص51- حنين الليالي

[10]) ص33- شعب الله المختار

[11]) ص33- المصدر السابق

[12]) ص34- المصدر نفسه.

[13]) ص35- المصدر نفسه

[14]) ص36- شعب الله المختار

[15]) ص38- المصدر نفسه.

[16]) ص40 المصدر نفسه

ص41 شعب الله المختار

[17]) ص43 المصدر السابق

[18]) ص44- المصدر نفسه

[19]) ص45- شعب الله المختار

[20]) ص46- المصدر السابق.

[21]) ص47- المصدر نفسه

[22]) ص47- المصدر نفسه

[23]) ص47- المصدر نفسه.

[24]) ص48- شعب الله المختار

[25]) ص48- المصدر السابق

[26]) ص50 المصدر نفسه

[27]) ص50 المصدر نفسه

[28]) ص52 المصدر نفسه

[29]) ص52- شعب الله المختار

[30]) ص53- المصدر السابق

[31]) ص52 شعب الله المختار.

[32]) ص53 المصدر السابق.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244