|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:11 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الحب
والغزل في شعر علي دُمَّر
لا يختلف اثنان على أن علي دمر شاعر
رومانسي غنائي، ولعل طبيعته وظروف نشأته واغترابه قد دفعته إلى هذا الاتجاه دفعاً
حتى لم يعد في استطاعته أن يتحول عنه إلى سواه من الاتجاهات الفنية التي صبغت
الشعر العربي في العقود التي عاشها عليّ. وقد يجد الباحث في شعر عليّ ظلالاً
لبعض المذاهب الفنيّة الأُخرى كالكلاسيكية والواقعية، ولكن الرومانسية تظل هي
الغالبة عليه. وقد ساعد على دفع الشاعر إلى هذا الاتجاه ما امتاز به من طبيعة
شديدة الشفافية وحساسية مفرطة ونفس عظيمة كثيرة المطالب، وروح طموح توّاقة إلى
ارتقاء مراتب لم تساعده ظروفه إلى الوصول إليها وتَسَنُّم ذُراها. وينبغي أن نضع
في حسباننا انكباب الشاعر على قراءة الشعر المهجري، ونتاج شعراء مدرسة أبولو بعد
أن فرغ من قراءة الشعر العربي القديم. ويبدو أن الشاعر قد أحبّ في أول عهده
بالشباب، ولكن فتاة أحلامه -كما نفهم من قصائده التي صور بها ذلك الحب في ديوانه
الأول "رعشات" -قد رفضته. وأغلب الظن أن هذا الرفض قد كان لأنها لم تجده
في وضعٍ يؤهلُهُ للارتباط بها وهو المراهق اليتيم الفقير الذي لا يملك شروى نقير. ومن أجل ذلك بقي عليّ طوال أيام حياته
شاعراً بالحرمان والظمأ إلى حب كبير متبادل يملأ عليه حياته ودنياه. كان شاعرنا على دُمّر يحسُّ بالحرمان
أمام كل امرأة جميلة تضعها الأقدار في طريقه، ويشعر بالظمأ إزاء كل حُسْنٍ أنثوي،
ويعاني من لهفة عارمة على حبيبة تبادله الحب وتُنْهِلُهُ وتُعِلُّهُ من كؤوس
الغرام حتى الثمالة. لقد كان في داخل علي طفلٌ كبير يتوق
لأن يظل مرتبطاً بامرأة مثالية تجمع بين أعطافها جميع صفات الحسان، ويجد فيها
أمَّهُ وحبيبته وزوجته وصديقته وأخته وغير ذلك من الأنماط النسائية التي ترتبط مع
الرجل بوشيجة من الوشائج، أو علاقة من العلاقات. كان يريد من
المرأة التي يهفو إليها قلبه أن تجمع صفات جميع الإناث جسماً وروحاً، وأن يعمر
قلبُها بكل ما في قلوب النساء من الحب والهوى والوداد واللهفة والشوق وغير ذلك من
الأحاسيس الوجدانية التي ترتبط بالحب من قريب أو بعيد. ولما كنا نعرف ما تنطوي عليه كلمة
"الرومانتيكية" من معان ودلالات أدركنا ما يشيع في شعر علي من حزنٍ
وكآبة، وما ينطوي عليه من وجد وهيام، وانطواء وهروب وانطلاق وتمرد، وتعلق بالطبيعة
وتشبث بالحب. ويقودنا ذلك -بلا شك- إلى إدراك السر في غلبة شعر الحب والغزل على
نتاجه إلى درجة جعلت منه الموضوع الأول في شعره. وليس أدل على ذلك من أن هذا الغرض
من أغراض الشعر قد غَلَبَ على خمسة من دواوين الشاعر السبعة التي هي في متناول
أيدينا. لقد وصف علي المرأة حبيبةً وغريبة،
وتحدث عنها واصلةً وهاجرة، وحلّل تصرفاتها وفيَّةً وغادرة وهو في حديثه عنها في كل
هذه الأحوال لا يقف عند الوصف الحسّي، بل يتجاوزه إلى الوصف المعنوي. وهو يُعنى
قبل كل شيء بإبراز مشاعره هو تجاهها وتجاه كل تجربة من تجارب الحب، وإزاء كل موقف
من مواقفه حيالها. وربما نظر إليها في بعض الأحيان نظرة
من تتملكه الشهوة أو تستبد به الرغبة فصوّر محاسنها الجسدية من وجه جميل، وعيون
ساحرة، وقدٍّ ممشوق، وردف ثقيل، وسيقان مُدَمْلَجة، ولفتة آسرة، وبنان رخص وشفاه
مكتنزه، وثنايا كاللؤلؤ الوضاح، ولكنه يفعل ذلك كله في غير تَبَذُّلٍ وإفحاش. وبعد، فقد آن لنا أن نقف بعد هذا عند
كل ديوان من دواوين عليّ لنتعرف على بدايات هذا اللون من ألوان شعره، وما طرأ عليه
من تطوُّر مراعين في ذلك ترتيبها الزمني من جهة، والمراحل العمرية للشاعر ونموه
جسدياً وفكرياً وعاطفياً من جهة أخرى. الحب في ديوان رعشات
يُمثِّلُ شعر الحب في هذا الديوان
نظرة المراهق إلى هذه القيمة الإنسانية العظيمة، ونظرته إلى الحسن والجمال. وقلب المراهق كما هو معروف صفحة
بيضاء، تفتقر إلى أية حصانة تحول بينه وبين التعرض لأي فيروس من فيروسات الحب، أو
أية جرثومة من جراثيمه. وربما أحب المراهق أول فتاةٍ تضعها الأقدار في طريقه، سواء
كانت هذه الفتاة مؤهلة لأَن تُحَبَّ،
أو غير مؤهلة لذلك. بل ربما تعلق بها المراهق تَعَلُّقاً يُخَيَّلُ إليه معه أن
عدم تجاوبها مع حبه هو النازلة التي ما بعدها نازلة، وأن صدودها عنه هوالفاجعة
التي لا تفوقها فاجعة. وقد يصل الأمر ببعض المراهقين الذين يفشلون في أول تجربة من
تجارب الحب إلى حد التفكير في الانتحار تخلُّصاً من عذاباتهم، ومما يتوهمون أنهم
قد وقعوا فيه من مأساة لا مناص لهم من التخلّص منها إلا بالموت. وربما وجد المراهق شفاءه من فشله في
تجربة حبه الفاشلة في حب جديد، وقد يتكرر ذلك مرات ومرات لأن عدم الاستقرار
العاطفي سمة من سمات المراهقة لا تزول إلا بزوالها ولا يتخلص منها المراهق إلا بعد
أن ينضج فيما يلي ذلك من مراحل الرجولة والشباب. والمتتبعُ لقصائد الحب والغزل في
ديوان رعشات يصعب عليه أن يتعرف ما إذا كانت هذه القصائد مصورة لقصة حب واحدة أو
أكثر، حيث يختلط في معظمها تصوير الشاعر لوقوعه في الحب بشكواه من قسوة الحبيبة،
وصدودها عنه، وهجرها إياه، وبتصويره لتأثير ذلك الحب عليه في حالتي الوصل
والهجران، وتذكير المحبوبة بساعات الصفاء المنصرمة وبما حباها الله من جمود في
الحِسّ يجعلها لا تختلف كثيراً عن التماثيل الحجرية. وهو في معظم هذه القصائد يعلن
رفضه للذل والخضوع للحبيب الذي لم يترك سبيلاً لإذلاله إلا سلكه. ولنستمع إلى شاعرنا كيف يصور تعطشه
للحب وشدَّة تعلقه بالمحبوب في قصيدته "ظمأ"[1]).
ومحبوب الشاعر يفوق في رقته ودلاله
النسيم العليل الذي يهفو إلى براعم الورد النديّة.
وهو نعمة إلهية تجعل من يتنعم بها يحس
بأنه يحيا في جنات الخلود التي لا هم له فيها سوى التسبيح.
والشاعر في ختام قصيدته هذه يصور لنا
حرمانه من معاشرة هذا المحبوب، وأنه وحيد يَعُبُّ خمرة وجده، متسائلاً عن حال
المحبوب الذي خلّفه وحده وهو يتجرّع مرارة العيش بعد أن كان ينعم بتذوق شهد
اللقاء.
وفي قصيدته "سواد" يصف لنا
شعر حسناء كُلِفَ بها وأَحبها، وجعل من شعرها عالماً جميلاً يهيم في أرجائه ويوقظ
في نفسه ما شحب من ذكريات أحلامه وآماله.[2])
وهو في ختام قصيدته يصرخ ضارعاً
بقوله:
وفي قصيدته "رؤى" يذَكّرُ
محبوبته بتلك الساعات الجميلة التي أمضاها بصحبتها في الربوة بدمشق[3])
وفي قصيدة "غائب يصور لنا الشاعر
ما خلّفه غياب محبوبه من آلام[4])
وعليّ كغيره من الشعراء الرومانسيين
يستمرئ العذاب في سبيل الحب والألم في سبل المحبوب. وقد برزت المازوشية هذه في
قصيدته "قرّبي واحرقي.." في أجلى صورة وأوضحها[5])
أما قسوة الحبيبة المتمثلة في الهجر
والصدود والتجاهل وأثر ذلك كله في نفس الشاعر فقد صوره لنا في عدد من قصائده منها
"غمغمات" و"أأنتِ كتمثال فينيس" و"انتقام"
و"لقاء" و"فاذهب إليّ" و"قسوة وفي عدد من المقطوعات التي
لا تحمل عناوين ففي قصيدته "غمغمات" يشكو الشاعر محبوبته المُدِلّة
بجمالها والجامعة لكل قساوات الحسان والتي أيأسته من وصالها، وجعلت منه عاشقاً
فاشلاً لا يجد أمامه إلا أن يتوسل إلى الليل أن يثير في نفسه الحرى جميل الذكريات[6])
وهو في قصيدته "أأنت كتمثال
فينيس؟!" يتساءل عما إذا كانت مجرد تمثال يخلو من الأحاسيس بعد أن يئس من
تجاوبها مع ما يقدم لها من حب صادق جعل روحه تسبح في عوالم مفعمة بالضياء والهناء[7])
وفي قصيدة "انتقام" يبلغ
اليأس بالشاعر حداً يجعله يفكر بوضع حد لحياته بعد أن أدرك أنه لا مطمع له في رقة
قلب المحبوبة.. وقد أوشك أن يفعل ذلك لولا أن بقية من عزته وكبريائه حالت بينه
وبين ذلك في اللحظة الأخيرة[8])
ويقص الشاعر علينا في قصيدته
"لقاء" قصة التقائه صُدْفَةً بفتاة كان له معها تجربة حب سابقة بعد غياب
استمر قرابة عام، وقد فوجئ الشاعر بتجاهلها له مما ينم على أن طول الغياب قد
غيرّها وغيّر مشاعرها نحوه. وتمضي الفتاة في طريقها لا تلوي على شيء تاركة شاعرنا
يتحسّر على ذكرياته الجميلة السالفة معها[9]) ثم لما
أَقْبَلَتْ صَدَّتْ ولم تَرْمِ السلامْ وتولَّتْ وهي
غضبي باكتئابٍ وملامْ أَتُوَلِّي عن
لقائي بعدما قد غبتِ عامْ ولهولِ البُعد
فيه لم أذقُ طيبَ المنامْ ما الذي جرى في
غيابيَهْ؟! هل تغيَّرتْ؟
وامصابَيْه! نسيت هاجرتي ما
في الهوى والابتسامْ حينما كنا بدينا
من حنانٍ وهيامْ نتغنَّى بالأماني
مثلما يشدو الحمامْ وتعاهدنا على
الدهر بأن نرعى الذمامْ أنتِ لؤلؤٌ يا
دموعيَهْ أطفئي اللظى في
جنوبيَهْ هل نسيتِ العيش
غضَّاً مورقاً تحت الظلالْ بين أزهار
الأماني البيض والماء الزلالْ كم تحدثنا بأنسٍ
في أويقاتٍ طِوالْ كم جلسنا في
الضفاف الخضر أو فوق الرمالْ يا ابنة الهوى
أنتِ قاسيَهْ أنتِ جَمْرَةٌ في
ضلوعَيْه وقد ناشد محبوبَهُ في قصيدته
"فاذهب إليَّ.." أن يقوم بزيارةٍ إلى قبره إن هو مات شهيداً لذلك الحب
القاتل كي يتذكر الأوقات السعيدة التي أمضياها معاً في وئام[10])
وأمَّا في "قسْوَة" فقد
صوَّر تَرَفُّعَهُ عن عشق حبيبٍ لم يَرَ مِنْهُ غير القسوة في المعاملة، والشُّحِ
في الوصال، والظلم الذي وصل به إلى حد استباحته دماءه. وهو يعلن في هذه القصيدة
بأنه قد قرر أن يعامل حبيبه ذاك وأمثاله من الملاح القساة بمثل ما عامله ذلك
الحبيب[11])
وقد رسم لنا الشاعر في إحدى مقطوعاته
الأسلوب الذي قرر اتباعه في تعامله مع محبوبهِ بعد أن يئس من نوالِهِ، وأدرك أن من
الأجدى له أن يتحدى ذلك المحبوب بالصمود والترفع عن الخضوع وقبول الذل، وأن يمضي
قُدُماً في تحقيق طموحاته وأمانيه[12])
وبين قصائد الحب في ديوان
"رعشات" تقف قصيدة "عقاب" فريدة في موضوعها بين سائر القصائد
فيه. فبينما نجد أن الشاعر هو الضحية في
جميع القصائد، وأن بطلة أو بطلات قصائده هن الجانيات عليه وعلى حبه، نجد أنه في
هذه القصيدة يعترف نادماً بأنه هو الذي تجنى على فتاة أحبها... فلما آنس فيها
شيئاً من الزَّهْوِ والغرور لطمها وأمعن في إذلالها على الرغم من اعتذارها وتذللها
له، مما اضطرها إلى هجره والابتعاد عنه يأساً منه ومن تفهمه لحقيقة مشاعرها.
وأخيراً لم يجد الشاعر أمامه غير الندم على ما جنت يداه بعد أن أبت عزَّتُه إلا أن
تأخذه بالإثم[13])
**** الحب في ديوان "حنين
الليالي"
الصورة العامة لقصائد الحب عند علي
دمر في ديوان "حنين الليالي تختلف عما كانت عليه في ديوان "رعشات"،
حيث لم تعد هذه القصائد تنهدات مراهق محروم أضواه العشق، وأمضَّه الشوق، وشكاوى
مستمرة يبثها فؤاده من قسوة النساء ومكرهن، وخداعهن، وخياناتهن... بل نراه في
ديوان حنين الليالي صِنْواً لعمر بن أبي ربيعة وأضرابه من الشعراء الذين يتتبعون
الجمال حيثما وجدوه ويرسمون لنا من الصور المبهجة للحب ما يدخل السرور على النفس،
وما يهز الوجدان من الأحاسيس. هكذا فعل علي في ديوانه حنين الليالي
الذي راح يُغْرِدُ فيه القصيدة تلو الأخرى للتغزل بكثير من الحسناوات. بل إنه ربما جعل القصيدة الواحدة
وقفاً على التغزل بنظرات ممثلة، أو التغني بصوت مطربة، أو الإعجاب بصوت مذيعة
يتناهى إليه عبر الأثير. ونحن نعتقد أن هذا التحول الذي طرأ
على شعر الحب عند علي يتمشى مع المرحلة العمرية التي وصل إليها الشاعر الذي كان قد
جاز منتصف العقد الثالث من عمره عند إصداره لهذا الديوان، وهي مرحلة يكتمل فيها
الشباب وتنضج الرجولة ويصبح صاحبها أكثر ميلاً إلى الاستمتاع بمباهج الحياة التي
يراها بدلاً من العيش مع أحلام اليقظة والمراهقة المجرَّدة. وبمعنى آخر فإن علي
دمر في ديوانه حنين الليالي يذكرنا بعمر بن أبي ربيعة ومذهبه الغزلي. وإذا شئنا أن نستعرض قصائد الحب في
هذا الديوان فإننا نجد أن في مقدمة ما يلفت أنظارنا من قصائده هي قصيدة "بنت
البلد" وهي القصيدة التي حاول فيها علي دمر أن يرسم لنا صورة عامة لبنت البلد
المصرية مستلهماً تلك المقطوعة الموسيقية التي أبدعها الموسيقار المرحوم محمد عبد
الوهاب. والقصيدة تكاد تكون -إذا صح التعبير- ترجمة دقيقة لهذه المقطوعة الموسيقية
الرائعة[14])
وبعد أن يفرغ الشاعر من وصفه لما
تتركه بنت البلد المصرية من تأثير في نفوس المعجبين ومن قدرة على الإلهام والإيحاء
والإغراء يحاول أن يبرز لنا بعض خصائصها التي تميزها عن نساء الأرض فيقول واصفاً
شعرها وشفتيها وجسدها وخصرها ومشيتها وردفيها وقوامها.
ويعود الشاعر إلى إضفاء بعض الصفات
المعنوية المتخيَّلة على بنت البلد ليختتم بها قصيدته:
وإن أنسَ فلن أنسى تعليق المرحوم
الموسيقار محمد عبد الوهاب على هذه القصيدة بعد أن ألقاها الشاعر على مسمعيه عندما
ذهبتُ مَعَهُ لمقابلته في مكتبه بعد أن حدد لنا موعداً لذلك حيث قدّم إليه عليٌّ
نسخة من ديوانه الذي ضمَّ بين دفتيه قصيدتين تتعلقان بالموسيقار الكبير هما قصيدة
"بنت البلد" وقصيدة "بيتهوفن العرب" التي صور فيها شاعرنا
إعجابه بالموسيقار الخالد محمد عبد الوهاب. قال عبد الوهاب بعد أن استمع إلى
القصيدة: "الحقيقة يا أستاذ علي أن هذه
المعاني هي التي كانت تدور في ذهني وأنا أؤلف هذه المقطوعة". وفي قصيدته "عرس الطبيعة"
يدعو الشاعر محبوبته لتشاركه الاستمتاع بما أبدع الخالق من جمال في فصل الربيع.[15])
ولكي يُغري محبوبته بتلبية دعوته نراه
يرسم لنا هذه اللوحة الجميلة لمجموعة من الصبايا اللواتي يلعبن في إحدى الرياض
الغناء.
وفي قصيدته "أمسيات النيل"
يتخيل الشاعر أرتال قوارب العشاق التي تملأ صفحة النيل فتغريه هذه الصورة برسمها.[16])
ويتصور الشاعر العشاق الكثيرين الذين
طالما جلسوا على ضفاف النيل وهم ينتظرون معشوقاتهم في قلق ظاهر لا يُبَدِّدُه إلا
إشراق طلعة الحبيبة.
ثم يتصور الشاعر مالا يتناهى من
الرغائب التي نهل منها العشاق على ضفاف النيل.
ويرى الشاعر مجموعات من الأوانس
اللاهبات بين الخمائل المنبثة على ضفاف النيل فيرسم لهن هذه الصورة المبهجة
وتقع عينا الشاعر على هذه الصورة
الجزئية لصبيتين تتسابقان فتسارع عدسة شاعريته إلى التقاطها.
وفي قصيدة "أيقظيني" يعبر
الشاعر عن إعجابه بصوت المطربة "صباح" مازجاً إعجابه بصوتها بإعجابه
بجمالها وخفتها وحركاتها ونظراتها وثغرها وقدرتها على الإغراء[17])
أما نظرات الممثلة "راقيه
إبراهيم" فهي نظرات مسكرة كالخمر، محيرة كالألغاز لا يدرك كنه ما تخفيه من
مشاعر سوى خفقان قلب شاعرنا الذي يقول في هذه النظرات[18]):
ويتريَّضُ الشاعر في متنزه الميماس
على ضفة العاصي في مدينة حمص فتأسره هذه الصور لجميلات حمص اللواتي يتريضن في ذلك
المتنزه، وبخاصة تلك الجميلة التي ذكرته بمأساة الشاعر الحمصي "ديك
الجن" الذي دفعته غيرته العمياء إلى الفتك بمحبوبته ورد[19])
وفي "نشوة الأحلام يصور الشاعر
لقاءً جمعه بإحدى السمراوات في إحدى الخمائل على النيل:[20])
وفي "دنيا عيون" يصوّر
الشاعر تأثير نظرة فتاة مراهقة سدَّدت سهام عينيها إليه، ولكن حياءه منعه من أن
يبادلها التحديق، غير أنه لم يلبث بعد أن توارت تلك الفتاة عن ناظرَيْه أن عبَّر
عن ندَمه على ذلك[21])
ثم يوجه الشاعر نصيحته إلى تلك الفتاة
الصغيرة على الحب داعياً إياها إلى الابتعاد عن طريقه حتى لا تحرقها نيران حبه وهي
الفتاة الغريرة التي لم يكتمل ربيعُها الثالث عشر بعد.
ويدلف الشاعر ذات يوم إلى دار الإذاعة
في القاهرة فيلتقي بمذيعة حسناء يبهره جمالها، وتعقد فتنتها لسانه عندما هم بإلقاء
التحية عليها، فلم يجد أمامه وسيلة تُخْفي اضطرابه سوى أن يسرع بتسليمها قصيدة كان
قد جاء بها إلى الإذاعة ثم ينطلِقُ خارجاً وهو لم يزل تحت تأثير ذلك الجمال الطاغي
الذي ملأ نفسه إجلالاً ورهبةً وحبوراً.[22])
ويتحقق أمل شاعرنا بلقاء فتاة تُدعى
"هيام" وهي فتاة طالما تمنى لقاءها فتصدح لنا قيثارته بهذه الأبيات التي
تصور لنا سعادته بهذا اللقاء الذي أصبح لا يتخوف من شيء أكثر من تَخَوُّفِهِ من
انقطاعه.[23])
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||