علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل السابع

الحب والغزل في شعر علي دُمَّر

لا يختلف اثنان على أن علي دمر شاعر رومانسي غنائي، ولعل طبيعته وظروف نشأته واغترابه قد دفعته إلى هذا الاتجاه دفعاً حتى لم يعد في استطاعته أن يتحول عنه إلى سواه من الاتجاهات الفنية التي صبغت الشعر العربي في العقود التي عاشها عليّ.

وقد يجد الباحث في شعر عليّ ظلالاً لبعض المذاهب الفنيّة الأُخرى كالكلاسيكية والواقعية، ولكن الرومانسية تظل هي الغالبة عليه. وقد ساعد على دفع الشاعر إلى هذا الاتجاه ما امتاز به من طبيعة شديدة الشفافية وحساسية مفرطة ونفس عظيمة كثيرة المطالب، وروح طموح توّاقة إلى ارتقاء مراتب لم تساعده ظروفه إلى الوصول إليها وتَسَنُّم ذُراها. وينبغي أن نضع في حسباننا انكباب الشاعر على قراءة الشعر المهجري، ونتاج شعراء مدرسة أبولو بعد أن فرغ من قراءة الشعر العربي القديم. ويبدو أن الشاعر قد أحبّ في أول عهده بالشباب، ولكن فتاة أحلامه -كما نفهم من قصائده التي صور بها ذلك الحب في ديوانه الأول "رعشات" -قد رفضته. وأغلب الظن أن هذا الرفض قد كان لأنها لم تجده في وضعٍ يؤهلُهُ للارتباط بها وهو المراهق اليتيم الفقير الذي لا يملك شروى نقير.

ومن أجل ذلك بقي عليّ طوال أيام حياته شاعراً بالحرمان والظمأ إلى حب كبير متبادل يملأ عليه حياته ودنياه.

كان شاعرنا على دُمّر يحسُّ بالحرمان أمام كل امرأة جميلة تضعها الأقدار في طريقه، ويشعر بالظمأ إزاء كل حُسْنٍ أنثوي، ويعاني من لهفة عارمة على حبيبة تبادله الحب وتُنْهِلُهُ وتُعِلُّهُ من كؤوس الغرام حتى الثمالة.

لقد كان في داخل علي طفلٌ كبير يتوق لأن يظل مرتبطاً بامرأة مثالية تجمع بين أعطافها جميع صفات الحسان، ويجد فيها أمَّهُ وحبيبته وزوجته وصديقته وأخته وغير ذلك من الأنماط النسائية التي ترتبط مع الرجل بوشيجة من الوشائج، أو علاقة من العلاقات.

كان يريد من المرأة التي يهفو إليها قلبه أن تجمع صفات جميع الإناث جسماً وروحاً، وأن يعمر قلبُها بكل ما في قلوب النساء من الحب والهوى والوداد واللهفة والشوق وغير ذلك من الأحاسيس الوجدانية التي ترتبط بالحب من قريب أو بعيد.

ولما كنا نعرف ما تنطوي عليه كلمة "الرومانتيكية" من معان ودلالات أدركنا ما يشيع في شعر علي من حزنٍ وكآبة، وما ينطوي عليه من وجد وهيام، وانطواء وهروب وانطلاق وتمرد، وتعلق بالطبيعة وتشبث بالحب. ويقودنا ذلك -بلا شك- إلى إدراك السر في غلبة شعر الحب والغزل على نتاجه إلى درجة جعلت منه الموضوع الأول في شعره. وليس أدل على ذلك من أن هذا الغرض من أغراض الشعر قد غَلَبَ على خمسة من دواوين الشاعر السبعة التي هي في متناول أيدينا.

لقد وصف علي المرأة حبيبةً وغريبة، وتحدث عنها واصلةً وهاجرة، وحلّل تصرفاتها وفيَّةً وغادرة وهو في حديثه عنها في كل هذه الأحوال لا يقف عند الوصف الحسّي، بل يتجاوزه إلى الوصف المعنوي. وهو يُعنى قبل كل شيء بإبراز مشاعره هو تجاهها وتجاه كل تجربة من تجارب الحب، وإزاء كل موقف من مواقفه حيالها.

وربما نظر إليها في بعض الأحيان نظرة من تتملكه الشهوة أو تستبد به الرغبة فصوّر محاسنها الجسدية من وجه جميل، وعيون ساحرة، وقدٍّ ممشوق، وردف ثقيل، وسيقان مُدَمْلَجة، ولفتة آسرة، وبنان رخص وشفاه مكتنزه، وثنايا كاللؤلؤ الوضاح، ولكنه يفعل ذلك كله في غير تَبَذُّلٍ وإفحاش.

وبعد، فقد آن لنا أن نقف بعد هذا عند كل ديوان من دواوين عليّ لنتعرف على بدايات هذا اللون من ألوان شعره، وما طرأ عليه من تطوُّر مراعين في ذلك ترتيبها الزمني من جهة، والمراحل العمرية للشاعر ونموه جسدياً وفكرياً وعاطفياً من جهة أخرى.

 

الحب في ديوان رعشات

يُمثِّلُ شعر الحب في هذا الديوان نظرة المراهق إلى هذه القيمة الإنسانية العظيمة، ونظرته إلى الحسن والجمال.

وقلب المراهق كما هو معروف صفحة بيضاء، تفتقر إلى أية حصانة تحول بينه وبين التعرض لأي فيروس من فيروسات الحب، أو أية جرثومة من جراثيمه. وربما أحب المراهق أول فتاةٍ تضعها الأقدار في طريقه، سواء كانت هذه الفتاة  مؤهلة لأَن تُحَبَّ، أو غير مؤهلة لذلك. بل ربما تعلق بها المراهق تَعَلُّقاً يُخَيَّلُ إليه معه أن عدم تجاوبها مع حبه هو النازلة التي ما بعدها نازلة، وأن صدودها عنه هوالفاجعة التي لا تفوقها فاجعة. وقد يصل الأمر ببعض المراهقين الذين يفشلون في أول تجربة من تجارب الحب إلى حد التفكير في الانتحار تخلُّصاً من عذاباتهم، ومما يتوهمون أنهم قد وقعوا فيه من مأساة لا مناص لهم من التخلّص منها إلا بالموت.

وربما وجد المراهق شفاءه من فشله في تجربة حبه الفاشلة في حب جديد، وقد يتكرر ذلك مرات ومرات لأن عدم الاستقرار العاطفي سمة من سمات المراهقة لا تزول إلا بزوالها ولا يتخلص منها المراهق إلا بعد أن ينضج فيما يلي ذلك من مراحل الرجولة والشباب.

والمتتبعُ لقصائد الحب والغزل في ديوان رعشات يصعب عليه أن يتعرف ما إذا كانت هذه القصائد مصورة لقصة حب واحدة أو أكثر، حيث يختلط في معظمها تصوير الشاعر لوقوعه في الحب بشكواه من قسوة الحبيبة، وصدودها عنه، وهجرها إياه، وبتصويره لتأثير ذلك الحب عليه في حالتي الوصل والهجران، وتذكير المحبوبة بساعات الصفاء المنصرمة وبما حباها الله من جمود في الحِسّ يجعلها لا تختلف كثيراً عن التماثيل الحجرية. وهو في معظم هذه القصائد يعلن رفضه للذل والخضوع للحبيب الذي لم يترك سبيلاً لإذلاله إلا سلكه.

ولنستمع إلى شاعرنا كيف يصور تعطشه للحب وشدَّة تعلقه بالمحبوب في قصيدته "ظمأ"[1]).

أهواكَ والقلبُ حِرحٌ

 

متى أراك أُهيجُهْ

يا روض تحلو لعيني

 

غدرانُه ومروجُهْ

لا يُلْثَمُ الزهر لكنْ

 

يُشَمُّ لطفاً أريجُهْ

أهواكَ حتى كأني

 

أود أنك مِنّي

ولو مُزِجْتَ بروحي

 

لزاد فيك التمني

لا أرتوي منك حتى

 

لو كنت خمرة دَنِّي

ومحبوب الشاعر يفوق في رقته ودلاله النسيم العليل الذي يهفو إلى براعم الورد النديّة.

ما بُرْعُمُ الورد يندى

 

لدى الصباح النضيرِ

يهفو النسيم إليه

 

مستنشقاً للعبيرِ

إلا دلالك لمّا

 

تميس عند الغرور

وهو نعمة إلهية تجعل من يتنعم بها يحس بأنه يحيا في جنات الخلود التي لا هم له فيها سوى التسبيح.

يا نعمةً لست أدري

 

أفي الخيالِ أراها

إذا انتشقت شذاها

 

قدَّستُ من قد براها

الخلدُ عندي لما

 

أكون بين رؤاها

والشاعر في ختام قصيدته هذه يصور لنا حرمانه من معاشرة هذا المحبوب، وأنه وحيد يَعُبُّ خمرة وجده، متسائلاً عن حال المحبوب الذي خلّفه وحده وهو يتجرّع مرارة العيش بعد أن كان ينعم بتذوق شهد اللقاء.

وحدي وليتك عندي

 

اعبُّ خمرة وجدي

وأنت ما أنت بعدي؟

 

هل تسهد الليل سهدي؟!

نسيتَ سالف عهدي

 

يامُرُّ قد كنتَ شهدي

 

وفي قصيدته "سواد" يصف لنا شعر حسناء كُلِفَ بها وأَحبها، وجعل من شعرها عالماً جميلاً يهيم في أرجائه ويوقظ في نفسه ما شحب من ذكريات أحلامه وآماله.[2])

يا لِشَعْرِ الحسناءِ كم في دُجاهُ

 

 

ضلَّ قلبي في عاصفات هواهُ

يا لِهذا السواد كالحندس الفاحم

 

 

والليل مائجٌ في نداهُ

هِمْتُ في جوفه شريد الأماني

 

 

لا أرى فيه برقه وسناهُ

خَفَتَتْ فيه كل ذات هبوبٍ

 

 

في سُباتٍ ما إن يُحَدُّ مداهُ

يا ليالي الشتاء والبرد والظلمة

 

 

أين الفؤادُ؟! ضاعت مُناهُ

السواد الحزين يوقظ فيهِ

 

 

شاحباتِ الأحلام من ذكراهُ

وهو في ختام قصيدته يصرخ ضارعاً بقوله:

ألقني في السواد حتى تراني

 

 

غمرتني في بَحْرِهِ لُجَّتاهُ

وفي قصيدته "رؤى" يذَكّرُ محبوبته بتلك الساعات الجميلة التي أمضاها بصحبتها في الربوة بدمشق[3])

 

رؤىً مثلُ أحلام الطيور تعودني

 

 

فأسكر حتى لا أفيق من السَكْرِ

أإن لاح لي نجمٌ توهمتُ بسمةً

 

 

بثغرك إذ ما نلتقي في الرُّبى الخُضّر

أراك بمجلى الشمس، في بهجة الضحى

 

 

وفي ومضة الزُّهرى، وفي هالة البدرِ

سلي الربوة الغنّاء كم بين حَوْرها

 

 

قضينا سويعاتِ الهناءِ بلا حَصْر

سلي بردى كم قد حملتك خائضاً

 

 

إلى الضفة الأخرى وأنت على ظهري

سلي القمر البسام كم في ضيائه

 

 

سمرنا وثغرٌ يرشفٌ الراح من ثغرِ

سلي الزهر والأنداء كم قد نظمتُها

 

 

عليك عقوداً في الجبين وفي النحر

رؤى ما أحيلاها إذا ما لمحتُها

 

 

أحسُّ لها قلبي يرفرف في صدري

فإن تُغْفلي عهداً قضيناه في الهوى

 

 

فإني سأقضي في تذكره عمري

وفي قصيدة "غائب يصور لنا الشاعر ما خلّفه غياب محبوبه من آلام[4])

 

يا غائباً طالما أشعلت في كبدي

 

 

نار الأسى، وأثرت الشعر بي غضبا

سعدت فيك زماناً بالغاً أملاً

 

 

وكنت فيّ سعيداً بالغاً أربا

أصبحت عني بعيداً ليس لي أملٌ

 

 

ولا أرجيّ طلوع البدر إذ غَرُبا

لو كنت تعلم ما بي من هواك إذاً

 

 

لما قسوت وصرت اليوم منقلبا

نسيت عهداً نعمنا في غضارته

 

 

بالقرب والأنس، ما أحلى الذي ذهبا!

قد كنت لي سلوةً في غربتي ولقد

 

 

أحسست بعدك أني صرتُ مغتربا

وعليّ كغيره من الشعراء الرومانسيين يستمرئ العذاب في سبيل الحب والألم في سبل المحبوب. وقد برزت المازوشية هذه في قصيدته "قرّبي واحرقي.." في أجلى صورة وأوضحها[5])

أنتِ دنيا أهفو إليها وإمّا

 

غبتُ عنها أرجعْ حبيساً كئيبا

علمتني عيونك الفنَّ لكنْ

 

يعد أن أحرقت دمي تعذيبا

كنتُ أشكو من اللهيب فلمّا

 

زال عني أصبحت أهوى اللهيبا

قرّبي واحرقي فؤادي فإني

 

لست أبغي سواكِ مني قريبا

يا سكون الأيام يا بردها القار

 

س دعني أريد حَرَّاً مذيبا

كان قربي جمالك السحر لكن

 

كنتُ أبغي من حرقتي أن يغيبا

ليت يدنو وإن فيه أشقى

 

وأقاسي من العذاب ضروبا

قرّبي واحرقي فؤادي فإني

 

أشتهي فيك باللظى أن أذوبا

أما قسوة الحبيبة المتمثلة في الهجر والصدود والتجاهل وأثر ذلك كله في نفس الشاعر فقد صوره لنا في عدد من قصائده منها "غمغمات" و"أأنتِ كتمثال فينيس" و"انتقام" و"لقاء" و"فاذهب إليّ" و"قسوة وفي عدد من المقطوعات التي لا تحمل عناوين ففي قصيدته "غمغمات" يشكو الشاعر محبوبته المُدِلّة بجمالها والجامعة لكل قساوات الحسان والتي أيأسته من وصالها، وجعلت منه عاشقاً فاشلاً لا يجد أمامه إلا أن يتوسل إلى الليل أن يثير في نفسه الحرى جميل الذكريات[6])

أيها الليلُ إذا مات ولم يحيَ الصباحْ

وأنا في الكون شعرٌ وحنينٌ والتياحْ

هائماً تحت الدياجي لا يواتيني ارتياحْ

عبث الريح بشعري وغدا فيه وراحْ

وتلاشتَ غمغماتي في صدى البيد الفساحْ

فاعلَمَنْ يا ليل أني عاشق ضلّ النجاحْ

جمعت هاجرتي كل قساوات الملاحْ

فهي لا تبرح في التيه وفي زهو الجماحْ

صرتُ أرثيها كما لو غالها الحينُ المُتاح

فأنا لا أرتجي من ذا الهوى وصلاً يُتاحْ

كل ما ألقاه يا ليلُ ذبولٌ والتياح

أيها الليل إذا البدر تجلّى وسَفَرْ

 

وتمشت فوق ماء النهر أضواءُ القمر

فارعني يا ليل واخلُقْ لي أفانين الصورْ

وأثر في نفسي الحرّى جميلات الذّكَرْ

وهو في قصيدته "أأنت كتمثال فينيس؟!" يتساءل عما إذا كانت مجرد تمثال يخلو من الأحاسيس بعد أن يئس من تجاوبها مع ما يقدم لها من حب صادق جعل روحه تسبح في عوالم مفعمة بالضياء والهناء[7])

عيونك في ليلها هوَّمَتْ

 

طيوف الأماني ودنيا الرؤى

وثغرك إن لاح لي باسماً

 

يشعُّ ضياءً كبرق الدُّجى

أراك فأغدو ضياً ساطعاً

 

كأني رأيتُ إله السنا

وتسبحُ روحي في عالم

 

بعيد يموج بنفح الهنا

ولكن نفسك في معزلٍ

 

عن الوحي لم تدر معنى الهوى

أناجيك في وحشتي مثلما

 

أناجي الجماد فما من صدى

أأنت كتمثال فينيس إذ

 

يلوح ومن روحها قد خلا؟!

وفي قصيدة "انتقام" يبلغ اليأس بالشاعر حداً يجعله يفكر بوضع حد لحياته بعد أن أدرك أنه لا مطمع له في رقة قلب المحبوبة.. وقد أوشك أن يفعل ذلك لولا أن بقية من عزته وكبريائه حالت بينه وبين ذلك في اللحظة الأخيرة[8])

علمتِ بحبي ولم ترحمي

 

فؤادي ورحت به تسخرينْ

أُحبُّ فنائي لكي تنعمي

 

وتهوين أنت شقائي الدفين

ونفسي تأبى خضوع الهوى

 

ولو كان ناراً تذيب الحديد

وأفرطتِ أنتِ بطول النوى

 

وليس لهذا الجفا من مزيد

ولما يئست ولم أستطعْ

 

بقاءً على مُرّ هذي الحياة

وثارت دمائي ولم أنتفعْ

 

بعقلي وأفنى اصطباري الإله

جلستُ أحملقُ في ظُلمتي

 

وأرنو بغيظ إلى خنجري

وهاج انتقامي في عزتي

 

وصاح: جُنِنْتَ؟! ولم أصبرِ

ويقص الشاعر علينا في قصيدته "لقاء" قصة التقائه صُدْفَةً بفتاة كان له معها تجربة حب سابقة بعد غياب استمر قرابة عام، وقد فوجئ الشاعر بتجاهلها له مما ينم على أن طول الغياب قد غيرّها وغيّر مشاعرها نحوه. وتمضي الفتاة في طريقها لا تلوي على شيء تاركة شاعرنا يتحسّر على ذكرياته الجميلة السالفة معها[9])

ثم لما أَقْبَلَتْ صَدَّتْ ولم تَرْمِ السلامْ

وتولَّتْ وهي غضبي باكتئابٍ وملامْ

أَتُوَلِّي عن لقائي بعدما قد غبتِ عامْ

ولهولِ البُعد فيه لم أذقُ طيبَ المنامْ

ما الذي جرى في غيابيَهْ؟!

هل تغيَّرتْ؟ وامصابَيْه!

نسيت هاجرتي ما في الهوى والابتسامْ

حينما كنا بدينا من حنانٍ وهيامْ

نتغنَّى بالأماني مثلما يشدو الحمامْ

وتعاهدنا على الدهر بأن نرعى الذمامْ

أنتِ لؤلؤٌ يا دموعيَهْ

أطفئي اللظى في جنوبيَهْ

هل نسيتِ العيش غضَّاً مورقاً تحت الظلالْ

بين أزهار الأماني البيض والماء الزلالْ

كم تحدثنا بأنسٍ في أويقاتٍ طِوالْ

كم جلسنا في الضفاف الخضر أو فوق الرمالْ

يا ابنة الهوى أنتِ قاسيَهْ

أنتِ جَمْرَةٌ في ضلوعَيْه

وقد ناشد محبوبَهُ في قصيدته "فاذهب إليَّ.." أن يقوم بزيارةٍ إلى قبره إن هو مات شهيداً لذلك الحب القاتل كي يتذكر الأوقات السعيدة التي أمضياها معاً في وئام[10])

بالله إمَّا ذوى غُصْني وأودعني

 

 

أهلي التراب بقبرٍ خارج البلَدِ

فاهذبْ إليَّ وَحَيِّ القبر مُدَّكِراً

 

 

أيام كنا معاً في سالف الأَمَدِ

واذكرْ عهوداً وأوقاتاً لنا سَلَفَتْ

 

 

بين الرِّضى والمُنى والأُنسِ والرَّغَدِ

وأمَّا في "قسْوَة" فقد صوَّر تَرَفُّعَهُ عن عشق حبيبٍ لم يَرَ مِنْهُ غير القسوة في المعاملة، والشُّحِ في الوصال، والظلم الذي وصل به إلى حد استباحته دماءه. وهو يعلن في هذه القصيدة بأنه قد قرر أن يعامل حبيبه ذاك وأمثاله من الملاح القساة بمثل ما عامله ذلك الحبيب[11])

سوف أبقى مدى الحياة فريداً

 

 

قد كفاني من الغرامِ جروحي

قد تَرَفَّعْتُ عن غرامٍ وعشقٍ

 

 

لست أبغي هوى الحبيب الشحيحِ

سوف أقسو على الملاح لأني

 

 

لم أجذْ غير قسوةٍ من مليحِ

إن قلبي لن يغتدي لغريرٍ

 

 

ظالم الطبعِ للدما مُسْتَبيحِ

ليس يحيا على الهوان عزيزٌ

 

 

فيه شيء من الإبا والطموحِ

وقد رسم لنا الشاعر في إحدى مقطوعاته الأسلوب الذي قرر اتباعه في تعامله مع محبوبهِ بعد أن يئس من نوالِهِ، وأدرك أن من الأجدى له أن يتحدى ذلك المحبوب بالصمود والترفع عن الخضوع وقبول الذل، وأن يمضي قُدُماً في تحقيق طموحاته وأمانيه[12])

تِهْ وعَرْبِدْ بالتيهِ واهجر طويلا

 

واهوَ غيري وادعُ اللقا مستحيلا

واخفَ عن ناظري ولا تبدُ يوماً

 

ثم جئني في النوم طيفاً ضئيلا

إن حرَّ الآلام يصهرُ رجسي

 

ويريني ديناً وكوناً جميلا

صرتُ ظلاً من الذبولِ نحيفاً

 

وخيالاً من الذهولِ نحيلا

سوف أعلو متن الحياة اقتداراً

 

ثم لا أرتجي إليك سبيلا

أنتَ أدنى من أن تُذِلَّ فؤادي

 

لغرامٍ أو أن تراني ذليلا

وبين قصائد الحب في ديوان "رعشات" تقف قصيدة "عقاب" فريدة في موضوعها بين سائر القصائد فيه.

فبينما نجد أن الشاعر هو الضحية في جميع القصائد، وأن بطلة أو بطلات قصائده هن الجانيات عليه وعلى حبه، نجد أنه في هذه القصيدة يعترف نادماً بأنه هو الذي تجنى على فتاة أحبها... فلما آنس فيها شيئاً من الزَّهْوِ والغرور لطمها وأمعن في إذلالها على الرغم من اعتذارها وتذللها له، مما اضطرها إلى هجره والابتعاد عنه يأساً منه ومن تفهمه لحقيقة مشاعرها. وأخيراً لم يجد الشاعر أمامه غير الندم على ما جنت يداه بعد أن أبت عزَّتُه إلا أن تأخذه بالإثم[13])

يا فُلَّةً غضَّةً بيضاءَ كالبَرَدِ

 

 

-قُتلتُ من أحمقٍ- أذبلتُها بيدي

ظننتُها حين تاهت في نضارتها

 

 

عليَّ تزهو فهاج التيه في خَلَدي

لطمتُها ناقماً غضبانَ إذ حَسَبتْ

 

 

عينايَ فيها صدود العُجْبِ والمَيدِ

ثم انثنيتُ وعزُّ النصر يرفعُني

 

 

عنها وما لي سوى الأوهام من سَنَدِ

تذلَّلَتْ لي فلم أسمعْ شكايتها

 

 

ورُحتُ أُزري بها نشوان في صَيَدِ

فأدبرت عن لقائي بعدما يئست

 

 

ففتَّ من بعدها الخذلان في عضدي

ندمت من فعلتي هذي فما نفعت

 

 

مني الندامة إذ ولَّتْ ولم تَعُدِ

ودّعت روحي وأُنسي حينما هجرت

 

 

وما أتيتُ بهذا الفِعْلِ من رَشَدِ

 

****

الحب في ديوان "حنين الليالي"

الصورة العامة لقصائد الحب عند علي دمر في ديوان "حنين الليالي تختلف عما كانت عليه في ديوان "رعشات"، حيث لم تعد هذه القصائد تنهدات مراهق محروم أضواه العشق، وأمضَّه الشوق، وشكاوى مستمرة يبثها فؤاده من قسوة النساء ومكرهن، وخداعهن، وخياناتهن... بل نراه في ديوان حنين الليالي صِنْواً لعمر بن أبي ربيعة وأضرابه من الشعراء الذين يتتبعون الجمال حيثما وجدوه ويرسمون لنا من الصور المبهجة للحب ما يدخل السرور على النفس، وما يهز الوجدان من الأحاسيس.

هكذا فعل علي في ديوانه حنين الليالي الذي راح يُغْرِدُ فيه القصيدة تلو الأخرى للتغزل بكثير من الحسناوات.

بل إنه ربما جعل القصيدة الواحدة وقفاً على التغزل بنظرات ممثلة، أو التغني بصوت مطربة، أو الإعجاب بصوت مذيعة يتناهى إليه عبر الأثير.

ونحن نعتقد أن هذا التحول الذي طرأ على شعر الحب عند علي يتمشى مع المرحلة العمرية التي وصل إليها الشاعر الذي كان قد جاز منتصف العقد الثالث من عمره عند إصداره لهذا الديوان، وهي مرحلة يكتمل فيها الشباب وتنضج الرجولة ويصبح صاحبها أكثر ميلاً إلى الاستمتاع بمباهج الحياة التي يراها بدلاً من العيش مع أحلام اليقظة والمراهقة المجرَّدة. وبمعنى آخر فإن علي دمر في ديوانه حنين الليالي يذكرنا بعمر بن أبي ربيعة ومذهبه الغزلي.

وإذا شئنا أن نستعرض قصائد الحب في هذا الديوان فإننا نجد أن في مقدمة ما يلفت أنظارنا من قصائده هي قصيدة "بنت البلد" وهي القصيدة التي حاول فيها علي دمر أن يرسم لنا صورة عامة لبنت البلد المصرية مستلهماً تلك المقطوعة الموسيقية التي أبدعها الموسيقار المرحوم محمد عبد الوهاب. والقصيدة تكاد تكون -إذا صح التعبير- ترجمة دقيقة لهذه المقطوعة الموسيقية الرائعة[14])

لمواكب الأفراح في الأكوان

 

قد صغت هذا الجانب النفساني

لو جُمِّعَتْ أعراسُ أجيال الورى

 

وجميع دنيا الرقص والألحانِ

ما أبرزت سحراً للفتةِ خفةٍ

 

من طيفك المتلهف الظمآنِ

سمراءُ يا دنيا زغاريد لدى

 

سهرٍ مع الفتيات والفتيانِ

من عهد فرعون وعهد قصوره

 

وطراز ليلات لديه حسانِ

من عهد ما للنيل من أُنسٍ وما

 

لشراعه من فرحة الشطآنِ

كنتِ الجمال الأسمر الموحي من

 

الإعجاب ما لم يوحِهِ الهرمانِ

أغرودةٌ بكرٌ ورقصٌ خالدٌ

 

يسري فريد اللون في الأزمانِ

وبعد أن يفرغ الشاعر من وصفه لما تتركه بنت البلد المصرية من تأثير في نفوس المعجبين ومن قدرة على الإلهام والإيحاء والإغراء يحاول أن يبرز لنا بعض خصائصها التي تميزها عن نساء الأرض فيقول واصفاً شعرها وشفتيها وجسدها وخصرها ومشيتها وردفيها وقوامها.

شَعْرٌ إذا ما الليل خيَّم كان في

 

 

الأضواء ليل السامر النشوانِ

ماست لآلِئُهُ كومض كواكبٍ

 

 

تُنشي الدُّجى باللمح والخفقانِ

وفمٍ سميكُ شفاهه متجمِّعٍ

 

 

كتجمّع الورد السميك القاني

عصروا خمور العالمين وجسّدوا

 

 

منها رشاقة قّدِّك اللهفانِ

فإذا مشيتِ تخلَّعَتْ تلك الخُطا

 

 

والخصر إذ يتراقص النهدانِ

وشددتِ أطراف الملاءة كي يرى

 

 

التجسيد إذ يتماوجِ الردفان

فبدا القوام اللدن في ريّ الصبا

 

 

كالماءِ في لينٍ وكالأَفْنانِ

متكسِّر الحركاتِ في جَذَلٍ كما

 

 

تبدو الرؤى في مقلة السكرانِ

ويعود الشاعر إلى إضفاء بعض الصفات المعنوية المتخيَّلة على بنت البلد ليختتم بها قصيدته:

سمراء يا عطر الربيع وزهره

 

وتحدث العشاق والندمان

كم في عيونك من معانٍ أجتلي

 

مكنونها فأغيب عن أكواني

أهدابُك النشوى تبث دنا الهوى

 

في النفس في صور وفي ألوانِ

وإن أنسَ فلن أنسى تعليق المرحوم الموسيقار محمد عبد الوهاب على هذه القصيدة بعد أن ألقاها الشاعر على مسمعيه عندما ذهبتُ مَعَهُ لمقابلته في مكتبه بعد أن حدد لنا موعداً لذلك حيث قدّم إليه عليٌّ نسخة من ديوانه الذي ضمَّ بين دفتيه قصيدتين تتعلقان بالموسيقار الكبير هما قصيدة "بنت البلد" وقصيدة "بيتهوفن العرب" التي صور فيها شاعرنا إعجابه بالموسيقار الخالد محمد عبد الوهاب.

قال عبد الوهاب بعد أن استمع إلى القصيدة:

"الحقيقة يا أستاذ علي أن هذه المعاني هي التي كانت تدور في ذهني وأنا أؤلف هذه المقطوعة".

وفي قصيدته "عرس الطبيعة" يدعو الشاعر محبوبته لتشاركه الاستمتاع بما أبدع الخالق من جمال في فصل الربيع.[15])

يا ابنةَ الحب والخيالِ تعالَيْ

 

 

نشرح الوجد والهوى المحجوبا

ولكي يُغري محبوبته بتلبية دعوته نراه يرسم لنا هذه اللوحة الجميلة لمجموعة من الصبايا اللواتي يلعبن في إحدى الرياض الغناء.

والصبايا يلعبن في كل روضٍ

 

كالعصافير جيئة وذهوبا

كل غيداء شابهت ثمراً غَضَّاً

 

وزهراً لدى الربيع رطيبا

فهي الغصن أنبت الورد والرما

 

ن والبدر والدُّجى والطيوبا

يتراقصن حول كل غديرٍ

 

كالفراشاتِ خفةً ووثوبا

خالقات مع الصباح صباحاً

 

لا غروباً إذا بلغن الغروبا

يتراشقن بالفواكه والفلِّ

 

فينشرن في النسائم طيبا

يا بنة القلب والوجيبِ تعاليْ

 

فبهاءُ الربيع أحيا الوجيبا

كل إلفٍ يا روحُ راح بإلفٍ

 

يهجران الهجران والتعذيبا

الحياة ابتسامة وهناءٌ

 

ضل من يقطع الحياة كئيبا

وفي قصيدته "أمسيات النيل" يتخيل الشاعر أرتال قوارب العشاق التي تملأ صفحة النيل فتغريه هذه الصورة برسمها.[16])

يا نيل كم رقصت عليك مَسَرَّةٌ

 

في زورقٍ والليل جرَّ ذيولا

كم كليوباترا فوق لُجِّك أشرعت

 

في جنب أنطونيو تبث غليلا

غنّت له لحن الغرام وأسندت

 

رأساً عليه تدلُّلاً وذبولا

وتناجيا والسكر أنعس جفنها

 

والحسن شعَّ بفرقها إكليلا

ويتصور الشاعر العشاق الكثيرين الذين طالما جلسوا على ضفاف النيل وهم ينتظرون معشوقاتهم في قلق ظاهر لا يُبَدِّدُه إلا إشراق طلعة الحبيبة.

كم عاشقٍ يا نيل أخلف وعدَهُ

 

إلفٌ بشطك فاتكَّى مذهولا

يبكي إلى أن أشرقت ليلاه في

 

حلكٍ فأشبع كفَّها تقبيلا

ثم يتصور الشاعر مالا يتناهى من الرغائب التي نهل منها العشاق على ضفاف النيل.

يا نيل كم نيلَتْ بشطك بُغْيَةٌ

 

ولكم بها شهدُ الرغائب نيلا

في كل أمسية ضفافك تلتقي

 

بالعاشقين مواكباً وسيولا

ويرى الشاعر مجموعات من الأوانس اللاهبات بين الخمائل المنبثة على ضفاف النيل فيرسم لهن هذه الصورة المبهجة

ولقد دخلت بشاطئيك خمائلاً

 

شملت بها كل الجمال شمولا

ورأيتُ فيها للأوانس مرتعاً

 

يلعبن فيه غدوةً وأصيلا

يرتعن كالأحلامِ أمَّت شاعراً

 

مَرِحاً يعُبُّ لدى المساءِ شمولا

من كل سكرى بالدلال بسحرها

 

تحيي وتقتل أنفساً وعقولا

ريّانةَ بالحسن يثقل ردفها

 

ونهودها والخصر ذاب نحولا

مصرية الأحداق لو رشقت بها

 

طوداً لَخّرَّ تلَهُّفاً وذهولا

لم أدر حين لحظتُها فتبسَّمَت

 

أني غدوت وما شعرت قتيلا

وتقع عينا الشاعر على هذه الصورة الجزئية لصبيتين تتسابقان فتسارع عدسة شاعريته إلى التقاطها.

وصبيَّتين على الحشائش جُنَّتا

 

تتسابقان تقدماً وقفولا

إحداهما شقراء أَترع جسمها

 

ريَّاً وفُصِّل قدُّها تفصيلا

وبجنبها سمراء أظلم شَعرَها

 

والطرف يسحر ناعساً مكحولا

تتضاحكان بفرحة وتعطش

 

فتهيجان الواجم المتبولا

وفي قصيدة "أيقظيني" يعبر الشاعر عن إعجابه بصوت المطربة "صباح" مازجاً إعجابه بصوتها بإعجابه بجمالها وخفتها وحركاتها ونظراتها وثغرها وقدرتها على الإغراء[17])

طفلةٌ حلوة تناغي شذا الورد

 

بثغرِ مُحَيَّر البسماتِ

لو رآها الذي تحرَّق بؤساً

 

لانتشى في رياضها الخضلاتِ

خفَّةٌ تقذفُ الوقور إلى الرقص

 

وتلقي الشباب في الهلكاتِ

حركاتٌ لديك تلعبُ بالروحِ

 

وتُدْكي ما نام من لهفاتي

سرقتْ خافقي جفونُك والشدو

 

فضجّتْ مع الهوى خفقاتي

قد بعثتِ الألحان في الروح كالخمر

 

فأودتْ بأكؤسي العطراتِ

ليت شعري أيا صباحُ وأنت الصبحُ

 

في بحر هذه الظلماتِ

أغناءٌ سمعتُ منك أم

 

الأطيار ضجَّتْ لله بالصلوات

أنت أيقظت كامناً من جراحي

 

بفتور الأهداب والنظراتِ

بُعِثَ الحبُّ في ضلوعي حتى

 

لم تَبَرِّدْ لهيبَهُ عبراتي

أما نظرات الممثلة "راقيه إبراهيم" فهي نظرات مسكرة كالخمر، محيرة كالألغاز لا يدرك كنه ما تخفيه من مشاعر سوى خفقان قلب شاعرنا الذي يقول في هذه النظرات[18]):

يا نظرةً كالكأسِ لَمْ

 

تترك فؤادي صاحيا

في لهوها أو سحرها

 

تهدي اليؤوس أمانيا

المكر فيها ظاهرٌ

 

والشوق أمسى خافيا

حارتْ بها الألغاز لم

 

تَدَعِ التمنّي باديا

لم يدر ما تحليلها

 

إلا ارتعاش فؤاديا

روحي لها من غادةٍ

 

تركت رشادي غاديا

يكفي بنظرتها بأنْ

 

ألقى الهناءَ الكافيا

ويتريَّضُ الشاعر في متنزه الميماس على ضفة العاصي في مدينة حمص فتأسره هذه الصور لجميلات حمص اللواتي يتريضن في ذلك المتنزه، وبخاصة تلك الجميلة التي ذكرته بمأساة الشاعر الحمصي "ديك الجن" الذي دفعته غيرته العمياء إلى الفتك بمحبوبته ورد[19])

خمد الهوى دهراً فأذكى جَمْرَهُ

 

 

في حمص أمثال الكواكبِ تَسْطَعُ

أنّى خَطَرْتَ ففتنةٌ وعرائسٌ

 

 

كالخلد فيه الحور أمست ترتَعُِ

من كل رائعة كما شاء الهوى

 

 

صيغت، يهيم بها الجماد ويولَعُ

يَسْعَيْنَ أسراباً كأنسام الرُّبا

 

 

لطفاً ويتركن الحجا يتصدَّعُ

****

وبديعةٍ دقَّت معاني وصفها

 

 

عن كل إلهام يفيضُ ويبدعُ

عند الغروب لدى الخمائل وحدها

 

 

سارت تهادى والنسائم تُسْرِعُ

فتلفها شغفاً فتلصُق ثوبها

 

 

بقوا مها طوراً وطوراً تنزعُ

فترى بذاك مفاتناً خلاّبةً

 

 

يحيا بها الشوق الحزين ويُصْرَعُ

فَعَذَرْتُ ديكَ الجن حين شذوذه

 

 

وبكفه الكأس الأثيم المترع

وفي "نشوة الأحلام يصور الشاعر لقاءً جمعه بإحدى السمراوات في إحدى الخمائل على النيل:[20])

سمراءَ وادي النيل ما أحلى اللقا

 

 

والليل أطيافٌ وحسنُك ضاحي

يا نشوة الأحلام يا أختُ الرؤى

 

 

هذي الرشاقةُ سكرة الأرواحِ

شفتاك قد أحسستُ حين رشفتها

 

 

جمر الحنين ولفحة الأقداحِ

أخفى لقانا الشط تحت خميلةٍ

 

 

وروى الحفيفُ تشوَّقَ الأرواحِ

في جو ليلٍ قاهريٍ فاجرٍ

 

 

يلهو به العشاقُ للإصباحِ

ثم ارتميتِ على الزهور بنشوةٍ

 

 

وبسمتِ لي في رقةٍ وسماحِ

وفرشتِ لي بالعطف زندك فارتمى

 

 

عنقي عليه برعشةِ الأقداحِ

وتمازجت منا الشفاهُ بضمّة

 

 

غبنا بها عن عالم الأتراحِ

وفي "دنيا عيون" يصوّر الشاعر تأثير نظرة فتاة مراهقة سدَّدت سهام عينيها إليه، ولكن حياءه منعه من أن يبادلها التحديق، غير أنه لم يلبث بعد أن توارت تلك الفتاة عن ناظرَيْه أن عبَّر عن ندَمه على ذلك[21])

وقفتِ بدربك في دهشةٍ

 

لديَّ وحثَّ خطايَ العَجَلْ

نظرتِ إليَّ مليّاً وما

 

نظرتُ إليك لحمَّى الخَجَلْ

ولما ذهبتِ ولم ألتفتْ

 

إليك تكنَّفَ روحي الوجَلْ

غرقتُ بدنيا عيون رنتْ

 

إليَّ بلهفتها تشتعلْ

وغبتِ بشخصك عن ناظري

 

وما غابَ عنيَّ طيفُ المُقَلْ

ثم يوجه الشاعر نصيحته إلى تلك الفتاة الصغيرة على الحب داعياً إياها إلى الابتعاد عن طريقه حتى لا تحرقها نيران حبه وهي الفتاة الغريرة التي لم يكتمل ربيعُها الثالث عشر بعد.

أيا طفلةً غِرَّةً لم تزل

 

ثلاثةُ عشرتها تكتمل

حناينك لا تدخلي عالمي

 

فتحترقي في لهيب الغزل

أنا جمرُ قلبك إمّا نأى

 

وجنَّةُ أحلامه إن وَصَلْ

وعندي إذا الهجرُ تابعتِهِ

 

جحيمٌ يذوِّبُ أقسى جَبَلْ

لعلك أنت فتاتي التي

 

سيخلُدُ شعري بها للأزلْ

ويدلف الشاعر ذات يوم إلى دار الإذاعة في القاهرة فيلتقي بمذيعة حسناء يبهره جمالها، وتعقد فتنتها لسانه عندما هم بإلقاء التحية عليها، فلم يجد أمامه وسيلة تُخْفي اضطرابه سوى أن يسرع بتسليمها قصيدة كان قد جاء بها إلى الإذاعة ثم ينطلِقُ خارجاً وهو لم يزل تحت تأثير ذلك الجمال الطاغي الذي ملأ نفسه إجلالاً ورهبةً وحبوراً.[22])

هلاّ ذكرتِ فتىً قد اضطربا

 

لما رآك وحاول الهربا

دخل الإذاعة حثَّهُ سبب

 

فاحتار إذ أنسيته السببا

لما طلعت إليه ناظرةً

 

أمضى وعالج خطوة فكبا

أعشاهُ ضوؤُك في تألقه

 

فارتد تخفق نفسه رعُبا

ما كان يحسب أنه سيرى

 

كل الجمال لديه مقتربا

ومشى إليك بخطو ذي جزعٍ

 

يخشى من الجُلَّى إذا اقتربا

نسي السلامَ لفرط دهشته

 

ولسانه لم يختلج أدبا

أدّى إليك قصيدةً ومضى

 

في ليله هيمان مغتربا

لم يَدْرِ بعد لقاك حين مشى

 

فوق الثرى أم جاوز السُّحُبا

تالله ما لي فيك من أملٍ

 

إلا قصائد تُطْرِبُ الشُّهبا

ولعلَّ ألحاني إذا سمحتْ

 

عيناك يطوى سحرُها الحقبا

ويتحقق أمل شاعرنا بلقاء فتاة تُدعى "هيام" وهي فتاة طالما تمنى لقاءها فتصدح لنا قيثارته بهذه الأبيات التي تصور لنا سعادته بهذا اللقاء الذي أصبح لا يتخوف من شيء أكثر من تَخَوُّفِهِ من انقطاعه.[23])

أهيامُ ما أحلى الحياة إذا بَدَتْ

 

 

يوماً تلوحُ مع الحياة هيامُ

بظلال هُدْبِك صرت في ظل الهنا

 

 

وبومض طرفك ضجّت الأوهامُ

وسقامُ جفنيك الشفاء لخافقي

 

 

فالصحو من سُكري لديك سقامُ

وضرام خدِّك تاركي طول المدى

 

 

يُذكي اشتياقي للقاءِ ضِرامُ

شفتاك في لهب الغرام تزجُّني