علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الحب في ديوان "المجهولة"

الحب في ديوان "المجهولة"

جعل علي دمر من الحب بمعناه الإنساني العميق القضية الأولى التي نذر لها شعره إحساساً منه بأنه الدعامة الأساسية التي يُبْنَى عليها المجتمع السليم.

وهو في نظره البلسم الناجع لكل ما يصيب الإنسانية من أمراض، والمقوِّم لكل ما يعتريها من اعوجاج، وملاذها الذي يقيها من كل ما يتهدَّدُها من أخطارٍ وشرور.

وقد شاء علي دمر وهو يحدثنا عن الحب بصفته القيمة الإنسانية العليا أن يوضح لنا أن الحب بين الجنسين هو في الطليعة من أنواع الحب الكثيرة المتنوعة.

وقد راح من خلال بحثه عن الحب الحقيقي يصوِّر لنا امرأة مثالية مجهولة تتوافر فيها جميع ما تتصوره أخيلةُ الشعراء في المرأة من صفات جسدية وخُلُقيَّة ونفسيّة. ولما رأى أن قصيدة واحدة لا تتسع لتضمين كل ما يريده في مجهولته المثالية من صفات فقد عمد إلى إبداع ملحمة شعرية مؤلفة من اثنين وعشرين نشيداً ضمَّن كل نشيد منها قضيّةً من القضايا المتصلة بمجهولته.

وقد تراوحت هذه الأناشيد في طولها وقصرها بين المقطوعة التي لا تزيد عن أربعة أبيات وبين القصيدة التي وصل طولها إلى سبعة وستين بيتاً من الشعر. وقد بلغ مجموع أبيات هذه الأناشيد ثلاثمائة وستين بيتاً.

ولا شك أن وصفنا لهذه الأناشيد بالملحمة إنما هو من باب المجاز والتجاوز لمفهوم الملحمة الحقيقي، لأن مفهوم الملحمة من الوجهة الفنية لا يغيب عن بالنا، ولا يَنِدُّ عن أفهامنا.

وقد قدَّم علي لملحمته هذه بمقدمة أسماها "دوزنة" حاول فيها أن يضبط أوتار شاعريته كما يضبط العازف أوتار عوده وهو يتهيّأ للعزف.

وقد بيّن لنا علي في هذه الدوزنة أن الذي دفعه إلى التفكير في وضع ملحمته إنما هورغبتُهُ في الهروب من عالم الواقع إلى عالم الخيال، بعد أن أصبح هذا الواقع المُفْزع مدعاةً للبحث عن عالم جميل آخر مفعم بالخيالات، يُؤْذِنُ انبلاج فجره بالخلاص من هذه الليالي المعتوهة التي تسببت في إحساس الشاعر بالقرف من كل شيء بعد أن أصبح هذا الكون صورة للسخف المثالي مجسماً فيما يعيشه الشاعر ويعانيه[1])

نظرتُ لواقعي ففزعت منهُ

 

مآسي لا تُحَبَّرُ في مقالِ

رنوت لواقعي فهربت منه

 

وإلى كَوْنٍ زهيٍّ في خيالي

أسائل شقوتي وظلام نفسي

 

ألا فجرٌ لمعتوه الليالي؟!

وبي قرف لرؤية كل شيءٍ

 

كأن الكون من سُخْفٍ مثالي

وقد كان الزيف الذي ران على الحقيقة والعدل، والنضال من أجل القيم والمبادئ في طليعة الأسباب التي جعلت الشاعر يحسُّ بالرغبة في الهروب من واقعه المتردي.

لقد غشّى حقائقنا هراءٌ

 

يُمَوِّهُ كل عَدْلٍ أو نضالِ

وكان الجدل البيزنطي بين أبناء الأمة العربية وفرقها وأحزابها والذي أدّى إلى التضحية بحقوقهم من الأسباب التي أدّت إلى ذلك الهروب:

أشاهد أمتي احتربت جدالاً

 

ومات الحق في حرب الجدالِ

ومن هذه الأسباب: جدُّ الأعداء واتحادهم وحشد قواهم، مقابل انغماس العرب في اللهو والعبث المؤذنين دائماً بزوال الأمم واندثارها، متناسين ما تلقنوا من دروس في الأندلس التي توشك أن تتكرر مأساتها في أكثر من بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير في وقت نتوهم فيه أن التغني بالأمجاد كفيلٌ بأن يعيد إلينا الحقوق ويرد عنا عادية الأعداء:

وخصمُ حياتنا احتشدت قواهُ

 

يعبِّئُها إلى يوم النزالِ

إلى يوم له أملٌ عريضٌ

 

ليقذفنا إلى قاصي الرمالِ

لَهَوْنا عن أعادينا بِكُرْهٍ

 

يُجَرِّعُ نفسنا كأس الزوالِ

بأندلسٍ فنينا من خلافٍ

 

ونحن عن الأعادي بانشغالِ

نُمَزِّقُ شملنا ونقول عُرْبٌ

 

لنا الماضي العظيم فلا نُبالي

لقد رأى الشاعر أن الخلاص من هذا الواقع المرير إنما يَتَمَثَّلُ في هروبه منه إلى عالمٍ يتغنّى فيه بالحب الذي ينبغي أن يتعلمه أبناء أمته إنْ هم شاؤوا التخلص مما يفتك بهم من أدواء.

شعرت بواقعي وشقاء شعبي

 

فكانت حسرتي فوق احتمالي

وطرت إلى صفاء الحب أحيا

 

فليس الحقد من كرم الرجالِ

لقد نسي الغرام الناسُ حتى

 

عتوا بالبغض في سوء المآلِ

فوشوشت الرباب قصيد حبٍ

 

لأسقي أمتي كوب الجمالِ

إذا ما البغض مزَّق شمل قومي

 

فإن الحبَّ يُحْيي كلَّ بالِ

في النشيد الأول من ملحمة "المجهولة" التي لا وجود لها فيما نظن إلا في عالم المدينة الأفلاطونية الفاضلة، يسائل الشاعر الصباح المندَّى بنسيم الأشجار والورود عن مجهولته. وهو يوجه سؤاله الملح هذا عندما يتغلغل شارداً في الرياض، وعندما يتلفع بضياء النهار وسواد الليل، وفي أوقات الضحى والمساء، وهو لا يترك وقتاً من الأوقات دون أن يشغل قريحته في صوغ أعذب القصيد في هذه المجهولة التي لا تبين.[2])

كم تَوَسَّلْتُ للصباح المُنَدَّى

 

بنسيم الأشجار والأورادِ

كم تغلغلتُ في الرياض شروداً

 

وتلفعتُ بالضيا والسوادِ

في الضحى والمساء والليل نفسي

 

تتمَلَّى خوافي الآباد

سائلاً عَنْكِ كل عِطْرٍ وفجرٍ

 

منشداً فيك أعمق الإنشادِ

ويتساءل الشاعر عن كنه مجهولته التي يعدُّها شَقيقةً لروحه ونعيماً يتقلب في أعطافه وحنيناً يعمر فؤاده، وهل هي عالم أبدعته خيالات الملائكة المتفرغين للعبادة والتسبيح؟ أم أنها ليست إلا إنساناً عادياً يشارك الناس سخافاتِهم وأحقادَهم؟ وهل هي أرضيّة المشاعر والأحاسيس؟ أم أنها دنيا سماوية ملونة الأبعاد والآماد لا يرتقي إليها سوى خيالات الشعراء؟

 

مَنْ تكونين يا شقيقة روحي؟

 

 

يا نعيمي ويا حنين فؤادي

من تكونين؟ هل على الأرض ديناً

 

 

من فنون الملائك العُبَّادِ؟!

أم على الأرضِ من بني الأرضِ سخفٌ

 

 

وتَفانٍ في حَمْأة الأحقاد؟!

أنت أرضية المشاعر؟ أم مِن

 

 

مُرْتقايَ الملوَّن الأبعاد؟!

إن أشد ما يخشاه الشاعر هو أن تكون مجهولته مجرد امرأة عادية لا همَّ لها إلا أن تحلم بالرياش  الفاخر، واللآلئ الثمينة، والزينة المبهرة، وأنها ليست إلا كغيرها من النساء عناداً وحمقاً واهتماماً بالبحث عن رجل تسخره لخدمتها وتحقيق شهواتها المادية في هذه الحياة. ولم لا تكون قَدْ صيغت من المعادن التي صيغ منها فن الشاعر وسموُّه وحنوُّه وكبرياؤه.

أنتِ مثلُ النساءِ دنيا رياشٍ

 

ولآلِ وزينةٍ وعنادِ؟

ليس فيهن غير حمقاء تبغي

 

رجلاً خادماً لأي مُرادٍ

أم تكونين من معادنِ فني

 

وسموى ورقتي واعتدادي

ومع يأس الشاعر من تلقي أية إجابة على تساؤلاته هذه، نجد أن خير عزاء له هو أن يخدع نفسه بالإجابة على هذه التساؤلات بقوله:

 

أنت مثلي لا شك روحٌ وفَنٌّ

 

 

لستِ كالغير حفنةً من جمادِ

ولم يَفُتِ الشاعر أن يتساءل عن مكان وجود مجهولته ونوع الحياة التي تحياها مثلما تساءل عن كنهها.

 

كيف تحيَيْنَ يا ربيع حياتي

 

 

أبقصرٍ؟ أم تحت كهفٍ حقير

في شواطى البحار؟ أم في البوادي

 

 

أم لدى صرحِ قريةٍ مهجور؟

ويمضي الشاعر في تساؤلاته متكهناً بمكان وجودها.

ربما كنتِ في ليالي شتاءٍ

 

 

في سرير على فراشٍ وثيرِ

جانب المدفأ الأنيق وحو

 

 

لَ البيت ناحت عواصف الزمهريرِ

قطرات على زجاجك تهمي

 

 

كدموعي لدى نواك السعيرِ

ربما كنت في شقاءِ حصادٍ

 

 

تحملين الأكوامَ تحت الهجيرِ

ربما كنت زوجةً لغبيٍّ

 

 

ميَّت الحسِّ مظلمِ التصويرِ

ربما كنت في المعاهد والقا

 

 

عات تُلقين مبحثاً في الزهورِ

ينشُق الحَفْلُ من بهاكِ عبيراً

 

 

ويُفيحُ الكتاب أحلى العطورِ

وقد بلغ الشوق للقاء المجهولة بالشاعر حداً جعله يتساءل عما إذا كان الله -سبحانه وتعالى- قد قدّر أن يخلقها في اللوح المحفوظ وأن يُهيّئ له أن يلتقيها فيمن يلتقي بهن من النساء.

أيُّها اليوم يوم ألقاك هل في

 

 

أسطر اللوْحِ؟ في قضاء الخبير

أين؟ أو كيف؟ أو متى نتلاقى

 

 

فحنيني يذيب أقسى الصدورِ

ولم ينس الشاعر أن يصور لنا حياته القاسية التي تمضي أيامها ولياليها بصعوبة ومجهولته ما تزال في عالم الغيب.

 

وحياتي جديبةٌ في سرابٍ

 

 

ليس فيه إلا شقاء المسيرِ

لا الليالي كما تكون الليالي

 

 

عاطرات بنشوة أو حُبورِ

لا الأماسي كما تحب الأماسي

 

 

عابقات بصاحب أو سمير

كدتُ أنسى للعيش أية معنى

 

 

فأنا في الحياة بعض القشور

ثم يعود الشاعر إلى تساؤلاته عن مكان مجهولته وزمن لقائها عن الحالة التي ستكون عليها عندما يلتقيها

أين أو كيف يا مُناي التلاقي

 

 

أعلى الشط في مساءٍ بهيرِ؟

أم لدى الصبح والدُّجى يسحب الذيل

 

 

انهزام المحارب المقهورِ

 

أين ألقاك يا ضياء حياتي

 

 

أنا في ظلمة الخِضَمِّ المطير

*****

إيه مجهولة الإقامة عندي

 

 

لو عرفت المكان عاش سروري

وبعد أن يُعَدِّد الشاعر التهم التي يوجهها إليه النقاد لانشغاله بالبحث عن مجهولته وعدم اهتمامه بغير ذلك من القضايا الهامة والأحداث الجسام، فإنه يتصدى للدفاع عن نفسه ونفى تهمة الضلال التي ألصقها به أولئك النقاد الذين يُعْوِزُهم التعمق في بواطن الأمور.

قال قوم يا للضلال أتقضي العمـ

 

ـرَ في وهم عانٍ ضَريرِِ؟!

للقاها تسيرُ؟ أين لقاها؟

 

ربما كان بعد يوم النشورِ

قد نسيتَ الحياةَ، كلَّ حياةٍ

 

من حروب ومن سلامٍ بشيرِ

من شقاءٍ على الشعوب مقيمٍ

 

أو هجومِ المستعمرين المثيرِ

وقد أوضح الشاعر أن إصراره على التغني بالحب، وانشغاله في البحث عن مجهولته المثالية إنما يهدفان إلى إرشاد الناس المجبولين من الطين إلى طريق الضياء الساطع الموصل إلى السعادة، وأنه لا يعني أنه قد نسي بلاده وما يعاني شعبه من مشكلات:

أنا يا ناسُ ما نسيتُ بلادي

 

أو شعوبي أو عالمي المدثورِ

غير أني مُوَجِّهٌ أُرشِدُ الطيـ

 

ـنَ إلى مسلك الضياء الوفيرِ

لسعير الغرام يصهر ما في النَفْـ

 

ـسِ من قسوةٍ ومن ديجورِ

هو يجلو الفؤاد حتى نرى لِلْـ

 

ـخَيْر طعماً وبلسماً للنفورِ

الكراهاتُ كم أثارت حروباً

 

طاحناتٍ خوالداً في الدهورِ

إنما الكون لو خلا الحب منهُ

 

كان قلب الإنسان بعض الصخور

ويكرر الشاعر تساؤلاتِه عن كيفيّة لقاء مجهولته مصوراً في الوقت نفسه خشيته من أن تكون كغيرها من النساء اللواتي لا يرى فيهن من هي أهلٌ لحبه الكبير:

كيف ألقاكِ يا متاهات روحي

 

ضاق عيشي وما استمرَّ مريري

من تكونين؟! هل صحيحٌ بأني

 

سوف ألقى أهلاً لحبي الكبيرِ

ما عرفت النساء غير خوالٍ

 

من سمو الشعور والتفكيرِ

ما عرفت النساء إلا سبايا

 

لغنيٍّ أو ماجنٍ أو شهيرِ

ليس بالمعدن الطهور مُناها

 

بل مُناها بجيبهِ المعمورِ

ثم لا يلبث الشاعر أن ينفي عن خاطره هذا الاحتمال المزعج ليؤكد أن مجهولته لا يمكن أن تكون كغيرها من النساء، وأنها لابد أن تكون مماثلة له في السمو والرقة والشفافية والصفاء.

يا ملاكي هل أنت منهن كلا

 

أنا لا أصطفي ركام الشرورِ

أنت روح كروحي العذب صافٍ

 

كالأزاهير كانتعاش البكور

كابتهاج الأعياد في نفس طفلٍ

 

كانتثار الندى بروحي النضير

ثم يختم الشاعر نشيده الأول من هذه الملحمة بالتوسل إلى مجهولته كي تُفْصِحَ عن مكانها الذي تعيش فيه حتى يكف عن نداءاتِهِ المحيّرة المأسورة.

إن تكوني في أي قطرٍ أجيبي

 

 

للنداءِ المحيَّر المأسورِ

وفي النشيد الثاني من هذه الملحمة يصور لنا عليَّ حزنه الشديد وآلامه المبرحة لعدم اهتدائه إلى مجهولته التي لم يترك شيئاً إلا وسأله عنها[3])

أضعتُكِ لم أبصرك في العمر كله

 

 

كأنك في سر الغيوب المحجَّب

 

أضعتُكِ يا دنيا فنوني ولم أزلْ

 

 

أسائلٍ عنك الكون في كل مذهب

كأن حياتي دون ضَوئك قفرةً

 

 

آتيه بها حيران في جوف غيهبِ

أبنت خيالي والرؤى أين نلتقي

 

 

لقد طال عن دنيا لقاك تغيُّبي

أسائل عنك الليل هل شِمْتَ برقها

 

 

وهل ضوؤها يبدو لدى كل كوكبِ

فيشعرني الصمت العميق أنت هنا

 

 

لنجواك في جنحٍ من الليل مُرهب

وربما خُيِّل إلى الشاعر أنه قد عثر على بعض صفات مجهولته في بعض مَنْ يلتقيهن من النساء؛ غير أنه سرعان ما يكتشف أن ما تخيله ليس أكثر من وهم خادع، وهكذا فإنه لا يجد مندوحة من معاودة البحث عن مجهولته نادباً آماله الضائعة وأحلامه الخائبة.

لمحتُك في عينيْ فتاةٍ عشقتها

 

 

فأهديتها روحي وشعري ومأربي

وأنشيت سمع الدهر في لحن حُبِّها

 

 

أناجي هواها بالقصيد المعذَّبِ

ولكنني أيقنت أنك غيرها

 

 

فعاودت بحثي بالأسى وتقلُّبي

فياضيعة الآمال في كل مشرقٍ

 

 

ويا خيبةَ الأحلام في كل مغربِ

وقد اشتط الخيال بالشاعر في نشيده الثالث إلى درجةٍ جعلته يؤكد أن مجهولته ليست إلا توأماً لروحه قبل أن تحل في جسده الذي كتب الله عليه أن يأتي إلى هذا العالم الطينيّ، وأن هذه المجهولة متفردة في صفاتها ولا يمكن أن يكون لها أي شبيه في هذا الكون المادي. وعلى الرغم من ذلك فإن الشاعر يهيب بها أن تظهر لتضع حداً لعذاب روحه وبلواه.[4])

روحي لها خِلَّةٌ في الكون غامضةٌ

 

يا ليت شعري متى أو أين ألقاها؟!

كانت لها قبل ميلادي مؤانسةً

 

في عالم الغيب بين النور مسراها

بذا تُحدثني روحي بيقظتها

 

ونومها وهي لا تسلو فتنساها

في الليل أُبصرها، في الضوء أَلمحها

 

لكن لها لم تجد في الكون أشباها

فهل أُصدِّقُ أم روحي بسكرتها

 

تملي حديثاً وضوءُ الحب يغشاها؟!

يا أُختَ روحي تعالَيْ وابرزي فلقد

 

تكاد أُختُك يُدْمي القلب بلواها

وفي النشيد الرابع يتمثل الشاعر بعض صفات مجهولته في صوت مذيعة ينساب إلى سمعه عبر الأثير فيُكسرُ روحه، وينقله إلى عالم أخضر ينعم فيه بمجالسة غادةٍ حَيَّيةٍ تطارحه الغرام، وتحدثه عن هواها المتسعر في حناياها:[5])

قِطَعٌ من سُكَّرِ

 

أم لُهاثُ الزَهَرِ

أحرفٌ هامتْ بها

 

دندناتُ الوتَرِ

أحرفٌ نابضةٌ

 

بسلام البشرِ

صوتُك الحلو بها

 

كحفيفِ السَّحَرِ

طرب المذياعُ مِنْ

 

نَغَمٍ مخضَوْضِرِ

وانتشى السلكُ لدى

 

خمرةٍ لم تُعصَرِ

رغم بعدي طيفُك الحلو

 

يغري بصري

كدت أن أرشفه

 

ثغرك العذب الطري

وعروقي سكرت

 

من بهاك الأسمرِ

 

****

 

كلماتٌ حدَّثتْ

 

بصنوف الخبرِ

غير أني خِلْتُها

 

لِمَعانٍ أُخَرِ

نقلتني فجأةً

 

من هموم السهرِ

لجنان ورُبىً

 

فوق عُشْبٍ أَخضرِ

وبجنبي غادةٌ

 

زُيّنَتْ بالخَفَرِ

حدثتني عن هوى

 

في الحنايا مُسْعَرِ

بحروفِ غضّةٍ

 

حلوة التَّقَطُّرِ

ذاب حولي الكونُ من

 

رقة التأثر

صوتك العذب الذي

 

صاغها يا قمري

 

***

 

وفي النشيد الخامس يصور  لنا الشاعر ما يُسَبِّبُهُ استمرار غيبة المجهولة له من آلام نفسية، ويأس ممض، وكبت مدمر، وما يتوق إليه من حنان يخلِّصُهُ من لؤم دهره واضطهاده. ثم يتساءل في نهاية ذلك النشيد عما إذا كان سيتحقق أمله في الاهتداء إليها، أم أن بحثه عنها سيظل مجرد أحلام يتلو بعضها بعضاً إلى زمن لا يعلم نهايته إلا الله[6])

 

ولا تدرين ما يشجي فؤادي

 

 

من الكبت المضمَّخ بالسهادِ

وفي دنياك يا روحي شموسٌ

 

 

فكيف أعيش في دنيا السوادِ؟

نشرت اليأس في أرجاء نفسي

 

 

فكَّللها بمخزون الحدادِ

أتوق إلى الحنان فلستُ ألقى

 

 

بدهري غير لؤمٍ واضطهادِ

فهل أملي يُحَقَّقُ في حياتي

 

 

أم الأحلام تترى باطِّرادِ

وفي النشيد السادس يصف لنا الشاعر حالته في غيبة مجهولته، حيث تحول إلى شاعر يعيش في وادي الشقاء العكر على حفنة من الذكريات بعد أن غاض في أعماقه معين الحب، وبعد أن جَفَّتْ ينابيع أحلامه وهو الشاعر الذي طالما غمس أقلامه بمداد السحر قبل أن يهوي من آفاقه الشعرية إلى أرض الواقع ليصبح كغيره من المعدمين الأشقياء.[7])

هنالك خلف حدود الحياة

 

 

بوادي ظلام الشقاء العَكِرْ

وراء المسرات بعد الرؤى

 

 

يعيش على حفنةٍ من ذِكْرْ

لقد غاض فيه معين الهوى

 

 

وحفّتْ حواليه أحلامُهُ

وكان يروِّي حلوقَ الظماءِ

 

 

وتُغْمَسُ بالسحر أقلامُه

تدهور مِنْ أفقِهِ الشاعريِّ

 

 

إلى واقعِ الأرضِ أرض البشَرْ

يعيش كأمثاله المعدمين

 

 

بآلامهم تحت طيش القَدَرْ

ولم يلبث شاعرنا بعد أن أثخنه البؤس بالجراح، أن أحسَّ فجأة بشعاع الحب يسري في أعماقه فيتبدَّل حاله، ويظن أنه قد عثر على مجهولته، بعد أن وقع في غرام إحدى الحسناوات.

وإذْ بشعاع غرامٍ سرى

 

 

يلامسُ فيه فؤاداً رمادْ

فدّبَّتْ به بعضُ روح الحياة

 

 

ورفرفَ مُلتفتاً بارتعادْ

وإذ بضيائكِ عمَّ الفضاءَ

 

 

فبدَّدَ فيهِ الظلامَ العَكِرْ

وإذ بجمالِكِ يُخْفي القبورَ

 

 

ويبني القصورَ ويُبدي الصورْ

وعشتُ بلحظة صفو كما

 

 

يعيشُ امرؤٌ بالهنا ألف عامْ

وما هو إلا سلام اللقا

 

 

ومد يدٍ صافحت في سلام.

ويذهب الشاعر إلى زيارة والد الفتاة، فتفتح له الباب، وتقوده إلى حيث يجلس والدها، ثم تدلف إلى حجرتها لتخرج منها بعد فترة وجيزة مُبَدِّلةً ملابسها ومتأبطةً بعض كتبها ثم مودِّعةً أباها وضيفَه بقولها: "سعيدة"

أتيت أزور أباك العظيمَ

 

 

وكان يحبُّ لقائي الكريم

فتحتِ لي الباب في بسمةٍ

 

 

وتمتمتِ بعض كلام رحيم

فأبصرت فيكِ سمائي البعيد

 

 

كواكبُها في يدي تنتثر

رأيتك قربي أسطورة

 

 

تنمِّقُها شهرزادُ القدر

وغبتِ بخدرك في غرفةٍ

 

 

لنومك خلف جدار صفيق

فقلتُ بنفسي اختفت ترتدي

 

 

ثياباً بسهرتنا قد تليق

وبعد قليل خرجتِ ويا

 

 

لنفسيَ من هول ذاك الخروج

إلى الباب قائلةً في حنانٍ

 

 

"سعيداً" فيا تعس هدمِ البروج!!

ويُجّنُّ جنونُ الشاعر ويصدمه خروج الفتاة التي كان يُمَنّي نفسه بقضاء السهرة معها ومع أبيها، لأن زيارته للأب لم تكن في الواقع إلا ذريعة للقائها والتمتع بمجالستها ومحادثتها. وأحسب أن الوالد قد شعر بما اعترى شاعرنا من الاضطراب وخيبة الأمل فقال مبرراً خروج ابنته.

وتحت يمينك كُتْبٌ كثارٌ

 

 

فقال أبوها مشت للدروسْ

رفيقتها بانتظار هناك

 

 

ليسهرن قبل امتحان عبوسْ

ولكن الشاعر الولهان لا يجد في هذه الحجة مبرراً كافياً لتجاهله، ويخيل إليه أن تُصَرُّف الفتاة على هذا النحو ليس إلا أسلوباً من أساليب المكر الأنثوي الهادف إلى تعذيب الرجل، وأن هذا التصرف يشكل دليلاً قاطعاً على أن هذه الفتاة ليست مجهولته الملائكية التي أضنى نفسه في البحث عنها. وهكذا لم يجد شاعرنا. يداً من تصوير خيبة أمله وفجيعته بعد اكتشافه ذلك.

فقلت بنفسي ألا ترعوي

 

 

فتجلس حيناً قبيل الذهاب؟

أمكراً تريد بهذا الخروج

 

 

لتبدأ قصتنا بالعذاب؟!

وتمتم في عمق روحي الأسى

 

 

"خيالي روض بهذا اليباب

حسبتُكِ لي نور قلبي الكبير

 

 

وإذ أنتِ لي حفنةٌ من تُراب

ظننتُكِ أهلاً لحبي العظيم

 

 

فألغيتُ نفسي أمام السراب"

وفي النشيد السابع يصور لنا الشاعر نفسه وقد خَرج للنزهة في يوم ربيعي بديع تمنّى فيه لو أن مجهولته كانت مصاحبةً له في هذه النزهة الجميلة[8])

 

بسم الكون لأزهار الربيعْ

 

 

والعصافير تغنَّت في الغصونْ

ومشى الجدول في الروض البديع
ْ

 

 

بنشيد هادئ الجرس حنونْ

وعلى الشط تغنت ضفدعُ

 

 

وغدا يعلو صغير الحشراتْ

وأنا وحدي كئيباً أسمع

 

 

تنتشي روحي بعذب النغماتْ

هل لهذا الروض يأتي بي القضا

 

 

وحبيبي يتلَّهى بيدي

نتغنى بأمان ورضى

 

 

لا يرى خلوتنا من أحدِ

هل تُرى نلعبُ في هذي الضفاف

 

 

مثلما تلعب في الروض الطيورْ

ونناغيها بضحكٍ وانشغاف

 

 

ونناجيها بأبيات السرورْ

كل ما حولي أراه حالماً

 

 

وأنا في وحدتي أبكي الحبيبْ

أتخطى في ذهولٍ واجماً

 

 

وبأضلاعي لذكراه لهيبْ

آه يا بركة أين الماء غاض؟

 

 

مثلما غاضت أمانيَّ العذابْ

قالت البركةُ حزني اليوم فاض

 

 

طالما عن هذه الروضة غابْ

 

وفي النشيد الثامن يصور لنا الشاعر ملازمة طيف مجهولته لخياله مع إصراره على عدم الاقتراب منه في عالم الحقيقة والواقع[9])

لي طيف أنَّى رحلتُ بدنيا

 

 

ي فقلبي إليه يبغي الرجوعا

وأنا في الخيال ألقاه لكن

 

 

هو مني كالنجم يبدو رفيعا

وفي مطلع النشيد التاسع يصور لنا تجربته القاسية مع طيف هذه المجهولة التي لا تعرف شيئاً عما يَعْمُرُ قلبه من حب، وما يعزُف لها هذا القلب من ألحان، وما يتجرع بسبب بعدها عنه من كؤوس العذاب، وما تركت في حياته من تأثير سيّء يَحُدُّ من قدرته على الإبداع.[10])

جهلتِ ألحاني وكأسي والهوى

 

 

ما دمت تخفين بطيّات النوى

وجفَّ ينبوعي وغاض الشعر في نفسي

 

 

كما غاضت ينابيع العُلا

فلا الخيال الحلو رفاف ولا

 

 

دنيا الهنا تجلو أساطير المُنى

دُفنت في رمس الخطوب السود لم

 

 

أخرجْ ولم أبصر بريقاً للسنا

كأنني في عالم الموت انطوت

 

 

نفسي فلا ألقى سوى طعم الردى

 

أما حَسْرَتُهُ على أيامه التي تنقضي دون أن يلتقي مجهولته فقد صورها لنا على النحو التالي.

واهاً على أيامنا لو أقبلت

 

 

كنا بها نحسو ثمالات الهنا

لم يبدُ لي منها ولا أوصافها

 

 

غابت مع البشرى بظلماء الأسى

ويمضي الشاعر في نشيده هذا مصوراً أسلوب المراوغة والصدود اللذين يعامله بهما طيف المجهولة.

ما أجمل الليل وأهنا نومه

 

 

لما يوافي بالخيال المُرتجى

يا طيبها من صدفةٍ ما ذقتها

 

 

منذ سنين يقظاً أو في الكرى

الطرف بالطرف التقى من دون ما

 

 

لفظٍ وحتى في الكرى ألقى الجفا

حاولت شكوى أوعتاباً لم أجد

 

 

إلا صدوداً مُحْرِقاً مني الحشا

وينهي الشاعر نشيده هذا ببيتين مختلفين عن سائر أبيات النشيد وزناً وقافية واصفاً الحيرة التي أغرقه هذا الطيف في أمواجها:

خيالك ما ينفَكُّ يرتاد خاطري

 

 

غضوباً أراه تارةً ثم باسما

فوالله ما أدريه حين يلوح لي

 

 

أخِلاً وفيّاً أم عدواً مخاصماً

وفي النشيد العاشر تبرز المازوشية لدى الشاعر بصورة صارخة عندما يتحدى طيف مجهولته كي يمعن في تعذيبه الذي لن يزيده إلا صموداً وإصراراً على الوصول إلى أسمى المراتب والدرجات.

وهو يطالب هذا الطيف بأن يظل محتجباً في عالم الغيب، كي يحفز الباحث عنه على المزيد من الصبر والصمود.[11])

تِهْ وعَرْبِد يا طيفَها بي طويلا

 

 

واهوَ غيري وادعُ اللقا مستحيلا

واخفَ عن ناظري ولا تبدُ يوماً

 

 

ثم جئْني في النوم وهماً ضئيلاً

إن حرَّ الآلام بصهر رجسي

 

 

ويُريني دنياً وكوناً جميلا

صرتُ ظلاً من الذيولِ لطيفٍ

 

 

وخيالاً من الذهول نحيلا

كنتُ طيناً فمذ رأتك ظنوني

 

 

صرتُ ضوءاً وإن غدوت عليلاً

لا تقارب وانفر وعذِّبْ ودعني

 

 

هائماً فيك دائماً مشغولا

إن هذا التعذيب يشحذ عزمي

 

 

للمعالي لكي تراني جليلا

 سوف أرقى إلى السماء اندفاعاً

 

 

وأُعاني للفرقدين وصولا

ثم يختم الشاعر نشيده هذا ببيتين يُغَيِّرُ فيهما القافية الموَحَّدة التي سيطرت على هذا النشيد.

أَيُّها الطَيْفُ إنْ ظننتُ بأني

 

في الهوى قد ذَلَلْتُ لا ترجُ ذاكا

إنّ في نفسيَ الإباءَ مكينٌ

 

ولصبري أودُّ ألاَّ أراكا

 

***

 

وفي النشيد الحادي عشر يتخيَّل الشاعر مجهولته قارئةً من قُرَّاءِ شعره، مما يجعله يحسد القرطاس الذي حظي بنظراتها التي لم تتمكَّن من رؤية ما يشتعل في قلبه من لهيب الغرام المُتَسَعِّر[12])

يلَذُّ لروحي إن نظرتِ لأسطري

 

وإنْ قرأتْ عيناكِ ما جاشَ في صَدْري

لقد حظيَ القرطاسُ منكِ بنظرةٍ

 

ولم أحظَ إلا بالسَّعيرِ وبالهجرِ

ولو أَبصرتْ عيناكِ قلبي لما دَرَتْ

 

أقلباً ترى أم موْقداً لاهبَ الجَمْرِ؟

وفي كثير من الأحيان تبدو المجهولة للشاعر في صورة عروسٍ تلازم خدرها كما تلازم اللؤلؤةُ محارتها.

تلوحين لي دوماً عروساً بخدرها

 

وهيهات أن تبدو العروسُ من الخِدْرِ

وهي أحياناً سرٌ لا سبيل إلى إدراك كنهه، أو الوصول إلى الطريق المؤدي إلى معرفته.

أراكِ كسِرٍّ لست أدرك كُنْهَهُ

 

 

فياليت لي يوماً سبيلاً إلى السِّرِّ

وفي النشيد الثاني عشر يتصورها الشاعر خيالاً مجنَّحاً يُفْرِغُ في نفسه كؤوساً من الشهد، حتى إذا ما فارقه هذا الخيال عاد إلى الغرق في بحور الكآبة والحزن، ولكنه سرعان ما يتبدل حاله عندما يعود إليه ذلك الخيال، فينتعش من جديد، ويرجع هزاراً مغرداً يُطَوِّفُ في جنان الخلود[13])

 

 

تجولين في روحي خيالاً مجنَّحاً

 

 

يُفَرِّغُ في نفسي كؤوساً من الشهدِ

يطوفُ على الأكوانِ ثم يعودني

 

 

فيلقى كئيباً مستضاماً من الجهد

إذا رفَّ بالأضواءِ فوقَ جفونه

 

 

غدا دائب الأضلاع منتعش السهد

كأني إذا ما طاف بي منك خاطرٌ

 

 

هزارٌ سما يختال في جنَّة الخلد

وفي النشيد الثالث عشر يلتقي الشاعر طيفها في الكرى مصغياً لما يصوغ فيه من شعر عاتب رقيق، حتى إذا أفاق من نومه لم يجد غير الوحشة والفراغ[14])

أنا في الكرى ألقاكَ لي مُتَبَسِّماً

 

 

يا طيفها تُصغى لشعر عتابي

فأفيق مذعوراً فألقى وحشتي

 

 

لو أشتكي للصخر حَنَّ لما بي

يا ورد خَدَّيْها سقيتُك من دمي

 

 

أترى أشمُّك بعد طول غيابي

وفي النشيد الرابع عشر يحاول الشاعر أن يُجَسِّد لنا بعض صفات مجهولته[15])

 

ومضةٌ أنتِ من بريق الضياءِ

 

 

يا حنيناً في أكبد الشعراءِ

يا حفيفَ الأنسام تسرى على الزهرِ

 

 

صباحاً في الروضةِ الغنّاءِ

صاغك الله من عصارة ماء الور

 

 

د أم من توهُّج الأضواءِ؟!

لو تبديت في الضُّحى لتوارت

 

 

شمسه من تعجُّبٍ وحياء

يا شفاهاً كالجُلَّنارة أو ور

 

 

قة وردٍ، أو جمرةٍ حمراءِ

سترت لؤلؤاً يلوحُ لدى الثغرِ

 

 

تجلّى بالبسمة الخرساءِ

بسمةٌ يحسد الشروقُ سناها

 

 

وبعينيكِ أنجُمُ الظلماءِ