|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:12 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الحب في ديوان
"المجهولة"
جعل علي دمر من الحب بمعناه الإنساني
العميق القضية الأولى التي نذر لها شعره إحساساً منه بأنه الدعامة الأساسية التي
يُبْنَى عليها المجتمع السليم. وهو في نظره البلسم الناجع لكل ما
يصيب الإنسانية من أمراض، والمقوِّم لكل ما يعتريها من اعوجاج، وملاذها الذي يقيها
من كل ما يتهدَّدُها من أخطارٍ وشرور. وقد شاء علي دمر وهو يحدثنا عن الحب
بصفته القيمة الإنسانية العليا أن يوضح لنا أن الحب بين الجنسين هو في الطليعة من
أنواع الحب الكثيرة المتنوعة. وقد راح من خلال بحثه عن الحب الحقيقي
يصوِّر لنا امرأة مثالية مجهولة تتوافر فيها جميع ما تتصوره أخيلةُ الشعراء في
المرأة من صفات جسدية وخُلُقيَّة ونفسيّة. ولما رأى أن قصيدة واحدة لا تتسع لتضمين
كل ما يريده في مجهولته المثالية من صفات فقد عمد إلى إبداع ملحمة شعرية مؤلفة من
اثنين وعشرين نشيداً ضمَّن كل نشيد منها قضيّةً من القضايا المتصلة بمجهولته. وقد تراوحت هذه الأناشيد في طولها
وقصرها بين المقطوعة التي لا تزيد عن أربعة أبيات وبين القصيدة التي وصل طولها إلى
سبعة وستين بيتاً من الشعر. وقد بلغ مجموع أبيات هذه الأناشيد ثلاثمائة وستين
بيتاً. ولا شك أن وصفنا لهذه الأناشيد
بالملحمة إنما هو من باب المجاز والتجاوز لمفهوم الملحمة الحقيقي، لأن مفهوم
الملحمة من الوجهة الفنية لا يغيب عن بالنا، ولا يَنِدُّ عن أفهامنا. وقد قدَّم علي لملحمته هذه بمقدمة
أسماها "دوزنة" حاول فيها أن يضبط أوتار شاعريته كما يضبط العازف أوتار
عوده وهو يتهيّأ للعزف. وقد بيّن لنا علي في هذه الدوزنة أن
الذي دفعه إلى التفكير في وضع ملحمته إنما هورغبتُهُ في الهروب من عالم الواقع إلى
عالم الخيال، بعد أن أصبح هذا الواقع المُفْزع مدعاةً للبحث عن عالم جميل آخر مفعم
بالخيالات، يُؤْذِنُ انبلاج فجره بالخلاص من هذه الليالي المعتوهة التي تسببت في
إحساس الشاعر بالقرف من كل شيء بعد أن أصبح هذا الكون صورة للسخف المثالي مجسماً
فيما يعيشه الشاعر ويعانيه[1])
وقد كان الزيف الذي ران على الحقيقة
والعدل، والنضال من أجل القيم والمبادئ في طليعة الأسباب التي جعلت الشاعر يحسُّ
بالرغبة في الهروب من واقعه المتردي.
وكان الجدل البيزنطي بين أبناء الأمة
العربية وفرقها وأحزابها والذي أدّى إلى التضحية بحقوقهم من الأسباب التي أدّت إلى
ذلك الهروب:
ومن هذه الأسباب: جدُّ الأعداء
واتحادهم وحشد قواهم، مقابل انغماس العرب في اللهو والعبث المؤذنين دائماً بزوال
الأمم واندثارها، متناسين ما تلقنوا من دروس في الأندلس التي توشك أن تتكرر
مأساتها في أكثر من بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير في وقت نتوهم فيه أن التغني
بالأمجاد كفيلٌ بأن يعيد إلينا الحقوق ويرد عنا عادية الأعداء:
لقد رأى الشاعر أن الخلاص من هذا
الواقع المرير إنما يَتَمَثَّلُ في هروبه منه إلى عالمٍ يتغنّى فيه بالحب الذي
ينبغي أن يتعلمه أبناء أمته إنْ هم شاؤوا التخلص مما يفتك بهم من أدواء.
في النشيد الأول من ملحمة
"المجهولة" التي لا وجود لها فيما نظن إلا في عالم المدينة الأفلاطونية
الفاضلة، يسائل الشاعر الصباح المندَّى بنسيم الأشجار والورود عن مجهولته. وهو
يوجه سؤاله الملح هذا عندما يتغلغل شارداً في الرياض، وعندما يتلفع بضياء النهار
وسواد الليل، وفي أوقات الضحى والمساء، وهو لا يترك وقتاً من الأوقات دون أن يشغل
قريحته في صوغ أعذب القصيد في هذه المجهولة التي لا تبين.[2])
ويتساءل الشاعر عن كنه مجهولته التي
يعدُّها شَقيقةً لروحه ونعيماً يتقلب في أعطافه وحنيناً يعمر فؤاده، وهل هي عالم
أبدعته خيالات الملائكة المتفرغين للعبادة والتسبيح؟ أم أنها ليست إلا إنساناً
عادياً يشارك الناس سخافاتِهم وأحقادَهم؟ وهل هي أرضيّة المشاعر والأحاسيس؟ أم
أنها دنيا سماوية ملونة الأبعاد والآماد لا يرتقي إليها سوى خيالات الشعراء؟
إن أشد ما يخشاه الشاعر هو أن تكون
مجهولته مجرد امرأة عادية لا همَّ لها إلا أن تحلم بالرياش الفاخر، واللآلئ الثمينة، والزينة
المبهرة، وأنها ليست إلا كغيرها من النساء عناداً وحمقاً واهتماماً بالبحث عن رجل
تسخره لخدمتها وتحقيق شهواتها المادية في هذه الحياة. ولم لا تكون قَدْ صيغت من
المعادن التي صيغ منها فن الشاعر وسموُّه وحنوُّه وكبرياؤه.
ومع يأس الشاعر من تلقي أية إجابة على
تساؤلاته هذه، نجد أن خير عزاء له هو أن يخدع نفسه بالإجابة على هذه التساؤلات
بقوله:
ولم يَفُتِ الشاعر أن يتساءل عن مكان
وجود مجهولته ونوع الحياة التي تحياها مثلما تساءل عن كنهها.
ويمضي الشاعر في تساؤلاته متكهناً
بمكان وجودها.
وقد بلغ الشوق للقاء المجهولة بالشاعر
حداً جعله يتساءل عما إذا كان الله -سبحانه وتعالى- قد قدّر أن يخلقها في اللوح
المحفوظ وأن يُهيّئ له أن يلتقيها فيمن يلتقي بهن من النساء.
ولم ينس الشاعر أن يصور لنا حياته
القاسية التي تمضي أيامها ولياليها بصعوبة ومجهولته ما تزال في عالم الغيب.
ثم يعود الشاعر إلى تساؤلاته عن مكان
مجهولته وزمن لقائها عن الحالة التي ستكون عليها عندما يلتقيها
وبعد أن يُعَدِّد الشاعر التهم التي
يوجهها إليه النقاد لانشغاله بالبحث عن مجهولته وعدم اهتمامه بغير ذلك من القضايا
الهامة والأحداث الجسام، فإنه يتصدى للدفاع عن نفسه ونفى تهمة الضلال التي ألصقها
به أولئك النقاد الذين يُعْوِزُهم التعمق في بواطن الأمور.
وقد أوضح الشاعر أن إصراره على التغني
بالحب، وانشغاله في البحث عن مجهولته المثالية إنما يهدفان إلى إرشاد الناس
المجبولين من الطين إلى طريق الضياء الساطع الموصل إلى السعادة، وأنه لا يعني أنه
قد نسي بلاده وما يعاني شعبه من مشكلات:
ويكرر الشاعر تساؤلاتِه عن كيفيّة
لقاء مجهولته مصوراً في الوقت نفسه خشيته من أن تكون كغيرها من النساء اللواتي لا
يرى فيهن من هي أهلٌ لحبه الكبير:
ثم لا يلبث الشاعر أن ينفي عن خاطره
هذا الاحتمال المزعج ليؤكد أن مجهولته لا يمكن أن تكون كغيرها من النساء، وأنها
لابد أن تكون مماثلة له في السمو والرقة والشفافية والصفاء.
ثم يختم الشاعر نشيده الأول من هذه
الملحمة بالتوسل إلى مجهولته كي تُفْصِحَ عن مكانها الذي تعيش فيه حتى يكف عن
نداءاتِهِ المحيّرة المأسورة.
وفي النشيد الثاني من هذه الملحمة
يصور لنا عليَّ حزنه الشديد وآلامه المبرحة لعدم اهتدائه إلى مجهولته التي لم يترك
شيئاً إلا وسأله عنها[3])
وربما خُيِّل إلى الشاعر أنه قد عثر
على بعض صفات مجهولته في بعض مَنْ يلتقيهن من النساء؛ غير أنه سرعان ما يكتشف أن
ما تخيله ليس أكثر من وهم خادع، وهكذا فإنه لا يجد مندوحة من معاودة البحث عن
مجهولته نادباً آماله الضائعة وأحلامه الخائبة.
وقد اشتط الخيال بالشاعر في نشيده
الثالث إلى درجةٍ جعلته يؤكد أن مجهولته ليست إلا توأماً لروحه قبل أن تحل في جسده
الذي كتب الله عليه أن يأتي إلى هذا العالم الطينيّ، وأن هذه المجهولة متفردة في
صفاتها ولا يمكن أن يكون لها أي شبيه في هذا الكون المادي. وعلى الرغم من ذلك فإن
الشاعر يهيب بها أن تظهر لتضع حداً لعذاب روحه وبلواه.[4])
وفي النشيد الرابع يتمثل الشاعر بعض
صفات مجهولته في صوت مذيعة ينساب إلى سمعه عبر الأثير فيُكسرُ روحه، وينقله إلى
عالم أخضر ينعم فيه بمجالسة غادةٍ حَيَّيةٍ تطارحه الغرام، وتحدثه عن هواها
المتسعر في حناياها:[5])
وفي النشيد الخامس يصور لنا الشاعر ما يُسَبِّبُهُ استمرار غيبة
المجهولة له من آلام نفسية، ويأس ممض، وكبت مدمر، وما يتوق إليه من حنان يخلِّصُهُ
من لؤم دهره واضطهاده. ثم يتساءل في نهاية ذلك النشيد عما إذا كان سيتحقق أمله في
الاهتداء إليها، أم أن بحثه عنها سيظل مجرد أحلام يتلو بعضها بعضاً إلى زمن لا
يعلم نهايته إلا الله[6])
وفي النشيد السادس يصف لنا الشاعر
حالته في غيبة مجهولته، حيث تحول إلى شاعر يعيش في وادي الشقاء العكر على حفنة من
الذكريات بعد أن غاض في أعماقه معين الحب، وبعد أن جَفَّتْ ينابيع أحلامه وهو
الشاعر الذي طالما غمس أقلامه بمداد السحر قبل أن يهوي من آفاقه الشعرية إلى أرض
الواقع ليصبح كغيره من المعدمين الأشقياء.[7])
ولم يلبث شاعرنا بعد أن أثخنه البؤس
بالجراح، أن أحسَّ فجأة بشعاع الحب يسري في أعماقه فيتبدَّل حاله، ويظن أنه قد عثر
على مجهولته، بعد أن وقع في غرام إحدى الحسناوات.
ويذهب الشاعر إلى زيارة والد الفتاة،
فتفتح له الباب، وتقوده إلى حيث يجلس والدها، ثم تدلف إلى حجرتها لتخرج منها بعد
فترة وجيزة مُبَدِّلةً ملابسها ومتأبطةً بعض كتبها ثم مودِّعةً أباها وضيفَه
بقولها: "سعيدة"
ويُجّنُّ جنونُ الشاعر ويصدمه خروج
الفتاة التي كان يُمَنّي نفسه بقضاء السهرة معها ومع أبيها، لأن زيارته للأب لم
تكن في الواقع إلا ذريعة للقائها والتمتع بمجالستها ومحادثتها. وأحسب أن الوالد قد
شعر بما اعترى شاعرنا من الاضطراب وخيبة الأمل فقال مبرراً خروج ابنته.
ولكن الشاعر الولهان لا يجد في هذه
الحجة مبرراً كافياً لتجاهله، ويخيل إليه أن تُصَرُّف الفتاة على هذا النحو ليس
إلا أسلوباً من أساليب المكر الأنثوي الهادف إلى تعذيب الرجل، وأن هذا التصرف يشكل
دليلاً قاطعاً على أن هذه الفتاة ليست مجهولته الملائكية التي أضنى نفسه في البحث
عنها. وهكذا لم يجد شاعرنا. يداً من تصوير خيبة أمله وفجيعته بعد اكتشافه ذلك.
وفي النشيد السابع يصور لنا الشاعر
نفسه وقد خَرج للنزهة في يوم ربيعي بديع تمنّى فيه لو أن مجهولته كانت مصاحبةً له
في هذه النزهة الجميلة[8])
وفي النشيد الثامن يصور لنا الشاعر
ملازمة طيف مجهولته لخياله مع إصراره على عدم الاقتراب منه في عالم الحقيقة
والواقع[9])
وفي مطلع النشيد التاسع يصور لنا
تجربته القاسية مع طيف هذه المجهولة التي لا تعرف شيئاً عما يَعْمُرُ قلبه من حب،
وما يعزُف لها هذا القلب من ألحان، وما يتجرع بسبب بعدها عنه من كؤوس العذاب، وما
تركت في حياته من تأثير سيّء يَحُدُّ من قدرته على الإبداع.[10])
أما حَسْرَتُهُ على أيامه التي تنقضي
دون أن يلتقي مجهولته فقد صورها لنا على النحو التالي.
ويمضي الشاعر في نشيده هذا مصوراً
أسلوب المراوغة والصدود اللذين يعامله بهما طيف المجهولة.
وينهي الشاعر نشيده هذا ببيتين
مختلفين عن سائر أبيات النشيد وزناً وقافية واصفاً الحيرة التي أغرقه هذا الطيف في
أمواجها:
وفي النشيد العاشر تبرز المازوشية لدى
الشاعر بصورة صارخة عندما يتحدى طيف مجهولته كي يمعن في تعذيبه الذي لن يزيده إلا
صموداً وإصراراً على الوصول إلى أسمى المراتب والدرجات. وهو يطالب هذا الطيف بأن يظل محتجباً
في عالم الغيب، كي يحفز الباحث عنه على المزيد من الصبر والصمود.[11])
ثم يختم الشاعر نشيده هذا ببيتين
يُغَيِّرُ فيهما القافية الموَحَّدة التي سيطرت على هذا النشيد.
وفي النشيد الحادي عشر يتخيَّل الشاعر
مجهولته قارئةً من قُرَّاءِ شعره، مما يجعله يحسد القرطاس الذي حظي بنظراتها التي
لم تتمكَّن من رؤية ما يشتعل في قلبه من لهيب الغرام المُتَسَعِّر[12])
وفي كثير من الأحيان تبدو المجهولة
للشاعر في صورة عروسٍ تلازم خدرها كما تلازم اللؤلؤةُ محارتها.
وهي أحياناً سرٌ لا سبيل إلى إدراك
كنهه، أو الوصول إلى الطريق المؤدي إلى معرفته.
وفي النشيد الثاني عشر يتصورها الشاعر
خيالاً مجنَّحاً يُفْرِغُ في نفسه كؤوساً من الشهد، حتى إذا ما فارقه هذا الخيال
عاد إلى الغرق في بحور الكآبة والحزن، ولكنه سرعان ما يتبدل حاله عندما يعود إليه
ذلك الخيال، فينتعش من جديد، ويرجع هزاراً مغرداً يُطَوِّفُ في جنان الخلود[13])
وفي النشيد الثالث عشر يلتقي الشاعر
طيفها في الكرى مصغياً لما يصوغ فيه من شعر عاتب رقيق، حتى إذا أفاق من نومه لم
يجد غير الوحشة والفراغ[14])
وفي النشيد الرابع عشر يحاول الشاعر
أن يُجَسِّد لنا بعض صفات مجهولته[15])
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||