|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:14 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الحب في ديوان
"غيبوبة الحب"
إذا كان شعر الحب في ديوان المجهولة
عند علي دُمَّر يمثل رأيه في الحبّ، في المرأة المثالية التي تستحق أن تكون أهلاً
لأن تُحب، فإن شعر الحب في ديوانه "غيبوبة الحب" يمثل لوناً من الشعر
غير بعيد عما نراه في ملحمته "المجهولة" فقد صاغه الشاعر في فتاةٍ شاء
القدر أن يكون له معها قصةٌ خَلَقَ أحداثَها الجوار، وسطَّرتْ وقائعها الزياراتُ
المتبادلة بين أسرة الشاعر وأسرة الفتاة التي كانت تعمل في حقل التدريس في مدينة
الهفوف. لقد رأى شاعرنا في هذه المعلمة كثيراً
من ملامح مجهولته التي كان يبحث عنها في خياله، وقد اعتقد أو توهم -لا فرق- أن
الحب قد جمع بين قلبها وقلبه فراح يصوغ في ذلك القصيدة تلو القصيدة، ولكن -ولأن
الشاعر كان في وضع لا يمكِّنُهُ من أن يصل بحبه إلى شاطئ الأمان- فقد انتهت قصة
ذلك الحب بما كان ينبغي لها أن تنتهي إليه من فشل ذريع. كان شاعرنا مخلصاً لزوجه وأبنائه،
وكان يؤثر مصلحة أسرته على مصلحة ذاته الخاصّة ونزواتها، وكان من غير المؤمنين
بالزواج بأكثر من امرأة واحدة، وكان عدد أفراد أسرته يتنامى عاماً بعد عام، وقد
نجم عن ذلك أن وضعه المالي كان على درجةٍ من الضعف لا تسمح له بأن يفتح أكثر من
بيت حتى لو أراد. وقد كان لابد لهذه الظروف القاهرة من
أن تُفَرِّقَ بين الشاعر وملهمته الجديدة، بل وتمعن في التفريق بينهما إلى درجة لم
يعد معها في استطاعة أيٍّ منهما أن يلتقي الآخر أو أن يراه. وقد شاء الشاعر- وما كنت أحسبه مضطراً
إلى ذلك- أن يقصَّ علينا في مقدمة ديوانه قصة ذلك الحب منذ ولادته حتى نهايته في
ثماني عشرة صفحة بأسلوب أدبيّ رفيع، ولم يترك لنا حرية تفسير قصائده في ملهمته هذه
لنتوصل إلى معرفة أنها من وحي ملهمة واحدة دون أن يطلعنا هو على ذلك. وقد تمنينا لو أنه فعل ذلك لأن الشاعر
غير مطالب بكتابة مذكرات تفسيرية لقصائده، بل عليه أن يترك غيره من القراء والنقاد
يسهرون من جرائها ويختصمون. ومهما يكن من أمر فقد فعل الشاعر ذلك
وأراحنا من مهمة التحليل ولم يترك لنا سوى هامش بسيط نحاول فيه أن نقوم بإجراء
عملية ربط بين هذه القصائد لنؤلف منها قصة شعرية، كما ألف هو في كتابته للمقدمة
قصته النثرية التي سرد علينا فيها تفاصيل قصة هذا الحب. كان علي دمر "رحمة الله" قد
حدثني بقصة حبه لشاعرة فلسطينية جمعته بها الأقدار، كما جمعه الجوار في مدينة
الهفوف عندما قمت بزيارته في منزله سنة 1964. وقد قال لي فيما قال إنه قد خُيّل
إليه أنه قد وجد فيها مجهولته، وأن خروجها من حياته لم يكن إلا بمثابة اختفاء لطيف
تلك المجهولة حتى تتقطّع به أسباب الحياة. وهكذا كان. وإن أول ما يطالعنا من القصائد التي
صوّرت قصة هذا الحب هو قصيدة "شاعرة ساحرة" التي رسم لنا فيها علي صورة
رائعة لملهمته التي تيَّمَتْهُ لأن البارئ المصور قد جمع في شخصها بين سحر الجمال
وسحر البيان.[1])
وفي ختام هذه القصيدة يناشد الشاعر
ملهمته بألا تجهد نفسها في صياغة القصائد، وأن تدع له هذه المهمة ليستلهم منها
أروع القصيد.
وفي قصيدة "اللقاء الأول"
يصور لنا الشاعر حواراً صامتاً دار بين عينيه وعيني ملهمته وما انطوى عليه هذا
الحوار من وساوس ومخاوف.[2])
وعلى الرغم من أن هذا اللقاء بين
الشاعر وملهمته هو اللقاء الأول إلا أنه قد أحس بأنه قد أحبها منذ جيل كامل، وأنه
قد آن له أن يستقر روحاً وقلباً، وأن يُوَدِّع ليالي الكبت والحرمان بعد أن عثر
على ملهمته المثالية:
ثم يعبر شاعرنا في ختام قصيدته عن
خشيته من أن تكون أحاسيسه هذه ليست أكثر من أوهام مُخَدِّرة، وأن يكون قلب ملهمته
غير عامر بمثل ما يعمر قلبه من الأحاسيس، ويناشد ملهمته -إن كان الأمر كذلك- أن
تتركه يسعد بأوهامه الكاذبة هذه.
وفي قصيدة "اللقاء الثاني"
يتضاعف إيمان الشاعر بأنه قد وجد ملهمته التي طالما بحث عنها. وكان لابد له من أن
يوجه إليها شكره على إنقاذ قافلته من المتاهات، وعلى تفضلها بنشر ضيائها الوهاج في
دروب حياته التي طالما سادها الظلام، وإقدامها على تفجير ينابيع الفن في أعماقه.
ولم ينس أن يسألها كذلك عن مصير ذلك الرباط مهما كان المصير الذي سوف ينتهي إليه.[3])
وتضع الملهمة ذات ليلة قصيدة من
قصائدها في يد الشاعر وهي تقوم بزيارته مع بعض أفراد أسرتها بعد أن اغتنمت فرصة
انفرادها به، ويقبل الشاعر على قراءة تلك القصيدة، ثم لا يلبث أن يرد عليها بقصيدة
"ورقات" التي يصور فيها أثر ما قالته شاعرته في نفسه[4])
ويجمع شاعرنا أطراف شجاعته ويدفع بعد
ذلك إلى ملهمته برسالة ومعها قصائده التي صاغها من وحي تجربته معها. وتتقبل الملهمة ذلك بفرح غامر وسرور
مفرط، وتشكره على ذلك وتخبره بأنها كانت قد أحست بعاطفته نحوها من قبل أن يبوح لها
بذلك، ثم تدفع إليه بورقة صغيرة تتضمن بعض الأبيات، وتُصْبحُ هذه اللحظات التي
استغرقها تسلم الشاعرة لما دفع به إليها الشاعر، وتلك التي تسلم منها الورقة التي
دَفَعَتْ بها إليه من أجمل اللحظات في حياة الشاعر إن لم تكن أجملها على الإطلاق. وليس أدل على صحة قولنا هذا من ولادة
قصيدة "أحلى الثواني" التي أعلن فيها الشاعر بأنه قد وجد مجهولته، وقد
صور في هذه القصيدة سعادته بالعثور عليها، وعبّر عن تخوفه من فقدانها.[5])
وتتوالى زيارة الشاعرة الملْهِمة
للشاعر في منزله توالياً يدفعه إلى تصوير أثر تكرار هذه الزيارات على حياته، يقول
في ذلك في قصيدته "وهج عينيك".[6])
وفي "غيبوبة الحُلُم" التي
عاشها الشاعر مع ملهمته يناشدها أن تدعه في غيبوبته التي جعلته تُحسُّ بوجوده،
ويتمنى عليها ألا تبوح بحبه للناس الذين جبلوا من الطين، والذين لا يستحقون أن
يستمتعوا بقصة هذا الحب النادر العظيم الذي لن يلبث أن يحوِّلهم إلى حُسَّادٍ وعواذلَ:
لا هَمَّ لهم إلا التفريق بين العاشقيْن اللذين ينبغي عليهما أن يصمدا دفاعاً عن
مصير ذلك الحب الذي لا يعرف مصيره إلا الله.[7])
ويزور الشاعر ملهمته في بيتها، فتبرز
إليه بعد فترة خلت فيها لزينتها، فيصور أثر ذلك في نفسه في قصيدته
"زيارة" التي يقول فيها[8])
ويطول صمت الملهمة، وتبطئ في الرد على
تساؤلات الشاعر الذي يريد أن يطمئن على مصير حبه، ويعذبه الشكُّ في موقفها، فيصرخ
متوسلاً إليها أن تخرج عن صمتها وأن تفصح عن حقيقة مشاعرها، ولو كان في ذلك وأدٌ
لأحلامه وأمانيه. يقول في ذلك من قصيدته "الصمت والشك"[9])
وفي "أوهام الغموض" يتصوَّر
الشاعر ملهمته امرأةً كلُّ غايتها أن تَلْفِتَ أنظار الشاعر، وأن تحظى بإعجابه،
ليقول فيها شعراً يُخَلِّدُ ذكرها بين المُلْهِمات غير عابئة بما ستسبب له من آلام
نفسية عندما يكتشف حقيقتها الرهيبة التي تقول بأنها لم تكن أكثر من امرأة تتلاعب
بمشاعره وأحاسيسه[10])
ويفيق الشاعر من غفوته بعد أن يكتشف
أنه قد عاش قصة حبٍّ مُتَوهَّمةٍ لا مناص من وضع حدٍ لنهايتها ولو بالرحيل. يقول
في ذلك من قصيدته "صَحْوَة"[11])
وقد أفرد الشاعر قصيدة كاملة ودَّعَ
فيها حبه وملهمته. يقول من قصيدته "وداعاً"[12])
والشاعر لا يستغرب ضياع آماله
واضمحلال أحلامه، وهو الذي لم يعتدْ من زمنه غير المشاكسة والكبت والحرمان، حتى
وقر في ذهنه أن مهادنة الزمن له أمرٌ في عداد المستحيلات[13])
وتستمر ملهمة الشاعر في تجاهله فيخرجه
ذلك عن طوره، ويهجوها هجاءً غير مقذع في قصيدته "عاديّة" التي يصور فيها
غضبه من ذلك التجاهل، ويُبَيِّنُ لها أنها لا تختلف عن غيرها من النساء، وأنها
لولا شعره لما كانت شيئاً مذكوراً بين لداتها وأترابها. وعليٌ -رحمه الله- يذكرنا في قصيدته
هذه بقصة الثعلب الذي أجهد نفسه ذات يوم للحصول على عنقود من عناقيد العنب
الناضجة، فلما عجز عن ذلك أعرض عن محاولته وهو يحاول إقناع نفسه بأن هذا العنقود
مازال حصرماً لا يستحق ما يُبْذَلُ في سبيله من جهد[14])
ويرثي الأستاذ مهدي الجندي لحالِ
صديقه الشاعر بعد أن يقابله في إحدى زياراته الصيفية لحماة وهو لم يكن قد تخلّص
بعد من آثار تلك التجربة القاسية التي مرّ بها مع تلك الملهمة، فيقترح عليه أن
يرافقه في رحلة إلى لبنان لعل جماله الطبيعي يساعده على نسيان تلك التجربة
القاسية. ويستجيب الشاعر لنصيحة صديقه، ولكنه
سرعان ما يكتشف أن لبنان بما حباه الله من جمال وسحر لم يستطع أن يُخَلِّصَهُ من
أسر تلك الساحرة التي تيَّمته.[15])
وفي "صراخ الرميم" يحذر
الشاعر ملهمته وينذرها بأنها ستعض بنان الندم على تجاهلها لما يحمل لها في أعماقه
من حب عارم وعواطف متأججة. وأنها سرعان ما ستكتشف عندما يداهمها
الكبر، ويغزو رأسها الشيب، وتصبح
وحيدة في عالم الشيخوخة البارد الكئيب بأنها الخاسر الأكبر في هذه المعركة[16]) إن لهوتِ اليوم
عن حُبّي الكبيرِ وتجاهلتِ هتافاتِ
شعوري وتصاممت عن
البوحِ الكسيرِ وتعاليتِ بأجواءِ
الغرورِ سوف يأتي زمن
الصحو الخطيرِ يوم ترتاعين
للشيب المريرِ وتقولين وداعاً
يا سروري سوف لا تلقين
حُباً مثل حُبِّي سوف لا يهواك
قلبٌ مثل قلبي سوف تُرْمَيْنَ
إلى قفرٍ وجَدْبِ لخريف العمرِ في
صحراءِ شيبِ لضياعٍ مُهْمَلٍ
خاوٍ وكَرْبِ يومها سوف تحنين
لخصبي لبساتين هتافاتي
وجَذْبي ولما كانت بعض الأحلام التي يراها
الإنسان في نومه ليست إلا انعكاساً لما ينهار من آماله في عالم الحقيقة والواقع
نجد أن شاعرنا قد أصبح يلاقي طيف ملهمته في أحلامه الليلية بعد أن أصبح لقاؤه لها
في الواقع أمراً بعيد المنال. وفي هذه الأحلام كان شاعرنا يراها على
الصورة التي كان يتمنى أن يراها فيها، وهي صورة كانت تبعث في نفسه ما كان يتوق
إليه من الغبطة والحبور. يقول الشاعر من
قصيدته "لقاء الأحلام"[17]) آه ما أعذبَ في
الأحلام يا روحي لقاكِ! بحنين الحب
والإخلاص فاضت مقلتاكِ كل ما في الصحو
يا دنياي من يأسِ نواكِ صار في الحلم
حناناً ونوالاً يا ملاكي إنها رؤيا أتت من
بعد يأسٍ وغيابِ أيقظت عمري
وأحييت لي أمانيَّ شبابي نشوة روحيَّة
النفحةِ أودت بعذابي وسقتني من حميّا
الصفوِ أحلامَ رغابي **** الحبُّ في ديوان إشراق الغروب
في هذا الديوان يحاول عليَّ أن يبرر
لنا التزامه بشعر الحب، وأن يفلسف لنا الحب ذاته، وهو في غمرة محاولاته لتفسير
التزامه بشعر الحب وتبرير ذلك ودحض ما يوجَّهُ إليه من حملات بسبب ذلك الالتزام،
يقول: بأن الحب قصة مسلسلة أبدية مسرحها خفقان العروق، ولأنه نقيض الكره فهو لا
يعدو أن يكون جزءاً من ثنائية من الثنائيات التي تقوم عليها الحياة. ولكنه -على الرغم من ذلك- لم يستطع أن
يقدم لنا صورة جديدة من صور الحب كما فعل في دواوينه السابقة، بل كرر في معظم
قصائده ما مرّ من صور لحبه، فهو إما حبٌّ مذل يرفضه الشاعر لأنه غير متبادل،
ويفرُّ منه فرار الإبل السليمة من البعير الأجرب، أو هو حب يبدو فيه المحب -وهو
شاعرنا نفسه- محباً مخلصاً متفانياً في حبه بالرغم من جحود المحبوبة وتجاهلها
وتغيُّرها، أو هو محبُّ عذريٌّ يكتفى باللفتة السانحة، وبالكلمة الحلوة يجود بها
عليه ثغر محبوبته، وبالإشارة المتاحة التي تجعله يرقص طرباً ويسبح في بحار أحلام
اليقظة التي تجود عليه بأعذب القصيد. وهو أحياناً حبٌ مراهق يذكرنا بقصائد الشاعر
في ديوانه رعشات، وهو في قصائده هذه التي تصور رِدَّتَهُ إلى مرحلة المراهقة يحلم
بامرأة يتمنى أن يقضي معها أوقاتاً سعيدة، ويحمل بشدة على الحُسَّاد والعواذل
الذين لا يفتؤون يضعون العوائق والعراقيل بين الأحبة، وعلى الأعراف والتقاليد التي
تحول بين قصص الحب وبين وصولها إلى غايتها السعيدة المتوخَّاة. وهو يوجه عتبه
الشديد إلى ملهمته ويسائلها عن نهاية ذلك الحب الذي يفدِّيه بحياته. وربما كان الجديد الوحيد في قصائد هذا
الديوان هو ظهور بذور القصة الشعرية عند عليّ. وقد أشار عليّ في بعض قصائده إلى
إنكار إضفاء صفات المجهولة على بعض ملهماته مما يوحي بأن هذه القصائد قد صيغت في
بطلة التجربة التي مرّت صورتها في قصائد ديوان "غيبوبة الحب". يقول عليّ في مقدمة ديوانه "
إشراق الغروب" مصوِّراً استنكار الذين يتهمونه بتجنب الالتزام بقضايا أمته
ومشكلاتها:[18])
وبعد أن يفرعُ من عرضه لرأي معارضيه
نراه ينتقل إلى الدفاع عما اختاره لنفسه من مواقف مستنداً إلى موقف الطبيعة
والحياة من الحرب ومما ينجم عنها من ويلات. وقد صاغ دفاعه ذاك في سلسلةٍ من
الأسئلة الاستنكارية قائلاً:
وهو لا يكتفي بالاستشهاد باستمرار
مظاهر الطبيعة المختلفة في أداء مهامها في أثناء الحرب بل تراه يقول: إن الإنسان
نفسه يستمر في أداء ما خلق له من الأعباء حتى تستمر الحياة.
وشاعرنا يعتقد أن السلم هو القاعدة،
وأن الحرب هي الاستثناء، ولأن الأمر كذلك فإن الشعوب تسارع إلى إعادة إعمار ما
دمرته الحرب، كي تعود الحياة إلى طبيعتها.
ثم يورد شاعرنا مجموعة أخرى من
البراهين التي تثبت أن الحياة ليست إلا سلسلة من الثنائيات التي لا تتناهى:
وهو يبيِّنُ لمنتقديه بأن رياح الحرب
أعجز من أن تطفيء نيران الحب التي قضى الله بأن تظل مشتعلةً في قلوب الناس، وليس
أدل على ذلك من أن العشاق يبذلون دماءهم رخيصة في سبيل محبوباتهم في أثناء الحرب،
وأنهم يتغنون بما صاغ الشعراء في معشوقاتهم من شعر وهم يقبعون وراء متاريسهم في خط
النار:
ثم يُعزِّزُ شاعرنا دفاعه عن نفسه وعن
اتجاهه الشعري بسمو شعره، وابتعاده عن الهبوط والمتاجرة بالغرائز وخُلُوِّه من
الابتذال، وقدرته على غرس الصفاء في نفوس الناس والارتقاء بهم إلى مرتبة
المتصوِّفين.
والحب كما يُصَوِّرُهُ شاعرنا في
قصيدة "المسلسلة الأبدية" ليس إلا قصة في حلقات تمثل فوق مسرح خفيّ،
ستائره منسوجة من الحذر المستبد، وحوارها كلام العيون وقاعتها خفقات العروق،
ونظَّارتها الذين يصفقون لأحداثها الخفيَّة هم ألسنة لهيب الحنين التي تشتعل في
أرواح المحبين. والفرق الوحيد بين هذه القصة وغيرها
من القصص التي تمثَّلُ فوق مسرح الحياة هو أنها بدون بداية ونهاية، لأن عرضها
سيستمر ما دام هنالك حياة.[19])
وفي قصيدته "جديدة" يحكى
لنا الشاعر قصة وقوعه في حبِّ ملهمة شآمية جديدة. وقد ركز عليّ في هذه القصيدة على
وصف عيني هذه الملهمة وما تفعله في نفسه، وقد استغرق ذلك مالا يقل عن نصف أبيات
القصيدة التي بلغ عدد أبياتها أربعة وثلاثين بيتاً. وقد خصَّ بقية أبياتها بوصف
وضاءة وجهها وبهاء طلعتها ورشاقة قدِّها ورقتها وثغرها وابتسامتها والحب وأهميته
في حياة البشر. وقد بدأ قصيدته هذه في تحريض ملهمته على إغرائه ومحاورته بلغة
العيون التي لا تفوقها لغةً في التعبير عمّا تكنُّهُ القلوب[20])
وهذه الأهداب التي تمطر السحر،
ويتولَّدُ فيها الحب، وتفصحُ عما في صدور العذارى من أسرار تكشف بتضافرها مع سواد
العينين عن عوالم تزدحم سماواتها بالنجوم. أما لغتها فأسمى اللغات، وأكثرها قدرة
على التعبير. فهي أحياناً تجسم الحياء والخجل، وأحياناً أخرى تصوِّرُ الشوق
واللهفة والأمل، وهي علويّة الهمسات، لا تحفل بالرقباء والعواذل. ولا يحق لأحد أن
يحاسبها أو يحاسب صاحبتها إلا الله الذي أودع فيها سر الإغواء. ولأن الأمر كذلك فإن شاعرنا يُحرِّض
ملهمته الجديدة هذه على أن تصهر كبده بنيران الحب المتسعِّر، لأن الحب أجمل ما في
الوجود.
وعن وجه هذه الملهمة الصبوح، وطلعتها
المشرقة، وشعرها الحالك السواد، وجسدها البض الناعم وقدها الأهيف الممشوق
وابتسامتها الزهراء يقول عليّ:
ولما كان لهذه البسمة مثل هذا التأثير
الفذّ فقد توسل الشاعر إلى هذه الملهمة الجديدة ألا تحرمه منها كي تبقى بالنسبة له
مصدر وحيٍ وإلهام في ليالي الحب المشعة بالأضواءِ.
وحتى لا يكون الحب مصدر خوفٍ لهذه
الملهمة، ولكي تستمر مصدر الهام للشاعر فإنه يشرح لها ما هيَّته، ويدافع عنه،
ويوضح أهميته في هذه الحياة، ويشجعها على التمسك به وعدم التخلي عنه لأنها مدينة
له بوجودها هي وغيرها من الأحياء.
وقد أدرك شاعرنا -بعد أن تقدَّم به
العمر- أن بساط الشباب قد سحب من تحت قدميه، وأنه لم يعد فيه مطمع للحسان، وأن حظه
منهن لن يجاوز النظر، وأنه لم يعد أمامه سوى التسليم بالواقع المرير المفعم
بالبكاء واليأس وبرودة الكهولة والشيخوخة، والاكتواء بجمرات الشوق اللاهب وتذوق
مرارة الحرمان، والندم على ضياع العمر وهو يفتش عن مجهولةٍ لم يظهر من يقاربها من
النساء إلا هذه الملهمة الجديدة التي وضعتها الأقدار في طريقه بعد فوات الأوان. لقد بزغتْ هذه الملهمة فجأة في حياته
لتعيده إلى سن الشباب وأحلامه، ولتنسيه مجهولته التي طالما بحث عنها وعن أوصافها
في مَنْ عرف من النساء. وقد صوَّر لنا: عليٌّ ذلك كله في
قصيدته "إشراق الغروب" حيث يقول:[21])
لقد جدَّدت هذه الملهمة حياة الشاعر
وبعثت في نفسه الكهلة حيوية الشباب وجعلته يندم على إضاعة شبابه في البحث عن
المستحيل. وقد ملأ حب هذه الملهمة المعلومة على الشاعر حياته وفجر فيه الرغبة في
اللهو، وأنساه اتزان الكهولة ووقارها، وجعلته يعيش في أضواء عوالم جديدة لم يعش في
مثلها من قبل.
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||