علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثامن

الطبيعة في شعر علي دُمَّر

نسج علي دمر على منوال الشعراء الرومانسيين في حبهم للطبيعة، وعشقهم لمظاهرها وفصولها، وافتتانهم بسحرها وجمالها، وبما توحي للإنسان من مبادئ ومثل جعلتها في نظر الرومانسيين المعلم الأول الذي ينبغي للإنسان أن يأخذ عنه ويترسم خطاه.

والقصائد أو الأبيات التي وصف بها علي الطبيعة ومظاهرها وصفاً خارجياً محايداً قليلة جداً إذا هي قيست بتلك التي مزج فيها بين نفسه وبين الطبيعة وما اشتملت عليه من مظاهر متنوعة تأسر الألباب، وتأخذ بمجامع القلوب، وتهزُّ الوجدان، وتجعل الشاعر يعتقد اعتقاداً راسخاً بأنه ليس إلا جزءاً من هذه الطبيعة الجميلة الساحرة.

كان علي يعد الطبيعة أمه الرؤوم التي تحبه وتحنو عليه، وتتعاطف معه، وتشاركه أفراحه وأتراحه، والصديق الصدوق الذي يقاسمه همومه وأحلامه ونزواته، والخصم الذي ربما يقلب له ظهر المجن فيشمت به، أو يتآمر عليه، ويسخر منه ومن ضعفه وانهياره أمام الصدمات.

والطبيعة عند عليّ هي مسرح لهوه ومراحه، والمنبع الذي يستقي منه صوره الشعرية من تشبيهات واستعارات وكنايات ومجازات لغوية أو عقلية ورموز قريبة لا تنبو عن الذوق، ولا تدق على الأفهام.

وهي السماوات الرحيبة الآفاق التي يخلق فيها خياله المجنَّح، والبحار التي يغوص في أعماقها ليقتنص منها كل ما يعجب ويطرب من الصور والمعاني والأساليب، وهي بمظاهرها المتنوعة البرهان الساطع، والدليل القاطع على وجود المبدع العظيم.

وقد دفعه حبُّه للطبيعة إلى أن يتمنى اعتزال الناس في كوخٍ يقيمه في مزرعةٍ صغيرةٍ يفرغ فيها للشعر وتأمل الطبيعة التي علقها وتعلَّقَ بها إلى درجةٍ تقرب من التقديس.

لقد تمنَّى علي أن يذوب بين أحضان الطبيعة، وأن يفقد وعيه وهو يسبح في خيالاته في فضائها الواسع العميق.

وكان قلبه في كثير من الأحيان يشعر بالانقباض من الحياة، ومن الناس الذين شكَّلوا مجتمعاتٍ موبوءةً مفعمةً بالمشكلات التي جعلت من الحياة نفسها عبئاً ثقيلاً تنوء بحمله النفوس الشاعرية المرهفة التي لا تحلم إلا أن تعيش في عوالم مثالية خالية من كل ما يدعو إلى اليأس والقنوط. فلا يجد سوى الطبيعة ملجأ يفر إليه منهم.

كان عليّ يعشق الطبيعة، وينشد فيها العزاء عن إحباطاته المتكررة التي صادفته في عالم الواقع المرير.

وكانت أحلى ساعات عمره هي تلك التي يخلو فيها إلى الطبيعة مع حبيب أو صديق يجد فيه العوض عن سائر الناس.

وكانت فصول الطبيعة المتعاقبة، ومناظرها المتغيرة مصدر وحيٍ مستمر لعليّ، فقد استمدَّ ما لا يحصى من الصور والمعاني من الشتاء ورياحه العاصفة وبرودته التي تقطَّع الأوصال، ورعوده القاصفة، وأمطاره الغزيرة، وسمائه الملبدة بالغيوم، وآفاقه المكفهرة، وأعاصيره المدمرة، وسيوله الجارفة، ومن الربيع وتجدد الحياة فيه وتفتح وروده وأزهاره، وانسياب جداوله، وخرير مياهه، ونضارة خضرته، ونضج ثماره، وانطلاق طيوره وتغريدها، واعتلال نسائمه، وصفاء أجوائه، وهديل حمائمه، وجميل أصائله. ومن الخريف وما يعتري فيه الطبيعة من تحولات توحي بالانقباض والتشاؤم، ومن الصيف، وما فيه من لفح الهجير وشدة الحر وسخونة الأجواء، وإقبال الناس على الاستمتاع بالتريض في البساتين والرياض الغنّاء، والشواطئ الساحرة التي تغص بذوات الغنج والدلال اللواتي يُبدين من زينتهن في الصيف ما كُنَّ يتحرجن من إبدائه في غيره من الفصول.

وإذا تتبعنا شعر الطبعية في دواوين عليّ المختلفة فإننا سنجد أنه يتمثَّل لنا في ثلاثة أشكال:

أولها: الشكل الذي وصف فيه الطبيعة وصفاً خارجياً محايداً، رسم لنا فيه لوحات فنية جميلة لا نملك إلا أن نُعجب بها وبما اشتملت عليه من صوت ولون وحركة بعثت فيها الحياة، وجعلت منها أشبه ما تكون بصور سينمائية تُعرض أمام القارئ المتأمل.

وثانيها: الشكل  الذي جعل فيه من الطبيعة منبعاً من منابع الإلهام التي يستمدُّ منها تعبيراته وصوره الفنية ومعانيه.

        وقد ظهر ذلك في كثير من الصور البيانية التي استخدم فيها التشبيهات العادية والتمثيلية والضمنية، والاستعارات المكنية والتصريحية، والكنايات والمجازات اللغوية والعقلية، والرموز الطبيعية التي يصعب تتبُّعها واستقصاؤها لأنه لا يكاد يخلو من بعضها بيتٌ واحدٌ من شعره.

وثالثها: الشكل الذي مزج فيه بين نفسه وبين الطبيعة، وجعل فيه من ذاته وعواطفه وأحاسيسه جزءاً لا يتجزّأ من الطبيعة، ولا ينفصل عنها، ومظهراً من مظاهرها التي يتأثر بها ويؤثر فيها.

من القصائد التي وصف فيها عليَّ بعض مظاهر الطبيعة وصفاً خارجياً محايداً قصيدته "شوق"[1]) التي يقول فيها:

 

 

كم لي على ضفة العاصي وقد سكر الصـ

ـفصاف من مجلس في الروض معهود

 

 

هناك إن جنحت شمس الأصيل زهت

شطآنه بالرعابيب الأماليد

 

 

ولي هنالك أترابٌ إذا بعدوا

يغيب أنسي وتجفوني أغاريدي

 

 

إذا أتيتهمو طاروا بشاعرهم

إلى الخمائل في هزج الزغاريد

 

 

كم نزهة فيهمو والبدر يضحك إذ

جرس الجداول سكران الأناشيد

 

 

جمعاً نصفق في أنس وفي طرب

تثيرنا دندنات الناي والعود

 

 

وللنواعير آهاتٌ كما انتشرت

أنات منصهرٍ بالعشق مفؤودِ

 

 

دنيا من اللهو في الوادي نعمت بها

في عصبة من بني الوادي أماجيد

 

 

وما دمشق -وإن راقت خمائلها-

تلهو صبا بردى بالورد والخود

 

 

يوماً بمنسيتي ربعاً نشأت به

في ظل روضٍ بباب النهر ممدود

 

ثم انظر إلى هذه اللوحة الرائعة التي يرسمها عليّ بكلماته للطبيعة في فصل الربيع وهي من قصيدته عرس الطبيعة)[2])

تمسح الدمع والأسى والشحوبا

 

زغردت روعة الجمال وهامت

يبثُّ الحياة روحاً طروبا

 

واستفاق الربيع في الحلل الخضرِ

في ليالي الشتاء تغفو نضوبا

 

بجسَتْ أعين السرور وكانت

لفحة البرد لا تطيق هبوبا

 

وتراخي الهواء سُكْراً ونامت

اضمحلَّتْ وحاولت أن تغيبا

 

فتعاليْ إلى الضفاف إذا الشمس

ح حنيناً وصبوةً ولهيبا

 

فاحمرار الأصيل ينشر في الرو

شفّه الوجد فاستجد نحيباً

 

وغمام الجواء صار محباً

ضُ يناغي لدى المساء القلوبا

 

دمعه يضحك الخمائل فالرو

وأبدى بها الجمال ضروباً

 

جلَّ من لوَّن ألأزاهير في الفجر

كل شيءٍ يلوح فيه عجيبا

 

فكأن الربيع عرسٌ بديعٌ

ترتدي للضياء ثوباً قشيبا

 

تشرق الشمس في سماه عروساً

ويحلو للرقص فناً غريباً

 

وقيان الأفنان تصدح باللحن

كحوراء تستميل الحبيبا

 

كل غصن يهتز من سجعة الطير

كالعصافير جيئةً وذهوباً

 

والصبايا يلعبن في كل روضٍ

وزهراً لدى الربيع رطيبا

 

كل غيداء شابهت ثمراً غضاً

والبدر والدجى والطيوبا

 

فهي الغصن أنبت الورد والرمان

كالفراشاتِ خفةً ووثوبا

 

يتراقصن حول كل غديرٍ

لا غروباً إذا بلغن الغروبا

 

خالقات مع الصباح صباحاً

فينشرن في النسائم طيبا

 

يتراشقن بالفواكه والفل

فالشاعر -عندما نتأمل هذه الأبيات- محايد يكتفي بالسماح لعدسته الشعرية بالتقاط الصور لمظاهر الطبيعة ومجاليها مضفياً عليها من خياله ما ألفناه من صور سبقه إليها كثير من الشعراء.

وفي قصيدته "جنة الصحراء" حيث قضى الشاعر أسبوعاً مع بعض رفاقه من الأعراب في مضارب عشيرة البشاكم نراه يصف لنا مظاهر الطبيعة الصحراوية بقوله:[3])

والليل جلَّلني غريب الدار

 

وافى خيالُك يا له من سارى

إن الفلاة قليلة الزوّار

 

أفدى الذي قد زار في عرض الفلا

وادي النخيل بصفحة المنطار

 

يا يوم بتنافي بيوت الشعر من

بأريج فوّاح الشذا معطار

 

يهفو نسيمُ الشيح فوق وجوهنا

والنار تسطع والسماء دراري

 

والليل حاك على التلاع بروده

في الدجن طائفةٌ من الثّوارِ

 

يزهو بأيدينا السلاح كأننا

غردٍ يداعب نغمة القيثارِ

 

وشدا الرباب على يديْ ذي نخوةٍ

واكتظت الأجواء بالأطيارِ

 

وإذا عروس الصبح شُقَّ خباؤها

وتراقص الرعيان بالمزمارِ

 

وتناغت الخرفان في سفح الرّبى

جنٌّ بدت في البر للنظارِ

 

طرنا على الخيل العتاق كأننا

من حوض ماء الكوثر الفوّارِ

 

ترد المياه من العيون كأنها

ترنو الظباء إلى شروق نهارِ

 

ترنو لنا الفتيات في عجب كما

نظرت بعين الفرقد الدوّارِ

 

من كل مائسة القوام كأنها

متضوّع الآصال والأسحارِ.

 

عيش كأحلام الصبايا باسمٌ

وإذا مضينا نبحث عن القصائد التي يتمثل فيها الشكل الثاني من أشكال القصائد التي تعامل فيها عليّ مع الطبيعة، فإننا نجد أنه قد استقى صوره الفنية من الطبيعة في عدد كبير من قصائده حيث شخّص فيها مظاهر الطبيعة المختلفة وجسّدها وبعث فيها الحياة.

ولعل في مقدمة هذه القصائد قصيدته "شاعر"[4])التي نجد فيها عدداً من الصور المستمدة من الطبيعة، فالظلام في أول بيت من أبيات القصيدة مخلوق ضليل لا يحس بالشاعر الذي يسير متمهلاً متأنياً سابحاً في بحر من الذهول، ويعيش في خِضَمٍّ من الأوهام والأحزان. وهو يصفع الموج، وليل الشاعر مُضَمَّخٌ بالضباب، وقلبه يشوى في جحيم من اللهب، ويتلظّى بنيران الحب على الرغم من أن الهلال يرسل إليه ببسمة الشعاع.

والشفق في الأصيل يكسو الكون بحلة من اللهب، والليل يخبّئ النجم في دجى طيلسانه، والأنسام الحيارى تعانق روح الشاعر المحلقة في الآفاق هروباً من تلظِّي أعماقه قاصدةً السماء كي تحيا بين الأفلاك، والشاعر نفسه هزارٌ يتغنى في دوحة الفن فيسكر الروض من ألحانه، والظلام يخيِّم على الكون ويلقي السكون في الوديان.[5])

أيُّ سار تحت الظلام الضليلْ

 

يتأنى بمشيتهْ

مطرقاً سابحاً ببحر الذهولْ

 

يتثنى بسكرتهْ

في خضمِّ الأوهام والحزن أمسى

 

يصفع الموج غارقاً في عُبابهْ

فيه نفس طموحة لو رأت في النجم

 

فخراً لخاطرت لاكتسابهْ

ناظراً شمعة المُنى باتقادٍ

 

تحت ليل مضمَّخٍ بضبابِهْ

يتلظّى إذا الهلال تبدّى

 

مرسلاً بسمة الشعاع إليهِ

يسهر الليلَ كلَّه في نُواح

 

وتضِجُّ النيران في جانبيهِ

سادراً سائحاً لدى كل نهرٍ

 

باكياً جاثماً لدى ضِفَّتيْهِ

وارتدى الكون حلّةً في الأصيلْ

 

كلهيبٍ على الشفقْ

أو كقلبٍ دامي الجراحِ قتيلْ

 

من حبيبٍ به خفَقْ

وانزوى مفرداً كئيباً بليل

 

خبَّأ النجم في دُجى طيلسانهْ

حلَّقت روحه على الأفق خوفاً

 

من لظى جوفه ومن أشجانِهْ

واعتلت تقصد السماء لتحيا

 

بين أفلاكه وضِمْنَ أمانِه

كهزازٍ في دوحةٍ يتغنى

 

يسكر الروض من صدى ألحانه

ثم لما نام الظلام على الكون

 

وألقى السكون في وديانِهْ

أسند الرأس في أمانٍ على الـ

 

كفِّ وأغفى مستسلماً في مكانه

وفي قصيدة "رعشة" يبرز لنا الشاعر قلبه في صورة فرخٍ صغير مهيض الجناح صرعته الرياح الحانقة التي داهمته من كل فج فانزوى بجناحه المكسور صريعاً فوق أحد الأغصان مستحقاً رثاء الغيوم والبرق والثلج والظلام الكثيف، ولكن الريح التي لا ترحم استمرت في مهاجمته إلى أن حطمت الغصن الذي كان يقبع فوقه، وزجت به بين جذور الأشجار التي يشبه حفيف أوراقها فحيح الحيات، بل ويشبه هزيم الرعود الذي يلقى الرعب حتى في قلوب الأسود.[6])

أرأيتم فرخاً تلوّى صريعاً

 

 

فوق غصنٍ يزقو بجنحٍ كسيرِ

هاجمته الرياح من كل فجٍّ

 

 

حانقات من الصبا والدبورِ

وغيوم الأجواء تبكي حزانى

 

 

فترى الليل في سكون مطيرِ

يلمع البرق والصواعق تترى

 

 

وجرى النهرُ مزْبداً كالبحورِ

ستر الثلج شاطئيه فأمسى

 

 

شبه أفعى تسير بين الصخورِ

والظلام الكثيف خيّم حتى

 

 

صار يبدو كموحشات القبورِ

جثم الفرخ باكتئاب يقاسي

 

 

ألم البرد في فؤادٍ صبورِ

ذهبت أمه لتلقط حَبّاً

 

 

كي تُغَذِّي وحيدها في البكورِ

لم تعدْ بعدُ من غيابٍ طويلٍ

 

 

أترى صادها كبيرُ الصقور؟!

ثم هاجت ريحٌ فحطَّمت الغصـ

 

 

ـن وزجَّت بالفرخ بين الجذورِ

وحفيف الأشجار في الليل يزجى

 

 

الرعب حتى في قلب ليث هصورِ

غضبةُ الله في الطبيعة ثارت

 

 

فدوى الكون باصطخابٍ كبيرِ

كفحيح الحيات تسمع فيه

 

 

ودوي الرعود شبه الزئيرِ

وارتمى الفرخ فوق قبضة ثلجٍ

 

 

يتلوَّى برعشة المستجيرِ

إن ذا الفرخ في عذابٍ مُمَضٍّ

 

 

هو قلبي في صدري المهجور

حقاً لقد أبدع الشاعر في تصويره غضبة الطبيعة التي رمز بها إلى الحياة على هذا الفرخ الصغير اليتيم الذي رمز به إلى قلبه المحطَّم على الرغم من حداثة عهده بالشعر عندما جادت قريحته بهذه القصيدة التي تعد من باكورات ما نظم من قصيد.

وفي "ثروة الحب" نجد أن الشقاء يمٌّ يحتوى الشاعر وهو يناجي السماء الصمّاء بعويله الجريح، والهموم ليل يهيم الشاعر في خلاله، والحبيبة تبزغ فجأة في فكره كما يبزغ البدر في الظلام، والشاعر يتحول عند بزوغها إلى قُبَّرة داهمها شعاع الصباح فانطلقت ترفرف وتغرد قاصدةً بروج السماوات الوضيئة.لتحيا سعيدة في فردوس مفعم بالصور البهيجة الجميلة[7])

إذا ما احتواني يمُّ الشقاء

 

وسرت بخزيٍ طريد البشر

أناجي السماء جريح العويل

 

كأن بأذن السماء الوقر

وبينا أهيم بليل الهموم

 

سخين الدموع أثيث الشعر

بزغت بفكري على غِرَّةٍ

 

كبدر الدياجي عروس الفكر

فصرت كقبَّرةٍ قد بدا

 

عليها شعاع الصباح الأغر

فهبَّت ترفرف من غفوةٍ

 

وطارت تغني لحون السحرْ

وأمَّتْ بروج السماء الوضاء

 

إلى حيث تبغي بها مستقرْ

وذلك حبك قد زجَّني

 

بفردوس عيشٍ بهيج الصورْ

وفي قصيدته "بنت البلد" نجد أن للأشرعة فرحة بالوصول إلى الشطآن، وجمال بنت البلد المصرية السمراء يفوق الهرمين في قدرتهما على الإيحاء، وشعرها ليل السامر النشوان، ولآلئه كواكب تومض وتنشي الدجى بلمحها وخفقانها، وشفتاها أوراق ورد حمراء سميكة متجمعة، ورشاقة قدها مجسَّدةٌ من خمور العالمين، ونهداها يتراقصان، وردفاها يتماوجان.

أما قوامها اللدن فكالماء ليناً وكالأفنان في تكسر حركاته وكالرؤى التي تتراءى للسكران. وهي بعد ذلك كله عطر الربيع وزهره، وحديث العشاق والندمان في ليالي السمر الهانئة.[8])

لو جمِّعَتْ أعراس أجيال الورى

 

 

وجميع دنيا الرقص والألحان

من عهد ما للنيل من أُنس وما

 

 

لشراعه من فرحة الشطآن

كنت الجمال الأسمر الموحي من

 

 

الإعجاب مالم يوحه الهرمان

شعر إذا ما الليل خيَّم كان في الـ

 

 

أضواء ليل السامر النشوانِ

لمعت لالِئُهُ كومض كواكبٍ

 

 

تنشي الدُّجى باللمح والخفقانِ

وفم سميك شفاهه متجمعٍ

 

 

كتجمع الورد السميك القاني

عصرو خمور العالمين وجسدّوا

 

 

منها رشاقة قدك اللهفانِ

فإذا مشيت تخلّعت تلك الخطى

 

 

والخصر إذ يتراقص النهدان

وشددت أطراف الملاءة كي يُرى الـ

 

 

تجسيد إذ يتماوج الردفان

فبدا القوام اللدن في ريّ الصبا

 

 

كالماء في لينٍ وكالأفنانِ

متكسر الحركات في جذلٍ كما

 

 

تبدو الرؤى في مقلة السكرانِ

والقصائد التي استقى علي دمر فيها صوره الفنية من الطبيعة كثيرة ومتعددة، واستقراؤها أمر لا تدعو إليه الحاجة، و لايستدعيه المقام، ويكفي أن نشير إلى عدد منها في ديوان حنين الليالي وهي: حياتي، وضوء القمر، وصورتها، وبيتهوفن العرب، وأيقظتني، واللاجئون، ودُمَّر، وأمل تحقق وسواها.

وأما الشكل الثالث وهي القصائد التي مزج فيها علي بين نفسه وبين الطبيعة فإن قصيدة غمغمات)[9]) تقف في طليعتها، فهو في هذه القصيدة يناجي الليل ويتخذ منه صديقاً يفتح له قلبه، ويبثه شكواه، ويطلب إليه أن يرعاه، وأن يلهمه أفانين الصور، وأن يثير في نفسه الحرى الذكريات الجميلة التي قضاها مع حبيبته الهاجرة القاسية

أيها الليل إذا غادرت ضوضاء البشرْ

وتواريت بجنحٍ منْكَ في الجو العطرْ

تحت أذيالِ الظلام النابغيّ المعتكرْ

حيث لا يبصرني إلا نجَيْماتُ السحرْ

وتفرَّدتُ على طودٍ قريبٍ من نهرْ

وسْوَست ريحٌ على ضفته بين الشجرْ

وشدا الصرصور والضفدع غنت في حذرْ

وصدى الناعورة الثكلى تعالى وانتشرْ

وَبَعَثْتُ الروحَ للأفقِ ووجهتُ البصرْ

فارعني يا ليل واخلُقْ لي أفانين الصورْ

وأثر في نفسي الولهى جميلات الذِكَرْ

أيها اليل إذا مات ولم يحي الصباحْ

فاعلمن يا ليل أني عاشق ضل النجاح

كل ما ألقاه يا ليل ذبولٌ والتياح

وفي "ليلة شاطئ" يناجي الشاعر سكون البحر، وسواد الأفق، والبحر ورفيف الريح والليل وغير ذلك من مظاهر الطبيعة التي يجعل منها اصدقاء يفضي إليها بذات نفسه ويبثُّها همومه وأحزانه ويسائلها عن أوهامه الخفية، وعن كنه ذاته، ويعبر للبحر عن خوفه من ثورة أمواجه واندفاعها نحوه، ثم يشكو إلى الليل ضعفه ووحدته وما لقي على أيدي البشر من ويلات ومصائب[10])

 

يا سكون البحر آناء الدُّجى

 

هل سكون البحر أوهامي الخفيَّهْ

يا سواد الأفق لا أعلمُ هل

 

أنا معنى فيك أم معناك فيَّهْ

أيها البحر أراني خائفاً

 

منك إذ ما تدفع الموج إليَّهْ

يا رفيف الريح في الغاب وقد

 

تُرهب الحيتان في القعر دويَّه

أنا يا ليل كفرخٍ هائمٍ

 

في مهب الريح لا يلقى مطيَّه

كسرت جنحيْه في آفاقهِ

 

حجراتٌ من أيادي البشريّهْ

وفي "أمسيات النيل" يتخذ عليّ من النيل صديقاً يناجيه ويسائله عما وعى من أخبار العشاق الأولين، وعما شهدت شواطئه من متعهم ومسراتهم التي عبُّوا من دنانها حتى الثمالة، وعما حفظت ذاكرته من الشعر الذي استوحاه الشعراء من روعة النيل وعظمته وجماله، ومن أبناء الطغاة والفراعين، ومعاناة الكادحين من الملاحين الذين أفنوا أعمارهم فوق صفحته[11])

يا نيلُ كم رقصت عليك مَسَرَّةٌ

 

في زورقٍ والليلُ جرَّ ذيولاً

كم " كيلو باترا" فوق لُجِّكَ أشرعت

 

في جنب "أنطونيو" تَبُلُّ غليلا

يا نيل كم نيلتْ بشطك بغيةٌ

 

ولكم بها شهد الرغائب نيلا

في كل أمسيةٍ ضفافك تلتقي

 

بالعاشقين مواكباً وسيولا

كم شاعر يا نيل جاءك شاكياً

 

رتَّلْتَ حلو نشيده ترتيلا

كم سار فرعون عليك بصولةٍ

 

تدعُ الزمان لخوفه مغلولا

كم فيك ملاّحون حرماًناً قضوا

 

كلَّ الحياةِ متاعباً ورحيلا

والظالمون ثووا بظل قصورهم

 

بالضفتين لذائذاً وخمولا

عاصرتهم يا نيل ثم طويتهم

 

وشهدتَ غيرهمو لديك مثولا

وفي قصيدته "لقاء" يطلب الشاعر إلى محبوبته أن تسأل البحر عما إذا كان قد رعى عهد وفاء كل منهما للآخر، أم أنه تناساه كما نسيته، ويذكِّرها بما باح به كل منهما لصاحبه لماء الشط، وبما جادت به عليهما "بيروت" من توفير مكان اللقاء الجميل الذي سارا إليه في خُيلاء، وكيف اندمجا في بحرها العظيم وأفقها الرحب حتى غابا في خِضَّم العوالم الزرقاء، وكيف حزن الكون حين حان وقت فراق كل منهما لرفيقه[12])

إسألي البحر بعد ذاك اللقاءِ

 

هل سيرعى مكان عهد الوفاء

 

أيُّ نجوى بُحْنا بها لمساءِ الشطِّ

 

كانت تذيبُنا في الخفاءِ

منحتنا بيروت أحلى مكانٍ

 

 

 

نتهادى إليه في خُيَلاء

 

واندمجنا في البحر، في الأفقِ غبنا

 

 

 

في خِضَمِّ العوالمِ الزرقاءِ

 

وغرقنا في نشوة البوحِ وافتَرَّ

 

 

 

تْ شفاهٌ من غبطةٍ وهناءِ

 

وصمتنا خوفاً من الزمن الآ

 

 

 

تي وما في الغيوب من أنواءِ

 

حزن الكونُ حين قلتِ سنمضي

 

 

 

لافتراقٍ، وحين آن التنائي

 

 

 



[1]) ص56 رعشات

[2]) ص26 حنين الليالي

[3]) ص112 حنين الليالي

[4]) ص10 رعشات

[5]) ص رعشات

[6])  رعشات

[7]) ص رعشات

[8]) ص حنين الليالي

[9]) ص7 رعشات

[10]) ص14 رعشات

[11]) ص32 حنين الليالي

[12]) ص64 إشراق الغروب

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244