|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:16 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الغربة
والحنين والشكوى والضياع
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
وما أنا في ذي الأرض إلا كطائرٍ |
|
|
|
|
سجينٍ بقبرٍ فاقد النور ضيِّقِ |
|
|
مشيت بها لم ألقَ فيها سوى الشقا |
|
|
|
|
وغير امرئٍ مستوحش الطبع أحمق |
|
|
أكافح جهدي ثم ألوي بخيبةٍ |
|
|
|
|
كأن فؤادي من حميَّا الأسى سُقى |
|
|
وعشت ذكياً، في حياتي مفكراً |
|
|
|
|
فلم يكفني فيها ذكائي ومنطقي |
|
وهو في إحدى مراثيه لأمه يشكو إليها
ضياعه في عالم قاسٍ خال من الرحمة، مفعم بالخيانة والخائنين والملل والضياع وخيبة
الرجاء[3])
|
لم أجدْ لي بين الأنام رحيماً |
|
بعد ما غبتِ في الثرى عن عيوني |
|
خانني الناس بعد موتك حتى |
|
إخوتي منهمو لقيت بلائي |
|
ضعت يا أم في الحياة كأني |
|
لؤلؤُ تحت هذه الأوحالِ |
|
إيهِ أُماه قد مللت حياتي |
|
قرَّ يأسي وضاع منه رجائي |
|
ليتني لم أكن وُلِدتُ فخيرٌ |
|
من شقاء الحياة دنيا الفناءِ |
وهو في قصيدته "قسوة" يشكو
قلَّة النصير بالرغم من استحقاقه للمناصرة[4])
|
لم أجد لي على بلائي نصيراً |
|
فيه عطف على فؤادي الجريح |
وقد أضاع الشاعر حياته وهو يبحث عبثاً
عن أمانيه التي لا تفتأ تسكره بحميّا نشوتها الكاذبة التي تشبه السراب[5])
|
أضعتُ حياتي بالأماني ولم أزلْ |
|
بكأسِ حميَّاها أهيم وأسكرُ |
|
وأغفو على أيدي الهموم كأنني |
|
ببحرٍ من الأوهام يطغى ويزجرُ |
|
أطير إلى الآمال وهي بعيدةٌ |
|
كأني أراها بعد لأيٍ تنوَّر |
|
وما بسمة الآمال إلا خديعةٌ |
|
أَخِفُّ إليها ثم أكبو وأعثرُ |
وهو يردِّد مثل هذا المعنى في قوله[6])
|
لم أزل سائراً على الشوك عمري |
|
ومُرادى الوصول للجناتِ |
|
غير أني لم ألقَ إلا حطاماً |
|
أحرقتهُ مطامع الشهوات |
وهو يجد في ولده أنس السلوان عن
تنكُّر الأحزان وتغيّر الأصدقاء:[7])
|
كم من خدين لي تقلَّص ودُّه |
|
فوجدتك السلوان عن أحزاني |
ثم يعبر عن خوفه من المستقبل لأبنائه
ويتمنى ألا يكون حظهم كحظه، وإلاّ تدركهم حرفة الأدب كما أدركته، لأنها لا تورث
أصحابها غير الرزايا السوداء المتتابعة:[8])
|
ليس يخلو الخوف من نفسي لما |
|
سوف يأتي، ولما قد ذهبا |
|
أنا أخشى حظكم أن يغتدي |
|
مثل حظي تعشقون الأدبا |
|
أدب الأحرار مَنْ شنّوا على |
|
كل عسفٍ لجباً مُلتهبا |
|
فتعيشون كعيشي نوباً |
|
في الرزايا السود تتلو نُوبا |
وأماني الشاعر وآماله التي تموت في
مهدها أكثر من أن تُعد، مما جعل جمرات حزنه تبترد في مياه نهر يأسه التي تغرق فيها
آماله:[9])
|
كم من أمانٍ لي تموتُ بمهدها |
|
كالطفل يولد نعشُه إذ يُولَدُ |
|
لهفي على يأسٍ يطيحُ بمأملي |
|
في نهره جمرُ الأسى يتبرَّدُ |
وفي قصيدته "عُزْلة "يبرر
لنا علي رغبته في اعتزال الناس بعد أن يئس منهم ومن دنياهم حتى لو كانت تلك العزلة
في أعماق البحر[10])
|
أنا لو ألقيتُ في |
|
لجّةٍ لن أخرجا |
|
علَّني فيها أرى |
|
من رفاقي ملتجا |
|
أجد الوحدة من |
|
كل همٍّ فرجا |
|
لا أرى يوماً على |
|
ذي انفرادٍ حرجا |
|
إنما الدهر جوىً |
|
كله خالي الرجا |
|
كل إنسانٍ بهِ |
|
غادرٌ لا يُرْتجى |
وقد صور عليّ قلقه أروع تصوير في
قصيدته "ليل الشاعر" فقد حرمه قلقه من النوم الذي لا يجد الناس وسيلة
غيره تريحهم من متاعب الحياة وهمومها، وأحاله إلى مخلوق غريب تتساءل النجوم عن
حقيقته ومراده وتنصحه أن يخلد إلى النوم، إذ ليس في هذه الحياة ما يستحق أن
يُهْجَرَ النومُ من أجله مادامت تنتهي بنوم سرمديّ يسألُ صاحبه عن أرقه الدائم
الذي لا ينتهي.[11])
|
إلامَ هذا الأرق الدائمُ |
|
حتّامَ هذا السأم الجاثُم |
|
ينام كل الكون يا شاعري |
|
وأنت لا صاحٍ ولا نائمُ |
|
بين زوايا البيت في عتمةٍ |
|
تمشى كما يمشى الردى الحائم |
|
وتسأل الأنجم ما شأنه |
|
هذا الفتى المستوحش الواجمُ؟! |
|
ما باله يرمقُ إشعاعنا |
|
بأعينٍ إشعاعُها قاتمُ |
|
حيران لا يدري أأشواقهُ |
|
تطفو به أم حقده العارمُ |
|
يا شاعري هلاّ يذوقُ الكرى |
|
جفنُك هذا الساهد الساهمُ |
|
أأنت من غير بني آدمٍ |
|
فالنوم مضطر له آدمُ |
|
ما تبتغي؟ ماذا وراء الدجى |
|
ضيَّعتَ يا مفتونُ يا واهمُ |
|
لاشيء في الدنيا خليقٌ بأن |
|
يأسى عليه الشاعر الحالمُ |
|
فنم فهذا الفجر أدياكهُ |
|
أحيا غناها الأملُ القادمُ |
|
سينطفي منك سراج المنُى |
|
لما يحين القدر الغاشم |
|
ونومك السرمد تحت الثرى |
|
يهمس أين الأرق الدائم؟! |
وقد حان قدر الشاعر، وأطفأ سراج
أمانيه، وأظن أن نومه السرمدي قد سأله عما أفاد من أرقه الدائم في هذه الحياة التي
ودَّعها غير آسفٍ عليها وعلى ما فيها من سراب الأماني، وكاذب الآمال.
وفي قصيدته "قلق" يقرر
الشاعر بأن حياته تسير بغير إرادته، وأن آماله تُوأَدُ بمجرد ولادتها، وأن سهامه
خائبة لا تصيب أهدافها، وأنه لا يحفل بنجاحه أو فشله ما دام قد بذل ما يستطيع من
جهد في سبيل أهدافه، وأنه على الرغم من فشله المتكرر فإنه لن يتردد في الركض وراء
أية بارقة لأمل جديد يلوح في أفق حياته، ما دامت إرادة الحياة تقتضي ذلك[12])
|
بغير إرادتي تسري حياتي |
|
أريدُ وغيبُ ربي لا يريدُ |
|
أكافح ما أكافح ثم آوي |
|
إلى قدرٍ إرادتُه حديدُ |
|
تخيب مطامحي بالرغم مني |
|
ويُدفن مأملي وهو الوليدُ |
|
وكم صاولت دهري في نزالٍ |
|
وكم صوَّبتُ من سهمٍ يحيدُ |
|
ولم أحفل بحظي هل تعيسٌ |
|
لدى كل المواقف أم سعيدُ |
|
ويكفيني محاولتي وعزمي |
|
إلى هدفي هو العزم الشديدُ |
|
سرابٌ كل عمري في سرابٍ |
|
أطير له وما حان الورودُ |
|
ولكني أرى في الدجنِ برقاً |
|
فيغمر خافقي أملٌ جديدُ |
|
سأعدو نحوه مهما اعتراني |
|
أأجمدُ؟ مبعث الموت الجمود؟! |
وكان فشل علي في العثور على مجهولته
المثالية بين النساء من أعظم الأسباب التي أدّت إلى إحساسه بالخيبة، وقادته إلى
الوقوع بين براثن اليأس والقنوط، وجعلته يرضى من الغنيمة بالإياب، والرسوِّ
بسفينته على شاطئ القناعة والانطواء[13])
|
صرتُ أضحوكة الأماني، دعيني |
|
فحياتي قناعةٌ وانطواءُ |
|
عُقدتي خيبةٌ وخمري قُنوطٌ |
|
وارتياحي بلادةٌ وارتخاءُ |
|
مزَّقتني السهامُ مِنْ كلِّ صوبٍ |
|
وطوتني ضراعةٌ بلهاءُ |
|
ويحُ شَكِّي ما زال عُقْدُةَ خوفي |
|
فشلٌ راجفٌ وظنٌّ هباءُ |
|
خيبةٌ مُرَّةٌ ويأسٌ بليدٌ |
|
ورجاءٌ محطَّمٌ وبلاءُ |
ويقول مخاطباً تلك المجهولة في قصيدته
"كأس الخيبة"[14])
|
مجهولتي لم تزلْ مجهولةٌ ولكَمْ |
|
ظننتُها ظهرت فازهوهر الأفُقُ |
|
حتى إذا لاحت الآمال باسمةً |
|
وحادثتْ بعضها بالفرحة الحدَقُ |
|
تحطَّمَ الأمَلُ المرجوُّ وانتشرتْ |
|
سحائبُ من دخانٍ فالمُنى مِزَقُ |
وعلى الرغم من ذلك فإن طيف المجهولة
كان هو الذي يعيد إلى نفسه بوارق الأمل، بعد أن يُغَلِّفها اليأسُ الدامي الذي
يُجلِّلُ الحياة بالسواد.[15])
|
إذا ما اليأس ضرَّجني وأضحى |
|
بعيني كلُّ شيءٍ كالمدادِ |
|
لمحتُك في ليالي الشوقِ نجماً |
|
يثير بخاطري أحلى مُرادِ |
|
فهل أملي يُحَقَّقُ في حياتي |
|
أم الأحلام تترى باطِّرادِ |
وقد أحس علي دمر بالغربة الروحية في
مجتمعه منذ الصغر لأنه وجد نفسه يعيش بين أناسٍ لا يقدرون ما تتسم به نفسه من سمو
وطهر يصفعان الدناءة التي لا يجد غيره من الناس غضاضة في التعايش معها[16])
|
إنما الشاعر الحزين غريبٌ |
|
عن بني جنسه وعن أحزانِهْ |
|
روحه تصفع الدناءة والإ |
|
ثم وتحيا بالطهر بين جنانِه |
ويقول مصوراً نفسه بين الناس كلؤلؤةٍ
مندسة بين الأوحال بدلاً من أن تتربع فوق صدر حسناء[17])
|
خُلِقْتُ في هذه الدنيا كلؤلؤةٍ |
|
|
|
|
مكانها الصدر من حسناء كالقمرِ |
|
|
لكنها أصبحت في غير موضعها |
|
|
|
|
تندس ضائعة في الوحل كالحجرِ |
|
وقد صور لنا عليّ في قصيدته
"كوخي" عزمه على اعتزال الناس والعيش منفرداً في كوخ لا يسامره فيه غير
الكتب والموسيقى وشعره الذي يضنَّ به على الناس الذين يعيشون في مجتمعات لا تختلف
الحياة فيها عن حياة الغاب.[18])
|
سأبقى ما حييتُ على انفرادٍ |
|
فما في وحدة الإنسان عابُ |
|
ولم آنس بِخلٍّ قطُّ يوماً |
|
سوى معنى يتمتمه كتابُ |
|
ولا أبغي نديماً في حياتي |
|
سوى لحنٍ يدغدغهُ ربابُ |
|
وشعر لي يبثبثهُ يراعي |
|
يُصاغ به لحسنائي عتابُ |
|
سأكتمه عن الدنيا لأني |
|
بنفسي من بني الدنيا ارتيابَ |
|
سأحجب عنهمو دقات قلبي |
|
فلي في عزلتي سرُّ عجابُ |
|
وخير من بلاد الأرض طُرّاً |
|
وأبنيةٍ بها الإنسانُ غابُ |
|
فيا قيثارتي في الليل نوحي |
|
فروحي للسماءِ بها انجذابُ |
وقد امتاز عليّ بالوفاء للمرابع التي
قضى فيها فترة من حياته فعمد إلى تصوير حنينه إليها بعد مبارحتها وتذكرها. استمع
إليه وهو يصور حنينه إلى حمص متمنياً عودة ما ترك فيها من رؤى وذكريات[19])
|
يا حمص يا زهر الخمائل في الندى |
|
واهاً على تلك الرؤى لو ترجعُ |
|
غادرتها فصهرت فيها أضلعي |
|
ويح الهوى كم فيه ذابت أضلعُ |
ويذهب الشاعر إلى شواطئ اللاذقية
فتذكره تلك الشواطئ بجنان دمر التي كان قد ألفها من قبل وأمضى فيها أوقات حافلة
بالمتعة والسعادة:[20])
|
أحن إلى جنات دمّر كلما |
|
رأى القلبُ ما ينشي هواه ويطربُ |
|
هناك لروحي ذكرياتٌ حبيبة |
|
إذا عاودت تُذكي غرامي وتلهبُ |
|
وما مجلسي في اللاذقية مسيةً |
|
لدى البحر والأمواج تطغى وتصخُب |
|
وحور الغواني السافرات بزهوها |
|
تجيء على متن الشراع وتذهب |
|
وترشق بالأحداق أكباد من رنت |
|
إليهم فتسبي كل قلبٍ وتسلبِ |
|
وما كل ذا الإغراءِ فيها بمخمدٍ |
|
هوى "دُمَّرٍ" في القلب
إذ يتوثَّب |
|
سعدت بها حيناً هو العمر كله |
|
وباقي حياتي مقفر الصفو مجدبُ |
|
وما دمّرُ إلا الجنان التي بها |
|
وُعدنا وأحلى من بهاها وأعذبُ |
ويرتحل الشاعر إلى القاهرة ليرشف
العلم من أزهرها الشريف ويشاهد على شواطئ النيل من مشاهد الجمال ما يذكره بأيامه
الحبيبة التي قضاها على ضفاف العاصي فيصوّر حنينه إلى تلك الضفاف وما فيها من جمال
وأحبَّة وأصدقاء بقوله:[21])
|
ذكرتني يا نيلُ أيام الهوى |
|
إذ في رُبى العاصي أهيم طويلا |
|
حيث الفؤاد تفتحت أكمامهُ |
|
منذ الصبا وتعلَّم التأميلا |
|
حيث الجنان بحورها وبحوْرها |
|
والعيش يضحك ناعماً معسولا |
|
حيث الأحبة والرفاق لبعدهم |
|
يمسي ربيعي مأتماً وعويلا |
|
وحماة لو خُيِّرتُ بين ربوعها |
|
والخلد لم أرغب بها تبديلا |
|
وبجنة العاصي قضيت طفولتي |
|
وحفظت فيها للطيور هديلا |
|
روحي إلى العاصي تحنُّ وإنني |
|
من أجله أصبحت أهوى النيلا |
وفي العشرين من ديسمبر سنة 1951 أرسل
الشاعر قصيدة إلى زوجته يصوّر لها فيها حنينه إليها وإلى طفلها الأول
"أنس" ويعتذر لهما عن اضطراره للتغرب عنهما حتى يحقق لهما حياةً أفضل...
يقول من تلك القصيدة[22])
|
إذا جنَّ ليلي يا ابنة العم لم أنم |
|
وطيفُكِ في نفسي ملاكٌ مُصوَّرُ |
|
وعينيك ما ذقتُ الهناءَ بغربتي |
|
لبعدك لو أهداني الملك قيصرُ |
|
إذا كنتِ في الضِّفّات يا أم صبيتي |
|
وفي جنة العاصي النسيم المعطرُ |
|
فلا تتركي ذكراي تشجيك إنني |
|
أخاف من الذكرى عليك وأحذرُ |
|
وما موقفي والنيل حول ضفافه |
|
تتيه الغواني بالجمال وتخطر |
|
بمخمد لوعاتي إليك وصبوتي |
|
ودمعاً لمشبوب الأسى يتحدَّرُ |
|
بربك قولي كيف يحيا وليدنا |
|
فقلبي إليه بالنوى يتفطّرُ |
|
إذا مر بي طفل يهيِّجُ لوعتي |
|
إلى "أنس" وجدٌ يحزُّ
ويأسر |
|
وما باختياري يا بني هجرتكم |
|
إلى مصر إن المرء في الكون مجبر |
|
وما سفري إلا لنيل هنائكم |
|
بمستقبل أشهى لديكم وأنضرُ |
ولعل قصيدته "أرق" هي أروع
ما أبدعته قريحته في تصوير الغربة وما تتركه في نفس المغترب من حسرة وإحساس
بالضياع[23])
|
عندما يرقد كل
الناس تصحو ذكرياتي |
|
وأمانيَّ وأحلامي ونجوى خاطراتي |
|
وأرى ماضيَّ
كالأفلام يجلو لي حياتي |
|
يعرض الحرمان
والبؤس وتيهي وشكاتي |
|
وضياعي في
بلاد الناس أسعى لاقتياتي |
|
دون عنوان
ومجد دون تعريف بذاتي |
|
أجنبيٌّ كل ما يعرف عن كل صفاتي |
|
تارك أوطانه
يسعى لتحصيل الفتاتِ |
ثم يتساءل متحسراً عن كل ما ترك خلفه
في أوطانه من نفائس ثمينة وروابط متينة، ومرابع جميلة ومفاتن خلاّبة فيقول:
أين شعري؟ أين
فني؟ أين مجدي ورواتي؟
أين حبي؟ أين
روحي؟ أين قلبي وفتاتي؟
أين كتبي وصحابي؟
أين تقدير هُواتي؟
أين ميدان نبوغي؟
أين مجلى ملكاتي؟
أين نقاد فنوني
وعُداتي وحُماتي؟
أين تأثير صراعي
ودواعي وثباتي؟
أين ما يجعل قلبي
لاهباً كالجمراتِ؟
أين إيقاظة
أعماقي بسحر المعجباتِ؟
أين وديان
وأنهارٌ ودنيا نُزهاتٍ؟
في بساتين بلادي،
في الربوع النضرات
في العيون
الدافقاتِ، في الجنان الوارفات
في السفوح الخضر
في شمِّ الجبال الشامخات
في الثغور
الباسماتِ، في العيون الحالماتِ
ثم ينهي قصيدته معلناً في حسرة ضياع
كل شيء في تلك الغربة القاسية الموحشة التي لم ترحم نبوغه ولم تعترف بجهاده.
أين، لا أين، ولا
كيف، ولا أدري نجاتي
كل شيءٍ ضاع في
هذي الرمال السافيات
في الفيافي
الموحشات، في البوادي القاحلاتِ
في البلاد
المقفراتِ، في الدروب الموحلات
في النفوس
اليابسات، في الوجوه العابسات
يا ضياعي! يا
ضياع العمر في هذي الفلاة!!
وقد صوّر علي في قصيدته من الاغتراب
إلى كوخي) عزمه على الكفِّ عن الترحال ووضعِ حدٍ لاغترابه عن وطنه، بعد أن أدرك
أنه لم يجن من غربته تلك غير الخيبة والضياع، وأعلن أنه سيقضي بقية عمره في كوخ
شعره، ليحمى كرامته مقتاتاً مما تزرع يداه، معاشراً الطير والحيوان بدلاً من
الأخوات والإخوان، متفرغاً لفنه وأدبه تاركاً للأجيال عصارة فكره، غير عابئ بما يلاقي
من نكران من حساده ومبغضيه، ولكنَّ القدر لم يمهله كي يحقِقَ هذا الحلم المتواضع
حيث قضى في ديار الغربة يرحمه الله[24])
|
ذهبت إلى بعض البلاد مدرساً |
|
وأفنيت دهراً من سِنيِّ حياتي |
|
أُلازمُ بيتي في الدياجي وأغتدي |
|
إلى حجرة التدريس في الغدواتِ |
|
تركتُ أحبائي وأهلي مهاجراً |
|
وراءَ سرابٍ موحش الفلواتِ |
|
أخب وراء الرزق في السعي دائباً |
|
ولكن رزقي واسع القفزات |
|
ولستُ من الراجين رفهاً وثروةً |
|
ولابي طموحٌ جامح الشهواتِ |
|
ولكنني أسعى لسدِّ حوائجي |
|
وتفريجِ أحبابي وكيد عُداتي |
|
وقدخابت الآمال فيها فلامشت |
|
إلىأي قطرٍ بعدها خطواتي |
|
..... |
||
|
رجعتُ لكوخ الشعر أحمي كرامتي |
|
وأقتات من زرعي ومن شجراتي |
|
أعاشر فيه الطير والبهم بعدما |
|
يئست من الإخوان والأخواتِ |
|
وأقرأ كتبي أو أناغي يراعتي |
|
بقرطاسي المصغي إلى نغماتي |
|
لأترك للأجيالِ لحناً مخلَّداً |
|
يفجر مافي النفس من صحواتِ |
|
وأنشي لهم حقلاً من الفكر وارفاً |
|
أرويه من روحي ومن عبراتي |
|
فإن رشقوا بالليل صبحي ومرَّغوا |
|
عطائي بحرمان وعُنف أذاةِ |
|
فما يردع الينبوع عن دَفْقِ خيره |
|
ورود ذئابٍ أو صدور جُناةِ |
|
سأصرف مايبقى من العمر كلِّه |
|
بكوخي لغزل النور من كلماتِ |
حقاً لقد غزل علي دمر من كلماته فيضاً
من الأنوار المتدفقة التي ستبقى مناراً يرشد الأجيال إلى طريق الحب والخير والسلام
ولكنه فعل ذلك دون أن يصرف بقية عمره في كوخه المأمول...