علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل العاشر

المثل العليا في شعر علي دمر

الشعراء بطبيعة تكوينهم النفسي والشعوري من أكثر الناس التزاماً بالمبادئ الإنسانية والمثل العليا التي تواضع البشر على تقديسها واحترامها والتحلي بها والمنافحة عنها، والحملة على من يستهينون بها، ويتجاهلونها عندما تتعارض ومصالحهم الخاصة، مما يدفعهم إلى التصرف بما يتناقض وهذه المبادئ إلى درجة تثير عليهم حفيظة الشعراء الذين يرون أنفسهم في مقدمة المدافعين عن تلك المبادئ والمثل التي تُعَدُّ -وبحق- الأساس المتين الذي تقوم عليه المجتمعات الإنسانية السليمة.

وقد كان علي دمر -رحمه الله- واحداً من هؤلاء الشعراء الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن هذه المثل في عدد من قصائده التي أفردها لتصوير موقفه من بعض هذه المبادئ، والعديد من الأبيات التي تراها منبثة في العديد من قصائده الأخرى.

وقد كان الحب بمعناه العام والخاص في مقدمة المثل الإنسانية التي نافح عنها عليّ، ودعا إلى الالتزام بها وشيوعها بين الناس. وقد أسهبنا في الحديث عن هذه القيمة من القيم الإنسانية الرفيعة في الفصل الذي تحدثنا فيه عن الحب في شعر علي دمر وبخاصة عن تلك القصائد التي وردت في ديوانيه "المجهولة" و"إشراق الغروب" إلا أننا نجد أنه لا مندوحة لنا من أن نشير إلى بعض الأبيات التي صوّر فيها الشاعر الحب تصويراً يميّزها عن سواها باعتباره قيمة إنسانية تقف في طليعة القيم التي يؤمن بها البشر.

في قصيدته "جديدة" يُصَرّح الشاعر بأن الحب أجمل مافي الوجود، وأن الحياة بدونه لا تساوي شيئاً، ولولاه ما عَمُر الكون بنسل آدم وحوّاء:[i])

فالحب أجمل ما في الكون قاطبةً

 

سواه محض نفايات وأقذاء

لولاه نحن رماد، فالحياة به

 

هي الحياة، سواه رُعْبُ إفناءِ

لولاه ما خُلِقَتْ أشخاصاً أبداً

 

فنحن من آدمٍ حبّاً وَحَوَّاءِ

والإنسان الذي يعيش دون أن يتذوق طعم الحب إنسان مَيَّت، ولذلك فإن الشاعر يتمنى أن يذوب حباً ماشاء الله له أن يعيش[ii])

فالعيش دون الحب محض ردىً

 

ياحبُّ ذوبني إلى الأبد

وبَعْدَ أَنْ شَعَرَ عليّ بسوء واقعه وشقاء شعبه أحس بحسرة دفعته إلى أن ينذر نفسه وشعره بالدعوة إلى الحب.

شعرت بواقعي وشقاء شعبي

 

فكانت حسرتي فوق احتمالي

وطرتُ إلى صفاء الحب أحيا

 

فليس الحقد من كرم الرجالِ

وقد بَرَّرَ عليّ لمنتقديه التزامه بالدعوة إلى الحب في شعره بإيمانه الشديد بالحب الذي يجد فيه البلسم الشافي لكل ما تعاني منه البشرية من أدواء[iii]):

أنا ياناس مانسيتُ بلادي

 

أو شعوبي أو عالمي المدثورِ

غير أني مُوَجِّةٌ أرشد الطين

 

إلى مسلك الضياء الوفيرِ

لسعيرِ الغرام يصهر مافي النفس

 

من قسوةِ ومن ديجورِ

هو يجلو الفؤاد حتى يرى

 

للخيرِ طعماً وبلسماً للنفورِ

الكراهات كم أثارت حروباً

 

طاحناتٍ خوالداً في الدهورِ

إنما الكون لو خلا الحب منه

 

كان قلب الإنسان بعض الصخورِ

وهو يناجي الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يستمر في أداء رسالته الفنية ليسهم في علاج الإنسانية مما تعاني من أمراض الحقد والكراهية. بما يقدمه لهذه الإنسانية من ألحان[iv])

يانجيّ الحنين والحب والغبطةِ

 

مجلى السرور في كلِ قَلْبِ

قُلْ لدنيا الحروبِ والفتكِ والعسـ

 

فِ وعشاق كل جمعٍ وسَلْبِ 

قُلْ لمن يبتغون أن يملكوا الأر

 

ضَ ويستخدموا رعايا الربِّ

سقم في نفوسكم فتعالَوْا

 

لأ داو يكمو بجرعة حبِّ

وقد ذكّرنا عليّ بأن أسمى مراتب الحب هي تلك المرتبة التي تقود إلى معرفة الله معرفةً تؤدي إلى زوال الستائر والحجب التي تفصل بين الإنسان وبين خالقه:[v])

إن أسمى مراتب الحب دربٌ

 

لِسنى الربِّ، للصفاءِ الأخيرِ

ما تُراب الأجسادِ إلا قشورٌ

 

وضياء الأرواحِ غير القشورِ

بيننا والإله ألف ستارٍ

 

ولهيب الهوى مذيب الستورِ

مانظرنا لِلْحُسْنِ إلا لنلقى

 

خلفه روعة البديع القديرِ

وقدكان "الحق" هو القيمة الإنسانية الثانية من القيم التي دافع عنها عليّ، ودعا إلى مناصرتها والذبّ عن حياضها. وهو في قصيدته "الكنز المجهول" يُعلن أن البشر مختلفون في تعريف الحق، وأنهم لم يتوصلوا إلى تعريف دقيق لماهيته، وأن كل فريق منهم يفسره على هواه، وأن لهذا الحق ضحايا كثيرين، وأن كثيراً من الطغاة لا يتورعون عن صلب قائل الحق لأنه لا شيء يرعِبُهم ويُرْعِدُ فرائصهم كالصدى الذي يحدثه النطق بكلمة الحق.

وقد بدأ عليٌّ قصيدته هذه في تصوير بحث الناس الدائب عن ماهيةَ الحق وادعاء بعضهم التوصُّل إلى معرفته والكشف عن حقيقته. أما الشاعر نفسه فإن الحق بالنسبة إليه لا يزال لغزاً يحيِّره ويشقيه[vi]).

لا تسلني عن الحقائق شيئاً

 

فجوابي عليك صعبٌ ثقيلُ

دَعْكَ في وهمك الجميل ودَعْني

 

في عذابي. للحق شرحٌ يطولُ

ألف دهرٍ والفكر يبحث عنه

 

وهو كنزٌ مُخَبَّأٌ مقفولٌ

يزعُمُ الكل أنهم كشفوه

 

وهو زعمٌ أصولُهُ التضليلُ

ثم ينتقل إلى تصوير كراهية الناس لقول الحق، وما يتخذون من مواقف عدائية من دعاته والمنافحين عنه:

يكرهُ الناس لطمة الحق إن

 

كانوا غُفاةً فالنوم حُلْمٌ جميلُ

يصلبُ الناس قائل الحق إن كا

 

نوا غواةً فالغيُّ  سُكرٌ قتولُ

يفزع الناس من صدى الحق رُعْباً

 

إنما الحق للجهولين غولُ

وعلي دمر يذكرنا بأن الأنبياء والشعراء يشكلون الطليعة من كتائب شهداء الحق عبر التاريخ:

عُذِّب الأنبياء قِدْماً وغِيِلَتْ

 

شعراءٌ أعاظمٌ وعقولُ

وهو يائس من صلاح الناس وهدايتهم، ومن أجل ذلك نراه يُبَصِّرُ أنصار الحق بما ينتظرهم من مصير مفجع، إذا هم أصروا على قول الحق والمنافحة عن حياضه:

يئس الفكر من هُدى الناس حتى

 

قال بعض هداهمو مستحيلُ

إن تشأ أَنْ تُهانَ يوماً وتغدو

 

مِزَقاً قُطِّعَتْ وأنت قتيلُ

فقل الحق مخلصاً دون خوفٍ

 

وعليك السلامُ حين تقولُ

كم نبيٍّ وكم حكيمٍ عليمٍ

 

قتلوه وكم جهولٍ يصولُ!

ثم يذكرنا عليّ بمواقف أبي العلاء المعري الذي اضطره طُغاة عصره إلى أن يعيش منزوياً داخل سجونه الثلاثة بعد أن يئس من وقوف الناس إلى جانب الحق:

وقديماً "أبو العلاء المعري"

 

جرَّب الناس فاعتراهُ الذهولُ

فانزوى خائفاً ببيتٍ ضئيلٍ

 

في سجون ثلاثةٍ لا يحولُ

وشاعرنا يُخَيِّرُ معاصريه -إن هم آثروا السلامة والبعد عن الأذى -بين مجاراة المجتمع ومداهنته، وبين الوقوف إلى جانب الحق. ثم يوضّح لهم موقفه الخاص المتمثل في عدم مجاراته للزيف وعدم قبوله بالنفاق والمداهنة وتسخير قلمه في خدمة أعداء الحق، مما أورثه سخطهم والحكم عليه بأن يقضيَ عمره في التشرد والغربة لاهثاً وراء لقمة العيش:

إن تشأ أن تنالَ حظاً وفيراً

 

فامدح الناس جارِهمْ إن يقولوا

النفاقَ النفاقَ، لا تَكُ مثلي

 

أَنا عيش مرٌّ ومالٌ قليلُ

أنا قضَّيتُ بالتشرد عمري

 

وطريقي صعب خطير طويل

لم أجارِ التزييف يوماً بأرضٍ

 

لم أداهِنْ كما تُساسُ الذيولُ

فَتَشَرَّدْتُ كل يومٍ بأرضٍ

 

أنا فيها الغريب والمجهولُ

وقد رأى الشاعر في ختام قصيدته أن يوضح لنا الأسباب التي عصمته وحمته من التردي في هوّة المداهنة والنفاق معلناً إصراره على التمسك بموقفه هذا حتى لو كلَّفه ذلك حياته:

عربيُّ الفؤاد ما هُنْت يوماً

 

لا ولا ضمَّني رداءٌ خجولُ

أنا أقفو "محمداً" في عُلاهُ

 

حاربَ الزيف ما اعتراهُ ذبول

صامداً صادعاً بحقٍ صُراحٍ

 

مالغير الإله رأسي ذليلُ

وليكُنْ مايكونُ هل غير موتٍ؟!

 

لا يزولُ التفكير حين أزولُ

وفي قصيدته "معركة" يطالب الشاعر مغتصبي الحقوق بأن يبادروا بإعطائها إلى أصحابها قبل أن تؤخذ منهم عنوة[vii]):

يا أيها الناسُ أعطوا الحق صاحِبَهُ

 

لا البطش ينقذكم منه ولا الحَذَرُ

إن الشعوب وإنْ لم تحوِ أسلحةً

 

بالظُفْرِ يأتي إليها المجدُ والظَفَرُ

وعلي دُمَّر مؤمن بأن الحقوق تُؤخذ ولا توهب، وأن ما أُخذ بالقوة لا يُسْتَرَدُّ إلا بالقوة:[viii])

لا يرد الحقوق من غاصبيها

 

غير نيرانِ ثورةٍ حمراءِ

وقد ظل عليَّ طوال عمره مؤمناً بمستقبل أفضل للإنسانية وبأن اليوم الذي ستنشر العدالة أجنحتها فوق العالم ليس ببعيد: [ix])

إن دنيا الآلام والفقر والذلة

 

تنوي بأن تعاف الشعوبا

الصباح الجديد يسري على الكو

 

نِ ليحيي التعيسَ والمحروبا

في غدٍ تنشر العدالةُ جنحيها

 

تُظلُّ الشقيَّ والمنكوبا

وقد تمنّى أن يطول العمر بأبنائه حتى يشهدوا ذلك اليوم الذي تنعم فيه الإنسانية جمعاء بالأمن والسلام والعدالة والرخاء.[x])

مرجع الدنيا إلى يومٍ به

 

ستنالُ الأملَ المُرْتَقَبا

إن شعب الأرض في أضلاعه

 

جمرةٌ يوماً ستوري اللهبا

هل تعيشون إلى الفجر الذي

 

سَيَعُمُّ العالَمَ المُنْتَحِبا؟!

وهو لا يكتفي بالتمنيات، بل إنه لا يتردد عن توجيه الدعوة إلى الشعوب المضطهدة للثورة على الظُلْم والظالمين في سبيل الحرية[xi])

فيا شعوباً غفتْ في ظل آسرها

 

ولم تزلْ في مهاوي البؤس تنحدرُ

هل يقظةٌ ترعب الأغلال حاقدةً

 

بل أكاد أرى الطوفان ينفجرُ

وقد أهاب عليٌّ بأبنائه إلى أن يقفوا في وجه الظلم، مهما بلغت سطوة الظالمين وجبروتهم، وأن يحرصوا على التعامل مع الناس بأسلوبٍ إنساني كما تفعل الكواكب التي لا تميز بين المخلوقات وهي تغمرها بالأضواء.[xii])

يابني قلبي مهما عصف الـ

 

ـبغي كونوا في دجاه كوكبا

لم يعش من هاب، أو من طلبا

 

إنما العيش لمن قد غلبا

وقد عبّر عليّ عن طموحه في وقت مبكر جداً من حياته الشعرية، بعد أن أدرك أنه يحمل بين جَنَبَيْهِ نفساً طموحةً تواقة إلى تحقيق العظيم من الإنجازات. يقول من قصيدته "شاعر" متحدثاً عن هذا الشاعر وطموحاته السامية[xiii]):

فيه نفس طموحة لو رأت في النـ

 

ـجمِ فخراً لخاطرت لاكتسابِهْ

سائراً للخلودِ رغم العوادي

 

رغم حساد فنه ولبابِهْ

وهو يردد المعنى نفسه في قصيدته "شاطئ"[xiv]):

إنه يبغي إلى النجم عُلاً

 

إذ يراها في دجا الليل سَنِيَّهْ

ويؤكد هذا المعنى أيضاً في قصيدته "إلى الخلد يا أماه" قائلاً:[xv])

سأصعد في الدنيا إلى ذروة العُلا

 

وإني على متن السحاب لراكبُ

وقد أعلن عليُّ الطَّموحُ على رؤوس الأشهاد أن الإنسان الأبيَّ الطموح لا يمكنه أن يقبل الذلة والهوان:[xvi])

يافؤادي حلِّقْ ولا تَكُ يوماً

 

كطعين تحت السيوف طريحِ

ليس يحيا على الهوان عزيزٌ

 

فيه شيءٌ من الإبا والطموحِ

وقد حالت ظروف الزمن العربي الرديء الذي قُدِّر لشاعرنا أن يعيش في ظلالها بينه وبين تحقيق شيءٍ من طموحاته. وقد صوَّر لنا فشله في تحقيق هذه الطموحات في قصيدته "الفشل الطموح"[xvii]):

لا أرى السفحَ لي

 

موضعي في القُلَلْ

في فؤادي ضياءٌ الطُّ

 

ـموح اشتَعَلْ

أومأت لي العُلا

 

فوق هام الأَزلْ

انتقِلْ... انتقِلْ

 

من سفوحِ الزَّلَلْ

واقتحمْ واقتحمْ

 

قمتي يابَطَلْ

وقد حاول الشاعر جاهداً تلبية نداء طموحه، ولكنه لم يجن من محاولاته المتكررة غير الفشل الذريع الذي جعله يندب عمره الضائع وكفاحه المشلول:

فاستضاءت لـ

 

جانبيَّ الشُّعَلْ

وتَجَشَّمْتُ ما

 

لم يَلُحْ للفكرْ

وتوهمْتَ أني

 

أنا المنتصرْ

سوف أمحو الدُّجا

 

من نفوس البشرْ

 

لا أمل،

 

 

لا أملْ،

 

لهفتي ما العمل؟!

 

 

ضاع عمري سدىً

 

وكفاحي شَلَلْ

وقد حزَّ في نفس الشاعر أن يحول الزمن بينه وبين تحقيق الحد الأدنى من طموحاته المشروعة المتمثلة في سد احتياجاته التي تجعله في وضع يسر أحبابه ويغيظ شانئيه.[xviii])

أُأملُ أن أحظى بما يكتفي به

 

قنوعٌ بهذا الكون دون شكاةِ

ولستُ من الراجين رفهاً وثروةً

 

ولا بي طُموحٌ جامحُ الشهواتِ

ولكنني أسعى لسد حوائجي

 

وتفريج أحبابي، وكيد عُداتي

وقد خابت الآمالُ فيها فلا مَشَتْ

 

إلى أيِّ قطرٍ بعدها خطواتي

فدخل ذوي التدريسِ مثلي كأنهُ

 

ثمالةُ فنجانٍ بكفِّ سُقاةِ

وقد أعلن علي بأن أنفته وكبرياءه واعتزازه بنفسه وإصراره على عدم التفريط بكرامته قد دفعته إلى عدم الوقوف على أبواب ذوي الجاه والسلطان، أو التزلف إليهم، أو أن يجأر بالشكوى إلى غير خالقه، وأجبرته على لزوم كوخه ليحمي كرامته وعزَّته:

تركتُ ذوي الإثراءِ والجاه لم تسرْ

 

إلى أحد منهم خُطى رغباتي

وما وقفتْ رجلي على باب سيِّدٍ

 

ولم أُلْقِ ماء الوجهِ في العتباتِ

مضغتُ اعتزازي باعتزالي ووحدتي

 

وأفنيتُ أيامي لدى خَلَواتي

أطالع كُتْباً أو أصوغُ قصيدةً

 

أُخفِّفُ مِنْ حُزني ومِنْ زفَراتي

ولم أشك مرَّ العيش إلا لخالقي

 

ولم تنخفض هامي لغير صلاتي

رجعت لكوخ الشعر أحمي كرامتي

 

وأقتات من زرعي ومن شجراتي

أما نقاء سريرة الشاعر، وتساميه عن دنيا الناس، فقد صورهما لنا في قوله:[xix])

تساميتُ عن دنيا الأنامِ لعالمٍ

 

طهورٍ به نور الألوهةِ باهرُ

فكل عوادي الدهر عندي سعادةٌ

 

إذا سعدت مني النُّهى والضمائرُ

وقد كان الإحساس بالأنفة ورفض الذل والمحافظة على الكبرياء من أهم الصفات التي امتاز بها علي دمر. وقد أعلن في العديد من قصائده أنه لا يوجد في هذه الدنيا شيء يستحق أن يتنازل الإنسان من أجله عن أنفته وكبريائه وكرامته. يقول في ذلك لإحدى ملهماته بعد أن أحس بأنها تحاول إذلاله:

سوف أعلو متنَ الحياةِ اقتداراً

 

ثم لا أرتجي إليك سبيلا

أنتَ أدنى من أن تُذِلَّ فؤادي

 

لغرام أو أن تراني ذليلا

ويقول مصوراً رفضه الخضوع للحب مهما بلغت درجة حرارته[xx])

ونفسيَ تأبى خضوع الهوى

 

ولو كان ناراً تذيب الحديدا

ويقول مخاطباً طيف مجهولته: [xxi])

يا أيها الطيف إن ظننت بأني

 

في الهوى قد ذَلَلْتُ لا ترجُ ذاكا

إن في نفسيَ الإباءَ مكينٌ

 

ولصبري أودُّ ألاّ أراكا

وشاعرنا مستعدٌ لأن يدوس على حُبِّه بقدميه إذا أحس بأن ذلك الحب سوف يجلب إليه شيئاً من الذلة والهوان[xxii]):

إذا ما أتاني الهوى بالهوانِ

 

فإني أدوسُ هوايَ السخيفْ

وفي قصيدته "أفعى" يصور لنا عليُّ ثورته لكرامته بعد أن أحس بأن فتاته التي تشبه الافعى في طباعها قد تهيَّأت لإذلاله بتجاهلها له، بعد أن غدرت به وآثرت غيره عليه:[xxiii])

واستفاق اعتزاز نفسيَ يطغى

 

فوقَ حُبِّي ولوعتي وجناني

لا تظني أني أَهُونُ فلم تُخْلَـ

 

ـقْ فتاةٌ في الأرضِ ترجو هواني

أنا لي عالمٌ فريدٌ من الشعر

 

تسامى عن الهوى والغواني

فإذا ما غدرت بي لا أبالي

 

غدرك النذل باعثٌ عنفواني

هل طباع الأفعى تُبدَّلُ يوماً؟!

 

من سيمحو طبائع الأفعوانِ؟!

ويقول مخاطباً طيف محبوبته الذي وافاه في الحلم وهو في ضيافة مجموعة من رفاقه من أعراب عشيرة البشاكم:

يا أيها العاتي على كبدي اتَّئدْ

 

فهواك بي خطرٌ من الأخطارِ

أنا شعلةٌ لمعت على ليلِ الورى

 

يجلو سناها غيهبُ الأفكارِ

ذلَّ المحبون الأُلى خضعوا لدى

 

مُرِّ الهوى وبكوا على الآثارِ

زِدْ في جفاك أزد عُلاً في وحدتي

 

أنا يا حياتي مفرد الأطوارِ

وشاعرنا يرفض رفضاً تاماً أن يسمح لأحد بأن يلهو بشعره الذي يصور مايكنه فؤاده من عواطف وأحاسيس[xxiv])

طلبتِ شعري الذي خبأته خجلاً

 

وكان حبك يادنياي أوحاهُ

لتسخري من حنينٍ كان من طرفي

 

وحدي، وتستمتعي لهواً ببلواهُ

لا لست أسمحُ أن يلهو به أحدٌ

 

فالذلُّ ترفُضُه نفسي وتأباهُ

لو كان حبُّك بعد الموت يبعثنا

 

وشابه بعض إذلالٍ رفضناهُ

إن الكرامة فوق الحب مبدؤنا

 

إن الخضوع شرابٌ مارشفناهُ

حقاً، لقد كان إحساس عليّ المفرط بالإباء والشمم، ورفض الذلة والمهانة، وعدم استعداده لتقديم أي تنازل في مقدمة الأسباب التي أدت إلى فشله في ميداني الحب والبحث عن الثراء.

 



[i]) ص18 إشراق الغروب.

[ii]) ص30 الديوان نفسه

[iii]) ص 12 النشيد الأول من المجهولة)

[iv]) ص43 حنين الليالي.

[v]) ص61 إشراق الغروب.

[vi]) ص 107 غيبوبة الحب.

[vii]) حنين الليالي ص 85.

[viii]) الديوان نفسه، ص 79.

[ix]) المصدر السابق، ص 26.

[x]) حنين الليالي، ص 75.

[xi]) المصدر نفسه

[xii]) المصدر السابق.

[xiii]) رعشات ص10.

[xiv]) المصدر نفسه، ص 14.

[xv]) ص 21 المصدر السابق.

[xvi]) المصدر السابق، ص 68.

[xvii]) غيبوبة الحب ص88.

[xviii]) غيبوبة الحب 138.

[xix]) النشيد العاشر من "المجهولة ص 53".

[xx]) رعشات ص 40

[xxi]) المجهولة ص 55.

[xxii]) إشراق الغروب، ص 118.

[xxiii]) حنين الليالي، ص 115.

[xxiv])

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244