|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:17 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
المثل
العليا في شعر علي دمر
الشعراء بطبيعة تكوينهم النفسي
والشعوري من أكثر الناس التزاماً بالمبادئ الإنسانية والمثل العليا التي تواضع
البشر على تقديسها واحترامها والتحلي بها والمنافحة عنها، والحملة على من يستهينون
بها، ويتجاهلونها عندما تتعارض ومصالحهم الخاصة، مما يدفعهم إلى التصرف بما يتناقض
وهذه المبادئ إلى درجة تثير عليهم حفيظة الشعراء الذين يرون أنفسهم في مقدمة
المدافعين عن تلك المبادئ والمثل التي تُعَدُّ -وبحق- الأساس المتين الذي تقوم
عليه المجتمعات الإنسانية السليمة. وقد كان علي دمر -رحمه الله- واحداً
من هؤلاء الشعراء الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن هذه المثل في عدد من قصائده التي
أفردها لتصوير موقفه من بعض هذه المبادئ، والعديد من الأبيات التي تراها منبثة في
العديد من قصائده الأخرى. وقد كان الحب بمعناه العام والخاص في
مقدمة المثل الإنسانية التي نافح عنها عليّ، ودعا إلى الالتزام بها وشيوعها بين
الناس. وقد أسهبنا في الحديث عن هذه القيمة من القيم الإنسانية الرفيعة في الفصل
الذي تحدثنا فيه عن الحب في شعر علي دمر وبخاصة عن تلك القصائد التي وردت في
ديوانيه "المجهولة" و"إشراق الغروب" إلا أننا نجد أنه لا
مندوحة لنا من أن نشير إلى بعض الأبيات التي صوّر فيها الشاعر الحب تصويراً
يميّزها عن سواها باعتباره قيمة إنسانية تقف في طليعة القيم التي يؤمن بها البشر. في قصيدته "جديدة" يُصَرّح
الشاعر بأن الحب أجمل مافي الوجود، وأن الحياة بدونه لا تساوي شيئاً، ولولاه ما
عَمُر الكون بنسل آدم وحوّاء:[i])
والإنسان الذي يعيش دون أن يتذوق طعم
الحب إنسان مَيَّت، ولذلك فإن الشاعر يتمنى أن يذوب حباً ماشاء الله له أن يعيش[ii])
وبَعْدَ أَنْ شَعَرَ عليّ بسوء واقعه
وشقاء شعبه أحس بحسرة دفعته إلى أن ينذر نفسه وشعره بالدعوة إلى الحب.
وقد بَرَّرَ عليّ لمنتقديه التزامه
بالدعوة إلى الحب في شعره بإيمانه الشديد بالحب الذي يجد فيه البلسم الشافي لكل ما
تعاني منه البشرية من أدواء[iii]):
وهو يناجي الموسيقار محمد عبد الوهاب
أن يستمر في أداء رسالته الفنية ليسهم في علاج الإنسانية مما تعاني من أمراض الحقد
والكراهية. بما يقدمه لهذه الإنسانية من ألحان[iv])
وقد ذكّرنا عليّ بأن أسمى مراتب الحب
هي تلك المرتبة التي تقود إلى معرفة الله معرفةً تؤدي إلى زوال الستائر والحجب
التي تفصل بين الإنسان وبين خالقه:[v])
وقدكان "الحق" هو القيمة
الإنسانية الثانية من القيم التي دافع عنها عليّ، ودعا إلى مناصرتها والذبّ عن
حياضها. وهو في قصيدته "الكنز المجهول" يُعلن أن البشر مختلفون في تعريف
الحق، وأنهم لم يتوصلوا إلى تعريف دقيق لماهيته، وأن كل فريق منهم يفسره على هواه،
وأن لهذا الحق ضحايا كثيرين، وأن كثيراً من الطغاة لا يتورعون عن صلب قائل الحق
لأنه لا شيء يرعِبُهم ويُرْعِدُ فرائصهم كالصدى الذي يحدثه النطق بكلمة الحق. وقد بدأ عليٌّ قصيدته هذه في تصوير
بحث الناس الدائب عن ماهيةَ الحق وادعاء بعضهم التوصُّل إلى معرفته والكشف عن
حقيقته. أما الشاعر نفسه فإن الحق بالنسبة إليه لا يزال لغزاً يحيِّره ويشقيه[vi]).
ثم ينتقل إلى تصوير كراهية الناس لقول
الحق، وما يتخذون من مواقف عدائية من دعاته والمنافحين عنه:
وعلي دمر يذكرنا بأن الأنبياء
والشعراء يشكلون الطليعة من كتائب شهداء الحق عبر التاريخ:
وهو يائس من صلاح الناس وهدايتهم، ومن
أجل ذلك نراه يُبَصِّرُ أنصار الحق بما ينتظرهم من مصير مفجع، إذا هم أصروا على
قول الحق والمنافحة عن حياضه:
ثم يذكرنا عليّ بمواقف أبي العلاء
المعري الذي اضطره طُغاة عصره إلى أن يعيش منزوياً داخل سجونه الثلاثة بعد أن يئس
من وقوف الناس إلى جانب الحق:
وشاعرنا يُخَيِّرُ معاصريه -إن هم
آثروا السلامة والبعد عن الأذى -بين مجاراة المجتمع ومداهنته، وبين الوقوف إلى
جانب الحق. ثم يوضّح لهم موقفه الخاص المتمثل في عدم مجاراته للزيف وعدم قبوله
بالنفاق والمداهنة وتسخير قلمه في خدمة أعداء الحق، مما أورثه سخطهم والحكم عليه
بأن يقضيَ عمره في التشرد والغربة لاهثاً وراء لقمة العيش:
وقد رأى الشاعر في ختام قصيدته أن
يوضح لنا الأسباب التي عصمته وحمته من التردي في هوّة المداهنة والنفاق معلناً
إصراره على التمسك بموقفه هذا حتى لو كلَّفه ذلك حياته:
وفي قصيدته "معركة" يطالب
الشاعر مغتصبي الحقوق بأن يبادروا بإعطائها إلى أصحابها قبل أن تؤخذ منهم عنوة[vii]):
وعلي دُمَّر مؤمن بأن الحقوق تُؤخذ
ولا توهب، وأن ما أُخذ بالقوة لا يُسْتَرَدُّ إلا بالقوة:[viii])
وقد ظل عليَّ طوال عمره مؤمناً
بمستقبل أفضل للإنسانية وبأن اليوم الذي ستنشر العدالة أجنحتها فوق العالم ليس
ببعيد: [ix])
وقد تمنّى أن يطول العمر بأبنائه حتى
يشهدوا ذلك اليوم الذي تنعم فيه الإنسانية جمعاء بالأمن والسلام والعدالة والرخاء.[x])
وهو لا يكتفي بالتمنيات، بل إنه لا
يتردد عن توجيه الدعوة إلى الشعوب المضطهدة للثورة على الظُلْم والظالمين في سبيل
الحرية[xi])
وقد أهاب عليٌّ بأبنائه إلى أن يقفوا
في وجه الظلم، مهما بلغت سطوة الظالمين وجبروتهم، وأن يحرصوا على التعامل مع الناس
بأسلوبٍ إنساني كما تفعل الكواكب التي لا تميز بين المخلوقات وهي تغمرها بالأضواء.[xii])
وقد عبّر عليّ عن طموحه في وقت مبكر
جداً من حياته الشعرية، بعد أن أدرك أنه يحمل بين جَنَبَيْهِ نفساً طموحةً تواقة
إلى تحقيق العظيم من الإنجازات. يقول من قصيدته "شاعر" متحدثاً عن هذا
الشاعر وطموحاته السامية[xiii]):
وهو يردد المعنى نفسه في قصيدته
"شاطئ"[xiv]):
ويؤكد هذا المعنى أيضاً في قصيدته
"إلى الخلد يا أماه" قائلاً:[xv])
وقد أعلن عليُّ الطَّموحُ على رؤوس
الأشهاد أن الإنسان الأبيَّ الطموح لا يمكنه أن يقبل الذلة والهوان:[xvi])
وقد حالت ظروف الزمن العربي الرديء
الذي قُدِّر لشاعرنا أن يعيش في ظلالها بينه وبين تحقيق شيءٍ من طموحاته. وقد
صوَّر لنا فشله في تحقيق هذه الطموحات في قصيدته "الفشل الطموح"[xvii]):
وقد حاول الشاعر جاهداً تلبية نداء
طموحه، ولكنه لم يجن من محاولاته المتكررة غير الفشل الذريع الذي جعله يندب عمره
الضائع وكفاحه المشلول:
وقد حزَّ في نفس الشاعر أن يحول الزمن
بينه وبين تحقيق الحد الأدنى من طموحاته المشروعة المتمثلة في سد احتياجاته التي
تجعله في وضع يسر أحبابه ويغيظ شانئيه.[xviii])
وقد أعلن علي بأن أنفته وكبرياءه
واعتزازه بنفسه وإصراره على عدم التفريط بكرامته قد دفعته إلى عدم الوقوف على
أبواب ذوي الجاه والسلطان، أو التزلف إليهم، أو أن يجأر بالشكوى إلى غير خالقه،
وأجبرته على لزوم كوخه ليحمي كرامته وعزَّته:
أما نقاء سريرة الشاعر، وتساميه عن
دنيا الناس، فقد صورهما لنا في قوله:[xix])
وقد كان الإحساس بالأنفة ورفض الذل
والمحافظة على الكبرياء من أهم الصفات التي امتاز بها علي دمر. وقد أعلن في العديد
من قصائده أنه لا يوجد في هذه الدنيا شيء يستحق أن يتنازل الإنسان من أجله عن
أنفته وكبريائه وكرامته. يقول في ذلك لإحدى ملهماته بعد أن أحس بأنها تحاول
إذلاله:
ويقول مصوراً رفضه الخضوع للحب مهما
بلغت درجة حرارته[xx])
ويقول مخاطباً طيف مجهولته: [xxi])
وشاعرنا مستعدٌ لأن يدوس على حُبِّه
بقدميه إذا أحس بأن ذلك الحب سوف يجلب إليه شيئاً من الذلة والهوان[xxii]):
وفي قصيدته "أفعى" يصور لنا
عليُّ ثورته لكرامته بعد أن أحس بأن فتاته التي تشبه الافعى في طباعها قد تهيَّأت
لإذلاله بتجاهلها له، بعد أن غدرت به وآثرت غيره عليه:[xxiii])
ويقول مخاطباً طيف محبوبته الذي وافاه
في الحلم وهو في ضيافة مجموعة من رفاقه من أعراب عشيرة البشاكم:
وشاعرنا يرفض رفضاً تاماً أن يسمح
لأحد بأن يلهو بشعره الذي يصور مايكنه فؤاده من عواطف وأحاسيس[xxiv])
حقاً، لقد كان
إحساس عليّ المفرط بالإباء والشمم، ورفض الذلة والمهانة، وعدم استعداده لتقديم أي
تنازل في مقدمة الأسباب التي أدت إلى فشله في ميداني الحب والبحث عن الثراء. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||