علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الحادي عشر

الموت في شعر علي دُمَّرْ

الموت، نقيض الحياة، أو هو زوال القوة الحسية من المخلوق الحيِّ عندما يحين أجله. وهو فعل من أفعال الله التي قهر بها مخلوقاته، فسبحان الحيّ الذي لا يموت.

وهو الخاتمة الحتمية التي تنتهي بها حياة كل إنسان، ومن أجل ذلك أطلق عليه الناس اسم هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وهو قاهر الجبابرة والملوك، وحاصد الطغاة والمستبدين، وقامع المحاربين والمسالمين، لا ينجو من براثنه ذكر أو أنثى،  ولا يفرُّ من شباكه صغير أو كبير، يجثم فوق المخلوقات بكلكله، ويحصدها بمنجله.

يثير ذكره الرعدة في الفرائص، ويحمل الرعب منه المتعظين به على تجنب النقائص. وهو الحق المكروه عندالناس لأنهم جبلوا على حب الحياة، والتلهي بالآمال والرغبة في طول الآجال.

غير أن الشعراء منهم قد أسرفوا أيّما إسراف في ذكره في أشعارهم وبخاصة شعراء المذهب الرومانسي الذي رأوا فيه الوسيلة المثلى التي تخلصهم من آلامهم وعذاباتهم.

ولما كان علي دُمر واحداً من شعراء هذا المذهب فقد ورد ذكر الموت في شعره في مواطن كثيرة من قصائده التي تتألف منها دواوينه المتعددة.

وقد أورده في شعره تلميحاً في بعض الأحيان وتصريحاً في معظم الأحيان. وأول ما يطالعنا في قصة علي دمر مع الموت هو زعمُهُ بأنَّ الحب قد قاده إلىمعرفة حقيقة ذاته وسبب وجوده وفنائه:[i])

وتعرَّفت بعد طول ضلالي

 

كنه ذاتي ومولدي وفنائي

وزعم أنه ومحبوبته خالدان، وأنهما أكبر من الموت والزمان.[ii])

ونحن فوق الزمان فوق المنايا

 

فوق أشلاء جسمنا المطروحِ

وهو يرد على منتقديه الذين أخذوا عليه انشغاله بالدعوة إلى الحب وتغاضيه عن توظيف موهبته في خدمة قضايا الأمةومعاركها بقوله: إن الحياةالإنسانية ليست إلا مسلسلاً تتألف أحداثه من الأفراح والأتراح، ومن الغناء والبكاء،وأن الحب لا يموت عندما تشتعل الحروب.[iii])

وقيل لماذا تنشر الحب لاهباً

 

ونحن بحربٍ في الميادين لاهبِ

معاركنا شتّى ومَنْ فرَّ خائنٌ

 

ولابُدَّ من تجنيدِ فن المواهبِ

وأنت تُغنِّي الحب تلهو بمعزلٍ

 

عن الشعب لم تحفل بندب النوادبِ

فقلت إذا ما الحرب ثارت أينطفي

 

شعاع جمال الكائناتِ المواظبِ

وما الكون إلا فرحةٌ بعد مأتمٍ

 

وأعراسُ أطيارٍ ونوحُ نواحبِ

فكيف يموت الحب في الحرب إنه

 

هو الروح في خط الدفاع المغالب

وعلي دمر لا يُصَدِّقُ أن الحب الذي بعث حياة جديدة في نفسه إضافةً إلى حياته العادية يمكن أن يموت في قلب صاحبته، وأنه لو صح ذلك فإن جميع النساء اللواتي ادعين الحب قبل صاحبته كاذبات[iv]):

أنا لا أصدِّق كل هذا الحب

 

في دنياك ماتْ

ماكان شيئاً عابراً

 

كان الحياة مع الحياةْ

إن كان حقاً مات لم

 

تصْدُقْ بدنيانا فتاة

وقد ادّعى علي دمر أن حسراته على فقدان محبوبته لن تنتهي مادام فيه عرق ينبض، وأن ضياعها وفقدانها لا يعنيان إلا ضياع عمره وفناءَه[v])

آه كم في الروح من شوق وتحنانٍ إليكِ

ينفدَ العمرُ ولا تنفدُ حَسْراتي عليكِ

ياملاكي كل أيامي وأحلامي لَدَيْكِ

إن تضيعي ضاع عمري كلُّه بين يديكِ

وهو يضرع إلى محبوبتهِ أن تُفْصِح عن حقيقة موقفها من حبه لها، ولو كان في إفْصاحِها نهايته[vi])

هل من كلام يا معذبتي

 

ولو أنَّ في إفصاحه أجلي

وعلي دمر واثق من أن حياته ستنتهي قبل أن يجد من يتعاطف معه من البشر القُساة الذين لم يأبهوا بما ابتُلي به من العذاب[vii]):

سينقضي العمرُ ولا مشفقٌ

 

تهمه بلواك أو راحمُ

سينطفي منك سراجُ المُنى

 

لما يحينُ القدرُ الغاشمُ

ونومك السرمدُ تحت الثرى

 

يهمس أين الأرقُ الدائمُ

وقد تألم عليّ لأن معظم أمانيه تموت قبل أن تولد: [viii])

كم من أمانٍ لي تموت بمهدها

 

كالطفل يولد نعشُهُ إذ يُولَدُ


وهو يكرر هذا المعنى في قوله:[ix])

أؤملُ لكن حين يُولَدُ مأملي

 

يموتُ فأبغي اليأسَ واليأس نافرُ

وقلب الإنسان الخالي من الحب في رأي شاعرنا قلبٌ ميّت، ومن أجل ذلك نراه يطالب محبوبته بأن تحترق معه بنيران الحب، لأنه إن لم يحترق بها فإن خمول الحياة سيحطمه لا محالة[x])

فراغ القلب موتٌ يا حياتي

 

فهاتِ النارَ، حطّمني الخمولُ

ثم يصارح محبوبته بأن كل أمانيه ستموت، وسيعوي الدمار في حياته الخربة إذا قُدِّر للحب أن يموت في قلبها:[xi])

إذا ماتَ حبُّكِ يا وحشتي

 

تموت الأماني ويعوي الدمار

وقد اشتط الخيال بعلي فزعم أنه قد عَلِقَ محبوبته -ولكن بلا أمل- من قبل أن يولد، وأن حبه لها سيصاحبه في جنة الخلد بعد أن يموت، وهو يتساءل عما إذا كان قد قُدِّرَ له أن يلتقي حبيبته في عالم الأرواح بعد الموت:[xii])

أهواكِ من قبل ميلادي بلا أملٍ

 

وسوف في الخلد بعد الموت أهواكِ

حُرِمْتُ وصلك في هذي الحياة فهلْ

 

إن مُتْ في عالم الأرواحِ ألقاكِ؟!

وقد دعا شاعرنا على نفسه بالموت بعد أن ندم على ما اقترف من إساءة أدت إلى فقدانه محبوبته:[xiii])

يا فُلَّةً غضَّةً بيضاء كالبرد

 

قُتِلَتْ من أحمق أذبلتُها بيدي

وقد تمنَّى على محبوبته أن تزور قبره إذا قُدِّرَ له أن يموت شهيداً لحبها:[xiv])

ماذا تقول إذا مامُتُّ من شغفٍ

 

وَصِرْتُ في الرمسِ مقتولاً من الكَمَدِ

بالله، إما ذوى غصني وأودعني

 

أهلي التراب بقبرٍ خارج البلَدِ

فاذهب إليَّ وحيِّ القبر مُدَّكِراً

 

أيام كنا معاً في سالف الأَمَدِ

وعلي دمر لا يرضى بديلاً عن الموت في سبيل المحبوبة:[xv])

فنائي في هواها لستُ أبغي

 

بديلآً عنه في بُعْدٍ وقربِ

وهو يعاهد محبوبته بأن حبها سيظل مختلطاً بكل ذرة من ذرات جسده حتى بعد الموت.[xvi])

لن تزولي من ذرةٍ في  رفاتي

 

يا حياتي ويا ضلال هُدايا

وفي رأي علي أن حتمية الموت لا ينبغي أن تحول بين الإنسان وبين الصراع من أجل آماله، على الرغم  من أنه لن يبقى منه ومنها غير الذكريات[xvii])

فيا عجباً من صروف الزمان

 

حياة وموتٌ وكأسٌ تُدار

نعيش ونفنى بآمالنا

 

ونبقى إذا مابقينا ادّكار

وقد توقع عليّ الموت وخشي أن يوافيه في مناسبات عدة.. توقعه في حالة فشله في الحب:[xviii])

لم أرجُ للقلبِ شيئاً في الحياة سوى

 

أني أراك بأجناحي تناجيني

فإن أخب فحياتي، للفناء غَدَتْ

 

قريبةً ومماتي سوف يأتيني

وتوقعه في غربته مما دفعه إلى أن يوصي أهله بالتصبر فيما لوحدث ذلك[xix]):

فإن كتب الله اللقا فهو حلمنا

 

وإن لم تروني راجعاً فتَصَبَّروا

وكان أشد مايخشاه أن يموت قبل أن يعثر على مجهولته[xx]):

أحبيبتي أخشى حياتي تنقضي

 

وأنا بدربي دون أي وصول

وقد أوصى محبوبته ان تزور قبره لعل زيارتها تعيد له الحياة[xxi])

إن مت فاسعي إلى قبري وزوريني

 

وتمتمي ياسنا الظلماء في لينِ

لعلَّ وصلكِ يحييني ولا عجباً

 

إذ كان منك قصير الهجر يرديني

وكان علي في بعض الأحيان يشعر باقتراب نهايته مما يدفعه إلى أن ينصح محبوبته بالابتعاد عنه:[xxii])

لم يبقَ من عمري سوى رَمَقٍ

 

جفَّتْ ينابيعي فلا تردي

وأزعمُ أنني لن أكون مغالياً حين أقولُ بأنني لم أجد شاعراً بين مَنْ قرأتُ دواوينهم من الشعراء المعاصرين -على كثرتهم- مَنْ أفرط في تمنّي الموت كعلي دمر. وأعتقد أن ذلك راجع إلىعدة أسباب منها: البؤس، والغربة، والفشل في ميدان الحب، والإحساس باليأس من تحقيق الطموحات في مجتمع لم يقدر موهبته، ولم يرع حق عبقريته.

وقد تمنَّى عليُّ الموت مبكراً وهو لا يزال في ريعان الشباب، بعد أن لم يجد في هذا الكون الذي أرغم على المجيء إليه غير ظُلمات البؤس والعذاب.[xxiii])

جاء للكون لم يجد فيه إلاّ

 

ظلمات من بؤسه وعذابِهْ

يشتهي العود للفناء ولكن

 

أدبر الموت هازئاً من خطابِهْ

وقد تمنى أن يطويه البحر في أعماقه بعدأن أحس بأن الدنيا لا تقل عنه في قسوتها وهياجها[xxiv]):

لست ُأخشى البحر أن يبلعني

 

جوف هذا البحر والدنيا سويَّهْ

أنا يا ربّاهُ لا أبغي سوى

 

رحلةٍ من هذه الدنيا الشقيَّهْ

وتمناه بعد أن فقد أمه التي لم يكن له نصير سواها، إذ راح يتحدى الأشباح التي كانت تتراءى له بين القبور وهو يزور قبر والدته أن تمزقه لعله يشعر بالسعادة بعد أن يلتقي روح أمه التي سبقته إلى الموت[xxv]):

آه أماه قد مَلَلْتُ حياتي

 

قرَّ يأسي وضاع مني رجائي

أتخطى بين الأنام نحيلاً

 

أشتهي الموت هازئاً بالبقاءِ

ليتني لم أكن وُلِدْتُ فخيرٌ

 

من شقاء الحياة دنيا الفناءِ

آه حمقى الأشباح بين القبورِ

 

مَزَّقيني ثم احمليني وسيري

نحو دار الفناء عليَّ ألقى

 

روح أُمي فأغتدي في حبورِ

وهو يرجو الرياح العاصفة والسحب التي ينهمر منها الثلج أن تعصف به وتخفيه عن عيون دهره التي لم ترحم ضعفه ووحدته[xxvi]):

اعصفي يارياح في الليل عصفا

وانسفي بردتي مع الليل نسفا

واغمريني يا سُحْبُ بالثلج يهمي

علَّني عن عيون دهري أخفى

وفي موضع آخر نراه يضرع إلى ربه ألاّ يبتليهِ بالحب المُشْقي، وأن يعجِّل بنهايته قبل أن يطول عذابه في ذلك البلاء:[xxvii])

فيا رباه لا تجعل فؤادي

 

محباً إنَّ ذي إحدى البلايا

إذا ما طالَ في هذا شقائي

 

فأرجو أن تحطمني المنايا

وقد تمنى لو أنه مات قبل أن يكتشف أنه كان يعيش قصة حب غير متبادل[xxviii]):

وصحوتُ بعد هُنَيْهَةٍ فإذا

 

أنا مفرد في وهمي الخجلِ

ياليت روحي قبل صَحْوتِها

 

قد لفَّها بضبابهِ أجلي

وتمنى أن يوافيه الموت قبل أن تودِّعه محبوبته[xxix]):

أرجو ختام وداعِك المُضْنِي بأن

 

يطوى الحياة مع الوداعِ ختامُ

وتمنى أن يتحطم إلى أجزاء بيدي محبوبته التي كان يتمنى الفناء في حبها الذي يرى أن الحياة بدونه هي الموت الحقيقي.[xxx]).

يا حبَّذا كسري وتجزئتي

 

بيديك تحويلي إلى بَدَدِ

فالعيش دون الحب مَحْضُ ردى

 

ياحبُّ ذوِّبني إلى الأَبَدِ

وتمنى لو أنه لم يلد ولم يولد بعد أن يئس من الوصول إلى قلب المحبوبة[xxxi]):

إن كان آخر دربي منك يحرمني

 

ياليت أني لم أُولَدْ ولم أَلِدِ

ولعل أجمل مناسبةٍ تمنى فيها شاعرنا الموت -إن صح هذا التعبير- هي تلك التي تمناه فيها وهو بعيد عن وطنه، حيث تمنى أن يموت بين أحضان ذلك الوطن على الرغم من جنوحه إلى المبالغة في البيتين اللذين عبر فيهما عن هذه لأمنية:[xxxii])

وبلادُنا مهدُ الجمالِ وقدسِهِ

 

في شعبها سرُّ البطولةِ مُودَعُ

الموتُ في أحضانِها أشهى لنا

 

من جنَّةِ المأوى التي نَتَوَّقَعُ

رحم الله علي دمر الذي حُرِمَ حتى من الموت بين أحضان وطنه حيث وافته المنية في ديار الغربة قبل أن يحقق كثيراً من أمانيه.

 



[i]) إشراق الغروب ص67.

[ii]) المصدر نفسه، ص 57.

[iii]) المصدر السابق، ص 7.

[iv]) إشراق الغروب ص134.

[v]) غيبوبة الحب 99.

[vi]) المصدر نفسه ص56.

[vii]) المصدر السابق، ص 79.

[viii]) حنين الليالي، ص 106.

[ix]) المصدر نفسه ص 116.

[x]) غيبوبة الحب، ص 33.

[xi]) إشراق الغروب، ص 106.

[xii]) حنين الليالي، ص 111.

[xiii]) رعشات، ص 49.

[xiv]) المصدر نفسه، ص 66.

[xv]) غيبوبة الحب، ص 49.

[xvi]) إشراق الغروب، ص 76.

[xvii]) المصدر نفسه، ص 106.

[xviii]) رعشات ص 73.

[xix]) حنين الليالي، ص 107.

[xx]) المجهولة، ص 82.

[xxi]) رعشات، ص 72.

[xxii]) إشراق الغروب، ص 23.

[xxiii]) رعشات ص 10.

[xxiv]) المصدر نفسه، ص 14.

[xxv]) رعشات، ص 29.

[xxvi]) المصدر نفسه، ص 29.

[xxvii]) المجهولة، ص68.

[xxviii]) غيبوبة الحب 66

[xxix]) حنين الليالي ص 101.

[xxx]) إشراق الغروب ص 30.

[xxxi]) المصدر نفسه، ص 85.

[xxxii]) حنين الليالي ص 93.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244