علي دمر شاعر الحب والغربة والحنين - د. رجا سُمرين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثاني عشر

الشكل والمضمون في شعر علي دُمَّر

إذا كانت الواقعية الاشتراكية -كما يراها مكسيم جوركي- نمطاً من التعبير يلهمنا التطلع إلى الأمام، ويدعونا إلى صنع حياة يسودها الوئام والسلام، ويجعل من الأديب ملتزماً ذاتياً بتوظيف أدبه في خدمة المجتمع والفرد - إذا كان الأمر كذلك- فإن علي دمر شاعر واقعي ملتزم وإن لم يتخذ من الاشتراكية عقيدةً ومذهباً ينطلق منها في دعوته إلى الإصلاح.

صحيحٌ أن عليّاً لم يلتزم بأسلوب الواقعيين، الاشتراكيين من الشعراء في تصوير تجاربه الشعرية وصياغتها، فهو لم يَثُرْ على الأنماط الشعرية الموروثة، ولم يجنح إلى حصر مضموناته الشعرية في تلك الدائرة الضيّقة التي حصر شعراء الاشتراكية مضموناتهم في نطاقها، إلا أن الصحيح كذلك هو أن عليّاً قد آمن بالحب، واستطاع عن طريق إيمانه به أن يتطرَّق إلى معظم الموضوعات التي تطرق إليها أولئك الشعراء في العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

لقد أبى علي دمر أن يتجرد من إرادته الحرة وفكره المستقل وأن يحوّل فنه إلى مجرد وسيلة من وسائل الدعاية للفكرة الماركسية والمجتمع الذي تدعو إلى صنعه.

لقد عشق علي دمر الجمال فاستمد مضموناته الشعرية منه ومن الحياة بجميع عناصرها ومعطياتها، فوقف إلى جانب القيم الإنسانية والمثل العليا والمبادئ السامية، وحاول أن يعكس في شعره هموم البشرية وآمالها وإحساسها بالحاجة إلى الحب والـتآلف والتعاون وغير ذلك من الوسائل التي تقود إلى التطوير والتقدم والسلام.

ولتحقيق هذه الغاية لجأ عليّ وهو يُبدع تجاربه الشعرية إلى توظيف "التداعي النفسي" دون أن يتعمد ذلك أو يعيه. وهكذا نجد أن التجربة الشعرية عنده أشبه ماتكون بقصائد المعلقات التي تشتمل على عدة أغراض قد يظن قارِئُها لأول وهلة أنه لا رابط بينها، ولكنه لا يلبث أن يكتشف أن أجزاء القصيدة يقود بعضها إلى بعض بصورة طبيعية يجعل من الوحدة النفسية دائماً ومن الوحدة العضوية أحياناً عنصراً لا تفتقر إليه تلك القصيدة.

فهو مثلاً عندما يصور مفهوماته عن الحب والحبيب والعلاقات التي تربط بين المحبين وماينجم عن ذلك من آثار فإن التداعي النفسي يقوده إلى تذكر الحبيبة التي يدعوها إلى مشاركته في الاستمتاع بجمال الطبيعة، لما بينها وبين الحب من وشائج وثيقة وأواصر قويّة. كما أن تصويره للطبيعة الأخَّاذة يقوده إلى تصوير عظمة الخالق، أو إلى تصوير ماينبغي أن يتوافر للحبيبة من حرية وحياة سعيدة جديرة بأن تُعاش.

وفي قصائده عن الغربة نراه بعد أن يصور إحساسه بالمرارة وشعوره بالحرمان واليأس والضياع يتذكر طبيعة بلاده الجميلة إلى أهله وأصدقائه ومواطنيه، ثم يقوده ذلك كله إلى تصوير معاناة شعبه وأسباب تلك المعاناة، وهو عندما يتطرق إلى تفسير هذه الأسباب يجد أنها تتلخص في اختلال موازين العدالة والحق مما يدفعه إلى الدعوة لإصلاح ذلك الاختلال.

والمتأمل في شعر علي دمر يجد أن هذا الشاعر قد أعلى كغيره من شعراء المذهب الاتباعي أو الكلاسيكي من شأن الشكل لأنه كان معتداً بالصياغة اللفظية والكمال التام في العبارة الشعرية، وإن كان في بعض تعبيراته قد وقف إلى جانب المعنى أو "المضمون" مقدماً إياه على اللفظ وعلى الصورة الشعرية، ولكن ذلك لم يرد إلا قليلاً في شعر عليّ. 

لقد استمد عليّ مواقفه التي استقى منها تجاربه الشعرية من جميع المذاهب الفنية والفلسفات، فهو أحياناً شاعر كلاسيكي لا يختلف في قليل أو كثير عن تلاميذ المدرسة الاتباعية التي أنجبت أمير الشعراء وحافظ إبراهيم وبدوي الجبل وبدر الدين الحامد والرصافي والزهاوي والجواهري والنجفي وغيرهم من عمالقة الكلاسيكيين في الشعر العربي المعاصر.

وأحياناً أخرى نجده شاعراً رومانسياً ينسج على المنوال الذي نسج عليه الشابي وأبو ريشة ووجيه البارودي والأخطل الصغير وإبراهيم طوقان ونزار قباني وشعراء مدرسة أبولو. وهو في تجاربه الشعرية ألتي أسقط فيها همومه على الجماعة لا يختلف كثيراً عن شعراء المذهب الوجودي الذين يرددون دائماً مقولتهم المشهورة "الآخرون هم الجحيم".

وإذا كان المضمون الاجتماعي للعمل الشعري لا يُسْتَمَدُّ في حقيقته من واقع الحياة في المجتمع، بل من موقف الشاعر الفكريّ من الحياة التي يحياها مجتمعه فإن علي دمر كان في مقدمة الشعراء الذين كان لهم مواقف فكرية خاصة في الحياة وفي المجتمعات التي قُدِّر له أن يتعايش معها وهي المجتمعات السورية والمصرية والسعودية والمجتمع الإنساني بصورة عامة.

لقد تمكَّنَ علي من أن يُمَيِّز تماماً بين الالتزام والإلزام فجعل من نفسه شاعراً حراً لا يتقيَّدُ بمبادئ حزب معين، أوجماعة محدَّدَة، أو تنظيم سياسي معروف ولم يُلْزِم نفسه بالانطلاق في تصوير تجاربه الشعرية من فلسفةٍ بعينها، بل لجأ إلى اختيار مواقفه من الحياة انطلاقاً من قناعاته واجتهاداته الخاصة، وبتأثير من معايشته للأحداث ومعاناته الذاتية منها.

وتجاربه الشعرية التي أسهبنا في عرضها وتفسيرها في الفصول السابقة خير شاهد على ما نقول.

ومن الأمور التي هي جديرة بالملاحظة أن دواوين علي دمر تكاد تخلو من شعر المناسبات لأنه لم يكن من النظّامين الذين يفرضون أنفسهم على الشعر، بل كان من الشعراء الذين تفرض التجارب الشعرية نفسها عليهم وتخضعهم لجبروتها وسيطرتها. لذلك نجد أن التجربة الشعرية عند علي كانت هي التي تختار لنفسها الثوب المناسب الذي تظهر به على الناس، ولم يحدث ولومرة واحدة أن لجأ عليّ إلى إجبار تجربة من تجاربه الشعرية على ارتداء ثوب لا يُناسبها أو يستهويها. وهذا لعمري هو شأن الشعراء المطبوعين الذين يحترمون فنهم ومواهبهم، ويحرصون على رضا الفن والذات والتاريخ أكثر من حرصهم على رضا النقاد وما يُرَوِّجون لهُ من مذاهب وفلسفات.

 وقدحاول عليَّ أن يطوِّع تجاربه الشعرية لتتمشَّى مع روح المعاصرة دون أن ينزلق إلى الهوة التي يدعو إلى الانزلاق فيها دعاة الحداثة والتجديد الذين شوّهوا وجه الشعر العربي الحديث.

وقد خلت تجارب علي نتيجة لذلك من الغموض ومن الألغاز والإبهام، ومن الركاكة والإسفاف والخلط بين الأجناس الأدبية وغير ذلك من الدمامل والبثور التي شوهت جلود تجارب شعراء الحداثة الزائفة والتجديد المشبوه.

وفي كثير من قصائده تبدو مظاهر الرومانسية واضحةً للعيان حيث غلب على معظمها طابع الشكوى والقلق، وبرزت فيها نزعة التشاؤم واليأس والتفاعل مع الطبيعة التي حوّل كثيراً من مظاهرها إلىدلالات رمزية عبّر بواسطتها عن حالاته الشعورية المتنوعة.

 وإذا استثنينا بعض السمات الدلالية الرمزية التي قد تقترب من الأسطورة كإشارته إلى تمثال فينيس، وقبرّة معمر، وبعض الرموز التاريخية كفرعون وكليوباتره وأنطونيو والمعري وديك الجن وذي قار والقادسية واليرموك وخالد وعكرمة فإن استخدام علي للرموز الأسطورية لا يشكل ظاهرة محددة المعالم في قصائده.

وقد شاعت الوحدة العضوية في معظم قصائده، لأن وحدة الشعور والإحساس الذي ينتظم أجزاء معظم قصائده نراها تُكوِّن ماتشتمل عليه القصيدة من صور وموسيقى وتعبيرات بلون واحد نابع من الموقف النفسي المسيطر على الشاعر لحظة إبداعه القصيدة.

وهكذا يلتقي الفن بالشعور عند علي، كما تلتقي الوحدة الفنية بالوحدة الشعورية في قصائده، لأن كليهما واحد على الرغم من تباين المعاني التي تنطوي عليها كلمة الوحدة وتنوع دلالاتها.

وقد رُزق عليّ خيالاً مُجَنّحاً استطاع أن يُحلِّق به في أجواء عوالم فيها من الصور البصرية والسمعية والابتكارية والمركبة معين لا ينضب لمن يطلبه ويسعى إليه.

ولا يعيب شاعرنا في هذا المجال إصرارهُ على الاستعانة في رسم صوره الفنية بالأساليب البيانية من تشبيهات واستعارات وكنايات ومجازات لغوية وعقلية وتجميلها ببعض المحسنات البديعية والمعنوية. ولكن الذي يعيبه أحياناً هو أنه لم يطبع بعض هذه الصور بطابع التجديد والابتكار، بل لجأ إلى أخذها عن الشعراء القدماء دون أن يضفي عليها أية مسحة من التغيير.

وقد استطاع عليّ أن يقدم لنا كثيراً من المعاني في صور مجسَّمة محسوسة مضمَّخة. بوهج العاطفة الصادقة الخالية من التصنع أو الافتعال والمبالغة. وليس ذلك بغريب على شاعرنا الذي تهيَّأ بالفطرة لقول الشعر وأُعِدَّ له  إعداداً غيبياً من قبل أن يُولَد، فانطلق معبِّراً عن نفسه وعن الجمال والطبيعة والمثل معتمداً على الإلهام واللاشعور بقدر ما اعتمد على المثابرة والصنعة والمعاناة.

وقد ترجم عليّ عن رغباته المكبوتة في عالم اللاشعور، وسجل أحلام يقظته بأصالة. وارتقى في كثير من الأحيان بمستوى أحلامه الذاتية إلى مستويات إنسانية رفيعة. ولعل في ذلك مايفسر وجود تلك الكثرة الساحقة من قصائد الحب لدى عليّ. فقد حرص على أن يصوِّر نفسه عاشقاً مثالياً تيَّمه الحب، وأضناه الوجد،وشفَّه الغرام. يرضى بكل ما يفرضه الحب والحبيبة من تبعات مستثنياً من ذلك التنازل عن كرامته وكبريائه.

وقد اتَّسمت تعبيراته باختيار اللفظ المناسب للمعنى المناسب، كما اتَّسم بحرصه على احترام اللغة وقواعدها مما جعله في الطليعة من شعراء العربية المعاصرين الذين يحرصون على قدسية لغتهم والتمسك بمقوماتها التي تكفل لها المحافظة على شخصيتها التي تميّزها عن غيرها من اللغات.

..............

لقد نجح علي دمر في بعض قصائده إلى خلق صورة شاملة غير قابلة للتجزئة وجعلت من القصيدة وكأنها لوحة فنية واحدة تستأثر بإعجاب المتأمل من القراء. ومن هذه القصائد: قصيدة "رعشة" التي رسم لنا فيها صورة لقلبه المعذب المقهور. وهي من قصائد ديوانه الأول "رعشات". ومنها أيضاً قصيدة "المسلسلة الأبدية" التي رسم فيها صورة فلسفية متخيَّلة للحب. وهي من قصائد ديوانه "إشراق الغروب" وقصيدة "ليل الشاعر" وقد رسم فيها صورة لما يجده الشاعر المعذّب من قلق وسأم يحولان بينه وبين النوم، وهي من قصائد ديوانه "غيبوبة الحب"، وقد تجلت الوحدة العضوية في أروع صورها في قصائده القصصية على نحو ما نجده في قصيدة "لقاء" وهي من ديوانه "رعشات" وقصائد "معركة" و"دنيا عيون" و"قصة" وهي من ديوان "حنين الليالي" ..أو لحظات الوداع و" أحلى لقاء" " الهزيمة" و " الانهيار"و"المفاجأة" و"أفعى" وجميعها من قصائد ديوانه "إشراق الغروب" وفي قصائده "ليل الشاعر" و"قلق" و"أرق" وهي من ديوانه "غيبوبة الحب".

ومن صور عليّ المبتكرة الجميلة هذان البيتان اللذان يصور فيهما روحه وكأنها طائر يحلق في السماء هارباً من الأحزان، باحثاً عن الأمن بين الأفلاك[1])

حلّقت روحه على الأفق خوفاً

 

من لظى جوفه ومن أشجانِهْ

واعتلت تقصد السماء لتحيا

 

بين أفلاكه وضمن أمانِهْ

وقوله في تصوير الشعر الأسود لإحدى الحسناوات[2])

يالشعر الحسناء كم في دُجاه

 

ضلَّ قلبي في عاصفات هواهُ

همت في جوفه شريد الأماني

 

لا أرى فيه برقه وسناهُ

خفتت فيه كل ذات هبوبٍ

 

في سبات ما إن يُحَدُّ مداهُ

وقوله مصوِّراً نفسه، وهو من قبيل تصوير المحسوس بالمعنوي:[3])

أنا لحن الظلماءِ طاف مع الفجرِ

 

فَجُنَّ الهزارُ للأصداءِ

أنا خفق الأكبادِ في لفحة الهجر

 

ونفح الخميلةِ الغناءِ

أنا عصف اللهيب في حومة الـ

 

ـهول ولمع الصواعق الحمراءِ

أنا حلم الجياع ناموا حُفاةً

 

وعُراةً في الدرب تحت السماءِ

أنا طيفُ الإنصاف يصرخ في الأ

 

كواخِ أو في مهدَّم الأحياءِ

وقوله في المقارنة بين شعر الأدعياء وشعر الأصلاء من الشعراء:[4])

إنما الشعر كالنبوة لا يزداد

 

فيها الكذوب إلا افتضاحا

كالجمال الموهوب خلْقاً فلا

 

تستطيع شوهاء أن تحاكي الملاحا

وانظر إلى هذه الصورة التي رسمها لِقَدِّ بنت البلد المصرية:[5])

عصروا خمور العالمين وجسَّدوا

 

منها رشاقة قدِّكِ اللهفانِ

ثم انظر إلى هذه الصورة التي رسمها لحروف الكلمات التي تتلفظ بها محبوبته، فهي أحياناً جداول شوق متتابعة تسري في عروقه، وأحياناً أخرى يدٌ تَزرعُهُ في عالم خالد لا حدود له ولا نهاية:[6])

وحروفُكِ تسري في روحي

 

كجداولِ شوقٍ مُطَّردِ

وحروفُ "أحبكِ" تزرعني

 

في كونٍ خلديّ الأَمدِ

أما وهج عينيَّ محبوبته فعالم فريد يجمع بين الكثير من الثنائيات المتضادة القادرة على صنع المستحيلات. وهوعالم جديد لم يشاهده أحدٌ من قبل، وهو يغسل النفوس من الآثام، ويقسو على الشاعر في عصفه كالإعصار، ويغرقه كالطوفان، وقد أحال هذا الوهجُ عالمَ الشاعر إلى طلاسم، وخدَّر أيامه وجعلها غير قادرة على الوعي:[7])

وهج عينيك من سماءٍ بعيدٍ

 

لم يشاهد من قبلُ في دنيانا

يغسل النفس من غبار الدنايا

 

ويبث العطور والألوانا

وانظر إلى قوله مصوراً ذكريات بؤسه التي تتراءى له عندما يخلو إلى نفسه في الليل وكأنها شريط سينمائي[8])

عندما يرقد كل الناس تصحو ذكرياتي

وأمانيَّ وأحلامي ونجوى خاطراتي

وأرى ماضيَّ كالافلامِ يجلو لي حياتي

يعرض الحرمان والبؤس وتيهي وشتاتي

وضياعي في بلاد الناس أسعى لاقتياتِ

دون عنوانٍ ومجدٍ، دون تعريفٍ بذاتي

ثم انظر إلى هذه الصورة المرعبة التي يرسمها للطريق الموصل إلى المجد[9])

غير أن الجسر للمجد على

 

نَهَرِ الهولِ تمطى مُرْعبا

وقوله في تصوير تأثير الحب على نفسه بعد أن اكتهل:[10])

ارجَعْتِني ياصبوتي حدثاً

 

نَضَّرْتِ آرائي ومعتقدي

وتأمل هذه الصور الجميلة المتتابعة التي خلقها الحب في روح الشاعر، وما انتهت إليه من مصير مُفْجِعْ: [11])

زرعتِ في روحيِ رياض الهوى

 

جذورُها في أعظمي توغِلُ

فجَّرْتِ في عُمقي عيون المنى

 

ينساب فيها جدولٌ جدولُ

ماكان في الحسبانِ يا واحتي

 

أن تتركيني من دمي أنهلُ

ومن أجمل ما قاله في وصف حبيبته ووصف حبه لها وتعلقه بها قوله:[12])

إن فيك العالم الأسمى انطوى

 

المحيطات وضوء النيِّرات

إن حبي لك شوقُ الجزء للـ

 

ـكلِّ، عشقُ الطفلِ صدر الأمهاتِ

رحلتي في ضوء عينيك مدى

 

اللانهايات لدىماض وآتِ

أنت لا تدرين هذا وأنا

 

لمجراتكِ معراج صلاتي

ثم انظر إلى هذه الصورة الرائعة التي رسمها للحديث الذي تنطق به عينا محبوبته الحبيبة:

غضيضة الطرف من شوق ومن خجلٍ

 

ما أروعَ الشوق في أحداقِ وطفاءِ

قولي بها كلَّ شيءٍ إنها لغةٌ

 

عُلويَّةُ الهمس في أخذ وإعطاءِ

قولي بها لا تخافي فهي مُفْصحةٌ

 

بلا رقيبٍ، بلا لَوْمٍ وأخطاءِ

فلا يُحاسِبُ غيرُ الله زلَّتها

 

والله أبدع فيها سرَّ إغواءِ

قولي بها لا تُراعي واصهري كبدي

 

بشعلةٍ من سعيرِ الحب حمراء ِ

وقد أسرف علي في استخدام التشبيهات التمثيلية والتشبيهات الضمنية التي أكسبت صوره الفنية أبعاداً خاصة يطول بنا الأمر لو شئنا أن نمثل لها. أو نحصيها. وهي ليست خافية أو بعيدة المنال علىمن يرغب في تعرفها وتذوق ما فيها من روعة الصياغة وبديع النغم وجمال المعنى.

وقد جمحَ الخيال بعلي دمر في كثيرمن الأحيان حتى صدقت فيه العبارة المأثورة التي تقول "أعذب الشعر أكذبه" وقد قصد النقاد القدماء بذلك أن يلفتوا الأنظار إلى مايعمد إليه بعض الشعراء من مبالغات في التعبيرعن مشاعرهم وتصوير أحاسيسهم.

غير أن جموح عليّ هذا لم يخرج بتعبيراته عن دائرة المقبول ولم ينبُ بها عن الذوق السليم إلا في القليل النادر.

ومن شطحات عليّ الشعرية قوله في تصوير سحرلفتة بنت البلد المصرية وخفة ظلها[13])

لو جُمِّعَتْ أعراسُ أجيال الورى

 

وجميعُ دنيا الرقص والألحانِ

ما أبرزت سحراً للفتةِ خِفَّةٍ

 

من طيفكِ المتلهفِ الظمآنِ

وقولُهُ في التعبير عن حبه ودوامه واستمراره[14]):

أهواكِ من قبل ميلادي بلا أملٍ

 

وسوف في الخلد بعد الموتِ أهواكِ

وقولهُ في تصوير حبه لمسقط رأسه "حماه"[15])

وحماة لوخُيِّرْتُ بين ربوعها

 

والخلدُ لم أرغب بها تبديلا

وقوله في تأثير موسيقا وألحان الموسيقار عبد الوهاب فيمن يسمعها:[16])

لو إله الحروب يسمع نجو

 

اك أَحبَّ السلام في نجواكا

وقوله في تصوير رغبته المُلِحَّة في التخلص من البقاء في إحدى القرى التي عمل فيها في بدايات عهده بالتدريس[17]):

متى الله عنها بالرحيل يغيثني

 

ولوكنت أحيا بعدها في جهنم

وقوله في تصوير ملازمة حب محبوبته له.[18])

حينما أُدْفَنُ في لحدي الرجيمِ

 

سوف تبقين صراخاً في رميمي

ومن مبالغاته غير المستساغة  قوله في وصف شاعرةٍ تيَّمَهُ سحرها وجمالها.[19])

أنت فينا قصيدة الله في الأ

 

رض وعزف الملائك الأطهار

وقوله مصوراً يأسه من استجابة محبوبته له:[20])

تعبت من السؤال بلا جوابٍ

 

وكاد يضجُّ من شكواي ربي

فحاشا للله أن يكون شاعراً، أو أن يضج من شكوى واحد من عبيده وهو الحليم الصبور.

......

ولم ير عليٌّ بأساً في أن يُزَيَّن عرائس شعره بشيء من ألوان الحلية اللفظية أو المعنوية التي يُطلق عليها البلاغيّون اسم المحسنات البديعية.وكان الطباق والجناس بنوعيه والتورية والمقابلة أكثر وروداً في شعره من سواهما من ألوان البديع. غير أن الملاحظة الجديرة بالتنويه هو أن أياً من هذه المحسنات لم يأتِ متكلفاً أو مصنوعاً لا يتطلبه المعنى، أو لا يستدعيه المقام، فقد وردت جميعها عفو الخاطر دون تكلُّف أو تَصَنُّع

ومن الأمثلة على ذلك قوله في وصف حريق شبَّ في الليل[21])

تُبصرُ النار في الجواء تعالت

 

يغتدي الليل من سناها نهارا

وقوله[22]):

نسيتَ سالف عهدي

 

يا مُرُّ قد كنت شهدي

وقوله: [23])

نفسي تعزُّ كثيراً

 

وإن رأتك تهونُ

وقوله[24]):

والصبايا يلعبن في كل روضٍ

 

كالعصافير جيئةً وذهوبا

وقوله:[25])

وصبيتين على الحشائش جُنَّتا

 

تتسابقان تقدماً وقفولا

وقوله في وصف نظرة الممثلة راقية إبراهيم:[26])

المكر فيها ظاهر

 

والشوق أمسى خافيا

وقوله في وصف فرحه بتسليم رسالة من محبوبته:[27])

في كل نهارٍ أو ليلٍ

 

أتلوها في فرح الولدِ

يطويني الحرف وأنشره

 

يشعلني يحرق لي جلدي

وقوله[28]):

أمطرته عيناي من دمع ثكلى

 

في نواحٍ يبدي الزفير شهيقا

ومن أبياته التي استخدم فيه الجناس التام قوله:[29]).

فيا ضيعة الآمال في رسم ضيعةٍ

 

أعيش كسر الكائنات المُكَتَّم

وقوله من هذا القبيل:[30])

يذوب شعوري في رفيف شعورها

 

إذا ما غدت فيها النسائم تلعب

ومما استخدم فيه الجناس الناقص قوله في هجاء البراغيث:[31])

لجأت للشِعْرِ أهجوهم به حنقاً

 

لا يرهب الشِّعر مَنْ في الشَّعْر ينتثرُ

وقوله:[32])

وينقدُّ قلبي من فتون قدودها

 

إذا لفَّها ذاك الحرير المحبّبُ

ومن أبياته التي وردت فيها التورية قوله:[33])

وسقام جفنيك السقام لخافقي

 

فالصحو من سكري لديك سقامُ

فسقام في الشطر الأول بمعنى فتور، وسقام في الشطر الثاني بمعنى مرض.

وقوله:[34])

أرجو ختام وداعك المضني بأن

 

يطوي الحياة مع الوداع ختام

فختام في صدر البيت بمعنى نهاية، وفي عجزه بمعنى الموت.

ومما فيه مقابلة وهي من المحسنات المعنوية كالتورية[35]).

يا غزوةً بدؤها نصر وآخرها

 

هزيمة في أساها القلب يحتضَرُ

وقوله في رثاء ولده كهلان[36])

قمرٌ بدا في ليل دهري وامّحى

 

في أشهر من عمره كثوانِ

وقوله [37])

أنا جمر قلبك إمّا نأى

 

وجنة أحلامه إن وصل

وقوله في وصف مايبذله الفقراء من كد في سبيل المترفين:[38])

ويتعبون ليهنا

 

بالراحة السعداء

..................

ومثلما جاء علي في كثير من تجاربه الشعرية بالجديد المبتكر من المعاني والصور، فإنه كرر في القليل منها بعض المعاني والصور التي استقرت في حافظته نتيجة لثقافته الواسعة وقراءاته الكثيرة. وعلي ليس بدعاً في ذلك بين الشعراء الذين قال فيهم عنترة بن شداد قبل خمسة عشر قرناً أو أكثر:

ما أرانا نقول إلا معاراً

 

أو كلاماً من لفظنا مكرورا

ومن معاني علي دمر وصوره المأخوذة عمّن سبقه قوله في حتمية اصطدام كفاحه بإرادة القدر الحديدية التي تأبى إلا أن تفشل ذلك الكفاح:[39])

أكافح ما أكافحُ ثم آوي

 

إلى قدرٍ إرادته حديد

وهذا يذكرنا بقول الحطيئة:

أُطوّف ما أُطوّفُ ثم آوي

 

إلى بيت قعيدته لكاعُ

أما قوله في رثاء أمه مفاخراً بنفسه:[40])

وإن كنت لم تُبْقِي مفاخر جمّةً

 

سواي فإن الفخر فيكِ لواجبُ

وَلَدْتِ علياً للبرايا حميدةً

 

فكنتُ كمن يجلو الظلامَ الكواكبُ

فإنه يذكرنا بقول أبي الطيب المتنبي في فخره بنفسه عند رثائه جدته:

ولو لم تكوني بنتَ أكرمَ والدٍ

 

لكان أباك الضخم كونك لي أُمّا

لئن لذَّ يوم الشامتين بيومها

 

فقد ولدت مني لأنفهمو رَغْما

كما يذكِّرنا قوله:

كُلّما سُدِّدْتْ قناةُ مصابٍ

 

لفؤادي تحطمت بقناتي

بقول أبي الطيب كذلك:

وكنت إذا أصابتني سهامٌ

 

تكسَّرت النصالُ على النصالِ

وأما قولُه:

وغمام الجواءِ صار محباً

 

شفَّه الوجدُ فاستجد نحيبا

دمعُهُ يضحكُ الخمائلِ فالر

 

وضُ يناغي لدى المساءِ القلوبا

فإنه يذكرنا بقول مَنْ قال:

تَضحكُ الأرضُ من بكاءِ السماءِ

 

 

...................

وعلى الرغم من تمكن علي دمر من اللغة العربية وقواعدها، وتمرسه بأساليبها فقد ندَّت عن قلمه بعض الهنات اللغوية والأسلوبية. إلاّ أن ماورد في شعر علي من لحنٍ قليل إنما يدخل أغلبه في دائرة العادي الذي لا يستهجنه الطبع ولا ينفر منه الذوق السليم.

وإذا شئنا أن نلتمس العذر لعلي بسبب وقوعه في هذه الهفوات فإن في إمكاننا أن نرجع ذلك إلى أربعة أسباب:

الأول: نُدْرَةُ هذه الأخطاء التي ربما بَرَّرَتْ للناقد تجاوزها، بل وغضَّ النظر عن تسجيلها، أو الإشارة إليها. ولولا خشيتنا من أن نُتَّهَم بالتعاطف مع صديقنا المرحوم وتعمدنا التغاضي عن هفواته لضربنا عن ذكرها صفحاً، ولمررنا بها مرور الكرام.

الثاني: أن هذه الهنات لا تنهض دليلاً على ضعف عليَّ أو عدم تمكنه من قواعد اللغة والتمرس بأساليبها، والإحاطة بخصائصها ومميزاتها.

الثالث: أن أكثر هذه الهنات -على قِلَّتها- من قبيل ما دعت إليه ضرورة الوزن والحرص على استقامة موسيقا الأبيات. وليس أدل على ذلك من أنه استخدم هذه الأساليب استخداماً صحيحاً أحياناً، وخاطئاً أحياناً أخرى. وقد نجد ذلك في البيت الواحد. وسوف يتضح لنا هذا عند عرضنا للشواهد بعد قليل.

الرابع:  أن الشاعر مهما علت مكانته وسمت منزلته فإنه لابُدَّ واقعٌ في مثل هذه الهنات بسبب استغراقه في لحظة الانفعال الشديد للتجربة الشعرية وسيطرتها عليه، الأمر الذي يحول بينهُ وبين التَّنَبُّهِ لما وقع فيه.

وخير دليل على ذلك قصة النابغة الذبياني مع الإقواء، وهو تحريك حرف الرويّ في أَحدِ أبيات القصيدة بحركة تختلف عن تلك التي حُرِّك بها الراوي في سائر أبياتها، فقد دخل النابغة يثرب وسمع قينة تتغنى بأبيات من داليته التي مطلعها:

من آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مغتدي

 

عجلانَ ذا زادٍ وغير مُزوَّدِ؟

فلما وصلت إلى قوله:

زعم البوارحُ أنَّ رحلتنا غداً

 

وبذاك خبّرنا الغرابُ الأسودُ

مدّت صوتها بالضمة ففطن إلى ذلك وغيّر البيت فأصبح على هذا النحو:

زعم البوارحُ أن رحلتنا غداً

 

وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ

وكان الإقواء يقع كثيراً في شعره فبرئ منه.

......................

أمّا ماورد من هفوات في شعر علي فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أخطاء لُغويَّة نعتقد أن شاعرنا لم يقع فيها إلا وهوواقع تحت سيطرة انفعاله بالتجربة ومن ذلك قوله:

سقطتي فجأةً على أرضِ صَحْوي

 

وجناحيَّ في لهيب الدخان

والصواب أن يقول: "وجناحاي" لأنه مبتدأ وقع في أول جملةٍ حالية مبدوءةٍ بواو الحال. وحقه أن يكون مرفوعاً بالألف لأنه مثنى.

وقوله:

أيُّها الساعة التي أنا فيها

 

سوف أرنو إلى بهاكِ المنيرِ

أيُّها اللحظة التي نظراتي

 

تتلاقى بجفنك المخمور

والصواب: "أيتها الساعة"  و"أيتها اللحظة" لأن أيّ التي يُتَوَصَّلُ بها إلى نداء المعرف بأل يجب أن تطابقه في التذكير والتأنيث.

وقوله:

يا ملاكي التي أسائل عنها

 

لستُ في الحب سامعاً لمشيرِ

وصوابه:

ياملاكي الذي أسائل عنه

 

لستُ في الحب سامعاً لمشير

لأن ملاك مذكر ومن حق الاسم الموصول بعده أن يطابقه في التذكير.

ومن أخطائه الصرفية قوله:

أُصَفِّفُ كل يومٍ شعر رأسي

 

بفنٍّ مُلْفِتٍ نظر المهارةْ.

وصوابه: "لافت" لأن اسم الفاعل من الثلاثي لا يُصاغ إلا على وزن "فاعل" أما ملفت فاسم فاعل من الرباعي ألفت وهو فعل غير موجود في اللغة. ومما يشفع للشاعر في وقوعه في هذا الخطأ كونه من الأخطاء الشائعة التي لا تكاد يسلم منه كاتب أو شاعر في هذا العصر. وليس معنى ذلك أننا نبرره أو نرتضيه.

الثاني: خطأ دعت إليه ضرورة الوزن، ودليلنا على ذلك أن الشاعر نفسه قداستخدم هذا النوع من الأخطاء استخداماً صحيحاً في مواطن من شعره، وخاطئاً في مواطن أخرى. بل ربما جمع بين هذين النوعين من الاستخدام في بيت واحد. ولئن جاز مثل ذلك للشعراء فإنه لا يجوز للكتاب الذين لا تدعوهم الضرورة إلى استخدامه. وهوكثير في كتابات أبناء هذا العصر.

ومن ذلك قول علي:

صنفان بعض في الحضيض مُسَخَّرٌ

 

والبعض في الترف اللذيذ الهاني

وقوله:

أواه ما أظلم الأقدار تحرمني

 

والغير يرتع في خبات نعماكِ

وقوله:

أنتِ مثلي لا شَكَّ روحٌ وفنٌّ

 

لستِ كالغبرِ حفنةً من رمادِ

فهو في هذه الشواهد الثلاثة قد عرّف كلاً من كلمتي بعض وغير باللاّم، والصحيح أنهما لا يُعَرَّفانِ إلا بالإضافة إلى غيرهما من الأسماء:

أما قوله:

سائراً للخلودِ رغم العوادي

 

رغمَ حُسَّادِ فنه ولبابهِ

وقوله:

برغم الباطل اتحد اليهودُ

 

ورغم الحق تُقْصِمُنا الحدود

فقد استخدم كلمة رغم في البيتين دون أن يدخل عليها حرفاً من حرفي الجر اللذين لابدَّ من دخولِ أحدهما عليها، وهما الباء أو على.

الثالث: خطأ أسلوبي كقوله في إحدى رباعياته:

لنا في كل قُطْرٍ خافياتٌ

 

وكُتَّاب، مجلاتٌ، مدارسْ.

والشاهد في عطفه كلمتي مجلات ومدارس على كلمة "كُتّاب" دون أن يستخدم حرفاً من حروف ا لعطف. وهو أثر من آثار الترجمة الحرفية التي
دلفت إلى أساليب الشعراء والكتاب من اللغة الإنجليزية التي تجيز قواعدها ذلك.

...............

أما بالنسبة للشكل في شعر علي دمر فإن أول ما نلاحظه هو تمسكه بأوزان الشعر العربي القديم التي استقرأ قواعدها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعددها خمسة عشر بحراً زاد عليها الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة أحد تلاميذ سيبويه بحراً آخر سمّاه المتدارك. فأصبحت بحور الشعر العربي التي تناهت إلينا ستة عشر بحراً ولا تزال.

وانطلاقاً من هذا الإخلاص لتقاليد الشعر العربي فإن جميع ما أبدعه عليّ من قصائد ومقطوعات ورباعيات لا يخرج عن أحد هذه البحور أو ما يتفرع عنها من مجزوءات. وقد قمنا بإجراء عملية إحصاء دقيقة لما وقع بين أيدينا من شعر عليّ فتبين لنا أنه مُوزع على الأوزان التالية:

الرقم

البحر

عدد القصائد

عدد المقطوعات

عدد الرباعيات

1

البحر الخفيف

36قصيدة

4 مقطوعات

 

2

مجزوء الخفيف

3 قصائد

 

 

3

البحر البسيط

26 قصيدة

8 مقطوعات

5 رباعيات

4

البحر الطويل

19 قصيدة

4 مقطوعات

15 رباعيّة

5

البحر الكامل

19 قصيدة

مقطوعتان

رباعيّة واحدة

6

مجزوء الكامل

3 قصائد

 

 

7

البحر المتقارب

13 قصائد

 

 

8

البحر الرمل

7 قصائد

مقطوعة واحدة

 

9

مجزوء الرمل

8 قصائد

 

 

10

البحر الوافر

9 قصائد

 

60 رباعية

11

البحر المجتث

7 قصائد

3 مقطوعات

3 رباعيات

12

البحر المتدارك

قصيدة واحدة

 

 

13

مجزوء المتدارك

قصيدة واحدة

 

 

14

البحر الرجز

قصيدتان

 

 

15

البحر السريع

قصيدة واحدة

 

 

من هذا الجدول يتضح أن علي دمر قد قام بعزف ألحانه الشعرية على خمسة عشر وزناً من أوزان الشعر العربي مستخدماً كل ما أباحته قواعد العروض من زحافات مفردة أو مركَّبة، وعلل زيادة أو نقص، وضرورات شعرية مقبولة ومستساغة، كما لجأ إلى الالتزام بوحدة القافية في مائة وأربع وثلاثين من قصائده ولم ينوعها إلا في تسع عشرة قصيدة منها.

وقد ورد سبع وسبعون من قصائد عليّ ورباعياته ومقطوعاته مُصَرَّعة. أما التدوير فقد ورد في كثير من أبياته، وأكثر وروده في قصائده المنظومة على البحر الخفيف.

ولئن دل ما أسلفناه على شيء فإنما يدل على مايمتاز به شعر علي من ثراء موسيقي يجعل كثيراً منه صالحاً للغناء والتلحين.

والملاحظ أن شاعرنا قد عزف -فيما بين أيدينا من قصائده - عن النظم في خمسة من بحور الشعر هي: المديد والهزج والمنسرح والمضارع والمقتضب، كما تجنب استخدام المشطور والمنهوك من البحور. وعلي دمر ليس نسيجاً وَحْدَهُ في هذا؛ فإن الغالبية العظمى من الشعراءالقدامى منهم والمعاصرين قد كرهوا النظم في هذه الأوزان.

وإلى ذلك يرجع السر في ندرة القصائد التي أوردت منظومة على هذه الأوزان في ديوان الشعر العربي على مر العصور.

ولسنا نستبعد أن يكون علي قد نظم في كل هذه البحور أو بعضها فيما لم تصل إليه أيدينا من شعره.

لقد عُنِيَ عليّ بالموسيقا الداخلية في شعره بقدر ما عُنِي بموسيقاه الخارجية. وقد اعتمد في موسيقاه الداخلية على نوع من الإيقاع الداخلي الذي يتكرر بانتظام في تفعيلات البحور وما يضاف إليها من تقسيمات إيقاعية يولدها ورود المحسنات البديعية فيها واستخدام المناسب من الألفاظ التي تستدعيها المعاني.

أما في موسيقاه الخارجية فقد اعتمد على وحدة الوزن والقافية أحياناً أو تنوعها أحياناً أخرى، وعلى جودة الإلقاء والإنشاد.

وقد كفل هذا الأسلوب من أساليب الصياغة لقصائد عليّ أن تنفذ إلى قلوب المتلقين ومشاعرهم بسهولة ويسر.

لقد حرص عليّ على أن يعزف على قيثارة شاعريته مالا يتناهى من ألحان الشعر الأصيل وأنغامه في الوقت الذي جنح فيه كثير من المتشاعرين إلى التخلص النهائي من موسيقا الشعر وبحوره، وراحوا ينكبون على وجوههم في هُوَّةِ مايسمونه بالقصيدة النثرية التي يبرأ منها الشعر.

حقاً لقد كان علي دمر - طيب الله ثراه فارساً من فرسان الشعر العربي المعاصر الذين ثبتوا  في ميدان المعركة، وأبوا أن يترجلوا عن خيولهم ويسلموا الراية إلى المتآمرين على أصالة هذه الأمة وتراثها الأدبي النبيل.

وقد أصرّ أن يجعل من الأصالة والشفافية وعمق التجربة والإيمان بالحياة والتأمل العميق، والوقوف في وجه أعداء الأمة الذين يريدون مسخ شخصيتها والقضاء على هويتها منطلقات راسخة ينطلق منها في تصوير تجاربه الشعرية التي تشتمل عليها دواوينه كلُّها.

**

 



[1]) رعشات ص 13.

[2]) المصدر السابق، ص 41.

[3]) حنين الليالي: ص 12.

[4]) حنين الليالي، ص 17.

[5])المصدر السابق، ص  24 .

[6]) غيبوبة الحب، ص 39.

[7]) المصدر السابق، ص 46.

[8]) غيبوبة الحب، ص 125.

[9]) حنين الليالي، ص 56.

[10]) إشراق الغروب ص 26.

[11]) المصدر السابق ص92.

[12])

[13]) حنين الليالي، ص 23.

[14]) المصدر السابق، ص 110.

[15]) حنين الليالي، ص 35.

[16]) المصدر السابق، ص 44.

[17]) حنين الليالي، ص 104.

[18]) غيبوبة الحب، ص 94.

[19]) غيبوبة الحب ص 26.

[20]) غيبوبة الحب، ص 49.

[21]) رعشات ص 16.

[22]) رعشات ص 18

[23]) رعشات، ص 76.

[24]) حنين الليالي، ص 29.

[25]) حنين الليالي ص 24

[26]) حنين الليالي ص50

[27]) غيبوبة الحب  ص38.

[28]) حنين الليالي ص 117.

[29]) حنين الليالي ص 103.

[30]) المصدر السابق ص 59.

[31]) المصدر نفسه ص

[32]) المصدر نفسه ص 59.

[33]) المصدر نفسه، ص 101.

[34]) المصدر نفسه ص 101.

[35]) إشراق الغروب، ص 99.

[36]) حنين الليالي، ص 61.

[37]) حنين الليالي ص 97.

[38]) غيبوبة الحب، ص 119.

[39]) المصدر السابق ص 84.

[40]) رعشات ص 21.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244