|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:18 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الخاتمــة
من سياحتنا الطويلة مع شعر علي دمر في
الفصول السابقة يتبين لنا أن عليّاً شاعرٌ رومانسي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. لقد كانت الصلة التي تربطه بعصره صلة
صراع مستمر وجهاد متواصل، صلةً يطغى عليها الإحساس بالسخط على المجتمع، والشعور
بالغضب من موقفه منه. وقد انعكس ذلك في مضموناته الشعرية على اختلافها وتنوعها. وقد تجلت رومانسيته في عدم رضاه عن
الحياة، وفي قلقه من عالمه وما يمور به من أحداث، وفي حزنه المبرَّر، وإحساس
بالغربة الروحية والفعلية، وفي امتلاء نفسه بالعواطف الإنسانية الجيّاشة التي جعلت
من الحب والطبيعة والمثل العليا أهم ما نذر له شعره من موضوعات. وكان معتداً بذاته على الرغم من
إحساسه بالألم المرير الناجم عن الجفوة بينه وبين مجتمعه. وقد تمنى الموت كثيراً
في شعره إحساساً منه بأن السعادة في هذه الحياة غير دائمة، وأن الموت ليس إلا
انعتاقاً لعالم أجمل يصل بمتمنيه إلى العيش في عالم مثالي يختلف كل الاختلاف عن
هذا العالم المفعم بالقلق والحيرة والسأم والضياع والإحباط. كانت نفسية عليّ نفسيّة ثائرة لا تعرف
الهدوء، ناقمة لا تعرف الرضى؛ ولكنها مع ذلك تدعو إلى تحمُّل الحياة والكفاح من
أجل التخلص من آلامها في تسامٍ نبيل، يعلو على الاستسلام والرضوخ وتقبُّل المهانة
والذل والضيم والمعاناة، ويتمسك بكل ماهو سام ونبيل من القيم والمثل والسلوك. ومثلما أحب الرومانسيون الأوروبيون
العزلة عن الناس، ومالوا إلى الانطواء على أنفسهم، فقد تمنّى عليّ أن يقضي بقيَّة
عمره معتزلاً الناس في كوخه الشعري الذي أقامه في مزرعته متفرغاً لفنه وأدبه. وقد أمضى عليّ حياته متمرداً على
مجتمعه، متعالياً على المنحرفين الذين شوهوا وجه الحياة بأفكارهم وتصرفاتهم. وقد احتفظ بكبريائه وتعاليه حتى آخر
لحظة في حياته فلم يسخر شعره في سبيل سلطان جائر، أو حزب متنفذ، أو ثريّ بليد. وقد وقر في نفسه أنه لم يصل إلى ماوصل
إليه من خيبةٍ في المسعى، وابتعادٍ عن تحقيق طموحاته إلا لفساد المجتمع أو لأنه
ضحيّة من ضحايا القدر. وقد ظل طوال عمره متطلعاً إلى عالم
مثالي خلقه لنفسه،وأبدع في وصفه، وصوَّره لنا كما تخيلته أوهامه وأشواقه وخيالاته
دون أن يتمكن من العثور عليه أو العيش فيه. وبعد، فقد بقيت لنا كلمة حول المنهج
الذي ألزمت به نفسي في دراسة شعر عليّ. وفيما يتعلق بذلك أقول:إن بعض النقاد قد لا
يرضون عن هذا المنهج الذي ألزمت به نفسي في هذه الدراسة. وإلى هؤلاء أقول: إنني لم
أعمد إلى اختيار هذا المنهج إلا اعتقاداً مني بأنه أكثر المناهج ملاءمة لدراسة شعر
علي دمر. ولستُ أشك في أنني لو لجأت إلى تطبيق
مقاييس منهج آخر على شعر عليّ فإن شيئاً من الحيف -قلَّ أو كثر- سيلحق بهذا الشاعر
وشعره. إن الناقد المنصف -في زعمي- هو الذي يضع في حُسبانه خصائص
الشعر الذي يتصدى لدراسته قبل أن يفكر في اختيار المنهج الملائم لهذه الدراسة. ومهما يكن من أمر فإن بحثي هذا لن
يكون هو القول الفصل في دراسة شعر علي دمر -رحمه الله- لسببين: أولهما: أن هذه الدراسة لم تشمل كل ما
خلَّفه لنا علي من تراث شعري يفوق ما وقع منه في أيدينا بكثير. ثانيهما: إن أيِّ عمل إنساني -مهما
بذل صاحبه في سبيل إنجازه من جهد - فإنه لا يمكن أن يكون مُنَزَّهاً عن الأخطاء
والهفوات. ولكن يكفي صاحب هذا العمل أن يكون عمله خالصاً لوجه الله ثم وجه الحقيقة
والتاريخ. ولعل المقياس الأوحد الذي يمكن أن
يُقَوَّمَ به أيُّ عمل إنساني إنما ينحصر في الاطمئنان الذي يشعر به ضمير صاحبه
بعد أن يكون قداستنفد في إنجازه كل مالديه من قدرات. وبعد فإنني لستُ أدري إن كان قد سبقني
أحد في دراسة شيءٍ من شعر علي الذي مضى على انتقاله إلى جوار ربّه اثنا عشر عاماً
أو أكثر. ومهما يكن من أمر فإنني ألتمس من
اتحاد الأدباء والكتاب العرب - فرع حماة- إنْ لم يكن قد فعل- أنْ يُشَكِّل لجنةً
تُعْنَى بتتبع تراث عليٍّ الشعري منهُ والنثريّ، وجمعه من مظانِّ وجوده، والعمل
على نشره، وتكليف بعض الباحثين بدراسة جوانبه المتعددة وتقويمها، حتى لا تتعرض هذه
الآثار إلى ما تتعرض إليه آثار المبدعين من الأدباء والشعراء والمفكرين من إهمال
أو ضياع أو انتحال. ولعلَّ خَيْرَ ما أُنهي به هذه
الخاتمة هو قصيدتي التي رثيتُ بها صديق العمر علي دمر بعد أكثر من عام على رحيله. وقد نُشِرَتْ هذه القصيدة في 9/5/1986
في جريدة الأنباء الكويتية، كما احتلت المكان اللائق بها بين قصائد ديواني الثالث:
"الطريق إلى أرض ليلى". أين الذي ذاب وجدا؟!
الكويت في
20/04/1986 وبعد، فلستُ الشاعر الأوحد الذي قام
برثاء عليٍّ -رحمه الله- بل نهض بهذه المهمة عددٌ من أصدقائه ومريديه منهم
الأساتذة الأدباء سعيد قندقجي، وسليم بركات، ووليد قنباز، وعبد الرزاق الأصفر،
ومهدي الجندي، واسماعيل عامود، وسهيل عثمان، فقد ألقى هؤلاء كلمات بليغة ومؤثرة في
رثائه في الحفل الذي أقامه "اتحاد الكتّاب العرب" -فرع حماه- بمناسبة
انقضاء أربعين يوماً على وفاته. وقد ألقى الأستاذ الشاعر منذر لطفي في الحفل نفسه
مرثاة راوح فيها بين الشعر والنثر، كما ألقى الشعراء التالية أسماؤهم قصائد خالدة،
وهم الأساتذة: رضا رجب، وأنور الجندي، وعدنان قيطاز، وعبد الوهاب الشيخ خليل،
ومحمد حسن المنجد. جزاهم الله وجزاني عن الشاعر ووفائنا
له وَلِفَنِّهِ أفضلَ الجزاء. عمان- الجبل الأخضر 30-06-1997م. الدكتور
رجا سمرين . |