الأدب المقارن مشكلات وآفاق - الدكتور عبده عبّود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

2- 3- حول مؤتمر

"اللغة العربية وآدابها في جهود المستشرقين"‏

لقد تقاطروا من مختلف أرجاء الوطن العربي إلى عاصمة الشمال الأردني"إربد"، حيث التقوا في رحاب جامعة اليرموك، وقدّموا على امتداد ثلاثة أيام أبحاثاً ومداخلات في إطار موضوع هامّ هو"الاستشراق"، أو كما هو محدَد في الصياغة الرسمية: "اللغة العربية وآدابها في دراسات المستشرقين". إنه"مؤتمر النقد الأدبي الرابع"، الذي انعقد ما بين 6- 8/7/1992 بدعوة من قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك، وبمشاركة ما يربو على خمسين باحثاً ينتمون إلى أكثر من عشرين جامعة عربية. وفي إطار ذلك المؤتمر قُدِّم عدد كبير من البحوث التي عالجت جهود المستشرقين في مختلف الميادين المتعلقة باللغة العربية وآدابها، وبالتراث الحضاري العربي بصفة عامة، وأبرز تلك الميادين: تحقيق مخطوطات التراث العربي القديم، وكتابة تاريخ الأدب العربي، ودراسة الأدب العربي القديم وتفسيره، ودراسة التراث النقدي العربي القديم، ودراسة تاريخ اللغة العربية ومشكلات تطوّرها، وتأليف قواميس اللغة العربية، وترجمة الآثار العربية إلى اللغات الأجنبية.‏

محاور البحوث‏

من الملاحظ أنّ جهود المستشرقين المتعلقة بالأدب العربي القديم، تحقيقاً وتأريخاً وتفسيراً وترجمة، قد استحوذت على قسم كبير من أبحاث المؤتمر، وشكّلت المحور الأهّم لتلك الأبحاث. ففي هذا الإطار تندرج أبحاث الدكاترة: إحسان عبّاس(مناهج استشراقية في نقد النصوص العربية وتحقيقها) ، وهادي نهر(المستعربون وتحقيق التراث العربي) ، وعناد غزوان(المعلقات وجهود الاستشراق البريطاني) ، وحسين بيوض(دراسة المستشرق الألماني إيفالد فاغنر للشاعر أبي نواس) ، ومي أحمد يوسف(الجاحظ في كتابات المستشرقين) ، ومنجد مصطفى بهجت(صورة الشعر الأندلسي في أبحاث بالنتيا وغومس) ، ومحمود العلي(روكرت والمقامات) ، وفاضل تامر(الشعر الجاهلي في المنظور الاستشراقي لنظرية النظام اللغوي) ، وخليل عودة(جهود مكارثي في تحقيق ديوان ذي الرّمة) ، ومحمد إبراهيم حور(تحقيق نقائض جرير والفرزدق للمستشرق بيغان) ، ومجاهد مصطفى بهجت(شارل بلا وشعر الرياشي) ، وتركي المغيض(المعلقات العشر والمستشرقون الألمان) ، وبإمكان المرء أن يُلحق بهذا المحور تلك الأبحاث التي تدور حول جهود المستشرقين المتعلقة بالنقد العربي القديم ومكانته في تاريخ الأفكار النقدية في العالم. وفي هذا الإطار تدخل أبحاث الأساتذة: زياد الزعبي(الفلاسفة المسلمون وفنّ الشعر الأرسطي في دراسات المستشرقين الألمان) ، ونوري حمودي القيسي (الجرح والتعديل بداية لظهور النقد الأدبي عند العرب) ، وجميل نصيف التكريتي(الشعر والشعراء لابن قتيبة بين قراءتين) ، ووليام ستوتسر(نظرية وايل في العروض بين براعة الإبداع والتحيّز الخاطئ) ، وعبد الإله النبهان(غوستاف غروبناوم وآراؤه الأدبية) ، ومحمود درابسة(قضّيتان من النقد العربي القديم في دراسات المستشرقين الألمان) ، وإسماعيل عمايرة(مع المستشرقين في قراءة النصّ) .‏

أما المحور الثاني(أو الثالث) للأبحاث المقدّمة إلى المؤتمر فيتعلق بجهود المستشرقين في ميدان اللغة العربية، وتاريخها، وقاموسها، وبلاغتها، ومشكلاتها التطّورية، وعلى رأسها قضية الفصحى والعاميات، وفي هذا المجال قدمت أبحاث للدكاترة: أحمد مطلوب(منهج دروزي في المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب) ، وفيصل صفا(آراء استشراقية في خصائص العربية الفصحى) ، وحاتم صالح الضامن(جهود المستشرقين في تحقيق كتب اللغة والنحو والصرف) ، وأحمد قدور(مفهوم العربية المولدة عند يوهان فكّ) ، وغازي طليمات(ومضات وشبهات في دراسات المستشرقين اللغوية) .‏

ومن الممكن أخيراً أن يتبيّن المرء في أبحاث المؤتمر محوراً إضافياً يتمثل في الأبحاث التي تدور حول مسألة استقبال الأدب العربي الحديث في الأقطار الأوربية والغربية من خلال الترجمة الأدبية والتقديم النقدي. إلاّ أنّ هذا المحور قد اقتصر على بحثين هما: (دور الاستشراق الألماني في استقبال الأدب العربي الحديث في ألمانيا) لكاتب هذه السطور، و(تحليل المنهج النقدي في كتاب الرواية العربية لروجر آلن) للدكتور عيسى أبو شمسيه.‏

الاستشراق التقليدي‏

إنّ من يستعرض عناوين الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع يجد نفسه مضطراً لأن يتساءل: لم كل هذا التركيز على جهود المستشرقين المتعلقة بالتراث العربي القديم، أدبياً كان أم نقدياً أم لغوياً؟ أليس للمستشرقين جهود تتعلق بالأدب العربي الحديث، وباللغة العربية الحديثة، وبالنقد العربي الحديث؟ أم لهم جهود، ولكنّ تلك الجهود تعرّضت للتجاهل والإهمال من قبل الباحثين المشاركين في المؤتمر؟ إنّ الإجابة عن أسئلة كهذه تتطلب توضيح بعض الجوانب الإشكالية للاستشراق وتاريخه.‏

فمن المعروف أنّ القسم الأعظم من جهود المستشرقين قد انصبّت إلى وقت قريب على إخراج التراث الأدبي واللغوي والعلمي العربي إلى دائرة الضوء، وذلك من خلال تحقيق المخطوطات العربية القديمة ونشرها . ومما ساعد في ذلك حقيقة أن عدداً ضخماً من تلك المخطوطات موجودة في المكتبات والأرشيفات الغربية، مما جعلها في متناول المستشرقين أكثر مما هي في متناول الباحثين والمحققين العرب. وقد ترافق انصراف المستشرقين إلى التراث العربي القديم مع موقف فكري يتمثل في أن السواد الأعظم من المستشرقين كان يعتبر العرب أمّة أنجبت حضارة قديمة مزدهرة، ولكنها لم تنجب حضارة حديثة تنطوي على إنجازات تستحق الاهتمام. لقد كان التعامل الاستشراقي مع التراث العربي تعاملاً مع تراث ميّت، لا مع تراث أبدعته أمّة لم تزل حيّة، لها حاضر مليء بالتحديات، تتطّلع إلى مستقبل كريم.أضف إلى ذلك حقيقة أنّ المستشرقين، كسائر الناس، أشخاص لهم مصالحهم ومواقفهم الفكرية وميولهم الأيديولوجية التي لا يمكن أن يدرسوا التراث العربي بمعزل عنها، ولا يجوز لأحد أن يوهم نفسه أنّ ذلك ممكن أصلاً. ولذا كان من الطبيعي أن تختلف رؤية المستشرقين للتراث العربي عن رؤية الباحثين العرب لهذا التراث. وقد شكلت هذه الأمور مصدر شكّ وتوجس واتهام وغير ذلك من المواقف السلبية التي طبعت علاقة المستشرقين بزملائهم العرب، الذين انبرى عدد كبير منهم للتنديد بالاستشراق وتوجيه إصبع الاتهام إليه، واعتباره طابوراً خامساً، أو جيش احتلال رديفاً يعمل لصالح الدوائر الاستعمارية والصهيونية. وقد أدّى هذا الموقف الاستشراقي المشدود إلى الماضي إلى إعراض هذا الاستشراق عن الثقافة العربية الحديثة وتجاهلها عن قصد أو دون قصد، وبالتالي إلى التقصير في استيعابها وتقديمها للرأي العام الغربي، الذي انتشرت فيه صورة مشوّهة عن العرب. كما كان من نتائج هذه الحال ترك الباب مفتوحاً أمام المغرضين والمتطفلين ليتلاعبوا بالرأي العام الغربي والعالمي لغير صالح العرب. وخير مثال على ذلك الصحفيّان الألمانيّان(بيتر شولاتور) و(جيرهارد كونتسلمان) ، اللذان قاما، من خلال كتبهما الرائجة، وبرامجهما التلفزيونية المضلّلة، بدور خطير في نشر صورة مليئة بالدسّ والتشويه والقوالب الجاهزة. فلو لم يكن الاستشراق الألماني مقصّراً في دراسة المجتمع والثقافة العربيين والتعريف بهما، لما تمكّن أشخاص مشبوهون كالصحافيين السابقي الذكر من أداء أدوار مؤذية كهذه.(1)‏

إلاّ أن هذا النقد الذي نوجّهه إلى الاستشراق لا يعفي الطرف العربي من تحمّل مسؤولية ما جرى في الساحة الاستشراقية. فإحياء التراث العربي، وتعريف العالم بالثقافة العربية، ونشر اللغة العربية في صفوف الأجانب، وكتابة تاريخ الأدب العربي، ودراسة اللغة العربية وتشخيص مشكلاتها، هي أمور تقع مسؤوليتها على عاتق الطرف العربي في المقام الأول، لا على عاتق المستشرقين. ولذا فإنّ اللوم على كل تقصير يقع في هذه المجالات، والتقصير كبير جداً، ينبغي أن يوجّه إلى الجانب العربي مُمثلاً بعلماء اللغة والأدب والتاريخ، ولا يجوز أن يتحوّل الاستشراق إلى مشجب نعلق عليه ذلك الجانب من مشكلاتنا، وإلى كبش فداء ننحره تكفيراً عن خطايانا، وذريعة نبرر بها تقصيرنا بحق ثقافتنا ومجتمعنا. أمّا المستشرقون فيجب أن يشكر لهم أولاً اهتمامهم بالثقافة العربية، ويشكرون شكراً مضاعفاً إن هم أدّوا خدمة لتلك الثقافة. أمّا إذا قصّروا أو أخطؤوا فإنهم لا يلامون على ذلك، لأنّ المهمة التي ندبوا أنفسهم لها هي في الأصل مهمة عربية.‏

الاستشراق المعاصر‏

وفي كل الأحوال فإنّ النقد الموجّه إلى الاستشراق قد فقد في المرحلة الأخيرة القسم الأكبر من موضوعه ومسوغاته. فقد ظهر في هذه الأثناء جيل جديد من المستشرقين الذين سئموا التعامل مع الثقافة العربية كثقافة قديمة ميتة، واتجهوا نحو الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، وأخذوا يتعاملون مع التراث العربي بمناهج حديثة. وقد حدد هذا الجيل لنشاطاته وجهوده أولويات تختلف بصورة جذرية عن أولويات الاستشراق القديم. أمّا مراكز ثقل الجهد الاستشراقي الجديد فأبرزها:‏

1- الترجمة الأدبية: فقد ترجم هؤلاء المستشرقون الشباب عدداً لا يستهان به من الأعمال الأدبية العربية الحديثة إلى لغاتهم، وكانت لهم على هذا الصعيد إنجازات تستحق التقدير والإعجاب. ومن باب التمثيل لا الحصر نذكر أنّ المستشرقة الألمانية الدكتورة دوريس كيلياس(Doris Kilias) قد نقلت إلى الألمانية عشرين عملاً أدبياً حديثاً، من بينها ثلاثية نجيب محفوظ بأجزائها الثلاثة. وترجم المستشرق الألماني الشابّ الدكتور هارتموت فهندريش(Hartmut Fahndrich) عدداً كبيراً من الأعمال الروائية والقصصية العربية الحديثة إلى الألمانية، وضرب بذلك رقماً قياسياً، لا في كمية الترجمات الأدبية فحسب، بل في جودتها أيضاً. إنّ هذه الترجمات الأدبية تعرّف العالم الخارجي بأدبنا الحديث، وبصورة غير مباشرة بواقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، وتساهم في تشكيل صورة العرب في الرأي العامّ العالميّ، وتؤمّن للأدب العربي مكانة عالمية. فما من أدب، مهما كان متطوراً من النواحي الجمالية والفكرية، يستطيع أن يدخل دائرة العالمية ما لم يترجم إلى اللغات الأجنبية، وما لم يستقبل خارج حدود بلاده. ومن الأمور المؤكدة أنّ الاعتراف العالمي الذي حظي به الأدب العربي الحديث في الأعوام الأخيرة، وهو اعتراف عبّر عنه منح جائزة نوبل للآداب عام 1988 للأديب العربي المصري نجيب محفوظ، ما كان ليتمّ لولا الجهود الترجمية الدؤوبة التي بذلها هذا الجيل الشاب من المستشرقين. ولا جدال في أنّ أي تجاهل لما قام به هؤلاء المستشرقون على صعيد ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغات الأجنبية هو جحود كبير أو تعبير عن جهل بالمصلحة الثقافية العربية.‏

2- أمّا المحور الثاني للجهد الاستشراقي الحديث فهو التعريف بالأدب العربي من خلال الدراسات النقدية والتفسيرية والتاريخية. وعلى هذا الصعيد أيضاً أنجز الجيل الجديد من المستشرقين الشيء الكثير. وقد عرض الدكتور عيسى أبو شمسية واحداً من تلك الجهود في بحثه المتعلق بكتاب روجر ألن"الرواية العربية". ومن الدراسات النقدية الأجنبية الهامة حول الأدب العربي الحديث دراسة"صورة الأوروبيين في الأدب القصصي والمسرحي العربي الحديث"للمستشرقة الألمانية روتراود فيلا ندت(Rotraud Wielandt) ، وهي دراسة رائدة، تستحق أن تترجم إلى العربية. إنّ هذا النوع من الجهود الاستشراقية بالغ الأهمية. فهو يثير اهتمام الرأي العام الأجنبي بالأدب العربي، ويساعد في تقوية مكانته العالمية، ناهيك عن أنه يساهم في توضيح القضايا الفنية والفكرية والتاريخية لهذا الأدب. وفي هذا الإطار لابدَ من التنويه بالجهود النقدية الصحفية التي بذلها بعض المستشرقين، وتتمثل في كتابة مراجعات للصحافة والإذاعة حول الإصدارات الجديدة المتعلقة بالأدب العربي. "علينا أن نعوّد القارئ العادي على أن يلاحظ الأسماء العربية، علينا أن نسعى للتوصل إلى تأثير أوسع."، كما تقول المترجمة والناقدة الألمانية دوريس كيلياس في رسالة موجهة إلى كاتب هذه السطور بتاريخ 3/7/1992. ولذلك ما انفكت هذه المستشرقة تكتب في الصحافة وفي الدوريات عن الأدب العربي الحديث. وهذا ما يفعله عدد من زملائها، ولا سيما هارتموت فيهندريش، الذي يعد برامج إذاعية وتلفزيونية عن كبار الأدباء العرب المعاصرين، إلى جانب ممارسته للترجمة الأدبية عن العربية.‏

3- وأخيراً فإن هذا الجيل الجديد من المستشرقين يبذل جهوداً علمية وتعليمية جديرة بالاهتمام في الميادين المتعلقة باللغة العربية الحديثة، حيث يقومون بتأليف الكتب والمراجع التعليمية التي تعرض قواعد هذه اللغة وقاموسها لدارسيها ومتعلميها من طلاب الدراسات الشرقية وغيرهم من المتعلمين(2) ، كما يؤلفون القواميس الثنائية اللغة وكتب النصوص والمختارات. وقد شهدت حركة تأليف كتب تعليم العربية للأجانب وغيرها من المواد التعليمية التي يضعها المستشرقون تطوراً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة، وتأسست في كثير من الأقطار الغربية جمعيات لمدرسي اللغة العربية، تسعى لتطوير طرائق تدريسها للأجانب. إن الجهود الكبيرة التي يبذلها المستشرقون الشباب في هذا المجال، تساهم في نشر اللغة العربية في الخارج، وفي تعزيز المكانة الدولية لهذه اللغة. ولذا يجب أن تكون تلك الجهود موضع ترحيب ورعاية عربيين.‏

موقفان من الاستشراق‏

إلا أن جهود الجيل الجديد من المستشرقين لم تحظ باهتمام مناسب في الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع، التي انصب القسم الأعظم منها على عرض جهود المستشرقين القدماء ونقدها. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها عدم إجادة اللغة الأجنبية من قبل بعض الباحثين، مما جعلهم غير قادرين على متابعة ما يستجد في الساحة الاستشراقية. فمتابعة الجهود الاستشراقية تتطلب من الباحث العربي إجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، هي لغة الاستشراق الذي يكتب عنه. فكيف يستطيع المرء أن يقوم جهود مستشرق ألماني إذا كان لا يجيد اللغة الألمانية، ولا يستطيع الرجوع إلى مؤلفاته بلغتها الأصلية؟ وبالطبع فإن إجادة اللغة الأجنبية لا تكفي وحدها لمتابعة جهود المستشرقين في قطر ما، بل من الضروري أن يكون الباحث العربي قادراً على الوصول إلى المراجع والمصادر الاستشراقية التي تصدر في ذلك القطر، من كتب ودوريات. ولقد أظهرت البحوث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع قصوراً كبيراً على صعيد متابعة الجهود الاستشراقية، ولا سيما الحديث منها، مما جعل تغطية تلك الجهود مبعثرة وجزئية، لا تقدم صورة وافية ودقيقة عن الاستشراق وأوضاعه واتجاهاته ومشكلاته.‏

إلا أن الأهم من ذلك هو المواقف الفكرية والنفسية(الأيديولوجية) من الاستشراق التي تنطوي عليها البحوث المقدمة إلى المؤتمر. وبهذا الخصوص يستطيع المرء أن يتبين موقفين رئيسين هما:‏

1- موقف معاد للاستشراق وكل ما يصدر عنه ويأتي به. إن ممثلي هذا الموقف ينسبون إلى المستشرقين مصالح وأهدافاً ونوايا خبيثة مشبوهة معادية للعرب والمسلمين، ويرون أن الهدف الحقيقي للاستشراق هو تقويض الهوية الثقافية العربية الإسلامية، وتشويه الحضارة العربية الإسلامية، خدمة للاستعمار والصهيونية ومؤامراتهما المستمرة على العالمين العربي والإسلامي. إنّ هذا الموقف يدفع أصحابه إلى تسقط أخطاء المستشرقين وعثراتهم، وإلى تفسيرها بصورة تخدم الموقف المسبق. ويتجاهل أصحاب هذا الموقف إنجازات المستشرقين والخدمة التي أدّوها للثقافة العربية في ميادين إحياء التراث العربي عبر تحقيقه ونشره، وتعريف العالم بالعرب وحضارتهم.ومن الملاحظ أنّ أشدّ الباحثين العرب معاداة للاستشراق هم أولئك الذين لا يعرفون الاستشراق عن كثب، بسبب عدم إجادتهم لغات أجنبية، وبالتالي عدم قدرتهم على الرجوع إلى مؤلفات المستشرقين ودراستها في لغاتها الأصلية.ولتعويض هذا النقص فإنهم يلجؤون إلى مؤلَّف استشراقي مترجَم إلى العربية، فيقرؤونه بطريقة تنسجم مع موقفهم المعادي للاستشراق، ويجدون فيه ما يعرفونه مسبقاً من توجّهات استعمارية أو شعوبية خبيثة ، وقلّ أن نجد بين ممثلي هذا الاتجاه من اطلع على إحدى الثقافات الأجنبية. ولذا نجدهم غير قادرين على معرفة الدور الذي يمارسه المستشرقون داخل مجتمعاتهم على صعيد التعريف بالثقافة العربية عبر الترجمة الأدبية والدراسات النقدية وتعليم العربية للأجانب. وباختصار فإنّ الاستشراق في نظر أصحاب هذا الموقف شرّ كلّه، ولا مجال لأن يرى المرء فيه أيّ جوانب أو عناصر إيجابية.‏

ومن الناحية العملية فإنّ هذا الموقف المعادي للاستشراق يُلحق بالمصلحة الثقافية العربية ضرراً فادحاً. فهو يعادي فئة من الباحثين والمترجمين والمحققين والنقاد الأجانب، الذين يمثلون في الواقع جسراً بين الأمة العربية وبين الأمم الأخرى، وبين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية. إنّ هذه النزعة الانعزالية قد ظهرت واستمرّت في زمن باتت فيه الأمة العربية بأمسّ الحاجة إلى التواصل الثقافي المتوازن مع العالم. كما لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنّ التيار المستند إلى الموقف الآنف الذكر هو تيار متعصّب، والتعصّب ينطوي بالضرورة على نزعة تسلطية، لا تحاور الآخر بطريقة موضوعية، ولا تستوعب مواقعه الفكرية، بل ترفضها سلفاً، وتهاجمها وتصفها بأنها"متهافتة" و"فاسدة" و"مشبوهة" و"خبيثة" و"شعوبية" إلى آخر تلك النعوت العدوانية. ولذا لابدّ من اعتبار هذا التيار تياراً غير ديمقراطي، يمارس الإرهاب الفكريّ بدلاً من أن يمارس الحوار والتواصل الفكري السليم الذي يقوم على احترام الرأي الآخر واستيعابه والتعامل معه بموضوعية.‏

2- ولحسن الحظّ فإنّ ممثلي التيار الانعزالي السلفي المعادي للاستشراق كانوا، على كثرتهم، أقليّة في مؤتمر النقد الأدبي الرابع. أما أغلبية الباحثين المشاركين في المؤتمر فقد تكوّنت من باحثين مجيدين للغات الأجنبية، منفتحين على الثقافات الأجنبية، إلى جانب إجادتهم للغتهم الأمّ وإحاطتهم بعلومها وآدابها. إنهم أشخاص درسوا في الجامعات العربية والأجنبية، وتعرّفوا إلى الجهود الاستشراقية بصورة مباشرة عبر لغاتها الأصلية، فأصبحوا مؤهلين لاستيعابها وتقييمها بموضوعية. ونظراً لأنهم قد عايشوا المجتمعات الأجنبية فترات طويلة، فإنهم باتوا قادرين على أن يدركوا أهمية الدور الذي يضطلع به المستشرقون في التعريف بالعرب وثقافتهم ولغتهم. إلاّ أنّ ذلك لم يدفع هؤلاء الباحثين إلى الانبهار بالجهود الاستشراقية، وتبني مواقف المستشرقين من الثقافة العربية بقضها وقضيضها، وإغفال عثرات هؤلاء وانحرافات بعضهم. وهم يرفضون أن يؤخذ الصالح من المسشرقين بجريرة الطالح منهم، وأن تعمَّم بعض الحالات الاستشراقية على الاستشراق برّمته. فـ(سبيتا) و(غولد تسيهر) و(غروبنام) ليسوا الاستشراق. وإلى جانب هذه الأسماء ثمّة أسماء أخرى لمستشرقين قدّموا للأمّة العربية خدمة ثقافية لا تقدّر بثمن مثل: كاتارينا مومسن، وزيغريد هونكه، وأنيماري شيميل، ومكسيم رودونسون، وشتيفان فيلد، وهارتموت فهندريش وأنجيليكا نويفيرت، ودوريس كيلياس، وغيرهم. إنّ تجاهل ما أنجزه هؤلاء الأصدقاء الأوفياء ينطوي على تنكّر جاهل وغبيّ لأصدقاء الثقافة العربية ومحبّيها. ويرفض التيار المنفتح المتنور من الباحثين العرب أن يتعامى عن التطورات الجارية داخل الساحة الاستشراقية، وهي تطوّرات تأخذ شكل صراع بين جيل قديم من المستشرقين، يمارس العمل الاستشراقي بالصورة التقليدية، مديراً ظهره للثقافة العربية الحديثة، وبين جيل المستشرقين الشباب المهتمّين بتلك الثقافة العاملين على إدخال المناهج والاتجاهات الحديثة في العلوم الإنسانية إلى الدراسات الاستشراقية. ويعي ممثلو تيار الانفتاح حقيقة أنّ العرب بحاجة ماسّة إلى أصدقاء وحلفاء داخل المجتمعات الغربية، أي إلى أشخاص يحيطون بالثقافة العربية ويقدّمونها لأبناء قومهم من خلال الترجمة والدراسات والإعلام وتدريس العربية، وتلك مهمّات لا يمكن الاستغناء في إنجازها عن جهود المستشرقين. فبدون تلك الجهود لا يمكن أن يعرف العالم شيئاً عن لغة العرب وأدبهم وحضارتهم.‏

لقد أظهر مؤتمر النقد الأدبي الرابع تنامي تيار الانفتاح على العالم والتواصل معه ثقافياً من موقع الكفاية والندية، بعيداً عن مركبات النقص الجماعية القديمة، وعن نظرية"المؤامرة" الشهيرة الواسعة الانتشار، التي تنسب كل ما تعانيه المجتمعات العربية من تخلف وهزائم وفشل إلى مؤامرة خارجية، وتتجاهل عوامل الضعف والانحطاط الموجودة داخل تلك المجتمعات. ومن المؤكد أن تنامي تيار الانفتاح والتواصل، وانحسار تيار الانعزال والتقوقع، أمر إيجابي. فنحن نعيش على عتبة القرن الحادي والعشرين في عالم حولته العلاقات الدولية الكثيفة إلى"قرية كونية"، ولابد لنا من أن نتعامل بجدارة وكفاية مع هذا الواقع، وأن نضمن لثقاتنا مكاناً لائقاً ضمن الثقافة العالمية المعاصرة، ولأدبنا مكاناً لائقاً ضمن الأدب العالمي المعاصر. وهذا لا يتم إلا عبر التواصل مع الآخر والتفاعل معه. أما الانعزالية فتنطوي على خطر مميت يتهدد الطرف الانعزالي نفسه، وهذا مصير لا نرضاه لأمتنا.‏

وبعد‏

فقد كان مؤتمر النقد الأدبي الرابع مسرحاً لصراع فكري حاد بين التيارين السالفي الذكر، وهو صراع لم يحسم، وليس المهم أن يحسم، بل أن يمارس بصورة متحضرة، وهذا ما تم. وإذا كان الفضل في ذلك يرجع إلى النضج الفكري الذي أبداه المشاركون في المؤتمر، فإنه يرجع أيضاً إلى الجهة التي نظمت هذا المؤتمر ووفرت له فرص النجاح. لقد شكل هذا المؤتمر مناسبة لإعادة النظر في موقف تجاوزته التطورات والمعطيات الجديدة، وجعلت إعادة النظر فيه ضرورة ملحة، ألا وهو الموقف العربي من الاستشراق. والمهم الآن أن تستمر هذه المراجعة، لتفتح الطريق إلى حوار هادئ وموضوعي بين العرب والاستشراق، يكون مقدمة لإزالة الترسبات القديمة، وفتح آفاق جديدة من التفاهم والتعاون بين الطرفين.‏

هوامش وإحالات‏

(1) راجع بهذ الخصوص:‏

Gernot Rotter: Allahs Plagiator. Die publizistischen Raubzüge des "Nahostexpeten" Gerherd Konzelmann. Heidelberg: Palmyra, 1992.‏

في هذا الكتاب فضح المستشرق الألماني المعروف جيرنوت روتر"حملات النهب" الفكري التي مارسها"خبير الشرق الأوسط" المزعوم جيرهاردكونتسلمان، الذي عمل مراسلاً للتلفزيون الألماني في الشرق الأوسط فترة طويلة، وكتب عدة كتب رائجة عن العالم العربي، وشكل صورة العرب في الرأي العام الألماني أكثر من أي شخص آخر. إلا أن كونتسلمان كان جاهلاً في الشؤون العربية، ولا يعرف اللغة العربية، ولم يدرس التاريخ العربي، ولذا فإن كلّ ما جاء في كتبه عن العالم العربي كان مسروقاً بصورة حرفية في كثير من الحالات. وقد أحدث كتاب الأستاذ الدكتور روتر هزة قوية في الرأي العام الألماني، مما اضطر"خبير الشرق الأوسط" المزيف إلى الاستقالة من منصبه في التلفزيون الألماني وإلى دفع تعويض مالي كبير للمستشرق الذي سطا على مؤلفاته العلمية.‏

(2) من أشهر مراجع تعليم العربية في الأقطار الناطقة بالألمانية:‏

- Wolf -Dietrich Fischer / Otto Jastrow: Lehrbuch der modernen arabischen Schriftsprache.‏

- Gunther Krahl / Wolfgang Reuschel / Eberhard Schulz: Lehrbuch des modernen Arabisch. LeipzIg / München, 1995‏

وهناك كتب تعليمية كثيرة أخرى، جامعية وغير جامعية. كذلك فإن عدد القواميس الثنائية اللغة(عربي- ألماني وألماني- عربي) قد تطور خلال الأعوام الأخيرة بشكل سريع، مما يسر لمتعلمي اللغة العربية من الناطقين بالألمانية وسائل معينة جديدة لتعلم العربية. ولا نظن أن الوضع في الأقطار الأوروبية والغربية الأخرى مختلف كثيراً عن الوضع في ألمانيا. وغنيّ عن الشرح أن هذا التقدم ما كان ليحصل لولا جهود الجيل الجديد من المستشرقين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244