|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:20 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
3- 2- تلقي الآداب الأجنبية في الوطن العربي الأدب الألماني نموذجاً الأدب المقارن ونظرية التلقي لئن كان الأدب المقارن، وفقاً لمفهومه أو صيغته التقليدية، هو ذلك العلم الذي يدرس علاقات التأثير والتأثر، أو عمليات التبادل الأدبي التي تنشأ بين أدب قومي وأدب قومي آخر، أو بينه وبين مجموعة من الآداب القومية، فإنّ الصيغة الأقلّ تقليدية لذلك العلم هي تلك التي ترى فيه علماً يبحث في العلاقات الاستقبالية التي تقوم بين آداب قومية مختلفة. ومن المعروف أنّ ذلك المفهوم الذي صعد بصعود نظرية التلقي الأدبي في أواخر الستينات من هذا القرن انطلاقاً من ألمانيا، (1) قد تقادم بدوره، وأصبح في حكم التقليدي إثر ظهور اتجاهات مقارنية تعتمد على نظريات أكثر جدّة، كنظرية التناصّ(Intertextualitat) والسيميائية(Semiotik) والتفكيكيّة(Dekunstriuktion) وغيرها من الاتجاهات النظرية التي برزت في ساحة الدراسات الأدبية والنقدية في المرحلة الأخيرة، وانتقلت إلى ساحة الأدب المقارن. إلاّ أننا نرتكب خطأ جسيماً إذا نظرنا إلى العلاقة بين تلك الاتجاهات على أنها علاقة نفي(Negation)، بمعنى أنّ كلّ اتجاه مقارني ينفي الاتجاهات التي سبقته، على نمط ما فعل رائد النقد الجديد(New Criticim) ، رينيه ويليك في أواسط الخمسينات في محاضرته الشهيرة"أزمة الأدب المقارن"، عندما سعى لأن يلقي بالمدرسة الفرنسية التقليدية في مزبلة تاريخ الأدب المقارن،(2) وهذا ما لم يتحقق، لأنّ الأمور ليست بالبساطة التي نتصورها أو نتمناها. ولكنّ تاريخ الأدب المقارن وتاريخ أيّ علم آخر ليس مجرد مزبلة، ناهيك عن أنّ الاتجاهات العلمية، أي المقارنة في الحالة التي نحن بصددها، ليست مجرّد زبالة أو"خردة" نتخلص منها. فالشكل الأسلم للعلاقات بين الاتجاهات المقارنية هو أن تكون العلاقة بين الاتجاهات اللاحقة أو المحدثة وبين الاتجاهات السابقة أو التقليدية علاقة"محافظة"، حسب تعبير هيجل، لا علاقة"نفي"، أي أن تسعى الاتجاهات الجديدة للمحافظة على ما في الاتجاهات القديمة من عناصر ولحظات صحيحة وحقيقية. وما نقوله هنا ليس دعوة إلى"التوفيق" أو"التكامل"، ولا إلى"التلفيق"، بل هو دعوة إلى الاستمرارية والتراكم ، اللذين يكمن فيهما سرّ التقدم العلمي والمعرفي . ونقول ذلك ايضاً لغاية في نفس المؤلف، ألا وهي الوصول إلى أنّ المنحى الاستقبالي في الدراسات المقارنة لم يكن منحى طارئاً، او تقليعة نظرية، بل كان اتجاهاً مقارنياً أعطى تلك الدراسات الشيء الكثير، ولم يزل قادراً، إذا ما استخدم بكفاءة على أن يضيء المزيد من جوانب العلاقات الابداعية التي تنشأ بين آداب قومية مختلفة، وبين أدباء ينتمون إلى تلك الآداب(3) وما الدراسات التي أنجزتها خلال الأعوام الأخيرة إلا مساع وخطوات في ذلك الاتجاه(4) . لا أود أن أقدّم في هذه المساهمة ملخصاً لتلك الدراسات ولما توصلت إليه فيها من نتائج، فالأبحاث منشورة، وبوسع كل مهتم أن يرجع إليها. إلاّ أنني أودّ أن أوضح مسألة أساسية، ألا وهي أنني قد سعيت من خلال دراسة تلقي الأدب الألماني عموماً، والرواية والقصة الألمانيتين على وجه الخصوص، إلى تسليط الأضواء على جانب هامّ من جوانب حياتنا الأدبية والثقافية، وإلى إظهار العوامل والقواعد التي توجّه حركة تلقي الآداب الأجنبية عموماً، والأدب الألماني خصوصاً، في العالم العربي. فقد مثل ذلك الاستقبال على امتداد التاريخ الثقافي العربي عامل تطوّر وتجديد وازدهار للأدب العربي. وفي كلّ مرحلة كان العرب ينفتحون فيها على الآداب الأجنبية ويستقبلونها بصورة مناسبة، مثلما حدث جزئياً في العصر العباسي وفي عصر النهضة العربية الحديثة، كان ذلك الاستقبال مصدر تجديد وتطوير للأدب العربي مضمونياً وجمالياً. أمّا في تلك الفترات والمراحل من تاريخ الثقافة العربية، التي تقوقع فيها العرب على أنفسهم ثقافياً، وأحجموا عن استقبال الآداب الأجنبية والتفاعل معها لهذا السبب أو ذاك،(وهي فترات مديدة لبالغ الأسف) ، فقد كان الأدب العربي ينحدر إبّانها ويتخلّف ويصبح فقيراً في مضامينه وأشكاله الفنيّة. إنّ دراسة تاريخ الأدب العربي، قديمه وحديثه، تدلّ بما لا يدع مجالاً للشكّ على أنّ انفتاح هذا الأدب على الآداب الأجنبية، وتلقيه دفعاً فكرياً وجمالياً منها، قد شكّل مصدراً أساسياً لظهور أجناس أدبية واتجاهات فنية وفكرية جديدة فيه. إننا لا نقول ذلك من باب المبالغة في تقدير أهمية الدور الذي مارسه انفتاح الأدب العربي على الآداب الأجنبية، بل من قبيل تقرير حقيقة موضوعية بوسع كلّ دارس للأدب العربي وتاريخه أن يستخلصها. ونقول ذلك أيضاً من باب الردّ على دعوات العزلة الثقافية، التي تطفوا على سطح المجتمع العربي من حين لآخر، بحجة المحافظة على الهوية الثقافية العربية الأصيلة. فالتقوقع الثقافي والأدبي لا يحافظ على هويّة ولا أصالة، بل يؤدي إلى تدهور الثقافة المتقوقعة وانحطاطها. أمّا الثقافة الحية الأصيلة فهي الثقافة المتطوّرة المتجددة، التي لا تجد حرجاً في التفاعل مع الثقافات الأخرى،وفي تعريض نفسها للمقارنة والموازنة مع تلك الثقافات. إنّ النعامة التي تدفن رأسها تحت جناحها أو في الرمل لا تنجو من الصياد. وتلك هي أيضاً حال الثقافات والآداب. وما يقال عن تلقي الآداب الأجنبية من قبل العرب يمكن أن يقال أيضاً عن تلقي الأدب العربي من قبل الأمم الأجنبية. ألم تستفد تلك الأمم مما لدى العرب من إنجازات أدبية؟ إنّ الدراسات المقارنة تدلّ على أنّ ذلك قد تم، سواء من قبل شعوب العالم الإسلامي، أم من قبل الشعوب الأوربية والغربية. (5) وليس هناك مجال للشكّ في أنّ تلك الأمم. شرقية كانت أم غربية، قد تفاعلت مع الأدب العربي وتأثرت به فنياً وثيماتولوجياً وفكرياً. خصوصية مفهوم التلقي ومترتباته وعندما نتحدث عن تلقي الآداب الأجنبية لابدّ لنا من وقفة توضيحية نقفها أمام مفهوم"التلقي الأدبي" نفسه، باعتباره المفهوم المفتاحي والأداة المعرفية المركزية التي يقوم عليها هذا النوع من الدراسات الاستقبالية. فمن المعروف أن تلقي العمل الأدبي الأجنبي يختلف اختلافاً جذرياً عن تلقي العمل الأدبي المحلي. إنّ المتلقي، عادياً كان، كالقارئ أو المشاهد، أم محترفاً، كالناقد أو الأديب، الذي يتلقى عملاً أدبياً محلياً، يتلقاه مباشرة، ودون أن يحتاج بالضرورة إلى وسيط. فالدورة التي يقوم بها العمل الأدبي المحلي تتكون من ثلاث حلقات هي: 1- الإنتاج أو الإبداع 2- النشر أو الإيصال 3- التلقي أو الاستقبال بأنواعه الثلاثة: العاديّ والنقديّ والمنتج. أمّا دورة العمل الأدبي الأجنبي فهي أكثر تعقيداً، وهي تتكون من الحلقات التالية: 1- الإنتاج أو الإبداع بلغة المصدر، أي باللغة الأصلية للعمل الأدبي؛ 2- الإيصال أو النشر بلغة المصدر أيضاً؛ 3- الاستقبال أو التلقي بلغة المصدر من قبل المتلقين الناطقين بتلك اللغة؛ 4- الترجمة من لغة المصدر إلى لغة الهدف، أو الولادة الإبداعية الثانية للعمل الأدبي؛ 5- إيصال العمل الأدبي المترجم ونشره بلغة الهدف؛ 6- تلقي العمل الأدبي الأجنبي المترجم بلغة الهدف من قبل المتلقين الناطقين بتلك اللغة، وهو تلقٍ متعدد الصور، أي عادي ونقدي وإنتاجي. إنّ هذه الحلقات الستّ كلها ينبغي أن تكون ماثلة في أذهاننا عندما نتحدث عن استقبال العمل الأدبي الأجنبي. فهو استقبال له خصوصيته التي تميّزه عن استقبال عمل أدبي من الأدب القومي. وتستدعي تلك الخصوصية من الباحث أن يهتمّ بمسألتين أساسيتين هما: 1- الترجمة الأدبية، ومدى جودتها وتناظرها مع العمل الأدبي الأصلي، وما تنطوي عليه تلك الترجمة من توجّهات فكرية أو فنية- أسلوبية، ترجع إلى تكوين المترجم وأفقه الفكري والأدبي.(6) 2- المتلقون الجدد، الذين لم يُكتب العمل الأدبي في الأصل من أجلهم ولم يكن موجّهاً إليهم. وهؤلاء المتلقون، عاديين كانوا أم محترفين، لهم أفق واهتمامات وتكوين تجعلهم مختلفين بالضرورة عن متلقي العمل الأدبي في لغته الأصلية. ومن المؤكد أنّ ذلك الاختلاف سينعكس على تلقي العمل الأدبي الأجنبي إقبالاً أو إعراضاً، فهماً أو إساءة فهم، تأثراً إبداعياً أو عدم تأثر.(7) إذا انطلق المرء من مفهوم التلقي الأدبي السابق الذكر يصبح من واجبه أن يقدّم إجابات عن أسئلة جديدة مثل: 1- لماذا اختيرت أعمال أدبية بعينها لتترجم من لغة المصدر إلى لغة الهدف،ولماذا صُرف النظر عن أعمال أخرى لا تقلّ عنها، وربما فاقتها من حيث الأهمية الجمالية والفكرية؟ ما هي الاعتبارات التي تحكّمت في ذلك الاختيار أو أملته؟ أهي اعتبارات تتعلق بالثقافة المستقبلية، أم بالثقافة المرسلة، أم بالتقديرات والأمزجة الشخصية للمترجمين أو للناشرين؟ إنها أسئلة ليس من السهل على الباحث أن يقدم إجابات شافية عنها، خصوصاً وأنّ تلك الاعتبارات لا تُذكر من قبل المترجم أو الناشر إلاّ نادراً. 2- كيف فهم المترجم العمل الأدبي الأجنبي وفسّره وحلّ رموزه وأزال تعدديته الدلالية قبل قيامه بنقل ذلك العمل من لغته الأصلية إلى لغة الهدف أو أثناءه، وكيف أعاد إنتاج ذلك النصّ الأصلي بلغة الهدف، وبصورة يفترض أنها تحقق التناظر الدلالي والأسلوبي- الفني بينه وبين شكله الأصلي؟ فالمترجم الأدبي يقوم بدور ذي شقين: يتمثل الأول في فهم العمل الأدبي وتفسيره، وهذا أمر إشكاليّ غير سهل. ويتمثل"الشقّ" الثاني في إعادة خلق العمل الأدبي الأجنبيّ بلغة الهدف، وهذه بدورها عمليّة شديدة التعقيد، تنطوي على إشكالية كبيرة. وفي الحالتين ينعكس التكوين الثقافي للمترجم وموقفه الأسلوبيّ واتجاهه الإيدلوجي على الترجمة نصّاً ودلالة وأسلوباً.(8) وهذا ما يدعى بالتلقي الترجميّ. 3- كيف تلقى جمهور القراء(والمشاهدين في حالة المسرحية) العمل الأدبي بعد أن صدر بلغة الهدف، وما نسبة ذلك التلقي إلى تلقي العمل نفسه في لغته الأصلية؟(9) 4- كيف فهم النقاد والمفسرون العمل الأدبي الأجنبي بلغة الهدف، وهل هناك فروق كبيرة بين تفسيراتهم لذلك العمل وبين التفسيرات التي قدّمها زملاؤهم الأجانب؟(10) وهذا هو التلقي النقدي- التفسيري. 5- هل تأثر الأدباء المحليون بالعمل الأدبي الأجنبي إبداعيّاً، وما طبيعة ذلك التأثر أو ماهيته، وما محصلته الإبداعية؟ وهذا هو التلقي المنتج أو الإبداعي. إلاّ أنه لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا حقيقة أنّ تلقي العمل الأدبي الأجنبي يتوقف أولاً وقبل أيّ شيء آخر على نقله من لغته الأصليّة إلى لغة الهدف، أيّ على الترجمة. فلولاها لما تمّ التلقي برمته. ولذلك فإنّ على الدراسات الاستقبالية أن تولي الترجمة الأدبية والتلقي الترجمي القسط الأكبر من اهتمامها وجهودها. وبهذا الخصوص تستطيع الدراسات الاستقبالية أن تستفيد من علم الترجمة، ذلك العلم الذي تطوّر في الأعوام الأخيرة بصورة مذهلة، وتستطيع أن تستفيد بصورة خاصة من نظرية الترجمة ونقد الترجمة، الذي تحوّل إلى فرع رئيس من فروع علم الترجمة، فقد تطور ذلك النقد بعد أن استفاد من علوم لغوية وأدبية واجتماعية مختلفة،كاللسانيات المقارنة، والشعرية المقارنة، وعلم التأويل، ونظرية المثاقفة وغير ذلك من العلوم. ويمكن القول إنّ تقدّماً كبيراً قد حصل على صعيد تحليل الترجمات الأدبية وتقييمها بصورة منهجية وموضوعية.(11) تلقى الأدب الألماني عربياً من هذا المفهوم الخاصّ للتلقي الأدبي، ومن المترتبات السابقة الذكر لذلك المفهوم انطلقت في أبحاثي المتعلقة باستقبال الأدب الألماني في الوطن العربي. إلاّ أنه في الوقت الذي أحرص فيه على وضع ذلك الاستقبال في السياق التاريخي الأدبي الصحيح، فإنني حريص على إظهار خصوصيّة ذلك الاستقبال، التي ميّزت تاريخه عن تاريخ استقبال آداب أوربية أخرى، وفي مقدمتها الأدبان الفرنسيّ والإنكليزيّ. فمن المعروف أنّ اتصال العرب أدبياً بأوروبا قد بدأ باستقبال أعمال من هذين الأدبين. وقد بدأ ذلك الاتصال بصورة جديّة في أواسط القرن التاسع عشر، وإن تكن بوادره قد سبقت ذلك بوقت طويل. أمّا استقبال الأدب الألمانيّ فلم يبدأ إلاّ في مطلع القرن العشرين. فإذا عددنا الترجمة العربية لرواية غوته(J. W. Goethe) الشهيرة"آلام فرتر" أوّل ترجمة ذات شأن من الأدب الألماني، فإنّ تلك الترجمة قد تمتّ عام 1919، إي بتأخر لا يقلّ عن نصف قرن عن بدايات تلقي الأدبين الفرنسيّ والإنكليزي عربياً.(12) ومن الملاحظ أيضاً أنّ التلقي الترجميّ للأدب الألماني قد بدأ بتعريب أعمال أدبية ألمانية عن لغة وسيطة، لا عن اللغة الأصلية لتلك الأعمال. فرواية غوته السابقة الذكر قد نقلها أحمد حسن الزيات عن الفرنسية.(13) ومن اللافت أنّ تلك الرواية قد شهدت في هذه الأثناء مالا يقلّ عن ستّ ترجمات مختلفة، تمتّ واحدة منها فقط عن الألمانية. ومع أنّ نسبة الترجمات التي تُنجز عن لغة وسيطة قد تراجعت تدريجياً منذ أواخر الثلاثينات، بعد أن ظهر عدد من المترجمين الذين يتقنون الألمانية ويترجمون عنها، مثل محمد عوض محمد وعبد الرحمن بدوي ومحمود إبراهيم الدسوقي، الذين نقلوا إلى العربية عدداً من الآثار الأدبية الألمانية الهامّة، ومن بينها بعض أعمال غوته الرئيسة، فإنّ السمة الغالبة على تلقي الأدب الألماني في العالم العربي من بداياته إلى أواسط الستينات قد كانت الترجمة عن لغة وسيطة، ولم يحصل تحوّل نوعي على هذا الصّعيد إلاّ في النصف الثاني من الستينات، وذلك نتيجة إحداث أقسام للغة الألمانية وآدابها في بعض الجامعات المصرية، ولتخرّج عدد من المختصين في الأدب الألمانيّ الذي مارس قسم منهم الترجمة الأدبية.(14) وقد تبعهم عدد لا يستهان به من المتخصصين في الأدب الألماني من سوريّة والعراق والمغرب ولبنان والأردن، بحيث أصبح بوسعنا القول إنّ شرطاً أساسياً من شروط تلقي الأدب الألماني في العالم العربي بصورة مناسبة قد توافر. إلاّ أن التحول الذي طرأ على ذلك التلقي بشكل فعلي لم يكن إلى اليوم جذرياً بالدرجة التي نتمناها.إن نسبة الأعمال الأدبية الألمانية التي تترجم عن لغة وسيطة لم تزل مرتفعة. وللبرهنة على ذلك يكفي أن نشير إلى أنّ خمسة عشر من أصل سبعة عشر كتاباً صادراً بالعربية للأديب الألماني المعروف هرمان هيسه(Hermann Hesse) قد عُرّبت عن لغة وسيطة، وليس عن الألمانية، وذلك بالرغم من وجود هذا العدد الكبير من المتخصصين العرب في الأدب الألماني.(15) وتترتب على هذه الظاهرة أمور كثيرة نذكر منها: 1- أنّ تلقي الأدب الألماني عربياً ليس بالتلقي الأصيل المستقل، الذي ينطلق من حاجات المجتمع العربي واهتماماته الثقافية، بل هو تلقٍ تابع، بمعنى أنه لا يُستقبَل في العالم العربي من الآثار الأدبية الألمانية إلاّ ما سبق أن استقبل في فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا. ومن البديهي أنّ تلقي الأدب الألماني في تلك الأقطار يخضع لظروفها واهتماماتها وحاجاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية. 2- يؤدي نقل الأعمال الأدبية الألمانية إلى العربية عن لغة وسيطة إلى مضاعفة ابتعاد تلك الترجمات وانحرافها نصّاً ودلالة وأسلوباً عن النصوص الأصلية. ولئن كانت كلّ ترجمة تنطوي بالضرورة على"خيانة"، فإنّ الترجمة التي تتمّ عن لغة وسيطة تنطوي بالضرورة على "خيانة" مضاعفة. 3- عند قيامنا بدراسة تلك الترجمات وتقويمها لابدّ لنا من العودة إلى الترجمة الوسيطة، لا إلى النصّ الأصليّ الألمانيّ فحسب. وهكذا يصبح علينا أن ندرس في كلّ حالة ترجمتين، لا ترجمة واحدة، من أجل أن نعرف مصدر الانحرافات النصية والدلالية والأسلوبية بين الترجمة العربية والعمل الأدبي الألماني. وبالمناسبة فإنّ تبعية تلقي الأدب الألماني عربيّاً لاستقباله فرنسيّاً وأنجلو- أمريكياً لم تقتصر على الجانب الترجميّ، بل تعدّت ذلك الجانبين النقديّ والمنتج. ويكفي بهذا الخصوص أن نشير إلى أنّ القسم الأكبر مما هو متوافر بالعربية حول الأدب الألمانيّ تأريخاً وأعلاماً مترجم عن الفرنسية والإنكليزية،(16) وأن نشير إلى أنّ الروائي العربي نجيب محفوظ قد اطلع على روايات توماس مانّ في ترجمتها الإنكليزية، وأن تأثر بعض الأدباء العرب بكافكا وبريخت قد مرّ عبر البوابتين الفرنسيّة والإنكليزية.(17) فلتلقي الأدب الألماني في الوطن العربيّ خصوصية تتمثل في تأخره زمنياً عن تلقي الأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ، وفي تبعيتّه على الصعد الترجمية والنقدية والإبداعية لتلقيه في فرنسا وبريطانيا وأمريكا. تلقي الرواية الألمانية إذا نظرنا إلى تلقي الأدب الألمانيّ عربياً نجد أنّ جنساً أدبياً معيّناً هو الرواية قد ظفر بحصّة الأسد من ذلك التلقي. وهذا أمر لا يدهش أحداً. فالخصائص النوعية الفنيّة للرواية تجعل فرص تلقيها خارج أدبها القومي أكبر من الفرص الاستقبالية التي تتمتع بها أجناس أدبية أخرى كالمسرحية والشعر. وعلى رأس تلك الخصائص تأتي حقيقة أنّ تلقي الرواية يتمّ من خلال المطالعة، وليس من خلال مشاهدة النصّ المسرحيّ معروضاً على خشبة المسرح، مثلما هي حال الدراما. ومن المؤكد أنّ إيصال عمل روائي مترجم إلى المتلقي بعد أن يصدر ذلك العمل على شكل كتاب أسهل بكثير من إيصال نصّ مسرحيّ يحتاج بعد ترجمته إلى مخرج يخرجه ومسرح يعرضه. كذلك فإنّ الرواية تملك اتساعاً ملحمياً يمكّنها من أن تقدّم للمتلقي معلومات غزيرة عن المجتمع الأجنبيّ وثقافته وأوضاعه وقضاياه، إضافة إلى ما تهيؤه له من متعة جمالية. ومن الأمور التي لا يجوز إغفالها حقيقة أنّ العمل الروائي نصّ أدبيّ نثريّ، يمكن أن يترجم من لغة إلى أخرى دون أن يفقد كثيراً من خصائصه الجمالية، خلافاً للنصوص الشعرية، التي يعتمد تأثيرها الجمالي على مقومات لغوية وفنية، كالوزن والجرس والإيحاء، وهي مقوّمات تتعرض للضياع عند نقل العمل الشعريّ من لغته الأصلية إلى لغة الهدف. وأخيراً فإنّ المقولة الواسعة الانتشار التي تذهب إلى أنّ الرواية هي الجنس الأدبي المهيمن في عصرنا لا تنطبق على الرواية المحلّية فحسب، بل تنطبق أيضاً على الرواية المترجمة. وفي كل الأحوال فقد كانت الرواية الجنس الأدبيّ الذي هيمن على تلقي الأدب الألمانيّ عربياً، وهذا ما يتضح من عدد الترجمات الروائية، وعدد الطبعات التي شهدتها تلك الترجمات. إلاّ أن تلقي الرواية الألمانية في العالم العربي لم يخرج عن الخطوط العامّة لتلقي الأدب الألماني في هذه المنطقة. ولعلّ أبرز معالم ذلك التلقي هي: 1- أنه متأخر زمنيّاً ومتخلف كمياً عن استقبال الرواية الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والروسية، وحديثاً الأمريكية- الجنوبية. فلابدّ من أن ينقضي وقت طويل قبل أن تترجّم رواية ألمانية إلى العربية، مما يحرم العالم العربي من استقبال الرواية الألمانية المعاصرة. أما عدد الأعمال الروائية الألمانية المترجمة إلى العربية فهو قليل بالمقارنة بعدد الروايات الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والروسية والأمريكية- الجنوبية المعربة، وهذا ما حمل كثيراً من الناس في العالم العربي على الاعتقاد أنّ الأدب الألمانيّ فقير روائياً، وأنّ ليس لدى الألمان على صعيد الرواية ما يضاهي ما في الآداب الأوروبية والغربية الأخرى. 2- إنه تلقٍ غير مستقلّ تابع لتلقي الرواية الألمانية في فرنسا وإنكلترا وأمريكا، وهذا ما يتضح من النسبة العالية للترجمات التي تتمّ عن الفرنسية والإنكليزية. 3- وهو تلقٍ يتصف بقدر كبير من العرضية والعشوائية في انتقاء الأعمال الروائية المترجمة. فهذا الانتقاء قلّ أن يستند إلى إحاطة كافية بالرواية الألمانية، بقدر ما ينطلق من شهرة روائي ألمانيّ في فرنسا أو إنكلترا أو أمريكا أو من مزاج شخصيّ لمترجم، أو من طموح تجاريّ لناشر. ولقد أدّت هذه السمات إلى جعل تلقي الرواية الألمانية في العالم العربي تلقياً هزيلاً مشوّهاً، لا يتفق مع واقع الرواية الألمانية ومكانتها العالمية، ولا مع الحاجة الثقافية العربية إلى تلقي تلك الرواية بصورة مناسبة والاستفادة من إنجازاتها الجمالية والفكرية. استنتاجات: ومن المؤكد أنّ هذه النتيجة لا تنطبق على تلقي الرواية الألمانية فحسب، بل تنطبق على تلقي الأدب الألمانيّ برمته، بحيث يمكن القول إن ذلك التلقي يقدّم صورة شديدة التشويه عن الأدب الألماني. ومن المؤكد أيضاً أن تلقي الأدب الألماني لا يشكل حالة استثنائية على صعيد تلقي الآداب الأجنبية في العالم العربي، بل يشكّل حالة نمطية تنطبق على تلقي آداب أوروبية وغير أوروبية كثيرة. فهو ينطبق إلى هذا الحدّ أو ذاك على تلقي آداب أوروبية كبيرة، كالأدب الإسبانيّ والأدب الإيطالي والأدب البرتغاليّ والأدب السويدي، وينطبق على تلقي آداب آسيوية كبرى كالأدب الصينيّ والأدب اليابانيّ والأدب الكوريّ والأدب الفيتناميّ والأدب الفيليبينيّ. وهو ينطبق أخيراً وليس آخراً على تلقي آداب شعوب تربطنا بها روابط حضارية وتاريخية وثيقة، ناهيك عن روابط الجوار الجغرافي الإقليمي، كالأدبين الفارسي والتركيّ، والأدب الأندونيسيّ، والأدب الباكستانيّ والأدب الأفغانيّ، والآداب الإفريقية. ومن المؤكد أنّ العرب هم الخاسرون ثقافياً نتيجة الأوضاع غير السّليمة التي تسود تلقي الآداب الأجنبية في العالم العربي. فهذه الأوضاع تحرم العرب من التعرّف إلى تلك الشعوب من خلال آدابها، وتحرم المتلقين العاديين العرب من الاستمتاع جمالياً وفكرياً بأروع ما في الآداب الأجنبية من آثار، وتفوّت على المبدعين الأدبيين العرب فرصة الاستفادة إبداعياً مما تحويه تلك الآداب من إنجازات فنيّة وفكرية، ومن ثمّ اللّحاق بركب الأدب العالمي الحديث. فاستيعاب الآداب الأجنبية والارتقاء إلى مستواها فنياً وفكرياً هما من الشروط التي لا بدّ من توافرها لأيّ أدب يريد أن يدخل دائرة العالمية. وأخيراً، ولكي لا تسجّل هذه القضية ضد مجهول، فإنني أجد نفسي مضطراً لأن أحملّ المقارنين العرب أمانة استقصاء الأوضاع السائدة على صعيد استقبال الآداب الأجنبية في الوطن العربيّ، وتحليل تلك الأوضاع، وإظهار ما يعتورها من خلل. أليس الأدب المقارن وفقاً لأقدم صيغة ومفاهيمه هو العلم الذي يدرس العلاقات الأدبية الدولية؟ أليس من حقّ الأدب العربي على المقارنين العرب أن يدرسوا علاقاته بالآداب الأجنبية وأن يقوّموها؟ فإن لم يؤدّ الأدب المقارن العربي للثقافة العربية خدمة كهذه فأيّة خدمة يؤدي؟! إحالات وهوامش (1) لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع: G. Grimm (1977) ; R. Warning (Hg) . (1988) . (2) راجع: رينيه ويليك: (1987) . (3) حول دور الدراسات الاستقبالية في الأدب المقارن راجع: M. Schmeling (Hg ) (1981) , S. 49- 72. (4) تمثلت تلك الدراسات في ثلاثة كتب هي: الرواية الألمانية- دراسة استقبالية مقارنة(1992)، و"هجرة النصوص- دراسات في الترجمة والتبادل الأدبي" (1995)، و"القصة الألمانية الحديثة في ضوء ترجمتها إلى العربية"(1996) . (5) بخصوص تأثر الآداب الأجنبية بالأدب العربي نشير من باب المثال لا الحصر إلى دراسات مفيد الشوباشي، وجاسم محسن الموسوي، وكاتارينا مومسن، ومحمد السعيد جمال الدين. (6) لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع كتابنا(1992) ، ص125- 135. (7) نفسه، ص224 وتتمتها. (8) راجع بهذا الخصوص كتاب: J.Levy, (1969) ، وهو أفضل كتاب يبحث في الترجمة الأدبية ومشكلاتها. ومع أنّ هذا الكتاب قد ترجم إلى لغات كثيرة، من بينها الألمانية، فإنه لم يترجم بعد إلى العربية. (9) من الملاحظ أنّ إقبال المتلقين الأجانب على العمل الأدبي المترجّم قد يفوق إقبال المتلقين المحليين على العمل نفسه. ومن أفضل الأمثلة على ذلك ما شهدته مؤلفات الكاتب الإنكليزي كولون ولسون في العالم العربي من إقبال بعد أن تولّت(دار الآداب) البيروتية نشر ترجمتها العربية. فالأمر يتوقف على حاجة المجتمع المستقبل واهتماماته. (10) راجع كتابنا(1992) ، ص185- 193. (11) راجع بهذا الخصوص: W.Koller- 1992 . راجع كذلك بحثنا: (1997) . (12) راجع بهذا الشأن: مصطفى ماهر وفولفغانغ أوله(1979) . (13) جيته(1980) . (14) راجع بهذا الخصوص: كمال رضوان(1983) . (15) لمزيد من المعلومات راجع بحثنا(1996) . (16) كان كتاب الفرنسي جان- فرانسو أنجيلوز(1980) إلى وقت قريب المصدر الوحيد بالعربية حول تاريخ الأدب الألماني، إلى أن صدرت في عام(1991) ترجمة عربية لكتاب"موجز تاريخ الأدب الألماني" لكورت روتمان. أمّا فيما يتعلق بالمسرحيّ الألمانيّ برتولت بريشت(Bertolt Brecht) فإنّ المرجع الأساسيّ حوله بالعربية هو كتاب الإنكليزي فريدريك أوين: (1981) . كذلك فإنّ كتاب الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي"واقعية للإضعاف" هو أهمّ مرجع بالعربية فيما يتعلق بالأديب الألماني اللغة فرانز كافكا. أهم المصادر والمراجع بالعربية - أنجيلوز، جان فرانسوا(1980): الأدب الألماني، تر. هنري زغيب، بيروت: منشورات عويدات. - أوين، فريدريك(1981) : برتولت بريخت، حياته، فنه، عصره، تر. إبراهيم العريس، بيروت: دار ابن خلدون. - رضوان، كمال(1983) : اللغة الألمانية في مصر، دارسوها ومدرّسوها. في: 25 عاماً معهد جوته في القاهرة. القاهرة. - روتمان، كورت(1991) : تاريخ الأدب الألماني. تر. سليمان توفيق. بيروت: منشورات عويدات. - عبود، عبده(1992) : الأدب المقارن- مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص: منشورات جامعة البعث. - نفسه، (1993) : الرواية الألمانية- دراسة استقبالية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة. - نفسه، (1995) : هجرة النصوص- دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب. - نفسه، (1996) : روايات هرمان هيسّه وقصصه في ترجماتها العربية. مجلة(عالم الفكر)، الكويت، العدد الثالث، يناير/ مارس 1996. - نفسه، (1996) : القصة الألمانية الحديثة في ضوء ترجمتها إلى العربية. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب. - غارودي، روجيه(1968) واقعية بلا ضفاف. ترجمة حليم طوسون، القاهرة: دار الكاتب العربي. - ماهر، مصطفى وفولفانغ أوله(1979) : مؤلفات لكتّاب ألمان مترجمة إلى العربية. بون. - ويليك، رينيه(1987) : مفاهيم نقدية. تر. د. محمد عصفور. الكويت: وزارة الإعلام. بالألمانية: - Grimm Gunter(1977) :Rezeptionsgeschichte. Grundlegung einer Theorie. München. - Koller, Werner (1983) : Einführung In Die Ubersetzungswissenschaft. Heidelberg. - Schmeling, Manfred (Hg) (1981) : Vergleichende Literaturwissenschaft. Theorie und Praxis. Wiesbaden. - Warning , Rainer (Hg) . (1988) : Rezeption?sthetik . Theorie Und Praxis. 2. Auf/. Stuttgart. - Levy . Jiri (1969) : Die Literarische Ubersetzung; Bonn. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |