|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:20 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
3- 3- حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية: واقعها وآفاقها 1- مقدمة تستحق حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية أن نفرد لها وقفة خاصة. فالألمانية لغة تحوي كنوزاً ثقافية بالغة الأهمية في ميادين الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأدب والنقد الأدبي، وهي كنوز ترجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية، وتبوأت مكاناً مرموقاً في الثقافة العالمية الحديثة، بحيث يصعب على المرء أن يتصور تلك الثقافة وقد خلت من مؤلفات أعلام من أمثال الفلاسفة كانت وهيجل وماركس ونيتشه وهايد يجر وأدورنو وهوركهايمر وهابر ماس، أو علماء نفس من أمثال سيغموند فرويد وألفرد آدلر وكارل غوستاف يونغ، أو أدباء كغوته وكافكا وبريخت. وللثقافة العربية مصلحة في أن تتفاعل مع الثقافة الألمانية، وأن تستوعب ما تنطوي عليه تلك الثقافة من كنوز لاشكّ في أنّ استيعابها يغني الثقافة العربية ويساهم في تطورها من جهة، ويمكّن المجتمع العربي من أن يفهم المجتمع الألماني ويتعامل معه بصورة أفضل من جهة أخرى. فالترجمة كانت في كل العصور، ولا سيما في العصر الحديث، قناة رئيسة من قنوات التواصل بين المجتمعات والثقافات، وركيزة من ركائز التفاهم والتعايش بين الشعوب، ووسيلة ناجعة من وسائل التنمية. وقد ارتبطت هذه القناة بقناة ثقافية رئيسة أخرى هي تعليم اللغات والآداب الأجنبية. فهو يؤهل من الناحيتين اللغوية والثقافية أولئك الأشخاص الذين يمارسون أعمال الترجمة. أما الترجمة فهي بدورها وسيلة وهدف من أهداف تعليم اللغات والآداب الأجنبية وتعلمها(1) . ولذا لا مناص لأي حديث عن حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية من التطرق إلى تعليم اللغة الألمانية وآدابها في الأقطار العربية وانعكاسات أوضاع ذلك التعليم على حركة الترجمة. فما أوضاع ذلك التعليم؟ 2- رافداً حركة الترجمة إذا استعرضنا أوضاع تعليم اللغات والآداب الأجنبية في مدارسنا وجامعاتنا، نجد أنّ اللغة الألمانية لا تشغل سوى حيّز صغير جدّاً من ذلك التعليم. ففي مراحل التعليم قبل الجامعيّ لا تدرس الألمانية كلغة أجنبية رئيسة ومتساوية مع اللغات الأجنبية الأخرى إلاّ في قطر عربي واحد هو مصر. وفي مرحلة التعليم الجامعيّ يختلف الأمر بعض الشيء، فالألمانية تدرّس كلغة أجنبية في كثير من الجامعات العربية، إن في صورة مقرَّر(أو مساق) من مقررات دراسة اللغتين الإنكليزية والفرنسية وآدابهما، (وهو ما نطلق عليه في سورية تسمية اللغة الأوروبية الثانية) ، أو في صورة دورات تقيمها مراكز اللغات الأجنبية التي قلّ أن تخلو منها جامعة من تلك الجامعات، أو في صورة قسم مستقل مخصص لدراسة اللغة الألمانية وآدابها. لقد بدئ بإحداث أقسام كهذه في مصر، وذلك في أوائل الستينات، حين أحدث في"كلية الألسن" بجامعة عين شمس قسم اللغة الألمانية وآدابها، وتبعتها في ذلك جامعتا القاهرة والأزهر وجامعات أخرى(2) .واليوم تحوي جامعات عدة أقطار عربية أقساماً للغة الألمانية وآدابها، نذكر من تلك الأقطار: دول المغرب العربي الأربع والعراق والسعودية والسودان والأردن. أمّا في سورية فإنّ تواجد اللغة الألمانية في جامعاتنا مقتصر على مقرر"اللغة الأوربية الثانية" ضمن دراسة اللغة الإنكليزية وآدابها، وعلى شعبتين للغة الألمانية في مركزي اللغات الأجنبية التابعين لجامعتي حلب وتشرين، وليس هناك قسم للغة الألمانية وآدابها في أيّ من الجامعات السورية الأربع(3) . ومن الطبيعي أن ينعكس التقدّم الذي شهده تعليم اللغة الألمانية وآدابها في بعض الأقطار العربية إيجابياً على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية. فدراسة اللغة الألمانية وآدابها تؤهل طلابها لغوياً وثقافياً وعلمياً، وتوفر بذلك شرطاً هاماً لظهور مترجمين من بينهم، وتوفد الجامعات التي فيها دراسة كهذه معيدين إلى ألمانيا لحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الألمانية وآدابها، ويكتسب هؤلاء الدكاترة كفاءة عالية في اللغة الألمانية والأدب الألماني والثقافة الألمانية، ويصبحون مؤهلين لممارسة النشاطات الترجمية، وخصوصاً الثقافيّ منها، أي ترجمة مؤلفات أدبية وعلمية وفكرية يتطلب تعريبها كفاءة لغوية وثقافية عالية. وعلى هذا الصعيد تمّ تقدم كبير إبّان العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصاً في مصر. فقد خرّجت أقسام اللغة الألمانية وآدابها في الجامعات العربية عدداً كبيراً من حملة الإجازة والماجستير، وأوفدت إلى ألمانيا عدداً جيداً من المعيدين الذين حصلوا على الدكتوراه في اللغة الألمانية وآدابها. وكانت الجامعة الأردنية في عمان أحدث جامعة عربية تخرّج مجازين في اللغة الألمانية وآدابها. ومن الطبيعي أنْ يشكل خريجو أقسام اللغة الألمانية وآدابها الرافد الأهم لحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية، خصوصاً وأنّ بعضاً من تلك الأقسام، كقسم اللغة الألمانية في كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود في الرياض، يدرّس اللغة الألمانية وآدابها بهدف إعداد مترجمين على وجه التحديد. ولحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية رافد آخر، يتمثل في خريجي الجامعات الألمانية الذين درسوا العلوم الإنسانية المختلفة، من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع وعلوم سياسية واقتصاد.. وغيرها. وقد ازداد عدد هؤلاء الخريجين في الفترة الأخيرة، بعد أن كانت دراسة الطلاب العرب في ألمانيا شبه مقتصرة على الطبّ والهندسات. أمّا اليوم فلم يعد أمراً نادراً أن تجد بين الطلاب العرب الدارسين في الجامعات الألمانية من يدرس الأدب الألماني أو علم الاجتماع أو التربية أو السياسة أو الاقتصاد وغير ذلك من العلوم الإنسانية. وقد ظهر من بين هؤلاء الدارسين أشخاص اهتمّوا بالترجمة ومارسوها عملياً. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة: ميشيل كيلو وبو علي ياسين ومحمود كبيبو ونزار عبد الله وكامل اسماعيل وتوفيق سليمان من سوريا؛ وعدنان عباس وإبراهيم الحيدري من العراق. أمّا في مصر فإن هؤلاء المترجمين كثر، من أشهرهم: محمد عوض محمد، وعبد الغفار مكاوي وعبد الرحمن بدوي. إنهم مترجمون لم يدرسوا اللغة الألمانية وآدابها، بل درسوا علوماً إنسانية أخرى كالفلسفة، مما يدلّ على أن دراسة اللغة الألمانية لا تشكل شرطاً لا غنى عن توافره فيمن يودّ ممارسة الترجمة عن الألمانية. وعلى أية حال فقد كان لإحداث أقسام اللغة الألمانية وآدابها في بعض الجامعات العربية من جهة، وازدياد عدد خريجي الجامعات الألمانية في مجالات العلوم الإنسانية من جهة أخرى، تأثير إيجابي على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية. فإلى أواسط الستينات من هذا القرن لم يتجاوز عدد المترجمين عن الألمانية عدد أصابع اليد الواحدة، وكانوا من المصريين تحديداً. أمّا اليوم فإنّ عددهم بالعشرات، وهم ينتمون إلى أقطار عربية مختلفة، هي، إضافة إلى مصر، سوريا والعراق ولبنان والأردن والمغرب. فهل يعني ذلك أنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية قد ارتقت إلى المستوى المطلوب، وأصبحت قادرة على أن تلبي حاجات المجتمع العربي إلى الترجمات الأدبية والعلميّة والفكرية عن الألمانية؟ 3- الترجمة عن لغات وسيطة من المؤسف القول إنّ تلك الحركة مازالت بعيدة عن تحقيق ذلك الهدف، وخير دليل على ذلك هو أنّ القسم الأعظم مما ترجم إلى العربية من أعمال أدبية وعلمية وفكرية ألمانية لم يترجم عن الألمانية مباشرة، بل ترجم عن لغة وسيطة وهذا بعض الأمثلة: أولاً: لقد ظهر في الأعوام الأخيرة اهتمام عربي بذلك الاتجاه الفلسفي المعاصر الذي يعرف بـ(مدرسة فرانكفورت) (Frankfurter Schule) أو بـ"النظرية النقدية"(Die Kritische Theorie) ، وهي مدرسة فلسفية ألمانية ترجع بداياتها إلى الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن، ولكنها لم ترسّخ وجودها في الساحة الفكرية الألمانية والعالمية إلاّ في أواخر الستينيات، مع صعود حركة الاحتجاج الشبابي والطلابي والنسائي في الأقطار الصناعيّة الرأسمالية. أمّا أبرز أعلام هذه المدرسة فهم: تيودور أدرونو، وماكس هوركهماير، وفالتر بنيامين، ويورجين هابرماس(4) .لم يكن الاهتمام العربي بفكر مدرسة فرانكفورت وليد تلقي ذلك الفكر بصورة مباشرة، عبر الاطلاع عليه بلغته الأصلية، أي الألمانية، بل ظهر ذلك الاهتمام بعد أن انتشرت أفكار مدرسة فرانكفورت في أوربا الغربية وأمريكا وتقدّمت إلى قلب النقاش الفلسفي في العالم. عندئذ قام بعض المترجمين العرب بتعريب بعض كتابات أعلام تلك المدرسة، ولكن ليس عن الألمانية، بل عن الفرنسية. فقد ترجم محمد علي اليوسفي كتاب"بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية" لماكس هوركهايمر عام 1981، وترجم مصطفى الناوي كتاب"النظرية التقليدية والنظرية النقدية" للفيلسوف نفسه عام 1990(5) . وفي عام 1995 صدرت في دمشق ترجمة عربية لكتاب يورغين هابرماس (Der philosophische Diskurs der Moderne) الذي نقلته الدكتورة فاطمة الجيوشي إلى العربية بعنوان"القول الفلسفي للحداثة"(6) . لقد تُرجمت هذه الكتب الثلاثة عن الفرنسية. كذلك فإنّ لكتاب علاء طاهر"مدرسة فرانكفورت من هوركهايمر إلى هابر ماس"، وهو كتيّب يعرّف بهذه المدرسة، مرجعية فرنسية بالكامل(7) . وهذا مثال آخر، ولكن في هذه المرّة من علم النفس: لقد ظهر في العقد الأخير، اهتمام عربي كبير بمؤلفات عالم النفس الألماني كارل غوستاف يونغ(C.G.Jung) ، مؤسس ما يعرف بعلم النفس التحليلي، وأدّى ذلك الاهتمام إلى قيام عدد من المترجمين بنقل قسم كبير من مؤلفات يونغ إلى العربية، ولكن عن أية لغة ترجمت تلك المؤلفات؟ أعن الألمانية، وهذا هو الأمر الطبيعي؟ إنّ المرء يفاجأ بحقيقة أنه لم يترجم إلى العربية أيّ من تلك الكتب عن الألمانية، بل ترجمت كلها عن الإنكليزية والفرنسية(8) .وهذا مثال آخر أخذناه من مجال الأدب، ألا وهو الترجمات العربية لروايات وقصص الأديب الألماني المعروف (Hermann Hesse) الحائز على جائزة نوبل للآداب وأحد أعلام الأدب الألماني في القرن العشرين. لقد بلغ عدد ما ترجم إلى العربية من أعماله الأدبية سبعة عشر كتاباً. فكم كتاباً منها ترجم عن الألمانية؟ ثلاثة كتب فقط هي: "قصة شاب" و"لعبة الكريات الزجاجية" و"ذئب البوادي"، أمّا الكتب الأحد عشر الأخرى فقد ترجمت إلى العربية عن لغات وسيطة، كالفرنسية والإنكليزية. وهذا يعني أنّ أكثر من 80% من كتب هيسه قد ترجم عن لغة وسيطة(9) . نكتفي بهذه الأمثلة التي أوردناها بغية توضيح مقولة واحدة، ألا وهي أنّ الترجمة عن لغة وسيطة ظاهرة تطغى على حركة ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية إلى العربية. فما قلناه عن ترجمة مؤلفات مدرسة فرانكفورت وكارل غوستاف يونغ وهرمان هيسه ينطبق على ترجمة مؤلفات معظم الأدباء والفلاسفة والعلماء والمفكرين الألمان. فهو ينطبق على مؤلفات عالم النفس سيغموند فرويد تماماً كما ينطبق على مؤلفات الفلاسفة كانت وهيجل وماركس ونيتشه وهايد يجر، وعلى أعمال الأدباء غوته وشيلر وكافكا وبريخت. وجلّ ما ترجم إلى العربية من تلك المؤلفات قد ترجم عن لغة وسيطة، وليس عن الألمانية. ترى ما تفسير هذه الظاهرة الخطيرة وما دلالاتها؟ 4- دلالات الظاهرة إنّ أول ما تدّل عليه هذه الظاهرة هو وجود حاجة ثقافية عربية إلى ترجمة ما ترجم إلى العربية من أعمال أدبية وفكرية وعلمية ألمانية. فلو لم تكن الحاجة موجودة لما لجأ المرء إلى ترجمة تلك الأعمال عن لغة وسيطة. ولا عجب في ذلك. فما من ثقافة حديثة تستطيع أن تستغني عن ترجمة مؤلفات كبار الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والأدباء الألمان إلى لغتها. والثقافة العربية الحديثة، كغيرها من الثقافات، بحاجة إلى تلك المؤلفات مترجمة إلى العربية. ونظراً لأنّ تلك الحاجة الثقافية لم تلبّ من خلال الترجمة عن الألمانية، فقد تمّت الاستعاضة عن ذلك باللجوء إلى الترجمة عن لغة وسيطة. وبعبارة أخرى: عندما لم تجد دور النشر العربية من يترجم المؤلفات الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية المطلوبة عن الألمانية، كلّفت مترجمين بنقلها عن لغة وسيطة، أوقام أولئك المترجمون بنقلها إلى العربية من تلقاء أنفسهم. ولكن لماذا لم تجد دور النشر العربية من يترجم المؤلفات الألمانية المطلوبة عن لغتها الأصلية، أي عن الألمانية؟ ألنقص في المترجمين والقادرين على ممارسة الترجمة الأدبية والعلمية عن هذه اللغة؟ أم لتقصير هؤلاء الأشخاص وتقاعسهم عن أداء دورهم الثقافي؟ إن الحديث عن نقص في المترجمين عن الألمانية والقادرين على الترجمة عن هذه اللغة ينطبق على حركة الترجمة إلى أواخر الستينيات. ولكن منذ أوائل السبعينيات توافر في العالم العربي من خريجي اللغة الألمانية وآدابها والعلوم الإنسانية الذين درسوا في الجامعات الألمانية، أي من القادرين على الترجمة عن الألمانية، ما يجعل اللجوء إلى ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية عن لغة وسيطة أمراً لا مبرر له. إلاّ أنّ أولئك الأشخاص لم يقوموا بالدور الثقافي المطلوب إلاّ بصورة جزئية لا تتناسب بأية حال وقدراتهم وإمكاناتهم. وعلى سبيل المثال هناك في سورية ما يزيد على عشرين متخصصاً في اللغة الألمانية وآدابها، يحمل خمسة منهم درجة الدكتوراه. أما عدد خريجي الجامعات الألمانية في مجالات العلوم الإنسانية القادرين على ممارسة الترجمة فهو كبير. ولكن ما نسبة الذين مارسوا الترجمة، سواء من المتخصصين في اللغة الألمانية وآدابها، أم من المنتمين إلى الفئة الأخيرة؟ إنّ تلك النسبة منخفضة جداً. لماذا؟ وكيف يبرر الأشخاص المعنيون ذلك؟ إذا سألتهم فإنّ جوابهم يتلخص في أنّ المردود الماديّ للترجمة ضعيف، وصعوبات النشر كبيرة. لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ المردود الماديّ للترجمة، أي مكافآت المترجمين، هزيل جدّاً، ولكن لابدّ لنا من الإشارة إلى أنّ هناك في الوطن العربي مجالات نشر مجزية ماديّاً، ولكنها لا تستغلّ ولا يستفاد منها بصورة كافية من قبل المترجمين والقادرين على الترجمة عن الألمانية. ففي الكويت مثلاً تصدر مجلة فصلية مخصصة لنشر الترجمات، هي مجلة"الثقافة العالمية"، ولكن قلّ أنّ نجد بين ما تنشره هذه الدورية مواد مترجمة عن الألمانية، لا لأن القائمين عليها لا يريدون أن ينشروا تلك المواد، بل لأنه ليس هناك من يمدّهم بها. وفي الكويت أيضاً تصدر سلسلة كتب عنوانها"عالم المعرفة"، وهي سلسلة تشكل الترجمات نسبة عالية من كتبها، ولكن يندر أن يجد المرء في عداد كتب هذه السلسلة الضخمة كتباً مترجمة عن الألمانية، لا لأنّ القائمين عليها يناصبون الثقافة الألمانية العداء، وإنما لقلّة ما يقدّم إليهم من كتب مترجمة عن الألمانية. وما قلناه عن مجلة"الثقافة العالمية" وسلسلة"عالم المعرفة" ينطبق أيضاً على سلسلة كتب كويتية أخرى هي سلسلة"من المسرح العالمي"، وهي سلسلة مترجمة، وعلى مجلة(العربي) الواسعة الانتشار. فهي تنشر في كل عدد من أعدادها قصة مترجمة واحدة على الأقلّ. إن النشر في هذه الدوريات والسلاسل مجزٍ ماديّاً ومرضٍ معنوياً، فلماذا يحجم القادرون على الترجمة عن الألمانية عن الاستفادة من هذه الإمكانية؟ وفي سورية ثمة مجالات جيدة لنشر الكتب والمواد المترجمة، سواء ضمن منشورات وزارة الثقافة، التي تشكل الترجمات الجزء الأعظم من كتبها، أو في اتحاد الكتاب العرب الذي يصدر مجلة خاصة بالترجمة هي مجلة"الآداب الآجنبية".وتشكل مجلة(نوافذ) السعودية منبراً جديداً هاماً لنشر الترجمات الأدبية. ومع أنّ مكافآت الترجمة لم تزل غير مجزية، فإنها قد تحسنت في الأعوام الأخيرة، ولم تعد متدنية بالدرجة التي يتصورها كثير من المترجمين. ولعل من الضروري أن نذكرّ بهذه المناسبة بحقيقة أنّ الترجمة ليست مجرّد مورد رزق، بل هي في الوقت نفسه رسالة ثقافية هامة. فالمترجمون بناة جسور بين الشعوب والثقافات، وما يقومون به هو واحد"من أنبل النشاطات الإنسانية"، حسب قول الأديب الألماني غوته. 5- التشويه المضاعف وعلى أيّة حال ثمة إحجام من جانب القسم الأعظم من المؤهلين لممارسة الترجمة الأدبية والعلمية من الألمانية إلى العربية عن ممارسة هذا النشاط النبيل، مما أدى إلى انتشار ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية عن لغات وسيطة لا عن لغتها الأصلية. ولربّ قائل: أنا لا أرى مشكلة في أن تترجم الأعمال المذكورة عن لغات وسيطة، فالمهم هو أن تترجم تلك الأعمال إلى العربية، وأن يستفيد منها المتلقون العرب، بصرف النظر عن اللغة التي ترجمت عنها.أليست المحصلة النهائية واحدة في الحالتين؟ لا جدال في أنّ ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية عن لغة وسيطة أفضل بكثير من عدم ترجمتها البتة، وإن تلك الترجمات قد سدّت ثغرة كبيرة في المكتبة العربية. فلولا الترجمة عن لغة وسيطة لما عرف العرب إلاّ القليل عن الفلسفة الألمانية والتحليل النفسي وعلم النفس التحليلي والفكر الماركسي والأدب الألماني، ولخلت المكتبة العربية من مؤلفات كانت وهيجل وماركس ونيتشه وفرويد وأدلر وهايديجر وهابر ماس وهوركهماير وأدورنو ويونغ وفيبر وشيلّر وغوته وكافكا وهيسّه وغيرهم من كبار الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع والأدباء الألمان. لو انتظر العرب إلى أن يتكرّم القادرون على الترجمة عن الألمانية بتعريب كلّ تلك الأعمال والمؤلفات الفلسفية والأدبية والعلمية التي ترجمت عن لغات وسيطة لطال الانتظار كثيراً، ولكان أشبه بانتظار غودو في مسرحية بيكيت الشهيرة، ولحرمت الثقافة العربية الحديثة من استقبال مؤلفات فكرية وعلمية وأدبية بالغة الأهمية، كان لها دور كبير في تطور تلك الثقافة وفي النقاشات التي شهدتها. ولذا من الإجحاف إنكار الدور الثقافيّ الإيجابي الذي اضطلعت به ترجمة الأعمال الفكرية والعلمية والأدبية الألمانية إلى العربية عن لغة وسيطة. إلاّ أننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أخرى، ألا وهي أن تلك الأعمال التي ترجمت عن لغة وسيطة، قد تعرّضت للتشويه الترجميّ مرّتين: مرّة عند نقلها من الألمانية إلى اللغة الوسيطة، ومرّة أخرى عند نقلها من اللغة الوسيطة إلى العربية. فالترجمة، كلّ ترجمة، تنطوي بالضرورة على انحراف عن الأصل عُرف بـ"خيانة المترجم". وعندما يترجم النص مرتين فمن البديهي أن تتضاعف احتمالات تلك"الخيانة"، أي الابتعاد الدلالي والأسلوبي عن الأصل(10) . إلاّ أنّ تبعات ذلك الانحراف تختلف باختلاف أنواع النصوص. فالنص الأدبي نصّ"بارز الشكل"، تكمن أدبيته في اللغة والأسلوب والجوانب الفنيّة الجمالية. وعندما ينقل نصّ كهذا من لغته الأصلية(لغة المصدر) إلى اللغة الوسيطة فإنه يفقد بعضاً من مواصفاته الأسلوبية والمعنوية. وعندما يترجم للمرة الثانية من اللغة الوسيطة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى العربية، في الحالة التي نحن بصددها، فإنّ الخسارة الأسلوبية والمعنوية تزداد، وقد تبلغ درجة تشويه النص الأدبي تشويهاً شديداً. وهكذا يمكن أن تحوّل الترجمة عملاً أدبياً رائعاً ذا مستوى عالمي إلى عمل هزيل يفتقر إلى أبسط درجات الأدبية. وإذا كان جوهر العمل الأدبي يكمن في تلك الأدبية، فإنّ نصاً مترجماً كهذا غير قادر على ممارسة أي تأثير جمالي على المتلقي. أمّا الأمثلة على ذلك من تاريخ ترجمة الأعمال الأدبية الألمانية إلى العربية عن لغات وسيطة فهي كثيرة جدّاً، نذكر منها رائعة هاينريش مانّ الروائية"الملاك الأزرق"، التي نقلت عن الإنكليزية بصورة شوهتها نصاً ودلالة وأسلوباً وحولتها إلى نص لا أدبية فيه(11) ، والترجمات العربية لقصتي فرانز كافكا"في مستوطنة العقاب" و"المسخ" التي تمت عن الإنكليزية ومسخت هاتين القصتين وقزمت مبدعهما(12) . فالخسارة الجماليّة والدلالية التي تنجم عن ترجمة النص الأدبي عن لغة وسيطة قد تكون جسيمة جدّاً، مما يحتم علينا أن نقف موقف التحفظ الشديد من تلك الترجمة. صحيح أنّ الخسارة قد تحدث عند ترجمة النص الأدبي عن لغته الأصلية لا عن لغة وسيطة إذا قيض لذلك النص مترجم رديء، ولكن احتمالات أن تتضاعف تلك الخسارة عندما يترجم النص الأدبي عن لغة وسيطة تظلّ قائمة. فهل تنطبق هذه المقولة على ترجمة نصوص"بارزة المضمون" كالنصوص الفلسفية والفكرية العلمية؟ (13) . إنّ أهمّ ما في هذه النصوص ليس شكلها بل مضمونها، وإذا كانت الترجمة الوسيطة دقيقة وأمينة في أداء ذلك المضمون، فإنّ الترجمة التي تتم عن اللغة الوسيطة يمكن أن تكون دقيقة وسليمة أيضاً. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ ترجمة نصّ علمي وفكري عن لغة وسيطة لا يزيد من احتمالات انحراف الترجمة مضمونياً عن الأصل. فعند ترجمة النص من لغة المصدر الأصلية إلى اللغة الوسيطة قد تقع أخطاء ترجمية يتبناها مترجم النصّ عن اللغة الوسيطة بالضرورة، وقد يضيف إليها أخطاء جديدة. لذلك قد يتضاعف ابتعاد الترجمة عن الأصل تبعاً لجودة الترجمة الوسيطة من جهة وكفاءة المترجم الذي ينقل النص انطلاقاً من تلك الترجمة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى اللغة العربية من جهة أخرى. وفي مطلق الأحوال فإنّ احتمالات أن تكون الترجمة التي تتم عن لغة وسيطة أكثر ابتعاداً عن النص الأصلي من ترجمة تتم عن اللغة الأصلية لذلك النص هي احتمالات كبيرة. وبالفعل كم من نص علمي وفكري شوّه تشويهاً شديداً عند ترجمته عن لغة وسيطة! وأبرز مثال على ذلك هو مؤلفات كبار الفلاسفة الألمان من أمثال كانت وهيجل ونيتشه. فتشويه مؤلفات الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت على يد المترجم أحمد الشيباني، وتشويه مؤلف نيتشه الشهير"هكذا تكلم زرادست" على يد المترجم فيليكس فارس أمر معروف للجميع(14) . وعندما نتحدث عن نصوص علمية أو"بارزة المضمون"، فإنّ ذلك لا ينفي أن تكون لتلك النصوص أبعاد أسلوبية وأدبية. فهناك كتاب علميون يصوغون مؤلفاتهم بأسلوب أنيق لا يخلو من سمات أدبية. ولعل أشهر هؤلاء العلماء هو سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، الذي كان شديد الحرص على كتابة مؤلفاته بلغة واضحة جميلة، وهذا ما حمل المهتمين بوضوح المؤلفات العلمية وجمالها الأسلوبيّ على إحداث جائزة تعرف"بجائزة سيغموند فرويد للنثر العلمي". إنّ هذه الجوانب الأسلوبية والأدبية التي تتسم بها المؤلفات العلمية والفكرية تكون أكثر تعرضاً للضياع عندما تترجم تلك المؤلفات عن لغة وسيطة. في ضوء ما تقدّم يمكن القول إنّ ما ترجم إلى العربية عن لغات وسيطة من نصوص أدبية وعلمية ألمانية يخضع لمقولة التشويه المضاعف ولا يجوز الاطمئنان إليه والوثوق به. إلاّ أنّ درجة التشويه تختلف من ترجمة لأخرى، وذلك تبعاً لجودة الترجمة الوسيطة وكفاءة المترجم الذي ينقل النص عن تلك الترجمة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى العربية. أمّا التأكد من ذلك فيكون بالدراسات النقدية التي تواجه فيها الترجمة العربية بالأصلين الألماني والوسيط على حد سواء، وتقوّم انطلاقاً من تكافئها الترجميّ: الدلالي والأسلوبي والنصي مع الأصل الألماني لا مع الأصل الوسيط.(15) فما يعنينا ليس أن تكون الترجمة العربية لنص أدبي أو علمي مترجم عن لغة وسيطة متكافئة مع الترجمة الوسيطة، فهذه لاتعنينا إلا لنعرفة ما إذا كانت مصدراً لأخطاء ترجمية، بل أن تكون الترجمة العربية متكافئة. مع الأصل الألماني الذي لابدّ من أن يكون معياراً لأيّ تكافؤ. أمّا محاولة تبرير الأخطاء الترجمية بالقول إنها ترجع إلى الترجمة الوسيطة فهي أمر غير مقبول. 6- غياب التنسيق إلاّ أنّ الترجمة عن لغة وسيطة ليست المشكلة الوحيدة التي تعاني منها حركة تعريب الأعمال الأدبية والعلمية الألمانية إلى العربية. فهذه الحركة تعاني من مشكلة أخرى هي افتقارها إلى الحد الأدنى من التنسيق وتبادل المعلومات. فمن الصعب أن يعرف مترجم مقيم في سورية على سبيل المثال ما صدر أو سيصدر في الكويت أو المغرب أو ليبيا أو مصر من ترجمات، وذلك لضعف النشاط البيبليوغرافي العربي واقتصاره على الإصدارات القطرية. وهذه المسألة تجعل المترجم يعيش في حالة خوف من أن يكون العمل الذي يودّ أن يترجمه إلى العربية قد سبقه إلى ترجمته زميل في بلد عربي آخر. ويشكل هذا الأمر مصدر إحباط لكثير من المترجمين. إنّ هذا التخوّف مشروع وينبغي أن يؤخذ على محمل الجدّ. فنحن لا نستطيع أن نتوقع من المترجم أن يستثمر شهوراً، لا بل أعواماً من الجهد في نقل عمل أدبي أو علمي أو فكري ألماني إلى العربية، ليتبين له بعد ذلك أنّ زميلاً له مقيماً في قطر عربي آخر قد سبقه إلى ترجمة ذلك العمل(16) .وقد انعكست هذه المسألة بصورة سلبية جداً على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية، وكانت أحد الأسباب الرئيسة لقلة الترجمات. إنّ حلّ هذه المشكلة يكون بتطوير التنسيق وتبادل المعلومات بين المترجمين العرب الذين ينقلون عن الألمانية، وذلك بإصدار نشرة بيبليوغرافية بالترجمات التي صدرت وبمشاريع الترجمة التي قيد الإنجاز، وهذا الاقتراح موجود على جدول أعمال حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية منذ وقت طويل، وقد أوصت الندوة التي انعقدت في برلين عام 1985 حول"الترجمة بين اللغتين العربية والألمانية" بتطبيقه(17) . وعلى خلفية هذه الإشكالية قام الدكتور مصطفى ماهر وزميله الألماني فولفغانغ أوله بوضع أول بيبليوغرافيا للترجمات من الألمانية إلى العربية ومن العربية إلى الألمانية، وقد صدر ذلك المؤلف البيبليوغرافي الهامّ سنة 1968، وأعيد طبعه سنة 1979 بعد تعديله وتوسيعه(18) . إلاّ أن المؤلفين لم يقوما منذ ذلك الحين بإصدار طبعة جديدة تستوعب ما استجدّ على حركة الترجمة بين اللغتين الألمانية والعربية من معطيات، ومازالت هذه المشكلة قائمة تلقي بظلّها على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية وتعرقل تطوّرها(19) . 7- تخلف القاموس ومن مشكلات حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية تخلف القواميس الثنائية اللغة. فالقاموس أداة عمل رئيسة لكلّ مترجم. هناك عدّة قواميس ألمانية- عربية، أكبرها وأفضلها وأوسعها انتشاراً هو قاموس شريجله(G. Schregle) . ومن المؤكد أنّ هذا القاموس قد شكل في أواخر السبعينيات إنجازاً معجمياً هاماً، ولكن ذلك القاموس لم يطوّر ولم يعد النظر فيه منذ صدور طبعته الأولى الوحيدة(20) . فقد اكتفى الناشر بإعادة طبعه دون أيّ تغيير أو تعديل، رغم أنّ الثغرات التي يحويها بادية للعيان. لا نعرف لماذا لم تظهر قواميس تشكل منافسة حقيقة لقاموس شريجله، ولكن الشيء المؤكد هو أنّ هذا القاموس يتمتع بوضع شبه احتكاريّ رغم ما ينطوي عليه من ثغرات ونواقص. هذا بالنسبة للقواميس اللغويّة العامّة. أمّا بالنسبة للقواميس الاختصاصية فإنّ الوضع أسوأ من ذلك بكثير. فالقواميس العلمية المتخصصة في مجالات الطبّ والعلوم التقنية والهندسية والتطبيقية والإنسانية نادرة جدّاً ولا تستحق الذكر. وهناك على هذا الصعيد فراغ شامل. ومن الطبيعي أن يمثل عدم توافر تلك القواميس مشكلة حقيقية بالنسبة لحركة الترجمة من العربية إلى الألمانية. ولا شكّ في أنّ هذا المجال يشكّل ميداناً خصباً لنشاط اللغويين العرب المؤهلين في علم المعاجم.وبعد أن ظهرت القواميس الكومبيوترية المسجلة على اسطوانات الليزر( CD - ROM) لم يعد من اللائق أن يستمرّ التخلف السائد في مضمار القاموس العربي- الألماني، الذي آن له أن ينتقل إلى عصر الحاسوب. 8- المحصلة لئن كانت هذه أبرز مشكلات حركة الترجمة الأدبية والعلمية من الألمانية إلى العربية، فهل لبّت تلك الحركة حاجة المجتمع العربي إلى تلقي الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية؟ هل نقل إلى العربية كلّ أو معظم تلك الأعمال التي للمجتمع والثقافة العربيين مصلحة في تلقيها؟ وهل قدمت حركة الترجمة للرأي العام العربي صورة سليمة عن الأدب والعلوم والفكر والثقافة في ألمانيا؟ وجوابنا عن هذه الأسئلة هو أنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية لا تغطّي سوى جزء يسير من الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الجديرة بالترجمة. فعلى صعيد الأدب لم يترجم إلى العربية إلاّ جزء صغير جداً من الآثار الأدبية الألمانية التي تتمتع بمكانة عالمية وقد ترجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية. إنّ ما نقل إلى العربية من أعمال أدبية ألمانية محدود جداً، وأغلبه سيئ الترجمة، وهو لا يقدّم للرأي العام العربي صورة سليمة عن الأدب الألماني واتجاهاته الفنية والفكرية وغناه. ومن المؤكد أنّ القارئ العربي الذي لا يعرف الأدب الألماني إلاّ من خلال الترجمات العربية سيحكم على الأدب الألماني بأنه أدب فقير وهزيل وغير متطوّر. وما قلناه عن الأدب الألماني ينطبق على الفكر والعلوم الإنسانية في ألمانيا. فما ترجم إلى العربية قليل جدّاً، وقد ترجم عن لغات وسيطة وتعرّض لتشويه شديد. أمّا على صعيد العلوم التطبيقية فليس هناك حركة ترجمة تستحق الذكر. وباختصار فإنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية لم تكن قادرة على أن تلبي حاجة المجتمع العربي إلى تلقي الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية إلاّ على نطاق ضيّق. وهذا أمر جدّ خطير. فالترجمة أداة فعالة من أدوات التنمية الثقافية، وتقصير حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية يعني حرمان الثقافة العربية في فرص التنمية عبر تلقي ما تحتاج إليه من أعمال أدبية وفكرية وعلمية ألمانية(21) . والترجمة قناة رئيسة من قنوات حوار الثقافات، وتقصير حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية يعني عدم تأهيل المجتمع العربي للدخول في حوار ثقافي متكامل مع المجتمع الألماني. وبهذه المناسبة لابدّ من التذكير بأنّ ألمانيا أكبر دولة من دول الاتحاد الأوربي وأقواها اقتصاداً، وأنّ هذه الدولة قد ارتبطت"بعلاقة خاصة" مع إسرائيل لأسباب تاريخية لم يكن العرب طرفاً فيها. لقد تمكنت الصهيونية والأوساط المؤيدة لها من إقناع الرأي العام العالمي بأنّ إسرائيل "دولة الناجين من معسكرات الإبادة النازية(KZ) "، وأنّ التكفير عن الجرائم التي اقترفتها ألمانيا الهتلرية بحقّ يهود ألمانيا وأوربا لا يكون إلاّ بالتعاطف مع إسرائيل ودعمها بلا قيد أو شرط. وهذا يعني بطبيعة الحال تأييد سياسات إسرائيل مهما كانت عدوانية، وعدم إبداء تضامن مع الأمة العربية وقضاياها العادلة ونضالها ضد العدوان الصهيوني. إنّ تأييد الرأي العام الألماني لإسرائيل، انطلاقاً من"عقدة الذنب الجماعي" (Kollektive Schuld) هو تأييد شديد، ويصعب على معظم العرب الذين مازالوا يعيشون أسطورة"الصداقة التقليدية العربية- الألمانية" أن يفهموه. وهذا التأييد ينطوي على عداء ضمني للعرب. إنّ الساحة السياسية والإعلامية والثقافية الألمانية محتكرة بصورة شبه كاملة من قبل إسرائيل والأوساط الموالية لها، وهذا ما مكّن الأخيرة من الحصول على دعم مالي واقتصادي وعسكري تمثل في 63 مليار دولار دُفعت للحكومة الإسرائيلية كتعويضات عن ضحايا النازية من اليهود، وفي مساعدات اقتصادية وعسكرية مستمرة بلغت قيمتها عدة مليارات من الماركات(22) . إلاّ أنّ الأخطر من ذلك كله هو التحكم الصهيوني المطلق بالرأي العام الألماني، وتفنن الأوساط الموالية للصهيونية وإسرائيل في إحياء ذكرى الجرائم النازية وإذكاء مشاعر الذنب الجماعي في نفوس الأجيال الجديدة من الألمان، وتحويل ذلك إلى تعاطف مع إسرائيل وإلى عداء للعرب. وقد ظهر ذلك جليّاً في مناسبات مختلفة، كعدوان حزيران، وحرب تشرين التحريرية، وحرب الخليج الثانية. ففي مناسبات كهذه كانت الأوساط الألمانية الموالية لإسرائيل تخرج عن تحفظها وتسفر عن معاداتها للعرب أمّة وثقافة. وقد كانت المعركة الثقافية التي نشبت في الساحتين الثقافية والسياسية الألمانية بمناسبة منح"جائزة السلام" عام 1995 للمستشرقة الكبيرة أنا- ماري شيمل (Annemarie Schimmel) دليلاً ملموساً آخر على ما يكنه الرأي العام الألماني الموالي لإسرائيل والصهيونية من عداء كامن للثقافة العربية الإسلامية(23) . فالساحة الألمانية ساحة خارجية خطيرة وحساسة وشائكة جدّاً بالنسبة للعرب، ومن الضروري أن يولوها عناية خاصة، وأن يدرسوها ويفهموها جيداً من النواحي التاريخية والسياسية والثقافية وغيرها(24) . ولحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية دور هامّ على هذا الصعيد. فهي تنقل إلى المتلقين العرب كل تلك الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية التي تزيد معرفتهم بألمانيا تاريخاً ودولةً وثقافةً وفكراً، وتمكّنهم من التعامل مع تلك الساحة ومحاورتها بكفاءة أكبر. إنّ حركة ترجمة واعية ونشيطة من الألمانية إلى العربية هي مقوم رئيسي من مقومات الحوار العربي- الألماني(25) . 9- وسائل الارتقاء في ضوء ما تقدم نرى أنّ من الضروري التفكير في وسائل الارتقاء بحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية، وفي مقدمة تلك السبل: 1- إصدار نشرة بيبليوغرافية سنوية بالترجمات ومشاريع الترجمة من الألمانية إلى العربية. ومن الممكن أن يرفق بتلك النشرة قائمة بالكتب الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية التي يُنصح المترجمون العرب بترجمتها في ضوء الحاجة الثقافية العربية إليها. 2- مساعدة المترجمين في الحصول على دعم مالي من الجهات العربية والألمانية المستعدّة لتوفير ذلك الدعم، وذلك بحصر تلك الجهات وإرشاد المترجمين إلى كيفية الحصول على دعمها. 3- مساعدة المترجمين في تأمين الكتب الجديرة بالترجمة. 4- العمل على تطوير الكفاءات اللغوية والأسلوبية والثقافية للمترجمين، وذلك بوساطة ورشات عمل وسيمنارات لهذا الغرض، ومن خلال تأمين منح لإقامات دراسية قصيرة في ألمانيا. 5- مساعدة المترجمين في نشر إنتاجهم، وذلك بإرشادهم إلى دور النشر والدوريات التي يمكن أن تنشر ذلك الإنتاج. 6- إقامة مسابقات وإحداث جائزة لأحسن ترجمة تنجز عن الألمانية. إنها وسائل من السهل توفيرها عملياً إذا وعى المترجمون العرب أهمية دورهم التنموي الثقافي وكثفوا التواصل والتعاون فيما بينهم. ولا نظنّ أنّ المؤسسات العربية والألمانية المعنية بتطوير العلاقات الثقافية العربية الألمانية ستحجم عن مساعدتهم في توفير تلك الوسائل. أليست الترجمة مقوّماً أساسياً من مقوّمات تلك العلاقات؟. الهوامش والإحالات: (1) راجع بهذا الشأن: K.- R. Bausch/ H. Christ/ W. Huellen: Handbuch Fremdsprachenunterricht. Tuebingen 1989. (2) راجع: M.Maher: Germanistik In Agypten. In: Kairor Germanisitsche Studien. Bd. 6, 1991, S. 23 - 42. (3) راجع: A. Abboud: Daf - Unterricht an den Universitaeten Syriens. In: Info Daf, Nr. 5, OKT. 1992, S.594 - 603. (4) راجع بهذا الخصوص علاء طاهر: مدرسة فرانكفورت من هوركهايمر إلى هابر ماز. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1986. (5) راجع ماكس هوركهايمر: الطوبى وبرجوازية التاريخ. في: (الفكر العربي المعاصر) العدد 37، 1985؛ نفسه: بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية، ترجمة محمد علي اليوسفي. بيروت: دار التنوير، 1988. (6) راجع يورغين هابرماس: القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995. (7) علاء طاهر: م. س. (8) بلغ عدد مؤلفات كارل غوستاف يونغ المترجمة إلى العربية التي تمكنا من حصرها عشرة مؤلفات، نقل المترجم نهاد خياطة ستاً منها عن الإنكليزية هي: علم النفس التحليلي، اللاذقية: دار الحوار، 1985، الإله اليهودي، اللاذقية: دار الحوار، 1986؛ الدين في ضوء علم النفس. دمشق: دار العربي، 1988؛ سرّ الزهرة الذهبية، اللاذقية: دار الحوار، 1988؛ ظاهرة الأطباق الطائرة، اللاذقية: دار المنارة، 1989؛ النازية في ضوء علم النفس، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1922. كما ترجم عبد الكريم ناصيف كتاب: الإنسان ورموزه(عمان: دار منارات، 1987) عن الإنكليزية أيضاً. وترجمت سميرة عزمي الزين كتاب: الأصول الوثنية للمسيحية(بيروت: المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، 1991) . وترجم سامي علام وديمتري أفييرينوس كتابي: الإنسان يبحث عن نفسه، وعلم نفس الخافية(دمشق: دار الغربال، 1993) عن الفرنسية. (9) بهذا الخصوص راجع بحثنا: روايات هرمان هيسه وقصصه في ترجماتها العربية، المنشور ضمن كتاب: هجرة النصوص- دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص169- 201 (10) راجع تفصيل هذه المقولة في بحثنا: التشويه المضاعف. مجلة (فكر وفن) العدد 51، العام 27، 1990، ص53- 57. (11) راجع دراستنا النقدية المتعلقة بتلك الرواية المترجمة في كتاب: الرواية الألمانية الحديثة- دراسة استقبالية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1993. (12) حول ما تعرّضت له هاتان القصتان وغيرهما من قصص كافكا من تشويه راجع كتابنا: القصة الألمانية في ترجماتها العربية. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1996. (13) حول علاقة طريقة الترجمة بنوعية النصّ راجع: K. Reiss: Moeglichkeiten und Grenzen der Uebersetzungskritik. Muenchen 1971. (14) راجع عمانوئيل كانت: نقد العقل العملي، ونقد العقل المجرّد، ترجمة أحمد الشيباني. بيروت: دار اليقظة العربية، 1996؛ فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت. ترجمة فيليكس فارس، بيروت: دار القلم، 1979 . (15) بخصوص نقد الترجمات التي تتم عن لغات وسيطة راجع بحث "نقد الترجمة الأدبية". في هذا الكتاب. (16) من أحدث الأمثلة على هذه المشكلة إعلان الدكتور باهر الجوهري أنه قد أنجز ترجمة رواية"مومو" للكاتب الألماني ميشائيل إنده، علماً بأنّ ترجمة عربية لهذه الرواية قد صدرت قبل عامين مما اضطر الدكتور الجوهري لعدم نشر الترجمة التي قام بها! (17) صدرت أبحاث تلك الندوة وتوصياتها في مجلة: Sprache im technischen Zeitalter, Nr 96, 1985. (18) راجع: مصطفى ماهر وفولفغانغ أوله: مؤلفات لكتاب ألمان مترجمة إلى العربية. بون، 1979. (19) قام السيد فولفغانغ أوله حديثاً بإصدار طبعة جديدة من هذه البيبليوغرافيا، ( مؤلفون ألمان باللغة العربية . عمّان 1998) ولكن هذا الفهرس ينطوي على ثغرات بيبليوغرافية كثيرة ، مما يقلل فائدته. (20) هناك العديد من القواميس الصغيرة التي لا تغني عن قاموس شريجله ولا تشكل منافساً حقيقياً له. راجع: جوتس شراجله: قاموس ألماني- عربي. بيروت: مكتبة لبنان، 1977. (21) حول الدور التنموي للترجمة راجع: لمعي المعيطي(إعداد) : ندوة الترجمة والتنمية الثقافية، القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 1992. (22) حول التعويضات والمساعدات التي قدمتها حكومة جمهورية ألمانيا الاتحادية لإسرائيل راجع: عبد القادر عرابي: ألمانيا الغربية والشرق الأوسط. بيروت: دار الاتحاد، 1974، ص48 وما يليها. (23) حول هذه المسألة راجع مقالنا: معركة في حرب الثقافات في: (الأسبوع الأدبي) العدد 485، 26/10/1995. (24) على هذه الخلفية انطلقت عام 1995 مبادرة لإقامة"جمعية عربية للغة الألمانية وآدابها"ليكون من أهدافها رفع مستوى الوعي العربي للشؤون الألمانية. راجع بهذا الخصوص: مجلة"فكر وفن"، العدد 64، ص74. (25) انطلق ذلك الحوار بصورة منظمة عام 1991 في صورة ندوة عربية- ألمانية عنوانها"العلاقات الألمانية- العربية في التسعينات". وقد تولّى تنظيم تلك الندوة"مُنتدى الفكر العربي" في عمان، وأريد لها أن تكون الحلقة الأولى في سلسلة من الندوات التي توضح مختلف جوانب العلاقات العربية الألمانية. إلاّ أنّ ذلك الحوار لم يستأنف رغم انقضاء عدّة أعوام على ندوة عمان. حول تلك الندوة راجع مقالتنا: الحوار العربي- الألماني: إلى أين؟ مجلة (المستقبل العربي) ، بيروت، العدد 10، تشرين الأول(أكتوبر) 1991. راجع أيضاً بحثنا المقدّم إلى تلك الندوة وهو بعنوان"حول البعد الثقافي اللغوي في العلاقات العربية- الألمانية"، وذلك في كتاب: هجرة النصوص، ص88- 115. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |