|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:21 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الجزء الأول: تاريخ معرفة القراء والكتّاب العرب لإبداع ليف تولستوي 1 - مؤثرات عربيّة في أدب تولستوي: قبل أن أتحدث عن تاريخ معرفة القراء والكتّاب العرب إبداع ليف تولستوي، لابأس في أن نتوقف قليلاً عند موضوع علاقة تولستوي بالأدب العربي. في أيلول من عام 1844، قبل ليف تولستوي طالباً في جامعة كازان-كلية اللغات الشرقية، قسم اللغتين التركيّة والعربيّة، ولقد اختار ليف تولستوي هذا الاختصاص لسببين: الأول لأنّه أراد أن يصبح دبلوماسياً في الشرق العربي، والثاني، لأنّه مهتم بآداب شعوب الشرق. لقد أضمر الكاتب الروسي احتراماً خاصاً للأدب العربي، والثقافة العربية، والأدب الشعبي العربي. فعرف الحكايات العربية منذ طفولته. عرف حكاية "علاء الدين والمصباح السحري". وقرأ "ألف ليلة وليلة"، وعرف حكاية "علي بابا والأربعون حرامي"، وحكاية "قمر الزمان بين الملك شهرمان"، ولقد ذكر هاتين الحكايتين ضمن قائمة الحكايات، التي تركت في نفسه أثراً كبيراً، قبل أن يصبح عمره أربعة عشرعاماً. وكتب حول هذا الموضوع في رسالته (114-ص67) ، إلى م.م. ليدرلي بتاريخ 25 تشرين الأوّل من عام 1891. وهناك دليل آخر على احترام ليف تولستوي للتراث العربي. فيذكر الكاتب، أنّه أمضى إحدى الليالي في غرفة جدته، وأصغى إلى حكايات المحدث الأعمى ليف ستيبا نفتش، الذي كان يعرف حكاياتٍ عربيةً كثيرةً، ومنها حكاية "قمر الزمان بن الملك شهرمان". كتب ف.ف.لازورسكي في مذكراته:"وحدثنا ليف نيكولايفتش حكايةً عربيةً، من "ألف ليلة وليلة"، حيث تحول الساحرة الأمير إلى فرسٍ، إنّه يحبّ كثيراً الحكايات العربية، ويقدرّها تقديراً عالياً.ويقول: يجب معرفتها منذ الطفولة... ويرى تولستوي إنّها نافعة أكثر من مقالة "ماهي الليبرالية"، التي نشرت في مجلة "النقد الأدبي"(162،ص 460) . عتب ليف تولستوي على خ.د. التشيفسكيا، لأنّها لم تضمّن قائمة الكتب المقترحة للقراءة الشعبية الحكايات العربية فكتب لها، "لماذا لم تقترحي الحكايات العربية؟ إنّ الشعب يرغب قراءتها! هذا تقصير من جانبك، (84 ص-111) . استلم تولستوي، في السنة الأخيرة من عمره، طبعةً فرنسيةً جديدةً "لألف ليلة وليلة"، وقرأها من جديدٍ بكلّ سرورٍ. تعود علاقة تولستوي الأولى بالأدب الشعبي العربي إلى عام 1882، فلقد نشر في ملحق مجلته التربوية (يا سنايا بوليانا) ، بعض الحكايات العربية الشعبية، منها حكاية "علي بابا والأربعين حرامي". يرى النقاد السوفييت، ومنهم أ.ي.شيفمن والناقدة ي.زايد نشنور أنّ تولستوي نشر حكاياتٍ عربيةً في السبعينات من القرن الماضي بعد أن أعطاها طابعاً روسياً، مثلاً غيّر الأسماء العربية بأسماء روسيةٍ، محتفظاً بالفكرة الأساسية، وبالشكل الفني للحكاية وبأحداث الحكاية. واختار تولستوي الحكايات العربية، التي تمجّد العمل، ولاسيما العمل بالأرض، وتدين الملوك، ولاسيما الظالمين منهم. تذكرنا حكاية من حكايات "ألف ليلة وليلة" بقصة تولستوي "لحن كريتسر" وهي حكاية: "الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان". فيقول بطل قصة تولستوي إنّ زوجته مثل زوجة الملك شهريار التي خانت زوجها مع عبده، والتي قتلت الملك شهريار، وقتل عبده لأنّه" وجد زوجته راقدةً في فراشه، معانقةً عبداً أسود من العبيد"(1ص6) . وذهب بعد ذلك إلى مدينة أخيه الملك شاه زمان... وعرف أيضاً أن زوجة أخيه تخونه مع العبد مسعود...أيّ أنّ بطل قصة "لحن كريتسر" 1889، يتذكر مطلع "ألف ليلة وليلة"، ويشبّه حالته بحالة الملك شهريار. ويذكر تولستوي مشهداً من مشاهد "ألف ليلة وليلة"، وهو مشهد من الحكاية الخامسة من حكايات السندباد البحري، يذكر مشهداً من هذه الحكاية في بحثه، "عبودية عصرنا"، الذي ألّفه عام(1900) . وترى الباحثة أولغا فرالوفا- رئيسة قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة لينينغراد الحكومية، أنّ رواية تولستوي "آنا كارينينا" التي كتبت مابين عام 1873- وعام 1877 ذات طابع شرقي، وكأنها كتبت بقلم كاتبٍ شرقي. بقي فقط أن نبدّل الأسماء، فالأحداث تجري في الرواية بحماسةٍ وحرارةٍ، وكأنّها تجري تحت سماء الشرق، وتستمد قلوب الأبطال حرارتها من شمس الشرق. والملاحظة الثانية على هذه الرواية، أنّ عقوبة القتل القدري الذي تنتهي إليه بطلة الرواية، قلما نجدها في روايات الكتّاب الغربيين. فبطلة الرواية (آنّا كارنينا) ، خانت زوجها، وتلقت عقوبتها من الحياة نفسها. لم يقتلها زوجها، ولم يقتلها عشيقها فرونسكي، وإنّما رمت بنفسها تحت عجلات القطار. وتمزق جسدها بين عجلات القطار وسكة الحديد. رمت نفسها دون أن يكون لديها عمد مسبق. هكذا انتهت حياة آنا كارينينا نهايةً مؤلمةً قاسيةً. تمزق جسدها تحت عجلات القطار، بعد أن مزقته الحياة، فخسرت ابنها أيّ فقدت جزءاً منها من قلبها، من جسدها، قبل أن تنتحر، أو تفكر بالانتحار. فهذه النهاية القاسية لخطيئة الخيانة الزوجيّة، قلما تتصف بها رواية أوروبية، فكأنها رواية شرقية. كتب تولستوي قصة "الحاج مراد" مابين عامي 1896-1905، ولا نستطيع القول إنّ هناك تأثيراً للأدب العربي. ولكننا نقرأ أسماءً عربيةً مثل مراد، شامل، محمد، أحمد، سعدو، ونقرأ عباراتٍ عربيةً، مثل، السلام عليكم، ولا إله إلا اللّه. ونتحسس تعاطف تولستوي مع الحاج مراد وتفهمه لشخصيته. والجدير بالذكر أنّ تولستوي نظر إلى شخصية الرسول العربي نظرةً كلّها احترام وتقدير ولعل أكبر دليل على ذلك أنّه أصدر كتاباً باللغة الرّوسية بعنوان "حِكم النبي محمد" في عام 1909، أيّ قبل وفاته بعامٍ واحدٍ، إذ أنّ كاتب روسيا العظيم توفي في عام 1910، وقصد تولستوي من كتابه هذا الدفاع عن الإسلام. نقل هذا الكتاب من اللغة الروسيّة إلى اللغة العربيّة في عام 1912، خريج دار المعلمين الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين واسمه سليم قبعين، الذي كان يعتبر نفسه من أتباع مذهب تولستوي واستند تولستوي في كتابه "حِكم النبي محمد" على كتاب حول هذا الموضوع صدر في الهند باللغة الإنكليزية في عام 1908 لمؤلفه عبد الله السهروردي. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ تولستوي قرأ القرآن الكريم باللغة الفرنسية وتوجد نسخة من القرآن الكريم في مكتبة ليف تولستوي في بيته في قريته "ياسنايا بوليانا". وترك الكاتب الروسي بعض الملاحظات، التي تدل على قراءته للقرآن الكريم. هذه النسخّة محفوظة في مكتبته البيتية التي تحولت في يومنا الحاضر إلى متحفٍ أدبيٍ. ويرى الدكتور عبد الله ركيبي في مقالته "تولستوي والإسلام" (80 ص288) ، أنّ تولستوي من بين الذين اعترفوا بما في تراثنا من قيمٍ إنسانيةٍ ودعوةٍ إلى المحبة والتسامح والخير والعدل والرحمة والعطاء والمساواة. كتب ليف تولستوي إلى ابنه، الذي كان يزور مصر، ووصل إلى مدينة أسوان في عام 1904، رسالةً يطلب يطلب منه فيها أن يزوده ببعض المعلومات حول الشرق. جرت مراسلات في العام نفسه بين تولستوي وبين الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، ورئيس جامعة الأزهر آنذاك. كتب الشيخ محمد عبده إلى تولستوي وأجابه تولستوي. ونشعر من خلال قراءة مراسلاتهما أنّ نظرتهما إلى أمور الدنيا متشابهة ومتقاربة. توجد في مكتبة تولستوي الخاصة كتب تاريخية، تثبت اهتمام الكاتب الروسي العظيم بالشرق. من هذه الكتب "تاريخ الدولة الآشورية منذ قيامها حتى سقوط نينوى"، الذي صدر عام 1902، لمؤلفه روفازيني وكتاب للبرفسور اندرسون "تاريخ حضارات الشرق المندثرة"، الذي صدر عام 1904. وكتاب للبرفسور استافييف "آثار بابل وآشور، المكتشفات الحديثة"، عام 1882، كما تحفظ مكتبة تولستوي كتاباً بعنوان "القصص السورية" لمؤلفه كوندوروشكين، صدر عام 1908، وكتاباً بعنوان الأساطير العربية "لمؤلفه ابن علي". وضمّن تولستوي كتاباً له بعنوان "أفكار الحكماء لكلّ يومٍ"، الذي صدر عام 1903، كثيراً من الأمثال والحكم والأقوال المأثورة العربية وأصدر بعد ذلك جزءاً ثانياً لهذا الكتاب، الذي ألفه مابين عامي (1906-1910) وضمّنه أيضاً أمثالاً عربيةً. لقد أجاب تولستوي برسالته المؤرخة بتاريخ 8 تموز عام 1908 من قريته "ياسنايا بوليانا"، رجل الدين واسمه سولوفيوف، الذي طلب منه العودة إلى رحاب الكنيسة الروسية، أجابه بما يلي:-"في إحدى الحكايات العربية قرأت مايلي:"...(108 ص178) ، ويذكر هنا تولستوي حكايةً عربيةً خلاصتها أنّ اللّه يتقبل الصلاة، التي تصدر من أعماق القلب، حتى وإن كانت بالشكل لا تتطابق مع الصلوات التقليدية ويقول تولستوي إنّ هذه الحكاية أعجبته كثيراً. هذه الأمثلة، إن دلت على شيء، فإنّما تدل على الاحترام الكبير الذي تضمنه فكر كاتب الأرض الروسية العظيم وتراثه للشعب وللتاريخ وللفكر وللأدب وللتراث العربي. * * * 2) انتشار أدب تولستوي في روسيا وبلاد الشام ومصر، وبواعثه. لقد ترك ليف تولستوي أثراً كبيراً في الشعب الروسي، وفي الشعوب الأجنبية، وله شعبية كبيرة في البلاد الأجنبية. كتب الناقد الروسي الكبير أ.س.سوفورين في يومياته، بتاريخ 29 أيار 1901 مايلي: "يوجد عندنا، في روسيا، قيصران: نيكولاي الثاني، وليف تولستوي، من منهما الأقوى؟ لا يستطيع نيكولاي الثاني أن يفعل شيئاً مع تولستوي، لا يستطيع هزّ عرشه، في حين أنّ تولستوي، وبلا شكٍ، يهزّ عرش نيكولاي وعائلته"(137ص263) . بماذا نستطيع تفسير سر قوة تولستوي؟ رأى فلاديمير ايليتش لينين قوة الفنان الروسي في كونّه عبّر عن مصالح ملايين الفلاحين الروس... يكتب في مقالته "ليف تولستوي"،(1910) :"وإنّ تولستوي لم يبدع مؤلفاتٍ فنيةً فحسب، ستقدرها الجماهير وتقرأها دائماً عندما تخلق ظروفاً جديرةً بالإنسان لحياتها، بعد أن تطيح بنير الملاكين والرأسماليين بل، إنّه قد عرف أيضاً كيف يعكس بقوةٍ رائعةٍ الحالة الفكرية للجماهير الواسعّة المظلومة من قبل النظام القائم، ويصف وضعها، ويعبّر عن مشاعرها العفوية، مشاعر الاحتجاج والغضب"،(39-ص70) . ساعدت هذه الميزة الهامة من ميزات إبداع ليف تولستوي على انتشار هذا الإبداع وعلى جماهيريته وشعبيته العالمية. ولكن في مطلع القرن العشرين، لاقت اهتماماً خاصاً تعاليمه الدينية والأخلاقية. لقد كتب فلاديمير ايليتش لينين حول تولستوي، في المقالة الآنفة الذكر "إنّ تولستوي الفنان المعروف لدى أقلية ضئيلة فقط حتى في روسيا"(39-ص69) ، ونستطيع أن نتابع الفكرة نفسها، فنقول إنّ تولستوي المفكر والفيلسوف والواعظ معروف ليس فقط في روسيا،وإنّما أيضاً في البلاد الأجنبية، أمّا كروائي فهو غيرمعروف حتى في روسيا وكذلك فإنّ تولستوي اشتهر في البلاد العربية كفيلسوفٍ وليس كروائي، وحول هذه النقطة الدكتورة آنا اركاديفنا دالينينا- أستاذة الأدب العربي في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة لينينغراد الحكومية كتبت مايلي: "في السنوات الأولى من القرن العشرين، كانت لتولستوي شهرة كبيرة في البلاد العربية، كمفكرٍ وواعظٍ، أكثر من كونه فناناً (123-ص202) . إنّ جماهير البلاد العربية، كانت بالدرجة الأولى، من الفلاحين المظلومين والمقهورين، ومن الذين لم يصل إليهم الوعي الثوري، فكانت نسبة الأمية في مطلع القرن العشرين عالية جداً في البلاد العربية ولذلك فإنّ هذه الأرضيّة كانت جيدةً، لأن تلقى تعاليم تولستوي جماهيرية واسعّة في البلاد العربية آنذاك. الظروف الحياتية للفلاحين العرب كانت تشبه ظروف حياة الفلاحين الروس.كتب فلاديمير ايليتش لينين في مقالته "تولستوي والنضال البروليتاري"(1910) ، مايلي: "بلسان تولستوي، كانت تتكلم الجماهير الغفيرة من الشعب الروسي التي صارت تكره سادة الحياة الراهنه، والتي لما تتوصل إلى نضالٍ حاسمٍ لا هوادة فيه ضد هؤلاء السادة، إلى نضالٍ واعٍ، دائبٍ، سائرٍ، إلى النهاية"(40 ص13) . كتبت جريدة "الأخبار الروسية" في عام 1903: "أصبحت مؤلفات الكونت ليف تولستوي مشهورةً في سوريا. تنشر المجلات الأسبوعية مقتطفاتٍ من مقالاته، التي جذبت انتباه السوريين بسبب صدقها، وأثارت نقاش المواطنين السوريين في أثناء أيام العطلة وفي أثناء العمل، وبوجه خاص حول المواضيع الدينية. فلقد نشر رئيس تحرير مجلة "الجامعة" سيرة حياة تولستوي، وكتب بإيجاز عن نظراته الفلسفية، وآرائه. ونشرت إحدى الجرائد العربية الترجمة الكاملة لقصة تولستوي "لحن كريتسر"(183-ص5) ، (المقصود هنا ترجمة سليم قبعين) ، ورئيس تحرير مجلة "الجامعة" هو الكتاب والروائي فرح أنطون. يذكر أ.فيدوروف في مقالته "حكيم من حيفا" كلمات مواطنٍ عربيّ اسمه عباس الافندي، التي تشهد على انتشار أفكار تولستوي بين الجماهير العربية في مطلع القرن العشرين. قال عباس الأفندي لفيدوروف مايلي:"يجب أن يكون الشعب الروسي سعيداً، لأنّ تولستوي منه، ولكن تولستوي أيضاً يجب أن يكون سعيداً، لأنّه ولد في بلدٍ مثل روسيا. لأنّ عظمة روح الشعب الحقيقي تصنع عظمة الكاتب. ظهرت تعاليم تولستوي كعطاءٍ من أعماق الأرض، ولذلك فإنّها رجعت إلى الأرض كمطرٍ معطاء"،(153 ص3) - هذه هي كلمات حكيمٍ من حيفا في مطلع القرن العشرين حول تولستوي. شق مجد تولستوي طريقه، في مطلع القرن العشرين إلى القرى المصرية النائية. كتب س.يلباتيفسكي في مقالته بعنوان "مصر" حدثنا أحد الأصدقاء أنّ الفلاحين المصريين طلبوا منه أن يحدثهم عن فلسفة تولستوي وتعاليمه وحياته، واستمعوا إلى حديثه حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل وكلما رغب في الانصراف، ألحوا عليه لمتابعة الحديث حول الكاتب الروسي "(181ص135) . وطالب الفلاحون المصريون بإرسال صور تولستوي لهم ليروا وجه الرجل الحكيم، علماً بأن بعض المذاهب الإسلامية آنذاك كانت تحرم التصوير. يمكن تفسير انتشار مؤلفات ليف تولستوي في البلاد العربية بأنّ أفكاره كانت تلائم مرحلة التطور التاريخية التي كانت تمر بها البلاد العربية. فقد عبّر تولستوي عن كراهية الفلاحين، للأنظمة القائمة، وفي الوقت ذاته عبّر عن عدم نضجّهم السياسي. وجدت هذه الأفكار تربةً طيبةً لها في البلاد المستعمرة والمقهورة والمستغلة ولدى الشعوب المظلومة التي تعاني من الاستعمار الأجنبي، والتي ترغب في التخلص من نير المحتل، ولكنها لم تتفهم بعد الطريق الثوري. وكما هو معروف، وقعت البلادالعربية تحت نير الاستعمار العثماني أكثر من أربعة قرونٍ منذ مطلع القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين. ما إن تحررت الدول المستعمرة من نير الاستعمار التركي، حتى سقطت دولة تلو الأخرى تحت نير الاستعمار الغربي. فاستعمرت فرنسا المغرب والجزائر وتونس ولبنان وسوريا، واستعمرت بريطانيا مصر والسودان والعراق وفلسطين، واستعمرت إيطاليا ليبيا. وهكذا وقعت الدول العربية تحت نير الدول الثلاث الأجنبية المذكورة. كان للثقافة الأوروبية في الشرق العربي تأثير إيجابي على الأقل في النواحي الثقافية، وبوجهٍ خاصٍ ساعدت الثقافةالأوروبية على تطور مايسمى بالأدب العربي الحديث في مصر وسوريا. ولقد أوضح الأكاديمي ي.يو.كراتشكوفسكي أنّ الحملة الفرنسية عرفت العرب على المطبعة، ويقصد حملة نابليون بونابرت على مصر ما بين عامي (1798-1801) ، ونشطت حركة الترجمة في مصر، وبوجهٍ خاصٍ في عهد محمد علي (1805-1849) ، ولذلك فإنّنا نستطيع أن نسمي هذه المرحلة مرحلة التنوير أكثر مما هي مرحلة الإبداع الأدبي. يتميز مطلع القرن العشرين بنهضةٍ قويةٍ لحركة التحرر الوطني في بلاد الشرق. عمت موجة الحركة الوطنية التحرريّة البلاد العربية خصوصاً، تأسست أحزاب وطنيّة، تهدف بالدرجة الأولى إلى تحرير الأرض العربية من الاحتلال الأجنبي. فأسس مصطفى كامل (1874-1908) عام 1907، حزباً، أطلق عليه اسم "الحزب الوطني" الذي كان يهدف إلى تحرير مصر من الاحتلال الإنكليزي. ولعل مصطفى كامل من أبرز المفكرين العرب في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. نشر مجموعةً من مقالاته في صحيفة "اللواء" التي عمل رئيساً لهيئة تحريرها. وفي القاهرة أيضاً لعبت مجلة "الأخاء" دوراً كبيراً في حركة الترجمة. فنشرت هذه المجلة مجموعةً من ترجمة سليم قبعين، الذي عمل رئيساً لتحرير المجلة المذكورة وصاحبها اعتباراً من عام 1924. تخرج سليم قبعين في الثانوية الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين وكان من أوائل الذين تخرجوا في هذه الثانوية. وكان يتقن اللغة الروسية، ومتزوجاً من مواطنةٍ روسيةٍ. ولقلمه الفضل في ترجمة العديد من المؤلفات الروسية إلى اللغة العربية، منها ترجمة "لحن كريتسر" لتولستوي عام 1903، كما ألّف كتاباً حول تولستوي بعنوان "تعاليم تولستوي"، وذلك في عام 1901. تخرج في ثانوية الناصرة الروسية مترجم آخر اسمه خليل بيدس الذي أصدر في حيفا اعتباراً من عام 1909 مجلة "النفائس" بدأت ترجمة مؤلفات تولستوي عن اللغة الروسية إلى اللغة العربية. وأصبحت مؤلفات الكاتب الروسي تظهر باللغة العربية بصورةٍ متزايدةٍ سنةً بعد أخرى. أخذت تتعزز في الأدب العربي في مطلع القرن العشرين النزعات الواقعية، نلاحظ هذه التطلعات إلى الواقعية في الأدب العربي في المهجر وفي الأدب العربي المعاصر، الذي نشر على الأرض العربية. ظهر الأدب العربي في المهجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستمر في النصف الأول من القرن العشرين إلى يومنا الحاضر. ظهر هذا الأدب في أمريكا الشمالية وفي أمريكا الجنوبية، ومن أبرز أدباء المهجر، جبران خليل جبران(1883-1931) -عميد الرابطة القلمية التي تأسست في مدينة نيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين عامي (1920-1931) . وميخائيل نعيمه (ولد في عام 1889) مستشار الرابطة، ورشيد أيوب، وندره حداد، ووليم كاتسفليس، ووديع باحوط والياس عطا الله، ونسيب عريضه، وإيليا أبو ماضي، وعبد المسيح حداد وأمين الريحاني. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ ثلاثةً من الأدباء المذكورين وهم نسيب عريضه وعبد المسيح حداد، وميخائيل نعيمه، هم من خريجي دار المعلمين الروسية، في مدينة الناصره، بفلسطين. يتميز الأدب المهجري بسهولة التعبير، وحلاوة التلوين، ولطافة الوقع، وسلامة الذوق، فلقد اتخذ الأدب المهجري من الكلمة رسولاً لا معرّضاً للأزياء اللغوية والبهرجة العروضية، آمن هذا الأدب بقدسية الكلمة، فكان أدباً صادقاً. ولعل الميزة الأساسية لهذا الأدب هي محاولته التجديد في الشكل والمضمون مع الحفاظ على الأصالة. هدف الأدب المهجري إلى بث روحٍ جديدةٍ نشيطة في جسم الأدب العربي وانتشاله من وهدة الخمول والتقليد، إلى حيث يصبح قوةً فعالةً في حياة الأمة، يستمد الأدب الحقيقي غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها ... وهذا يعني التجديد، وفي الوقت ذاته يعني الاستفادة من تراث فطاحل المفكرين والشعراء العرب في العصور الماضية. وكان موضوع حبّ الأرض وتقديسها، والحنين إلى الوطن من أهم المواضيع التي تطرق إليها الأدب العربي في المهجر. برزت هذه الصفات واضحة جلية في مؤلفات الكاتب العربي الكبير أمين الريحاني (1876-1940) ، ونجد هذه الميزات المذكورة في مؤلفاته "الريحانيات"(1910) ، "ملوك العرب"(1924) ، "فيصل الأول"(1933) ، "الرحلات"(1939) ، ونجدها في آثار الريحاني الأخرى. برزت هذه الخصائص في أدب جبران خليل جبران، في باكورة أعماله "الموسيقى" (1905) ، وفي كتابه: "الأرواح المتمردة"(1908) ، وفي قصته "الأجنحة المتكسرة"(1912) ، وفي مجموعته "دمعة وابتسامة" (1914) ، ونجدها في قصيدته "المواكب" عام (1919) ، وفي كتابه: "العواصف" عام (1920) ، وفي كتابه: "النبي" عام (1923) وفي كتابه:"يسوع ابن الإنسان" عام(1928) . نلاحظ هذه الصفات في مؤلفات الكاتب العربي الكبير ميخائيل نعيمه التي سبق ذكرها في مقدمة هذه الدراسة. ونذكر هنا مؤلفات نعيمة "الغربال" عام (1923) ، و"الأوثان" عام(1946) ، و"هوامش" عام (1965) . في الوقت ذاته، الذي كانت تنادي فيه الأقلام العربية في المهجر بتجديد الأدب، كانت في مصر أقلام عربية تبث في أدبنا العربي روحاً عربيةً جديدةً، متأثرة بنسيمات الغرب. كانت المحاولة الأولى قبل حوالي مئة عام. قام بها رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، الذي حاول نقل الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية، لكي تستطيع الأخيرة تجاوزعصور الظلام المملوكية-العثمانية. فهو رائد، أو على الأقل أحد رواد حركة النهضة العربية الحديثة. وتظهر آراؤه في معظم مؤلفاته، ولاسيما في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"عام(1834) وكان ناصيف اليازجي (1800-1871) أحد الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في بعث اللغة العربية والأدب العربي وأحد الذين دعوا للوحدة العربية. ولعل الكاتب العربي الكبير بطرس البستاني (1819-1883) ، من أكبر أعلام النهضة العربية في القرن التاسع عشر. كان علي مبارك (1823-1893) ، أحد أبرز صنّاع تجربة المجتمع العصري على امتداد مايقرب من خمسين عاماً، فأنشأ دار الكتب القومية في القاهرة في (1869) . وهناك مفكرون كبار ساهموا في وضع اللبنات الأولى في النهضة العربيّة، نذكر منهم جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ، والإمام محمد عبده (1849-1905) ، الذي سنتحدث عن مراسلاته مع تولستوي في الصفحات التالية من هذه الدراسة. وعبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) ، وقاسم أمين (1863-1908) ، الذي نادى بتحرير المرأة. ونستطيع القول إنّ طه حسين (1889-1973) خطا خطواتٍ واسعةً في مجال التنوير، كما نستطيع القول إنّه قاد مشروع التنوير الثاني، فلقد أعاد النظر في تاريخ الأدب العربي في كتابيه "في الأدب الجاهلي" و"حديث الأربعاء" وفي أعماله الإبداعية "الأيام" صدر الجزء الأول منها في عام 1929، وصدر الجزء الثاني في عام (1939) ، وصدر الجزء الثالث في عام (1967) وفي قصته "دعاء الكروان" عام (1934) ، وفي قصته "شجرة البؤس"، والتي صدرت عام (1954) . بعد ذلك أخذ الأدب العربي الحديث في القرن العشرين يتطور على أيدي كتّاب كبار منهم نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس ومحمود تيمور، وعبد السلام العجيلي، وحنا مينه، وغيرهم كثير. حاول هؤلاء الأدباء بث روحٍ جديدةٍ في الأدب العربي، ترفعه إلى مستوى الآداب العالمية المعاصرة. فكان شعارهم تصوير الحياة تصويراً واقعياً، ولقد عبّروا في أدبهم عن الشعار المذكور. فكانت مواضيع مؤلفاتهم واقعيةً وعصريةً. واختاروا أبطالهم من الوسط العادي. وكان تصويرهم لهؤلاء الأبطال ولحياتهم تصويراً مفصلاً وصادقاً. قاموا بتجارب التحليل النفسي واختاروا أسلوباً بعيداً عن الزخارف اللفظية التقليدية من سجعٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ، فكان أسلوبهم واضحاً وبسيطاً. يمكن أن نجد هذه الميزات في قصة حسين هيكل "زينب" عام (1914) ، وفي أعمال إبراهيم المازني، وفي أعمال غيرهما من الأدباء العرب في القرن العشرين. ومع كل هذا، يرى بعض النقاد على هذه المدرسة بعض الملاحظات لأنّها في تصويرها للواقع لا تعبّر عن وجهّة النظر الثورية. ولذلك فإنّ هذه المدرسة لم تخدم بالقدر الكافي حركة النضال التحرري الثوري الوطني. وتكمن هنا نقطة ضعفها. صوّر هؤلاء الأدباء الواقع، وكانت مؤلفاتهم من صميم الحياة، إلا أنّها لم تجد في نفسها القوة للإجابة عن الأسئلة التي كانت تقلق الشعب العربي. لا يوجد أدنى شكٍ في أنّ الأدب الروسي، وبوجهٍ خاصٍ أدب تولستوي لعب دوراً هاماً في تطور الاتجاه الواقعي في الأدب العربي المعاصر وكذلك في طرح الكثير من الأسئلة وفي معالجتها. 3- رسائل القراء العرب إلى ليف تولستوي: اهتم بشخصية ليف تولستوي وبإبداعه القراء العرب العاديون والكتّاب والنقاد والمترجمون العرب. بدأ هذا الاهتمام بأدب تولستوي في مطلع القرن العشرين، ولم يضعف حتى يومنا الحاضر. تبرهن على صحة هذا الأمر الرسائل، التي استلمها الكاتب الروسي العظيم من القراء العرب. بدأت هذه الرسائل تصله منذ عام 1901 من مصر. وأجاب تولستوي على معظمها، وأبدى تعاطفه مع أصحابها. فاستلم ليف تولستوي في عام (1901) في قريته (ياسنايا بوليانا) ثلاث رسائل من مواطنٍ مصري، اسمه جبرائيل ساس، وأجاب الكاتب الروسي على هذه الرسائل بشيءٍ من المحبة والتفهم والتعاطف. ففي رسالته الأولى المؤرخة بتاريخ 26 تموز 1901 يقول جبرائيل ساس إنّه يتمنى أن تصل رسالته إلى تولستوي، وهو بتمام الصحة والعافية ويطلب من اللّه الحفاظ على حياة تولستوي لحاجة الفقراء إليه. فلقد أصبح الشعب الروسي عظيماً، برأي جبرائيل، لاعتناقه المسيحية ولتخلصه من الوثنية، ويستطيع الشعب الروسي الآن التقدم بفضل تعاليم تولستوي، والجدير بالذكر أنّ هذه الرسالة محفوظة في متحف تولستوي الأدبي في موسكو، في قسم المخطوطات وتحمل الرقم 6/237. أجاب ليف تولستوي على معظم الرسائل، التي استلمها من القراء العرب، من معلمة من القاهرة، التي تتمنى لتولستوي الصحة وطول العمر، ومن طالبٍ مصري يطلب من كاتب الأرض الروسية العظيم نسخةً من رواية "آنا كارينينا"، مع الإهداء على الصفحة الأولى بخط تولستوي نفسه. واستلم تولستوي رسالةً من فتاةٍ عربيةٍ سوريةٍ مؤرخةٍ بتاريخ 10 تشرين الأول عام 1904، تطلب صاحبة الرسالة واسمها رمزية عويفني في رسالتها من تولستوي إرسال صورته لتعليقها في بيوت السوريين، الذين يحبونه ولنشرها في الجرائد والمجلات السورية. ولابأس من الإشارة إلى أنّ رسالة رمزية عويفني مكتوبة باللغة الروسية ومحفوظة في متحف تولستوي الأدبي في موسكو وتحمل رقم 1/146/204/ أجاب ليف تولستوي على رسالة الفتاة العربية السورية بتاريخ 11 شباط عام 1905، وسمع كثير من مواطني سوريا برسالة تولستوي ونشرت المجلات والصحف، الصادرة في دمشق في ذلك الوقت صورة تولستوي وبعد ذلك كتبت رمزية عويفني رسالتين إلى الكاتب الروسي وشكرته على طيبه وعلى تلبية طلبها. كتب إلى ليف تولستوي أحد الناشرين العرب في 16 تموز عام 1908 يطلب في رسالته الموافقة على ترجمة رواية "آنّا كارينينا" ونشرها في القاهرة باللغة العربية، ورأى هذا الناشر أنّ رواية "آنّا كارينينا" ستلاقي نجاحاً كبيراً في المجتمع العربي، حيث لم تتمكن أغلبية القراء العرب من التعرف جيداً على فن تولستوي الروائي. أجاب الكاتب الروسي على هذه الرسالة، بأنّه يسمح لجميع المترجمين والناشرين ترجمة ونشر مؤلفاته دون مقابلٍ مادي ويستطيع المترجمون في أيّ وقتٍ وفي أيّ مكانٍ نشر مؤلفاته دون موافقته. * * * 4 - مراسلات الشيخ محمد عبده، مفتي الديارالمصرية، ورئيس جامعة الأزهر، وليف تولســـــتوي. اهتم بشخصية تولستوي وبتراثه ليس فقط القراء العاديون، وإنّما أيضاً كتّاب عرب كبار. ولعل الكاتب والشيخ محمد عبده (1849-1905) رئيس جامعة الأزهر آنذاك، كان أول الكتّاب العرب، الذين تبادلوا الرسائل مع الكاتب الروسي العظيم ليف تولستوي (1828-1910) . فبعد أن حرم المجمع الكنسي المقدس تولستوي عام 1901، من الكنيسة لنقده لها بوجهٍ عامٍ في مؤلفاته العديدة، وبوجهٍ خاصٍ في روايته "البعث"، التي صدرت في عام 1899. كتب الشيخ محمد عبده رسالةً لتولستوي بتاريخ 18 نيسان عام 1904، ويرى النّقاد السوفييت، الذين أعدّوا المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي بلغ مجموعها تسعين مجلداً، أنّ رسائل المفكر العربي محمد عبدّه إلى تولستوي مفقودة، ويوجد لديهم جواب تولستوي على رسالة محمد عبده، ومن خلال رسالة تولستوي الجوابية إلى محمد عبده يتوقع النقّاد السوفييت أنّ رسالة محمد عبده تتعلق بأمور الدين. كتب النقّاد السوفييت رأيهم هذا في شرحهم لرسالة تولستوي الجوابية لمحمد عبده (115 ص92) . علماً بأنّ رسالة الشيخ محمد عبده، إلى تولستوي محفوظة بخط محمد عبده وباللغة العربية في متحف تولستوي الأدبي في موسكو، وتحمل الرقم (204/5) . ونشرت الرسالة المذكورة مع رسالة أخرى من محمد عبده إلى تولستوي في المجلد الثاني من الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده. يكتب محمد عبده في رسالته الأولى إلى تولستوي: "أيّها الحكيم الجليل، موسيوتولستوي.... لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكنا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك، ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك. هداك اللّه إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلىالغاية التي هدى البشر إليها فأدركت أنّ الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم، ويتم بالعمل ولأن تكون ثمرته تعباً ترتاح به نفسه، وسعياً يبقى به ويرقى به جنسه وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، واستعملوا قواهم- التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها- فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم. (29- ص367) ، ثم يتابع محمد عبده رسالته فيقول عن صراع تولستوي ضد الأغنياء:"...... وكما كان وجودك توبيخاً من اللّه للأغنياء كان مدداً من عنايته للفقراء... هذا وإنّ نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك، وإنّا نسأل اللّه أن يمد في حياتك، ويحفظ عليك قواك، ويفتح أبواب القلوب لفهم ماتقول ويسوق النفوس إلى الاقتداء بك فيما تعمل، والسلام. مفتي الديار المصرية محمد عبده (29 ص367-368) . أمّا الرسالة الثانية فلا تختلف كثيراً عن الرسالة الأولى، ويخاطب فيها محمد عبده تولستوي قائلاً: أيّها الروح الذكي، صدرت من المقام العلي إلى العالم الأرضي، وتجسدت فيما سموه بتولستوي، قوي فيك اتصال روحك بمبدئه، فلم تشغلك حاجات جسدك عما تسمو إليه نفسك..... وأدركت أنّ الإنسان خلق ليتعلم فيعلم فيعمل، ولم يخلق ليجهل ويكسل ويهمل"(29-ص369) . وما إن استلم ليف تولستوي رسالة الشيخ محمد عبده حتى كتب مباشرةً إلى الناقد الإنكليزي كوكريلو بتاريخ 12 أيار عام (1904) : "الآن استلمت رسالة المفتي واعترف لك بالجميل والامتنان. لأنك حملت لي هذه الرسالة. إنّ المفتي يمتدحني كثيراً في رسالته على الطريقة الشرقية، ولذلك فإنّني أجد صعوبةً في الإجابة على هذه الرسالة، وإنّني مسرور جداً، بمعرفتي بهذا الإنسان اللطيف"(115ص89) . أجاب ليف تولستوي على رسالة محمد عبده وجاء في جوابه: "أيّها الصديق العزيز، لقد استلمت رسالتك الطيبة والمليئة بالمديح وأجيبك عليها مباشرةً لكي أؤكد لك بأنّني سررت بها كثيراً، أعتقد، ولا أُخطئ في اعتقادي، وذلك من خلال قراءتي لرسالتك، أنّ العقيدة التي أؤمن بها، وهي العقيدة التي تؤمن بها نفسها، وتتلخص في الاعتراف بوجود اللّه وقوانينه"(115-ص92) . يرى ليف تولستوي في رسالته أنّ هناك ديانات كثيرةً ومختلفةً ولكن هناك عقيدةً واحدةً حقيقيةً، وهي تتلخص في الإيمان باللّه الواحد وبمحبة الآخرين، وبمطالبة الناس بعمل الخير بعضهم لبعض، ويرى تولستوي أنّ جوهر الديانات الثلاث أيّ اليهودية والمسيحية والإسلامية واحد، ويرى الكاتب الروسي ضرورة ابتعاد الديانات عن الطقوس الشكلية لكي يستطيع أتباعها التقرب من بعض وعندما تبدأ المؤسسات الدينية بالبساطة، آنذاك تصل إلى توحيد قلوب المؤمنين، وينهي ليف تولستوي رسالته بالتعبير عن المشاعر الصادقة تجاه الشيخ محمد عبده. ولكن مما يؤسف له أنّ الشيخ محمد عبده توفي في تموز عام 1905 ولذلك لم تستمر هذه المراسلة. * * * 5 - مقال مصطفى لطفي المنفلوطي حول ليف تولستوي: تابع الكتاب العرب تطورات حياة تولستوي وتراثه، ونعرف مقالات مصطفى لطفي المنفلوطي وأمين الريحاني وقصائد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجميل صدقي الزهاوي حول تولستوي. أرسل مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) ، وهو ممن تلقوا علومهم في جامعة الأزهر التي كان يرأسها الشيخ محمد عبده رسالةً مفتوحةً إلى تولستوي في عام (1910) بعد أن عرف من وسائل الإعلام أنّ تولستوي ترك منزله ليعتزل الناس. فابتدأ رسالته هذه بقوله "قف ساعةً واحدةً نودعك فيها قبل أن ترحل لطيتك، وتتخذ السبيل إلى دار عزلتك، فقد عشنا في كنفك على مابيننا وبينك من بعد الدار، وشط المزار، عهداً طويلاً كنا فيه أصدقاءك، وإن لم نرك وأبناءك، وإن كان لنا آباء من دونك، وعزيز علينا أن تفارقنا قبل أن نقضي حق عشرتك بدمعةٍ نذرفها بين يديك في موقف الوداع"(44ص417) . ثم يتحدث المنفلوطي في رسالته عن صراع تولستوي ضد القيصر: "قلت لقيصر:"أيّها الملك، إنّك صنيعة الشعب وأجيره، لا إلهه ومعبوده، وإنّك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكار في المزرعة وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور على عملٍ يعمله، وكلاكما مأخوذ بإتقانٍ مايعمل، فكما أنّ صاحب المصنع يسأل العامل هل وفى عمله ليوفي له أجره، كذلك يسألك الشعب: هل قمت بحماية القانون الذي وكلّ إليك حراسته فأنفذته كما هو من غيرتبديلٍ ولا تأويلٍ؟ هل عدلت بين الناس وآسيت بين قويهم وضعيفهم، وغنيهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟(44ص418) . ويتحدث المنفلوطي عن ملاحقة القيصر لتولستوي بدلاً من إصغائه لنصائحه. ثم يتحدث المنفلوطي ضد القوة الثانية التي تضطهد الشعب وهي قوة الإقطاع:"وقلت للغرندوق الروسي: ليس من العدل أن تملك وحدك وأنت نائم في سريرك، بين روضك، ونسيمك وظلك ومائك- هذه الأرض التي تضم بين أقطارها مليون فدانٍ، ولا يملك أحد من هؤلاء الملايين- الذين يفلحونها ويحرثونها، ويبذرون بذورها ويستنبتون نباتها، ويسوقون ماشيتها، ويتقلبون بين حرها وبردها وأجيجها وثلجها -شبراً واحداً فيها، فاعرف لهم حقهم وأحسن القسمة بينك وبينهم، وأشعر قلبك الخجل من منظر شقائهم في سبيل سعادتك، وموتهم في سبيل حياتك....(44ص419) . ويتحدث المنفلوطي عن الحياة البسيطة التي كان تولستوي يعيشها فلقد كان يعمل في الحقل مع الفلاحين ويرتدي الملابس التي يرتدونها، ولكن الإقطاع لم يستمعوا إلى نصائحه ولم يتخذوا منه قدوة". ويكتب المنفلوطي عن صراع تولستوي ضد قوةٍ ثالثةٍ هي قوة رجال الدين، فكان جواب رجال الدين في روسيا أن أرسلوا له كتاب الحرمان من الكنيسة، لأنّ تولستوي طالبهم بتأييد الشعب الفقير ضد الأغنياء وضد الملوك، لأنّ الدين يقضي بهذا، وليس اللهث وراء الدنيا وزخرفها. ويتحدث المنفلوطي عن تنديد تولستوي بتعذيب المساجين والمنفيين في سيبيريا، واستنكاره للحروب وويلاتها، وعن دعوته للمحبة والتسامح. وهكذا فإنّ المنفلوطي يرى عظمة تولستوي في صراعه وحيداً ضد قوى الشر بكلّ أشكالها، وهو لا يتطرق في رسالته هذه إلى الروايات الخالدة العالمية التي كتبها تولستوي وهي رواية "الحرب والسلم" ورواية "آنّا كارينينا" ورواية "البعث"، لا يتحدث المنفلوطي عن تولستوي الفنان، وإنّما يتحدث عن تولستوي المصلح الاجتماعي لا بل الثائر، فتولستوي كما حاول أن يفهمه المنفلوطي يشبه إلى حدٍّ ما الأبطال الرومانسيين الذين يقاتلون حتى آخر سهمٍ في كنانتهم أعداءهم الكثيرين. نستطيع القول إنّ الأدباء العرب جميعاً، في مطلع القرن العشرين لم يتطرقوا في مقالاتهم حول تولستوي إلى مؤلفاته الفنية، وإنّما اهتموا بمؤلفاته الفلسفية، وبوجهٍ خاصٍ تحدث الأدباء العرب عن نضال تولستوي ضد الأغنياء والملكية الخاصة، ولعل مقالة الأديب العربي أمين الريحاني خير دليلٍ على صحة ذلك. * * * 6 - الكاتب أمين الريحاني حول تولستوي: نشر أمين الريحاني (1876-1940) في عام 1910، في المجلد الأوّل من الريحانيات مقالةً بعنوان "تولستوي". كتبت هذه المقالة في العام نفسه الذي نشر فيه المنفلوطي مقالته المذكورة وقد فهم أنّ تولستوي ينتقد المدنية المعاصرة، وعلى هذا الأساس يفسر ابتعاد تولستوي عن بيته إلى الأرياف، أمّا الحقيقة فكانت أنّ تولستوي أدرك التناقض القائم بين الحياة المترفة التي يعيشها في بيته وبين المبادئ التي ينادي بها. إنّ أمين الريحاني مثله مثل مصطفى المنفلوطي فهم في مقالته أنّ تولستوي، قبل كلّ شيءٍ، ناقد للمدنية المعاصرة ولذلك فإنّ الريحاني يقارن في مقالته بين تولستوي وبين المليونير الأمريكي مورغن، أيّ أنّه يقارن بين إيديولوجيتين: بين الإيديولوجية الرأسمالية اللا إنسانية وبين إيديولوجية تولستوي الإنسانية، ويقول إنّ الحكومة الروسية تخاف تولستوي، وتخاف الحكومة الأمريكية مورغن ولكن أسباب الخوف مختلفة، تولستوي، حسب وجهة نظر الريحاني عظيم في الروحيات، أمّا مورغن فهو عظيم في الماديات. "الأول جبار في الحكمة والثاني جبار في التجارة والمال"(22ص180)، هكذا يكتب أمين الريحاني مقارناً بين تولستوي وبين مورغن. ويرى أمين الريحاني أنّ تولستوي أشهر كتّاب هذا العصر، وأنّه ولد أميراً فجعل نفسه فلاحاً ويمثل الحرية والإخاء والمحبة. تخشى الحكومة الروسية تولستوي وتهابه علماً بأنّه لا يشتري نفوذه بالمال ولا يعزز قوته الأدبية وسلطته الروحية بالجند والسلاح ولا بالجهل والخرافة ومع هذا تتعامل معه حكومته كما لوكان حكومة "أوروبية أخرى مستقلة". ويكتب الريحاني:"نعم إنّ الحكومة وتولستوي متساويان لا بل الفيلسوف الشهير هو أعظم من حكومته وأقوى. فهو يكتب إليها طالباً منها أن تقاضيه وتضطهده إذا كان مايقوله ويعمله شراً ولكن الحكومة الجبانة، الحكومة المسحوقة، بزواجر النفس وقوارع الضمير، تغض الطرف عن تولستوي وتضطهد الضعفاء والفقراء الذين ينتحلون مذهبه ويقرؤون كتبه وينصرون مبادئه"(22ص182) . ولا تفعل الحكومة ذلك لأنّ تولستوي يمثل قوة الخير بلا تصنعٍ وتكبرٍ وأنانيةٍ، لأنّه مسلح بالحق، لأنّ أعماله تنسجم مع أقواله. ويرى أمين الريحاني أنّ تولستوي بشّر بالحبّ الشامل والحقوق المتساوية والسلام العام وكان أخاً للفلاح وخادماً للإنسانية التي تتألم من الظلم والاستعباد، "إن عظمة تولستوي مثال حقيقي لعظمة المسيح، هي قائمة بالإخلاص والصدق والاستقامة، قائمة بالعمل الصالح والمثل الصالح والفكر السديد فالاثنان قالا وفعلا، وما المصلحون الصغار سوى أقزام بالنسبة إلى المصلح الحقيقي،(22ص186) . وكان الأديب أمين الريحاني قد كتب في مقالةٍ له بعنوان "أبناء البؤس" حول تولستوي:"لاشك أنّ كتابات تولستوي تسر الملايين وتسليهم إذا لم نقل تفيدهم وتهذبهم أيضاً، ومن جملة المعجبين بهذا الرجل العظيم كثيرون من النواب ورجال الدولة في روسيا. ولكن لو انتخب تولستوي ليجلس مع المشرعين ونهض ليقترح على المجلس سن شريعةٍ فيها صيانة حقوق الجمهور لا حقوق الأفراد، لو نهض فقرأ على زملائه فصلاً من إحدى رواياته، أو مقالةً من مقالاته في السياسة والاجتماع وطلب إليهم العمل بما جاء فيها فماذا تراهم يفعلون؟ ألا يضحكون في وجهه...؟"(24ص146) . ويرى أمين الريحاني في المقالة نفسها أنّ تولستوي يطالب بالمساواة بين الفقير والغني. يقارن الريحاني بين تولستوي والقيصر ويرى أنّ الأوّل أعظم من الثاني. فيكتب في مقالته:"الحظ والاكتساب" في عام 1898"...تولستوي لا يستطيع أن يمنح القيصر الروسي شيئاً من عقله"(23-ص17) . وبعد عامٍ واحدٍ فقط من كتابة المقالة المذكورة يكتب أمين الريحاني مقالة بعنوان "الزواج بين تولستوي وزولا"، ويندد في هذه المقالة برواية تولستوي، "لحن كريتسر"، ويفهم أنّ تولستوي يدين الزواج بوجهٍ عامٍ، وهنا برأيي يخطئ أمين الريحاني لأنّ أعمال تولستوي تدلّ على أنّه من أنصار العفة والإخلاص. ويقارن أمين الريحاني في مقالته المذكورة بين آراء الكاتب الفرنسي زولا وآراء تولستوي حول الزواج، كما يقارن بين آراء الكاتب الروسي المذكور وبين آراء الشاعرالعربي العظيم أبي العلاء المعري حول الأسرة، ويخلص إلى أن آراءهما متشابهة. وهكذا فإنّ أمين الريحاني من أوائل الكتّاب العرب الذين كتبوا حول تولستوي، فلقد كتب عنه في نهاية القرن التاسع عشر وفهم عظمة هذا الكاتب وأنّه بعظمته وقوته لا يقل عن قيصر روسيا لا بل تولستوي أكبر وأعظم وأقوى. بالحقيقة كان أمين الريحاني على حقٍ، إذ بالفعل كانت الحكومة الروسية تخاف تولستوي، ولا تلاحقه خوفاً منه وليس شفقةً عليه، ورأى وزير الداخلية آنذاك "ي.ن.دورنوفا" أنّ استدعاء ليف تولستوي بهدف استجوابه قد يؤدي إلى اضطراباتٍ في الدولة". ووافقه القيصر الكسندر الثالث فكتب حول استنكار ليف تولستوي للمجاعة في روسيا: "يجب غض النظر عنه وعدم ملاحقته في هذه المرة"(147ص66) ، كتب الكاتب."أ.س.سوفورين" إلى بليشيف في 25 كانون الثاني في عام 1892، إنّ الدولة الروسية تلاحق تولستوي لنشره مقالاته في الجرائد الأجنبية:"....ولكنها تخطئ بعملها هذا، لأنّه لا يجوز مس تولستوي، وإذا فعلت ذلك، فهذا لصالحه لأنّه قال لي مراراً:"لماذا لا يلقون القبض عليّ؟ لماذا لا يلقون بي في ظلمات السجون؟ إنّني أحسد السجناء على قدرهم"(87-ص254) ، وكتب ف.غ.كورولينكو: إنّ تولستوي قال له: "يالك من إنسانٍ سعيدٍ: إنّك عانيت الكثير بسبب عقيدتك. لا يسعدني اللّه بمثل هذا النصيب. ينفون أنصاري، ولا يهتمون بي".(156-ص116) . ويذكر "ل.ب.نيكيفروف أنّ تولستوي ذهب إلى قسم الشرطة، حيث كان المعلم ميخائيل نوفوسيلوف معتقلاً وطلب منهم إخلاء سبيل المعلم المذكور واعتقاله بدلاً عنه، لأنّه هو الذي ألّف مقاله "نيكولاي ذو العصا" التي وزعها المعلم المذكور. فأجابوه في قسم الشرطة:"يا أيّها الكوّنت، مجدك، عظيم وكبير، حتى أنّ سجننا أصغر من أن يتسع له"(178-ص34-35) . |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |