تولسـتوي ودوســتيفسكي فـي الأدب العربـيّ - د.ممدوح أبو الوي

دراسـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
7 - تولستوي والمعري:

7 - تولستوي والمعري:

لقد لحظ الأديب أمين الريحاني أنّ هناك شبهاً بين تولستوي وبين الشاعر العربي أبي العلاء المعري.

وكثيراً ما قارن الكتاب العرب والشعراء والنقّاد بين تولستوي والمعري. هل هناك شبه بين الكاتب الروسي والشاعر العربي؟ يوجد ولا شك، عاش أبو لعلاء في سجون ثلاثة:

 

فلا تسأل عن الخبر النبيث

 

أراني في الثلاثة من سجوني

وكون النفسِ في الجسم الخبيثِ

 

لفقدي ناظري ولزوم بيتي

وحاول أبو العلاء المعري اعتزال الناس فأخفق بعض الإخفاق، يكتب طه حسين".... ولكن داره لم تلبث أن استحالت إلى مدرسة يؤمها الطلاب الكثيرون من أبعد الأقطار الإسلامية وأدناها! منهم من يأتي من خراسان، ومنهم من يأتي من اليمن، ومنهم من يأتي من غير هذين القطرين... وكلهم يطلب عنده العلم والأدب(19ص376) .

ويتابع طه حسين حول هذا الموضوع:"ولكنه على كل حال قد حقق بعض ماكان يريد، وعصم نفسه  مما كان يخشاه، فلم يتصل بالأمراء ولا بالرؤساء،(19ص377) .

لزم أبوالعلاء داره لا يبرحها نصف قرن، وكذلك فعل تولستوي الذي لزم بيته وسكن في قريته حيث أمضى معظم وقته. لم يثق أبو العلاء إلا بالعقل:

 

ن ينص وتوراه وإنجيل

 

دين وكفر وأنباء تقص وقرآ

فهل تفرّد يوماً بالهدى جيل

 

في كلّ جيلٍ أباطيل ملفقة

رفض أبو العلاء الكتب الدينية كافة، وجعلها أباطيل ملفقة لا تثبت حقاً ولا تنفي باطلاً. وكان أبو العلاء المعري في حيرة.

يقول أبو العلاء في تناسخ الأرواح:

 

إلى غيره حتى يهذبه النقل

 

يقولون إنّ الجسم ينقل روحه

إذا لم يؤيد ما أتوك به العقل

 

فلا تقبلن مايخبرونك بّه

وكما نعلم فإنّ تولستوي رفض فكرة تناسخ الأرواح التي دعاه إليها المهاتما غاندي.

دعا سخط أبي العلاء على ما رأى وقرأ من ظلم الملوك والأمراء إلى التفكير في مصدر السلطة التي أتيحت لهم، فلم ير لها مصدراً إلا الأمّة التي استأجرت حكامها ليقوموا بمصالحها العامة.

وكره أبوالعلاء المعري تقسيم الناس إلى فقراء وأغنياء، وكذلك كان المفكر الروسي تولستوي.

ورأى أبو العلاء أنّ تكريم الميت في دفنه مباشرة بلا طقوس وتقاليد معتادة، وكذلك أوصى تولستوي بدفنه بعد موته مباشرة ودون اهتمام زائد. وبالفعل هكذا دفن تولستوي كما أوصى في قبر متواضع وبدون صلاة على جثته ودون وضع صليب على قبره.

أخذ أبو العلاء من أهل الهند تحريم لحم الحيوان، فلم يتناول لحم الحيوانات والطيور وحرم ذبحها، وكذلك كان تولستوي نباتياً.

لقد مرض أبوالعلاء فوصفوا له الدجاج فامتنع وألحوا عليه حتى أظهر الرضا فلما قدم إليه لمسه بيده فجزع، وقال: استضعفوك فوصفوك، هلا وصفوا شبل الأسد! ثم أبى أن يطعمه.

آمن كل من أبي العلاء وتولستوي بوجود خالق لهذا الكون، ولكنهما انتقدا رجال الدين.

كثيراً ما نظر إلى أبي العلاء المعري على أنّه فيلسوف، وكذلك فهم تولستوي مع أن كليهما أديبان عالميان. ومن المعروف أنّ المعري استقى الكثير من آرائه من الفلسفة الهندية وكذلك تولستوي.

ويؤكد الدكتور نزار عيون السود أنّ تولستوي قرأ "رسالة الغفران" للمعري، التي كما يذكر الباحث ترجمت إلى اللغة الروسية في عام (1903)  (80ص87) .

وكثيراً ما نجد موازنةً بين ليف تولستوي وبين أبي العلاء المعري في مقدمات ترجمات مؤلفات ليف تولستوي إلى اللغة العربية.

* * *

8 - رثاء أحمد شوقي لتولستوي:

بنى الشاعر أحمد شوقي (1868-1932) ، الذي عاصر مصطفى لطفي المنفلوطي رثاءه لتولستوي على شكل حوار بين الكاتب الروسي وبين الشاعر العربي أبي العلاء المعري.

يصف أحمد شوقي الكاتب الروسي بالحكمة والشجاعة، فعليه يحزن الفقراء والمساكين، لأنّه نصير الضعفاء، ومن الصعب على الإنسان الفقير أن يجد لنفسه نصيراً. يبكيه الفقراء لأنّه منارتهم ويبكيه المؤمنون، لأنّه أخذ من الدين جوهره، وإذا كان لابدّ من طقس الاعتراف فيجب أن نذهب ونعترف بخطايانا إلى تولستوي وليس إلى الكاهن، لأنّه دافع عن الفقراء، ضد ظلم الأغنياء، ولأنّه ناضل  ضد الحروب بكل أشكالها، ونادى بالمحبة، يكتب أحمد شوقي في مطلع قصيدته التي بعنوان "تولستوي":

 

ودمعها عليك، ويبكي بائس وفقير

 

(تولستوي) ، تُجري آية العلم

وما كل يوم للضعيف نصير

 

وشعب ضعيف الركن زال نصيره

وأنت سراج غيبوه منير(28ص80)

 

ويندب فلاحون أنت منارهم

ويرى شوقي أنّ تولستوي يشبه السيّد المسيح فيقول:

 

عليهم، وتغشى دورهم وتزور

 

تطوف كعيس بالحنان وبالرضى

(28-ص80)

ويرى شوقي أنّ تولستوي يخدم لب الدين، ويخدم الناقمون عليه قشور الدين، ولعل كل كتاب من كتبه يشبه الإنجيل في قدسيته، وسمع شوقي عن هرب تولستوي من بيته.

ويتابع قوله  فيرى في تولستوي علماً مثله مثل أبي العلاء المعري:

 

وجاور (رضوى)  في التراب (تُبير)

 

إذا أنت جاورت (المعري)  في الثرى

(28-ص80) .

ويجري أحمد شوقي حواراً بين أبي العلاء المعري وبين تولستوي الذي زهد بالمال وهو لديه وفير، وبالشهرة وهو كالشمس معروف في كل بلدة، وعاش طويلاً متمسكاً بأفكاره الإنسانية ويسأل المعري الكاتب الروسي: هل حل الخير مكان الشر. والمحبة مكان الكراهية؟ وهل انتهى الفقر؟ ويجيب تولستوي أن الحياة مازالت كما كانت في أيام المعري. ومازال الغش والإفك والزور سائداً، وما زال هناك عبد وسيّد ومستأجر وأجير. وحكم استبدادي، والحكم  لمن يملك المال. ومازال السلاح هو السيد. يشترونه ويصنعونه على حساب قوت الفقير. وبعد أن ملؤوا الأرض والبحر بأسلحتهم، يريدون الآن ملء السماء بها.

ومن الجدير بالذكر أنّ القصيدة المذكورة ترجمت إلى اللغة الروسية، ونقلها إلى الروسية الشاعر جورافيلوف، ونشرت في "مختارات من الشعر العربي في مصر". صدرت في موسكو في عام 1956.

كتب المستشرق السوفييتي المعاصر شيفمن، الذي كان يعمل في معهد تولستوي الأدبي في موسكو، حول رثاء أحمد شوقي لتولستوي "عندما نقرأ رثاء الشاعرالعربي نتحسس، مشاعر الاحترام العميق التي يحملها أحمد شوقي لتراث تولستوي الذي يتميز بنزعته الإنسانية (139ص390) .

كما كتبت حول القصيدة المذكورة الباحثة السوفييتية شوستر: "إن رثاء أحمد شوقي لتولستوي ذو أهميةٍ كبيرةٍ بالنسبة لنا، لأنّه يكتب حول الكاتب الروسي العظيم، الذي كرس حياته من أجل سعادة الإنسانية"(138-ص144-145) .

* * *

9 - رثاء الشاعر حافظ إبراهيم لتولستوي:

نشر حافظ إبراهيم (1872-1932)  رثاءه لتولستوي مباشرةً بعد سماعه بوفاة الكاتب الروسي وبعد أن سمع برثاء أحمد شوقي له. فلقد توفي تولستوي في 21 تشرين الثاني عام 1910 وفي الشهر نفسه نشر حافظ إبراهيم -شاعر النيل رثاءه لتولستوي. وبعد ثلاثة أيام فقط من وفاة الكاتب الروسي أيّ في 24 تشرين الثاني كتب الأستاذ أحمد لطفي السيّد مقالاً في صحيفة "الجريدة" بعنوان "مات الرجل".

كان رثاء حافظ إبراهيم لتولستوي لا يختلف كثيراً من حيث الشكل والمضمون عن رثاء أحمد شوقي له. حتى أن القافية واحدة.

ويبدأ قصيدته فيقول:

 

لمدحك من كتّاب مصر كبير

 

رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى

إذا قيل عني قد رثاه صغير

 

ولست أبالي حين أرثيك بعده

(2-ص164) .

ويتابع حافظ إبراهيم فيقول إنّ تولستوي كان عوناً للضعيف، ولا يهم الشاعر أكان تولستوي في الجنة أم في النار فحسبه أنّه عالم مفكر وأنّه دعا إلى المعروف ونهى عن المنكر.

ويرى الشاعر أنّ علوم تولستوي وأملاكه خلصته من كيد أعداء فكره وسلوكه.

ويقارن الشاعر بين المعري وبين تولستوي كما فعل أحمد شوقي فكلاهما كان زاهداً ناسكاً، فيقول:

 

بها الزهد ثاوٍ والذكاء ستير

 

إذا زرت رهن المحبسين بحفرةٍ

(2- ص165) .

فيدور حديث بين المعري وتولستوي ويقول الأول للثاني تريد الحياة سلاماً وهي حرب وكفاح. لقد سلوت عن الدنيا وتهالك غيرك عليها. تحاول رفع الشر، وهو واقع.

ويقول المعري: لقد ناديت بما ناديت به، ولكن الناس يلهثون وراء الملذات والطيبات، ومتّ ومطامع الجشعين لم تمت، ويتابع قوله:

 

له فوق أكتاف الكواكب دور

 

إذا هدمت للظلم دور تشيدت

(2ص-166) .

فقلوب الناس من صخر جبلت، فلا تؤثر فيها نصائح شيخ المعرة ولا أفكار كاتب الأرض الروسية العظيم.

هذا هو مضمون رثاء شاعر النيل لكاتب الأرض الروسية، وكما نرى فإنّ حافظ إبراهيم مثله مثل شوقي والمنفلوطي وأمين الريحاني ومثل كل من كتبوا حول تولستوي من الكتاب العرب في مطلع القرن العشرين نظر إليه نظرته إلى فيلسوفٍ أكثر مما هو أديب عظيم ألفّ الروائع الأدبية، والرثاء، كما نرى، دمعّة حزنٍ ذرفها شاعر رقيق على إنسان كتب مدافعاً عن طبقة الفلاحين في روسيا القيصرية وعبّر عن وجهة نظرهم في شؤون الحياة.

* * *

10 - رثاء جميل صدقي الزهاوي لتولستوي:

ويرثي تولستوي الشاعر العربي الكبير جميل صدقي الزهاوي 
(1863-1936)  الذي عاصر شوقي وحافظ. والذي كتب عنه المستشرق السوفييتي الكبير إيغناتي كراتشكوفسكي بأنّه:"شاعر عربي كبير يعيش في العراق في وقتنا الحاضر (159-ص415) . وقافية قصيدته (الراء) ، مثل قافية قصيدة شوقي وحافظ إبراهيم كما أنّ الموضوع نفسه. يقول في قصيدته مخاطباً الكاتب الروسي:

لمن عاش بين الناس وهو فقير

 

لقد عشت عمراً أنت فيه ظهير

به لعقول الناشئين تنير

 

بكفك مصباح من العلم ساطع

تدور مع الإنصاف حيث تدور

 

وقد كنتَ حراً في حياتك مصلحاً

(25-ص168) .

ويرى الزهاوي أنّ تولستوي وعظ أصحاب الزعامة وذكرهم أنّ الحياة فانية ونهاهم عن الظلم. وتذكرنا فكرة الزهاوي هذه بفكرة المنفلوطي الذي يرى أنّ تولستوي واجه الظلم والسلطة المستبدة. ويقول:

 

فأنت بأسرار الحياة خبير

 

أفذنا بأسرار الحياة دراية

(25ص169) .

ويتابع قوله إن الحياة بقيت كما هي ولم يتغير فيها شيء، وإذا تبدل  في الحياة أمر فهو يتبدل من سيء إلى أسوأ.

* * *

11- وفي العام نفسه، في القاهرة،
          نشر الكاتب العربي الكبير
             أحمد لطفي السيد باشا (1872-1963) ،

في جريدة "الجريدة" بتاريخ 24 تشرين الثاني عام 1910، العدد 1127، بعنوان "مات الرجل" يرى أحمد لطفي السيّد باشا في تولستوي صفات الهادي إلى الفضيلة والواعظ يقول:"المصيبة بفقدان هذا الحكيم مصيبة كبيرة"(4ص192) .

ويذكر في مقالته أنّ تولستوي كان يكره الحرب سواء كانت الغلبة فيها لقومه أو على قومه، يحب السلام، يرى في الدين أنّه طهر للنفس والمشاعر وحب القريب والغريب.

"فإذا كان تولستوي ليس رجل روسيا وحدها، بل رجل العالم والسلام، وإذا كان تولستوي ليس مسيحياً محدوداً بمذهبٍ معينٍ متعصباً له، بل متسامحاً يقبل دين الفضيلة حيثما وجد... فأخلق بمصيبة تولستوي أن تكون كما قدمنا خسارةً عالميةً، لا خسارة روسية أو خسارة مسيحية"(4-ص193) .

وقف تولستوي بوجه الظلم والبؤس والعقاب علىغير جريرة، اشتغل بالفلسفة فلم يكن مادياً ولا مثالياً لأنّه يرفض القيود المذهبية التي يستحيل أن تخلو من التعسف. اشتغل بالسياسة فكان يكره الاستبداد وينفر منه، وبالاقتصاد فكان اشتراكياً وعمل بالدين فرفض قشوره.

ويرى أحمد لطفي السيد أنّ تولستوي كتب رواية "البعث" بواقعيةٍ لم يكن منها عن الشهوات إلا حقائق عريانهَ، لاحظ فيها تغليب الشهوة على النبل في نفس بطل الرواية، ووصف فساد العدالة، وبعث أخلاق بطل الرواية. ويتحدث أحمد لطفي السيّد باشا عن رواية "لحن كريتسر". ويكتب عن الكاتب الروسي:"حسب تولستوي في أنّه خالد الأثر في حكمته وتعاليمه.... إنّ حياته الطويلةَ إنّما قضاها في صرف ملكاته وماله لخير الناس"(4 ص196) .

* * *

12- الصحافة العربيّة حول تولستوي:

كما ذكرنا رثى الكاتب الروسي العظيم نخبة الكتاب والشعراء العرب في مطلع القرن العشرين. وكذلك رثته الصحافة العربية. فلقد ذكر مراسل جريدة "الأخبار الروسية" في بيروت: "كل الصحافة العربية، بغض النظر عن الاتجاهات السياسية والعقائد الدينية، الصحافة المسيحية والإسلامية والماسونية والإنجيلية، المعتدلة والمتطرفة- المجلات والجرائد كلها، حتى المنشورات المتواضعة كلها، بدون استثناء رثت تولستوي "حكيم موسكو العظيم" أحد عظماء العالم القلائل" "المعلم والواعظ والفيلسوف"(184-ص7) . وبعد ذلك يسمّي المؤلف الجرائد والمجلات التي رثت تولستوي:"المراقب" "الحضارة"، "الأهرام"، "الزهور"، "لسان الحال"، "البرق"، ذكرت الصحافة العربية شمائل ليف تولستوي الحميدة وطالبت الشعراء والكتّاب الدفاع عنه بكلمتهم. ويعلل مراسل "جريدة" الأخبار الروسية" شعبية تولستوي بين القراء العرب بأنّه كاتب واسع الأفق ومعتدل الرأي فنجد في نظراته إلى الحياة بعض الأفكار المسيحية والإسلامية والماسونية والاشتراكية. ويرى مراسل الجريدة المذكورة، بأنّ تولستوي جعل مكانة الشعب الروسي لدى شعوب الشرق أكثر احتراماً من ذي قبل.

* * *

13-  كتاب محمد المشيرقي من تونس بعنوان:
           "تولستوي، ترجمة حياته منتخبات
                   من تأليفه وقصصه وآرائه الفلسفية".

أمّا النقاد العرب فلقد كتبوا عن تولستوي بعض المقالات النقدية في مطلع القرن العشرين. وظهرت هذه المقالات في الجرائد والمجلات وكان مؤلفوها يتحدثون عن تولستوي الفيلسوف والمفكر والواعظ ولكنها أهملت تولستوي الفنان المبدع.

ولعل كتاب "تولستوي، ترجمة حياته، منتخبات من تآليفه وقصصه، وآرائه الفلسفية"، الذي نشره محمد المشيرفي في تونس عام 1911 من أهم المؤلفات التي ظهرت حول تولستوي باللغة العربية في مطلع القرن العشرين.

 يبدأ محمد المشيرقي كتابه، بمقدمة كتب فيها:"معشر الأدباء، لقد امتحنني اللّه عز وجل وعلا بمرضٍ عضالٍ، حار مهرة الأطباء في علاجه... ولكن لما كانت نفسي مشغوفة بالأدب.... عزمت على تحرير كلمة في ترجمة هذا الفيلسوف...خدمةً، للتونسيين خصوصاً وللأمة العربية عموماً"(43-ص1) .

بعد ذلك يتحدث محمد المشيرقي عن حياة تولستوي فيكتب عن صراعه ضد الكنيسة وخلافه مع زوجته ومن ثم يزّين كتابه برثاء أمير الشعراء أحمد شوقي لتولستوي ورثاء حافظ إبراهيم للكاتب الروسي المذكور وبصورة لتولستوي.

يقسم محمد المشيرقي مؤلفات تولستوي إلى قسمين أدبية وفلسفية ويكتب المشيرقي عن تولستوي:".... وتخلى عن مخالطة الناس ونبذ أكل اللحوم وتحلى بلبس القرويين وباشر عمل اليد وصنع نعليه بنفسه"(43-ص11) .

ويرى محمد المشيرقي أنّ فلسفة تولستوي ترتكز على فلسفة جان جاك روسو فطالب بقسمة الأراضي بين جميع الفلاحين وطالب بعدم مقاومة الظلم بالظلم ولم يؤمن بفائدة الثورات القسرية.

 يعرض محمد المشيرقي بعض النصوص من رواية تولستوي: "الحرب والسلم"، (1863-1869) ، ومن رواية "آنّا كارينينا" (1873-  1877) . ومن رواية "البعث" (1899) ، ويترجم بعض الأقاصيص الشعبية التي ألفها تولستوي والتي تعبّر عن آرائه الفلسفية ومنها حكاية "كم يكفي الإنسان من الأرض" فإنّ بطلها باخوم اتفق مع أصحاب الأرض على أن يملك الأرض التي يستطيع أن يدور حولها من الفجر حتى الغروب ولكنه لم يرجع إلى النقطة التي انطلق منها إلا والدم ينزف منه، فمات فحفروا له قبراً، مساحته ثلاثة أمتارٍ، وهو المقدار من الأرض التي يحتاج إليها الإنسان.

يتحدث محمد المشيرقي في هذا الكتاب عن آراء تولستوي الفلسفية حول الدين والسلطان والوطنية والجندية والثروة والعلم والفن والحرية والكحول والزواج والتربية والخير والمساواة والحق والحب والموت ويختتم كتابه بترجمة مسرحية تولستوي "سلطان الظلال" أو "سلطة الظلام". يقع الكتاب في (211) ، صفحة.

* * *

14- النقد العربيّ في مطلع القرن العشرين
                              حول تولستوي:

كتب حول تولستوي النقّاد العرب. فبدأ الاهتمام بتراث تولستوي بصورةٍ واضحةٍ في المشرق العربي في مطلع القرن العشرين فظهرت مجموعة من الدراسات والمقالات حول حياة الكاتب الروسي ونشاطه ولكن هذه الدرسات تناولت فكر تولستوي وفلسفته أكثر مما تناولت أدبه وفنه.

في عام (1907) ، ترجم رشيد حداد رواية "البعث" التي صدرت في عام (1899)   إلى اللغة العربية وكتب مقدمة "للترجمة يذكر فيها أن مؤلف الرواية أكثر الحكماء حكمةً".

ونجد رأياً آخر مخالفاً لرأي رشيد حداد في مجلة "لغة العرب" عدد آذار لعام (1912) ، التي كانت تصدر في بغداد، يعتبر صاحب الدراسة تولستوي رجلاً غريب الأطوار، وآراءه خياليةً، ويرى أن سلوكية تولستوي تتناقض مع مبادئه. وكانت المقالة رداً على كتاب المشيرقي الذي صدر قبل عام، أيّ في عام (1911)  في تونس، والذي تحدثنا عنه قبل قليل.

 يُعتقد بأن سبب النقد السلبي لتراث تولستوي، من  قبل محرري مجلة "لغة العرب" هو التناقض القائم بين فكر تولستوي وفكر هيئة تحرير المجلة التي كان معظم محريرها من الرهبان، والذين لم يتقبلوا نقد تولستوي للكنيسة.

إن الأوساط المسيحية في المشرق العربي وقفت ضد المبادئ الأساسية لفكر تولستوي. أيّ إنّ موقف الأوساط المسيحية كان متطابقاً مع موقف الكنيسة. يشهد على ذلك كتاب موجه ضد رسائل تولستوي "حول العقل، والإيمان، والصلاة"، وعنوان الكتاب:"كتاب كنوز الأفكار في جواب الغساني على رسائل ثلاث "للفيلسوف الروسي الشهير الكونت ليف تولستوي، صدر الكتاب في مدينة نيويورك في عام (1913) .

مع أن مؤلف الكتاب يقف موقف العداء من تعاليم تولستوي، فإنّه ينشر في كتابه صورة تولستوي وقصيدة حافظ إبراهيم التي رثى بها تولستوي في عام 1910، وبعد ذلك ينشر الرسائل الثلاث التي يناقشها وترجمة هذه الرسائل دقيقة، فهي بدون حذف أو تشويه. وبعد ذلك يسردالغساني الأسس التي يراعيها نقاشه. فيناقش الرسائل الثلاث بصورة عامة وكلّ رسالة على حدة. وتتلخص اتهامات الغساني بأنّ تولستوي ملحد وبأنّه شوّه الإنجيل ويذكره بالعقاب الأليم.

كما نرى، فإن محاربة تولستوي كانت من وجهة نظر دينية خالصة. والجدير بالذكر، أنّنا لا نعرف مؤلفات أخرى شبيهة بالمؤلف المذكور، لكننا لا نظن بأنّ المؤلف المذكور كان يتيماً في النقد الأدبي العربي. فلقد كانت فلسفة تولستوي مع كل جوانبها السلبية، على مايبدو، كانت خطرة لأنّها تندد بالظلم الاجتماعي القائم ولأنّها تطالب بالعدالة الاجتماعية.

* * *

15- ترجمة مؤلفات تولستوي
                             في مطلع القرن العشرين:

تشهد الترجمات المتعددة لمؤلفات تولستوي على الاهتمام الكبير بتراث تولستوي في المنطقة العربية. فلقد ترجم سليم قبعين إلى اللغة العربية ومن اللغة الروسية مباشرة رواية "لحن كريتسر" وذلك في عام (1904) . كما ترجم في عام (1909) ، "تهديم الجحيم وإعادة بنائه، "وكما ذكرنا فإن رشيد حداد ترجم في عام (1907)  رواية "البعث" (1899)  . كما ترجم أنطوان بلان في عام (1913)  القصص الشعبية لتولستوي، أما عصام ناصيف فلقد ترجم "والنور في الظلمة يضيء".

والجدير بالذكر، أننا لم نستطع الحصول على ترجمات مؤلفات تولستوي إلىاللغة العربية بكاملها. فمع أنّ أدب تولستوي معروف في البلدان العربية إلا أنّ نقد ترجمة هذه المؤلفات حتى الآن غير كافٍ. فلا توجد مكتبة معينة تحتوي هذه الترجمات كافة، فنجد بعضها في مكتبة الأسد بدمشق وبعضها في مكتبة لينين في موسكو وبعضها الآخر في مكتبة الآداب الأجنبية في موسكو، وبعضها في المكتبة العربية في لينينغراد وبعضها في المكتبة الظاهرية بدمشق، وبعضها في مكتبة متحف تولستوي في ياسنايا بوليانا، وفي المكتبات الأخرى.

لا يوجد تنسيق وتكامل بين الدول العربية في مجال الأدب. فقد تنشر دولة عربية معينة كتاباً معيناً فلا نجده في الدولة العربية المجاورة. كما أنّ معظم دور النشر في الدول العربية خاصة، فهي تهتم بالمردود المادي أكثر من اهتمامها بالقيمة الأدبية لكتاب معين، أيّ أنّ دور النشر عندما تصدر كتاباً معيناً فإنّها تنطلق من منطلق تجاري. ويزداد الأمر صعوبةً، إذ أنّ مؤلفات تولستوي باللغة العربية تصدر في البلدان العربية، وفي روسيا وفي عواصم الدول الأجنبية الاخرى حيث تعيش جاليات عربية، فلذلك من الصعب الإحاطة بكل هذه الترجمات. ولذلك فلابد من وجود نقص كبير في عملنا، وفي عمل كل من يحاول دراسة ومعالجة هذا الموضوع، ومعظم الترجمات المعروفة لدينا صدرت في دمشق وبيروت والقاهرة وبغداد والجزائر وتونس وفي الاتحاد السوفييتي.

نهدف من دراسة الترجمة إلى الإجابة عن مدى صدق نقل الأفكار الأساسية للأصل. ولكي نجيب عن هذا السؤال فلابد لنا من طرح سؤال عن لغة الترجمة. لأن الأفكار لا توجد منفصلةً عن اللغة، ولذلك فعندما ندرس الترجمة نعير اهتماماً خاصاً للشكل اللغوي، الذي يحتوي فكر المادة الأصلية، لأنّ الشكل اللغوي المكافئ للأصل يستطيع أن ينقل بدقةٍ المضمون الفكري للأصل.

كما هو معروف، إن النقل غير الدقيق للشكل اللغوي، وعدم القدرة، أو عدم رغبة المترجم في اختبار الوسائل اللغوية، التي تقوم بالدور العاطفي والفكري الذي قامت به الوسائل اللغوية في الأصل، يؤدي إلى فقر وأحياناً إلى تزوير فكر الكاتب المترجَم (بفتح الجيم) .

ويزداد الأمر تعقيداً، عندما نترجم كتاباً معيناً ترجمة غير مباشرة وإنما عن طريق إحدى اللغات الأوروبية. فمعظم الأدباء الروس ترجموا إلى اللغة العربية من الفرنسية أو الإنكليزية ودون الإشارة إلى العنوان الأصلي الذي ترجم عنه المترجم. وفي حالات  نادرة يشير المترجم إلى أنّ الترجمة تمت من الإنكليزية مثلاً أو من الفرنسية. ومن الطبيعي أن يفقد العمل الأدبي الكثير من ميزاته الفكرية والعاطفية عندما ينقل من لغة أخرى غير لغته الأصلية.

أضف إلى ذلك، أننا يجب أن نشير، إلى أنّ بعض المترجمين العرب، حتى يومنا الحاضر، لا يتفهمون مهمة المترجم الحقيقية ولكن تظهر بعض الترجمات، التي ليست في الحقيقة ترجمات بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنّما هي تحريف لأعمال ليف تولستوي أو نقل مضمونها بصورة عامة فقط. وفي مثل هذه الحالات، من الصعب الحديث عن مقارنة جادة بين لغة الترجمة وبين لغة الأصل، ونضطر إلى الاكتفاء بالوصف العام للعمل الأدبي وللترجمة.

عندما ندرس ترجمةً معينةً، فلابدّ من الأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية المحددة، التي في ظلها تمت الترجمة، ومن الضروري كذلك إعارة الانتباه إلى شخصية المترجم واتجاهه الفكري الذي ينعكس عادة على مضمون الترجمة وشكلها.

وعندما نحلل ترجمة تراث ليف تولستوي من اللغة الروسية، فمن الضروري أن نعير اهتمامنا لكيفية نقل المترجم لخصوصية الشكل القومي للأصل، وكذلك يجب الاهتمام بأنّ المترجم إلى اللغة العربية كثيراً ما يلون المؤلفات المترجمة بصبغةٍ قومية جديدة.

 بدأت ترجمات الأدباء الروس من اللغة الروسية مباشرة إلى اللغة العربية، وذلك لوجود عدد من المختصين باللغة الروسية في المشرق العربي في مطلع القرن العشرين والذين تخرجوا من المدارس الروسية، التي افتتحتها الجمعية الروسية- الفلسطينية.

وقعت معظم الدول العربية في العشرينات من القرن العشرين تحت الانتداب الفرنسي والإنكليزي، فلقد وقعت سوريا تحت الانتداب الفرنسي في عام 1920 وكان لبنان قد احتل قبل ذلك.... ولذلك فإنّ ترجمات تولستوي التي تمت في هذه الفترة كانت من الفرنسية أو الإنكليزية، في أغلب الحالات، وأحياناً من الألمانية.

 

واستمر هذا الاتجاه، حتى بعد أن نالت الدول العربية الاستقلال من الدول الغربية. أما دار اليقظة العربية للنشر والتوزيع بدمشق فلقد اتخذت طريقة" جديدة" في الترجمة، وتتلخص بأن تقوم مجموعة من الاختصاصيين باللغة الفرنسية أو الإنكليزية بترجمة النص الروسي من إحدى هاتين اللغتين إلى اللغة العربية وبعد ذلك يقوم أحد المختصين باللغة الروسية بمراجعة الترجمة وبمطابقتها على النص الأصلي الروسي، وهكذا على سبيل المثال قامت دار اليقظة العربية في عام (1953)  بدمشق بإصدار رواية "الحرب والسلام"، أمّا دور النشر الروسية فتقوم بالترجمة المباشرة من اللغة الروسية، فلقد أصدرت على سبيل المثال رواية "القوزاق" لتولستوي في عام (1981) ، التي صدرت عن "دار التقدم" بموسكو، كما صدرت عن الدار نفسها مجموعة قصص لفيودور دوستويفسكي وذلك في عام (1982) ، وتتضمن هذه المجموعة رواية "الفقراء" (1846)  وقصة "الليالي البيضاء" عام (1848)  وقصة "القلب الضعيف"، وقصة "حادثة شنيعة"، وقصة "الوديعة" (1876) . وقصة "حلم رجل مضحك".

كما أصدرت الدار نفسها مجموعة قصص لبوشكين (1799-1837) ، وذلك في عام 1974، وهي "الطلقة"، "عاصفة ثلجية"، "صانع التوابيت"، "ناظر المحطة"، "ابنة السيدة الفلاحة"، "ملكة البستوني"، "ابنة الآمر".

وبعد عشر سنوات قامت "دار رادوغا" بإعادة نشر القصص المذكورة، وأضافت إليها قصة "دوبروفسكي".

 كما أصدرت الدار المذكورة في العام ذاته أيّ في عام 1984 رواية
"بطل من هذا الزمان" عام (1840)  للشاعرالروسي ميخائيل لير مونتوف (1814-1841) .

كما أصدرت الدار نفسها في عام 1985 مختارات للشاعر السكندر بلوك (1880-1921) . وفي العام ذاته أصدرت الدار نفسها رواية "الأبله" (1868)  لفيدور دوستويفسكي (1821-1881) . كما أصدرت الدار نفسها قصصاً مختارة لفسيفولود غارشن (1855-1888) ، تضم هذه المجموعة إحدى عشرة قصة مما خطه يراع الكاتب خلال الحقبة (1877-1887) ، وهي:"أربعة أيام"، "الجبان"، "لقاء"، "رسامان"، "مذكرات الجندي إيفانوف"، "الزهرة الحمراء". "الوردة والضفدع"، "ناديجدا نيكولايفنا"، "الإشارة"، "الضفدعة الرحالة". كما أصدرت الدار المذكورة المؤلفات المختارة لإيفان تورغينيف (1818-1883)  في خمسة مجلدات وذلك في عام 1985 وأصدرت دار التقدم مؤلفات أنطون تشيخوف المختارة في أربعة مجلدات مابين عامي (1981-1982) . وبعد ذلك مباشرة أصدرت الدار المذكورة مؤلفات مكسيم غوركي المختارة في ستة مجلدات. وأصدرت الدار نفسها مختارات جنكيز آيتماتوف. وهناك مؤلفات كثيرة صدرت في الاتحاد السوفييتي باللغة العربية لكتّاب روس وسوفييت من الصعب الآن حصرها، ولا نرى ضرورة إلى ذلك.

دار "التقدم" أكبر دار نشر في العالم، عمل فيها أربعمائة مترجم أجنبي، وثلاثة آلاف محرر روسي، كانوا ينقلون مؤلفات في الأدب والسياسة والاقتصاد وحقول المعرفة الأخرى من اللغة الروسية إلى تسع وأربعين لغة، من بينها العربية.

وكما أشارت صحيفة "الحياة" اللبنانية في عددها رقم 11477 وبتاريخ 21 تموز 1994، بأن الدار تأسست لأغراض إيديولوجية، ولكنها تحولت مع مرور الزمن إلى مؤسسة ثقافية كبرى.

وعمل في الدار، أدباء عرب معروفون، بينهم السوريون مواهب الكيالي، وحسيب الكيالي، ووصفي البني، والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، والشاعر المصري عبد الرحمن الخميسي، والسودانيان تاج السر الحسن، وجيلي عبد الرحمن.

وكانت الدار تصدر باللغة العربية سنوياً مابين أربعين إلى خمسين كتاباً. ولقد نقل الأديب المصري الدكتور أبو بكر اليوسف مؤلفات أنطون تشيخوف في أربعة مجلدات، ويعمل الآن الدكتور أبو بكر اليوسف في السفارة الليبية بموسكو، ولقدأصدرت الدار بعض روايات فيدور دوستيفسكي (1821-1881)  باللغة العربية، بترجمة الدكتور سامي الدروبي ومراجعة الدكتور أبو بكر اليوسف.

ولقدأصدرت الدار ثلاثية "درب الآلام" لالكسي تولستوي، بترجمة غائب طعمة فرمان.

وكانت دار التقدم توزع منشوراتها في الدول العربية، وفي الاتحادالسوفييتي، وكانت مطبوعاتها توزع بشكل خاص في الجمهورية العربية السورية، وفي جمهورية مصر العربية، وفي العراق والسودان والأردن واليمن ولبنان.

 

ولكن بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، أصبحت دار التقدم في حال يرثى لها. وتوفي بعض مترجمي الدار في موسكو مثل مواهب كيالي  وغائب طعمه فرمان، وعبد الرحمن الخميسي.

نعود الآن إلى تراث ليف تولستوي وإلى تاريخ نشره باللغة العربية، إنّ مؤلفات الكاتب الروسي العظيم المترجمة إلى اللغة العربية مباشرة من اللغة الروسية قليلة جداً، وهذه حقيقة نأسف لذكرها.هذا، رغم أن العلاقات الثقافية والعلمية والأدبية بين البلدان العربية  والاتحاد السوفييتي كانت في الفترة الأخيرة تنمو وتتوسع وتتعمق بسرعة ملحوظة، مع هذا فإنّنا لا نجد عملاً نقدياً باللغة العربية حول أعمال تولستوي المترجمة إلى اللغة العربية وذلك لفقر المكتبة العربية بالمؤلفات المتخصصة في المكتبات وفي الأرشيف، فلقد ذكرت المستشرقة المعروفة، أستاذة الأدب العربي في جامعة لينينغراد الدكتورة آنا أركاديفنا دالينينا في مقالتها "الأدب الروسي في البلدان العربية" (123ـ ص203) ، بأن مترجمي أعمال ليف تولستوي والأدباء الروس الآخرين في مطلع القرن العشرين حاولوا تزيين الترجمة وتقريبها، قدر الإمكان، إلى الأسلوب التقليدي، فلقد حاول المترجمون العرب تعزيز مواقفهم الفكرية مستندين بذلك على موقف تولستوي الفكري.

 ترجمت في مطلع القرن العشرين مؤلفات تولستوي الفكرية والفلسفية والدينية. ولا نجد بين الترجمات العربية آنذاك رواية "الحرب والسلام" (1863-1869) ، أو رواية "آنا كارينينا" (1873-1877) . أو في أعمال تولستوي الإبداعية التي ألفها في الخمسينيات من القرن الماضي.

ويسمي المترجمون العرب ليف تولستوي معلماً وفيلسوفاً عظيماً، مع تطور الأدب العربي، يتطور تدريجياً الاهتمام بتراث تولستوي، ففي الوقت الحاضر يهتم المترجمون والكتّاب والقراء والنقاد  العرب بتراث تولستوي الإبداعي أكثر من اهتمامهم بمقالاته الفكرية.

* * *

16- سليم قبعين - مترجماً:

ولعل سليم قبعين -خريج دارالمعلمين الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين في مطلع القرن العشرين من أنشط المترجمين العرب الذين نقلوا بعض مؤلفات تولستوي من اللغة الروسية إلى اللغة العربية مباشرة".

والمترجم سليم قبعين من رجال الفكر في مصر في مطلع القرن العشرين. تعلق بأفكار تولستوي وبشر بفكرة تولستوي حول الكمال الروحي. وحاول أن يقيم في مصر مزارع جماعيةً على طريقة كومونة تولستوي التي انتشرت آنذاك في روسيا ويعتبر كتابه "مذهب تولستوي"عام (1901) . أوّل كتاب صدر باللغة العربية حول تولستوي.

يكتب سليم قبعين في الصفحة الأولى من الكتاب: "مذهب تولستوي يحتوي على مختصر ترجمة حياته، ووصف معيشته، وآدابه وفلسفته وآرائه الدينية. وحرم المجمع المقدس له واعتراضه واحتجاج زوجته على مضمون الحرم ثم ردود رجال الدين الروس على آرائه الدينية (36-1) .

أمّا في مقدمة الكتاب فيكتب :"فإنّ هذا الرجل العظيم أدهش علماء أوروبا بفلسفته الصائبه وأفكاره الثاقبة، فاعترفوا له بسمو المدارك، وأقروا بأنّه من أشهر فلاسفة العالم" (36ص- 2-3) .

أمّا في الفصل الأول فيعرض سليم قبعين سيرة حياة ليف تولستوي حتى نهاية القرن التاسع عشر. فيذّكر بأنّ تولستوي من مواليد 1828- ومن أسرة عريقة، توفيت والدته في عام 1830، وتوفي  والداه قبل بلوغه العاشرة. وفي عام 1837 انتقل والده إلى موسكو حيث توفي فيها في العام ذاته.

وفي عام 1841 انتقلت الأسرة إلى كازان، وفي عام 1843 انتسب تولستوي إلى كلية اللغات الشرقية بكازان. ومن الواضح ميل سليم قبعين لجعل تولستوي في شبابه مثالاً للأخلاق الحسنة العالية، علماً بأنّ تولستوي في شبابه لم يكن ذلك الإنسان الذي يصفه سليم قبعين، غادر تولستوي مدينة كازان، كما يقول سليم قبعين، نظراً لأنّه لا يحبّ الفساد الذي كان منتشراً، في الوسط البورجوازي هناك. ورجع إلى قريته ياسنايا بوليانا. وفي عام 1851 انخرط تولستوي في  صفوف الجيش. واشترك تولستوي في الدفاع عن مدينة سيباستبول وهناك في الجنوب ألّف تولستوي قصص "الطفولة" و"المراهقة" و"الشباب"، و"سيباستبول"، و"قطع الغابة"، "ولما انتهت الحرب المشؤومة ورأى الفيلسوف عاقبتها الوخيمة التي كانت سبباً لهرق دماء ألوف من الرجال الأبرياء صار منذ ذلك الحين يكره الحرب كرهاً شديداً"(36-ص9) .

وفي عام 1862 تزوج، وبعد ذلك أيّ في عام 1863 شرع يكتب رواية "الحرب والسلام".

ويرى سليم قبعين أن الصفات القبيحة بنظر تولستوي هي القساوة والأنانية والكذب وقلة الأدب والبلادة والكبرياء. أمّا الصفات الحسنة فهي: البساطة وطهارة القلب وعدم الاعتماد على الغير.

أمّا المواضيع التي بحثها الفيلسوف العظيم فهي أربعة:

1 - بحث بحثاً مفصلاً في عيشة الطبقة العليا الروسية.

2 - صور الحياة الأسرية.

3 - وصف فساد الحياة العسكرية.

4 - وصف بعدل حياة الفلاح الروسي.

يتحدث سليم قبعين في الفصل الثاني عن طفولة تولستوي وفي الفصل الثالث عن شباب الكاتب الروسي. ونرى من خلال مطالعتنا لهذه الفصول محبة سليم قبعين لكاتب روسيا العظيم، إذ يرى أن  تولستوي وصف الفلاح الروسي بالطيب وبالبطولة وبالشجاعة وبالصبر ويتوخى تولستوي من مؤلفاته مساعدة الآخرين، وجعل حياتهم أكثر سعادةً.

ويختتم سليم قبعين الفصل الثالث بقوله:"هذا ماكتبه الفيلسوف عن نفسه في كتاب عنوانه "فتوة"، و"صبوة" و"شبيبة تولستوي"، نقلناه عنه باختصار، (36-ص62) ، أيّ أنّ سليم قبعين يعتبر ثلاثية ليف تولستوي "الطفولة" و"المراهقة" و"الشباب" سيرة ذاتية للكاتب ذاته. علماً بأنّ تولستوي كان ينظر إلى هذه الثلاثية على أنّها معالجة أدبية لسيرة حياته. والمعالجة الأدبية ليست سيرة حياتية، بالمعنى الدقيق لهذا المفهوم. ولذلك فإن اسم بطل قصة "الطفولة" في الأصل هو (نيكولينكو)  أمّا في الترجمة فهو (ليف)  وبما أن المترجم يحاول جعل تولستوي في شبابه مثالاً للأخلاق الحسنة فإنّه من أجل تحقيق هذا الهدف يحذف الكثير من ثلاثية تولستوي ويضيف من عنده بعض الأمور. وهكذا فإنّ سليم قبعين في فصل "تأملات". يجبر تولستوي الفتى على تعليم رفاقه الأكبر منه سناً. كما أنّ المترجم يصور الأخ الأكبر (فالوديا)  أنانياً على عكس أخيه الأصغر الذي ينطق بالحكمة منذ طفولته، كما أنّ المترجم يغيّر علاقة بطل الثلاثية (بنخليودوف) . يكتب تولستوي في ثلاثيته: "كان نيخليودوف بحضور الآخرين لا يعيرني أي اهتمام"(94ص73) . أما في كتاب سليم قبعين فإن هذه الجملة غير موجودة لأنّها تتضمن بعض التقليل من قيمة تولستوي ومكانته الذي هو في نظر المترجم، يفوق الآخرين، منذ طفولته، وكما أن سليم قبعين يحذف نهاية الفصل حيث يتحدث تولستوي عن تأثير نيخليودوف على بطل القصة، الذي استوعب على نحو غير إرادي  اتجاه نيخلودوف كما يقول تولستوي في قصته. أما المترجم فيصور تولستوي منذ طفولته فيلسوفاً ينتقد الآخرين. فهو لا يتأثر بالآخرين وإنّما يتأثر به الآخرون، حتى نيخليودوف يتأثر بالحكيم الصغير.

ويصل سليم قبعين إلى هدفه وهو وصف بطل القصة بالكمال عن طريق الحذف والإضافة. وبذلك فإن قصة تولستوي تفقد ميزة من أهم ميزاتها وهي "معرفة الحركات الخفية للجانب النفسي من حياة  الإنسان معرفةً عميقة". (119-ص428) .

يرى الكاتب الروسي تشيرنيشفسكي (1828-1889)  أن التحليل النفسي قد يتخذ اتجاهات مختلفة، أما عند تولستوي، كما يرى الكاتب المذكور، فهو يتخذ شكلاً معييناً وهو تصوير"... العملية النفسية ذاتها ، أشكالها، قوانينها، جدلية الروح، لكي نعبر عن فكرتنا بمصطلح محدد" ( 119-ص422-423) ..

في الفصل الرابع يصف سليم قبعين البساطة التي كان يعيش فيها تولستوي في قريته ياسنايا بوليانا. وفي الفصل الخامس يتحدث قبعين عن فلسفة تولستوي.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فيخصصه سليم قبعين لقرار المجمع المقدس بحرمان ليف تولستوي من الكنيسة الذي صدر في 20 شباط عام 1901 والذي نشر في جريدة "أخبار الكنيسة" وجاء في القرار:"... وفي أيامنا هذه ظهر معلم كاذب هو الكونت تولستوي... وقد أنكر علانية أمام الجميع أمّه الكنيسة الأرثوذكسية التي هذبته وثقفته وكرس جميع مواهبه وقواه العلمية لنشر التعاليم المضادة للمسيح والكنيسة ليزيل من عقول الناس وقلوبهم إيمان آبائهم.... وهو ينكر اللّه الحي في الثالوث الأقدس الممجد خالق وضابط المسكونة وينكر الرب يسوع المسيح الإله والإنسان.... ولا يعتقد بالحياة بعد الموت ولا بالعقاب والثواب"(36 ص53-54) .

وقع على القرار كل من المطارنة: مطران بطرسبورغ ومطران كييف ومطران موسكو ومطران وارسو وغيرهم.

أمّا عن ردة الفعل التي أحدثها القرار المذكور فلقد قامت المظاهرات وطالب الكثيرون من أتباع تولستوي المجمع المقدس بحرمانهم معه. أمّا الكثير من الشعب فوقف مع المجمع المقدس وضد تولستوي ولذلك فلقد أرسلت زوجة الكاتب الروسي رسالة إلى مطران بطرسبورج بصفته رئيس المجمع المقدس قالت فيها مدافعة عن زوجها:".....أما إذا كان القصد من حرمان ليف نيكولايفتش تنفير الناس منه واستمالتهم عنه، فهو خطأ واضح لأن جميع الناس زادوا تعلقاً به وميلاً إليه وسخطوا من هذا الحرم ولا تزال تردنا الشواهد على ذلك من جميع أقطار العالم.".(36-ص58) .

واستنكرت صوفيا أندريفنا زوجة تولستوي القرار السري الذي أصدره المجمع المقدس والذي يمنع الكهنة من الصلاة على جثة تولستوي بعد مماته ويمنع دفنه بموجب طقوس الكنيسة. وأجابها مطران بطرسبورج بما يلي:".... ولذلك نقدر أن نقول كلمة "واحدة" عمن ينكر المسيح وهو أنّه ينتقل من الحياة إلى الموت وعلى ذلك يتوقف هلاك زوجك....."(36 ص61) . ويرى المطران المذكور أن تولستوي نفسه لا يريد أن يدفن بحسب الديانة المسيحية. ورد ليف  تولستوي على قرار المجمع المقدس لأنّه استلم مجموعة من الرسائل تهدده بالقتل. فكتب له أحد الناس:"ستموت الآن كالكلب.....". (36-ص66)  وكتب له آخرون بأن على الحكومة زجك في السجن وإن لم تفعل ذلك فنحن نجبرك على السكوت. ويكتب تولستوي أنّه خرج إلى الساحة العامة في موسكو في الخامس والعشرين من شهر شباط، وهو اليوم الذي أذاع به المجمع المقدس قرار الحرمان فاستقبله  الجمهور باللعنات والشتائم، وضربه بعضهم.

ولا ينكر تولستوي في رده على المجمع المقدس أنّ الكنيسة أخفت  إخفاءً تاماً جوهر التعليم المسيحي. ويذكرتولستوي أنّه كتب لجميع أقاربه لكي يطرحوا جثته الجامدة بعد موته بدون أن يصلي  عليها أحد كما يطرحون الشيء الفاسد الذي لا لزوم له لكي لا يزعج الناس بوجوده.

سليم قبعين أول من ترجم من اللغة الروسية إلى اللغة العربية قصة تولستوي "لحن كريتسر" (1889) .

مع أنّ سليم قبعين يعتبر نفسه من أتباع تولستوي المخلصين لمبادئه، فهو يفهم الأدب الروسي على أنّه قوة حية فعاله ولذلك فهو يسخر الأدب الروسي من أجل حل المشاكل المعاصرة لواقعه العربي، ولذلك فأحياناً يغير في النصوص. وكانت هذه الحقيقة واضحة في ترجمته لقصة تولستوي "لحن كريتسر". التي نشرت في القاهرة في عام 1903. ويرى المستشرق الروسي دميتريفسكي إن هذه القصة ترجمت إلى اللغة العربية من اللغة الفرنسية في عام 1902
(132-ص13) . وقام بالترجمة في البرازيل الكاتب رفول أفندي سعادة. ويشير كتاب "ترجمة مؤلفات ل.ن. تولستوي إلى اللغات الأجنبية"، إلى هذه النقطة
(170-ص291) .

ويشير الكاتب المذكور إلى أن قصة "لحن كريتسر" صدرت مرة ثانية في القاهرة في عام 1913.

كتب مقدمة ترجمة قصة "لحن كريتسر" رفول سعادة. والجدير بالذكر أن عنوان الرواية بالترجمة هو:"الوفاق والطلاق أو لحن كريتسر". وبعد ذلك وعلى الصفحة الأولى نجد وصفاً للرواية بأنّها رواية اجتماعية غرامية أدبية.

كان سليم قبعين من أنصار تحرير المرأة في المشرق العربي  ولذلك قام بترجمة قصة "لحن كريتسر" التي كان لها صدى اجتماعي آنذاك. وبوجه خاص بعد صدور كتب قاسم أمين" تحرير المرأة" (1899)  وكتاب "المرأة الجديدة"(1901)  والكتب الأخرى التي تنادي بتحرير المرأة في المشرق العربي.

أحدثت كتب قاسم أمين (1865-1908) ، ضجة اجتماعية كبيرة في ذلك الوقت.

فلقد كان قاسم أمين كما كتب عنه ي.يو.كراتشكوفسكي: "أول مسلم في مصر يرفع بقوة صوته مدافعاً عن حقوق المرأة المشروعة" (160ص127) ، ويكتب المستشرق الأكاديمي، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة لينينغراد الحكومية ي.يو.كراتشكوفسكي:

"إن الصحفي الجيد سليم قبعين الذي قدم الكثير للأدب العربي المعاصر في مجال تعريف القراء العرب بالأدب الروسي. والذي قام في عام 1903 بترجمة قصة تولستوي "لحن كريتسر" قد وسع أفق المسألة التي طرحها قاسم أمين حول تحرير المرأة"(160-ص133-134) .

قامت أستاذة الأدب العربي بجامعة لينينغراد ا لدكتورة آنا أركاديفنا دالينينا بتحليل ترجمة سليم قبعين لقصة تولستوي "لحن كريتسر"، وذلك في مقالة نشرتها تحت عنوان "الترجمة العربية لقصة "لحن كريتسر"، وأثبتت في مقالتها بأن سليم قبعين قد أجرى قاصداً ومتعمداً تغييرات كثيرة في نص القصة. فكما هو معروف فإن الفكرة الأساسية في قصة "لحن كريتسر" هي بأن المثال  المسيحي هو إقامة ملكوت اللّه على الأرض، وأن العفة أحد الشروط الأساسية في هذا الملكوت. فعلى الإنسان كبح شهواته الجنسية. ويرى بوزنيشوف -بطل القصة- أن هدف وجود الإنسان على الأرض هو زرع الخير. وهناك قانون لتحقيق هذا الهدف، ويتلخص بوحدة البشر، وأن الدافع الجنسي هو الذي يفرق ويبعد الناس بعضهم عن بعض، فهو من أقوى الدوافع الإنسانية، فهو من أقوى الشهوات التي تفرق وحدة الجنس البشري.

أما سليم قبعين فإنه يغير الفكرة المذكورة سابقاً بالشكل التالي:".... هدف الإنسانية هو الخير ومن أجل تحقيق هذا الهدف  هناك تعاليم وسلوك معين يقود الإنسان إلى السعادة، وأما الابتعاد  عن هذه القوانين فيؤدي إلى العبودية"....(127- ص120) . فلقد حول سليم قبعين "لحن كريتسر".. بصورة عقلانية بما يتناسب ومسائل  العصر. فبدل وعظ تولستوي حول العفة إلى نداء لتحرير المرأة الذي كان المشرق العربي بأمس الحاجة إليه. يبدل سليم قبعين حتى عنوان القصة فأصبحت عنده "الوفاق والطلاق أو لحن كريتسر"، فلذلك يقترح بطل القصة بالترجمة العربية أن تصبح المرأة صديقاً وعوناً للرجل بدلاً من أن تبقى مادة لملذاته وشهواته. وهذه المثل ما هي إلا صدى لآراء قاسم أمين الذي كان يعمل مستشاراً بمحكمة الاستئناف والذي اهتم بموضوع تحرير المرأة العربية. ورأى قاسم أمين أن الدين الإسلامي لا يلزمنا التشديد في الحجاب، ويكتب قاسم أمين في كتابه "المرأة الجديدة": "فإذا أراد المصريون أن يصلحوا أحوالهم فعليهم أن يبدأوا الإصلاح من أوله. يجب عليهم أن يعتقدوا بأن لا رجاء في أن يكونوا أمة حية ذات شأن بين الأمم الراقية.... قبل أن تكون بيوتهم وعائلتهم وسطاً صالحاً لإعداد  رجال متصفين بتلك الصفات التي يتوقف عليها النجاح. ولا رجاء في  أن تصير البيوت والعائلات ذلك الوسط الصالح إلا إذا تربت النساء، وشاركن الرجال في أفكارهم وآمالهم وآلامهم، إن لم يشاركنهم في جميع أعمالهم"(3 ص125) . تقارن آنّا اركاديفنا دالينينا بين الأفكار  والاستنتاجات التي يصل إليها كل من بطل "لحن كريتسر" في الأصل وبطل "لحن كريتسر" في الترجمة. يقول بوزنيشوف في النص الروسي: "عرضت القضية على المحكمة كما يلي: كل ماحدث، حدث بسبب الغيرة، ولكن هذا ليس صحيحاً. فلقد أقرت المحكمة بأنني زوج مخدوع، وأنني قتلت دفاعاً عن شرفي المدنس  ولذلك برأت المحكمة تصرفي، وحاولت في جلسة المحكمة أن أشرح معنى القضية، ولكنهم فهموا أنني أرغب في رد اعتبار شرف زوجتي.

فعلاقة زوجتي بهذا الموسيقي، مهما كان نوعها، لامعنى لها بالنسبة لي، وبالنسبة لها أيضاً.... فلو لم تكن حجة الغيرة لكانت هناك حجة أخرى. إنني أصر وأنا متأكد في أنّ كلّ الأزواج، الذين يعيشون كما أعيش، ينبغي إما أن يمارسوا الزنى، وإما أن يطلقوا زوجاتهم، وإما أن ينتحروا، أو أن يقتلوا زوجاتهم، كما فعلت".(103 ص 49 -50)  أيّ أنّ تولستوي ينتقد المجتمع الذي يؤدي بأفراده إلى حالات معينة يضطر فيها الفرد إلى ارتكاب جريمة القتل أو الزنى، بطل قصة تولستوي يلوم نفسه ويلوم القضاء الذي برر جريمته في حين أن بطل القصة في الترجمة العربية لا يلوم نفسه وإنّما يطلب من الآخرين تبرئته، كما برأته المحكمة، لأنّه في نظر القضاء قام بجريمة القتل دفاعاً عن شرفه المدنس. وترى المستشرقة آنّا أركاديفنا دالينينا:"نهاية الترجمة العربية تبتعد عن نهاية النص الروسي (180)  درجة أي تصير عكسها تماماً... وهكذا أمامنا "لحن كريتسر"، رأسها إلى الأسفل وقدماها إلى الأعلى"، (127 ص123) . إن قصة "لحن كريتسر"  باللغة العربية تهدف إلى تحرير المرأة والتجاوب مع صرخة أطلقها في المجتمع العربي قاسم أمين، ولذلك كتب سليم قبعين في قصته المترجمة: ".... يجب على المرأة أن لا تخدع زوجها ولا تغشه مطلقاً كما يجب على الرجل أيضاً الانتباه التام لئلا يكون مخدوعاً من امرأته"(5-ص22) .

يفضح بطل قصة تولستوي الأسر الطفيلية حيث ينظرون إلى المرأة كما ينظرون إلى أداة للملذات الجسدية. وبهذا فإنّ تولستوي ينادي المجتمع بالرجوع إلى المبادئ المسيحية.

 

وإلى وصية السيّد المسيح الذي قال:

"من نظر إلى امرأة واشتهاها فقد زنى بها بقلبه". أي أن  تولستوي ينادي بالعفة والطهارة، كما نادى من قبله السيد المسيح. يقوم تولستوي على حد تعبير فلاديمير ايليتش لينين "بتنديد عفوي وصادق وقوي بصورة لا مثيل لها بالكذب والدجل الاجتماعي"(165-ص209) .

بطل قصة "لحن كريتسر" التي ترجمها سليم قبعين يدافع عن الأسرة. لا يتصف بوزنيشف بالشهوات الحيوانية التي كان يكرهها تولستوي. يتحمل مسؤولية الفساد، بنظر سليم قبعين، كل من الرجال والنساء ولا يتصرف الزوج في الترجمة العربية بصورة حيوانية كما يتصرف في الأصل الروسي. إن ترجمة قصة "لحن كريتسر" ضرورية بالنسبة لسليم قبعين من أجل حل مشكلة الأسرة والزواج والطلاق في الشرق، أيّ أن الترجمة كانت تهدف لتحقيق أهداف عملية. ولا بأس  من الإشارة إلى أن الدكتور طه حسين كتب في تشرين الثاني من عام 1924 مقالاً عن قصة ليف تولستوي "لحن كريتسر"، وذلك لأنّه شاهدها بشكل تمثيلية في أحد مسارح باريس، وقد أعدها للمسرح كاتبان فرنسيان هما فرنان نوزير، والفريد سافوار، ويبدو أن الدكتور طه حسين كان يرتاد المسرح الفرنسي في باريس، على الرغم من أنّه كفيف، كما هو معروف، إلا أنّ أحداً كان يساعده.

يكتب الدكتور طه حسين:"موضوع هذه القصة الغيرة الزوجية أو قل موضوعها الزواج السيء،  أو قل إن موضوعها الألم الذي تشعر به امرأة رقيقة، دقيقة الحس، لم يفهمها زوجها، أو قل إن هذا كلّه هو موضوع هذه القصة. فأنت تجد فيها تمثيلاً متقناً للزوج الغيران، قد عذبته الغيرة أشد العذاب، وكلفته ألواناً من الألم...."(20-ص287) .

تجري أحداث القصة في مدينة بطرسبورج - عاصمة روسيا القيصرية في بيت رجل غني، واسع الثروة، متوسط العمر، لم يكد يبلغ الأربعين، اسمه بوزنيشف متزوج من فتاة لا يزيد عمرها عن ثمانية عشر عاماً. وأحبت الزوجة موسيقياً، عزف في بيتها، "لحن كريتسر" اسمه تروكاسنسكي، وأنجبت طفلين، ولقد اتهمها زوجها بالخيانة وخنقها.

يسرد الدكتور طه حسين أحداث القصة، لكنه يفهم أن تولستوي يندد بالغيرة، في حين أن تولستوي يندد بالخيانة الزوجية ويدعو إلى الإخلاص والعفة ولقد عالج هذا الموضوع في قصته "السعادة الزوجية"، وفي روايته آنّا كارينينا"(1873-1877) .

بعد مرور عام واحد على صدور رواية "لحن كرتيسر" التي نشرها  ليف تولستوي في عام 1889، وترجمها من اللغة الروسية إلى اللغة العربية مباشرة سليم قبعين في عام 1903 في القاهرة. قام المترجم المذكور في عام 1904 بنقل كتاب ليف تولستوي "إنجيل تولستوي وديانته" من اللغة الروسية إلى اللغة العربية  ويكتب في مقدمة الكتاب أن تولستوي أصبح مشهوراً في الكرة الأرضية كلها، حتى أن بعض أعماله تصدر في العام الواحد أكثر من خمس  مرات. ويتضمن الكتاب آراء تولستوي في الدين المسيحي، وفي الإنجيل ويكتب تولستوي في الكتاب المذكور.

1 - إن الإنسان هو ابن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية أو بعبارة أخرى ابن اللّه بالروح وليس بالجسد.

2 - ولذلك يتحتم على الإنسان أن يخدم ذلك الأزلي بالروح فقط.

3 - أصل حياة جميع البشر صادر من عند اللّه ولذلك فإنّ هذه الحياة مقدسة طاهرة.

4 - إرادة أبي البشر تنحصر في أنّه ينبغي على الإنسان أن يخدم جميع الناس لأن حياته وحياتهم مأخوذة من أصل واحد"(6 ص28) .

ويرى تولستوي  أن الحياة الجسدية ماهي إلا طعام للحياة الروحية أو مواد مادية لها. ويرى تولستوي أن المسيح لم يكتب  شيئاً مثله مثل سقراط، إلا أنّ سقراط كان يعلم تلاميذ متنورين في حين أنّ السيد المسيح كان يعلم الشعب البسيط.

وفي عام 1909 ترجم سليم قبعين من اللغة الروسية إلى اللغة العربية أسطورة تولستوي "تهديم الجحيم وإعادة بنائه" وأعاد نشرها مرة "ثانية" في عام 1926. وكان في ذلك الوقت يصدر مجلة "الإخاء" التي كانت تستقي موادها من المصادر الروسية.

ويكتب في مقدمة الطبعة الثانية للأسطورة المذكورة:

"وتولستوي فيلسوف قولاً وفعلاً فإنه زهد بهذه الدنيا الباطلة وتنازل عن جميع ممتلكاته الواسعة وأراضيه الشاسعة واكتفى منها بمنزل تحيطه حديقة وقطعة أرض يستغلها بنفسه ويقضي سحابة يومه في الاشتغال بها ليستثمرها ويتقوت من محصولها وعدا ذلك فإنه يخيط ملابسه وحذاءه لأن من رأيه أنه يتحتم على الناس أن يداوموا على الشغل الذي هو الوسيلة الوحيدة التي تبعدهم عن الشر وارتكاب الموبقات". (7ص 3-4) . وفي هذه الأسطورة يندد تولستوي بالحكام ويتهمهم  بالسرقة والنهب وسفك الدماء وبأنهم يسيرون بمشيئة الشيطان وليس بمشيئة اللّه. فقلوبهم مليئة بالكبرياء والانتقام والبغضاء  والكنيسة تدعم الحكام وتقف ضد الشعب البسيط وضد كل من يطلق صرخة الحق. ففي هذه الأسطورة هناك رئيس للشياطين ينفذ أوامره  كل من الشياطين الذين يثيرون الحروب بين الناس والذين يعملون  على قتل النفوس وعلى النهب وعلى نشر الإيمان بالخرافات بدل الإيمان بالتعاليم الواضحة البسيطة. وهكذا فإن سليم قبعين عندما قام بترجمة "لحن كريتسر" حاول أن يستغل القصة المذكورة من أجل تحرير المرأة العربية. أمّا عندما قام بترجمة "هدم مملكة جهنم  وتجديدها "فإن هذه الترجمة كانت هدفاً بحد ذاتها وليست وسيلة لغاية أخرى، أي أن سليم قبعين هدف من ترجمة الأسطورة المذكورة إلى نشر آراء تولستوي. ولذلك فإن سليم قبعين حافظ في ترجمته للأسطورة المذكورة على الآراء الأساسية فيها.

ولقد ذكر المستشرق أ.ي. شيفمن الذي كان يعمل في متحف تولستوي الأدبي في كتابه "تولستوي والشرق" أن سليم قبعين قام بترجمة مسرحية ليف تولستوي "سلطة الظلمة" من اللغة الروسية إلى اللغة العربية. وذلك في عام (1909)  (139 ص392) .

وفي عام 1912 ترجم سليم قبعين كتاب ليف تولستوي "حِكم النبي محمد". والكتاب أصلاً هو ترجمة لأحاديث نبوية كما يظهر عنوانه،  ترجمها تولستوي من اللغة الإنكليزية إلى اللغة الروسية عن كتاب ألفه عبد الله السهروردي. ومن أقوال النبي العربي الكريم التي اختارها تولستوي: "قل الحق وإن كان مرا".

(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه) . "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ويكتب تولستوي في الكتاب المذكور:"ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين"(8 ص58) .

يذكر "كتاب أعمال تولستوي الإبداعية التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية"، وفي فصل بعنوان "العناوين الغامضة"، أن سليم  قبعين نقل إلى اللغة العربية في القاهرة في عام 1926 مقالة تحمل عنوان "الخمر" وهي عبارة عن مقالة نشرها تولستوي  في عام (1890)  وذلك لاستنكاره تعاطي المشروبات الكحولية (170-ص492) .

وهكذا فإن سليم قبعين أول من ترجم تولستوي إلى اللغة العربية مباشرة من اللغة الروسية. وكان غزير الإنتاج، ومخلصاً  لمبادئ تولستوي ومعروفاً في الأوساط الأدبية والثقافية والعلمية.

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244