|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:21 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
وتخرج من دار المعلمين الروسية في مدينة
الناصرة بفلسطين أديب آخر وهو خليل بيدس الذي أخذ يترجم مؤلفات ليف تولستوي إلى اللغة العربية. والجدير بالذكر أن
خليل بيدس أصدر ما بين عامي (1908 -
1914) ، مجلة "شهرية" بعنوان "النفائس". ولقد التقى أ.فيدوروف بخليل بيدس وكتب
عنه في عام 1910 "خليل بيدس - واحد من أفضل مدرسي الجمعية الفلسطينية.
يقضي وقته في مجلته وفي المدرسة.
يتقن اللغة الروسية وترجم الكثير من الكتاب الروس"(152-ص2) . وبعد مرور ستة وثلاثين عاماً على ظهور
مقالة فيدوروف التقى جورج ميرينز بخليل بيدس في القدس وكتب عنه مقالة في
"الجريدة الأدبية" بعنوان "الإنسان الذي عرّف العرب بروسيا".
يقول في مقالته على لسان خليل
بيدس:"..... ومنذ ذلك الوقت -يتذكر
خليل بيدس- ترجمت الكثير من قصص ليف تولستوي، وإنني متأكد من أن ليف تولستوي، مفهوم أكثر من
غيره من الكتاب الروس في البلاد العربية
لأنّه كتب الكثير من الأمثال، والمثل شكل أدبي، معروف لدى القارئ
العربي"(172 ص4) . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما
كان خليل بيدس يعيش سنواته الأخيرة ترجم رواية تولستوي "الحرب والسلام" وقال خليل بيدس بهذا
الصدد:"سأكرس السنوات المتبقية
من عمري لترجمة عمل هام وهو رواية "الحرب والسلام"، لتولستوي (172-ص8) .
ولقد صدرت الرواية المذكورة في بيروت في عام 1953 بترجمة ابن خليل بيدس وهو إميل
بيدس. *
* * 18- ترجمة رواية "البعث" (1899) ،
|
|
فتحت به مغالق مبهمات |
|
وأما الخمر فهي تزيل عقلا |
|
عدت عن حملها متندمات |
|
ولو ناجتك أقداح الندامى |
|
وتعرب عن كنائن معجمات |
|
تذيع السر من حر وعبد |
ولابأس في الإشارة إلى أن الكتاب محفوظ
بالمكتبة الظاهرية بدمشق.
*
* *
كما نرى، ترجمت مؤلفات تولستوي إلى اللغة
العربيّة، في مطلع القرن العشرين بوجه
عام مباشرة من اللغة الروسية نظراً
لوجود عدد كبير من المختصين بها من الذين تخرجوا في المدارس الروسية المنتشرة آنذاك في كل من فلسطين وسوريا
ولبنان، كما كان الاهتمام بتراث تولستوي كبيراً. ولكن بعد أن بدأت الحرب العالمية
الأولى التي وقفت فيها تركيا إلى جانب ألمانيا في حين كانت روسيا القيصرية إلى
جانب فرنسا وبريطانيا، قامت تركيا
بإغلاق المدارس الروسية في البلدان التابعة لها.
وبذلك أغلقت المدارس الروسية في كل من
سوريا ولبنان وفلسطين كما أن
المرحلة التي ولدت تولستوي كظاهرة وكفلسفة مضت دون رجعة إلى الماضي، فلم تصبح تلك الفلسفة التي لها أتباع
يتناقشون حولها ويحاولون نشرها،
فتغير وتبدل الاهتمام بتولستوي بما في ذلك في الدول العربية.
لانعرف أعمالاً كثيرة حول تولستوي ومؤلفاته صدرت في الوطن
العربي مابين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.
*
* *
يكتب سليم قبعين في مجلة
"الأخاء" التي كان يصدرها في القاهرة مقالة "بعنوان "حديث مع تولستوي" عن دعوة تولستوي إلى محبة الآخرين:"....... غدا
كل فرد منهم لا يعرف من الحياة غير
كلمة "أنا" وهذه اللغة تجر وراءها جيشاً جراراً من المطالب الآخذة برقاب بعض فلا ينتهي الإنسان من
أرب إلا إلى أرب آخر... وكل ذلك يصدر عن ميل الإنسان الغريزي إلى المجد الباطل
ومحبة الذات والظهور(67ص71) .
ويرى الكاتب الروسي:"....أنّه لا
وجود للموت الشخصي المادي، ذلك لأنّ
وجودنا الوقتي في هذه الحياة هو مظهر من مظاهر الحياة الروحية الخالدة، وإذا انقضت
هذه الحياة المادية انقضت معها اختصاصات الجسد وعندما ندخل بوساطة الموت إلى شكل حياة جديد نفقد تلك
الأنانية، التي تعلقنا بها في هذه الحياة وندرك إذ ذاك أننا دخلنا في طور جديد من
الحياة لا انقضاء له ولا انتهاء"..(67-ص73) .
وبعد عام واحد من نشر المقالة المذكورة نشر سليم قبعين مقالة أخرى لتولستوي بعنوان "الزواج
والحب" يرى فيها الكاتب الروسي
الشهير بأن الهدف الأساسي من الزواج هو إنجاب الأطفال ولذلك على الرجل الابتعاد عن
فراش زوجته في أثناء الحمل وبعد الولادة
وفي أثناء الإرضاع.
وما على الناس للانقطاع عن ذلك إلا أن
يفهموا ويدركوا بأن العفة قبل
الزواج من مطالب الحياة الضرورية ومن أهم مواد نواميس الفضيلة الواجب علىالناس الاتصاف بها"(68-ص149) .
وفي عدد حزيران من عام 1925، يكتب سليم قبعين
عن معنى الحياة عند تولستوي فيقول:
"إننا نظن أن تولستوي كان سعيداً
لإحرازه الصحة الجيدة والثروة الواسعة والمجد والمحبة والعلم والحسب الرفيع ولكن تولستوي استنتج بأن
سعادة الإنسان تتكون ليس من
الاهتمام والعناية بنفسه بل بعنايته واهتمامه بغيره"(69ص174) .
وفي عدد آب تنشر المجلة ذاتها خواطر تينا
كريمة تولستوي عن أبيها
(70 ص357) .
وفي العدد الثاني لعام 1928 أي في عدد أيار، إذ أن المجلة
المذكورة تبدأ عامها بشهر نيسان نشر سليم قبعين -صاحب المجلة مقالة تؤكد تواضع تولستوي (71 ص 131) .
وبمناسبة مرور عشرين عاماً على وفاة
تولستوي كتب سليم قبعين مقالة
"بعنوان" الفيلسوف تولستوي" وذلك في عدد شباط من عام 1931، يتحدث
في المقالة عن بساطة حياة تولستوي وافتتاحه مدرسة للفلاحين وإصداره مجلة لأبناء
الفلاحين تتضمن قصصاً للأطفال
ونادى تولستوي بإزالة الفوارق الكبيرة بين
الأغنياء والفقراء لأن الغنى يدفع الإنسان إلى ارتكاب الموبقات، وأما الفقر فيدفع
صاحبه إلى ارتكاب الجرائم.
ولابأس في الإشارة إلى أن أعداد مجلة
"الأخاء" لصاحبها سليم قبعين محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق.
ويدعو الفيلسوف إلى استبدال القوانين
القائمة بقوانين أكثر صلاحية. ويرى تولستوي أن الفلاح الذي يفلح أرض غيره ويبتاع
ضروريات الحياة بالثمن الذي يطلب منه، لايستطيع أبداً أن يصير غنياً مهما كان
مجتهداً ومقتصداً، وأما الرجل المسرف المبذر الذي يتسلل إلى مناصب الحكومة أو ينال
الخطوة لدى أربابها أو يصير مرابياً أو صاحب معمل أو بنك أو تاجر خمر أو ينشىء
بيتاً للمومسات فهذا ينال الغنى من أقرب طريق وأمثلة ذلك كثيرة حولنا.
ويكتب سليم قبعين في مقالته: "وقد
صار العمال آلات لقهر إخوانهم بصيرورتهم جنوداً للحكومة وآلات في يدها للقتل
والفتك.... وأصل كل الشرور مارسخ في الأذهان من أن تجنيد الجنود لقتل الناس ليس
إثماً بل هو شرف كبير وعمل نبيل لذلك لاتزول الشرور من الدنيا بتحرير الفلاحين
ورفع الضرائب وتكثير الآلات والأدوات ولا بإبطال الحكومات الحاضرة بل بابطال كل
تعليم ديني يجيز للناس أن يحملوا السلاح لقتل غيرهم" (72ص873) .
ونجد في كل عدد من أعداد مجلة
"الأخاء" أو على الأقل في أكثر أعدادها زاوية "كلمات تولستوي"
يختارها صاحب المجلة سليم قبعين أو غيره، وكلها تنادي بالتواضع والإحسان للآخرين
وينادي تولستوي في هذه الكلمات بعمل الخير للآخرين وبالحرية وبعدم مقاومة الشر بالشر.
وفي عام 1933، في عدد شباط نشرت المجلة
المذكورة مقالاً عن آراء غوركي حول تولستوي، وغوركي كما هو معروف معجب بتولستوي
إلى حد التقديس، ولكنه لايتفق وإياه في بعض المسائل منها مبدأ تولستوي (عدم مقاومة
الشر بالشر) .
*
* *
قام وفد سوري من جمعية الصداقة والعلاقات
الثقافية مع الاتحاد السوفييتي بزيارة موسكو أول مرة في عام 1947، وأحضر الوفد معه
مجموعة قصائد ومقالات لشعراء وكتاب عرب حول ليف تولستوي، ليست هناك إشارة إلى مكان
النشر، أغلب الظن، أن المجموعة صدرت في بيروت أو في دمشق، وصدرت المجموعة في عام
1928 وذلك بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادة الكاتب العظيم، والمجلة المذكورة
محفوظة في مكتبة جامعة موسكو الحكومية.
وصدرت المجموعة في عدد ممتاز من مجلة
"التربية والتعليم" لتخليد ذكرى الكاتب الروسي العظيم. وأصدرت المجلة
عدداً مماثلاً في العام ذاته مخصصا للكاتب الفرنسي جان جاك روسو. تتحدث المقالة
الأولى عن شعبية تولستوي لدى القراء العرب وتفسر ذلك بسبب تعبيره عن طموحات وآمال
الشعب البسيط الكادح، يتحدث العدد عن آراء تولستوي حول الدين والسلطة والثروة
والسعادة والعلم والفن والأسرة. ويضم العدد رثاء أحمد شوقي لتولستوي ورثاء حافظ
إبراهيم للكاتب الروسي ومقالات أمين الريحاني والمنفلوطي ورثاء جميل صدقي الزهاوي،
كما يضم العدد نبذة عن حياة المفكر العظيم.
ومن بين مؤلفات تولستوي التي ترجمت إلى
اللغة العربيّة في هذه الفترة قصصه الشعبية التي تعبر عن تعاليمه وقد كتبت في فترة
متأخرة من حياته. كما ترجمت إلى اللغة العربية قصة "السعادة الزوجية"
ورواية" آنا كارينينا" التي كتبها تولستوي مابين عامي (1873- 1877) ومما يؤسف له أن مؤلفات تولستوي ترجمت
إلى اللغة العربية في هذه الفترة من اللغات الفرنسية والانكليزية والألمانية وقلما
ترجمت من الروسية.
*
* *
كتب تولستوي المسرحية المذكورة في عام
1902 أي بعد صدور قرار حرمانه من الكنيسة الذي صدر في عام 1901. ترجم عصام الدين ناصيف
المسرحية المذكورة إلى اللغة العربية من اللغة الألمانية في عام 1926 وصدرت في
القاهرة. لقد شاهدها عصام الدين ناصيف على أحد مسارح برلين وأعجبته. وهذه المسرحية
فكرية أكثر مما هي فنية ويبدو أن المترجم أعجب بتولستوي المفكر أكثر من إعجابه
بتولستوي الفنان. ويتضح من المقدمة أن المترجم يعرف مؤلفات تولستوي معروفةً
سطحية" فهو يرى أن بطل المسرحية سارينتسوف- تبنى أفكاراً اشتراكية متطرفة
وأوصى بهذه الأفكار إلى الأمير باريس الذي، بتأثير هذه الأفكار، رفض تأدية الخدمة
العسكرية، وهذه المبادئ في نهاية المطاف لاتصلح للحياة العملية فهي بعيدة عن
الواقع العملي.
يتحدث عصام الدين ناصيف عن أفكار
تولستوي، فيشير إلى أن تولستوي كان يحتقر ملذات الحياة الدنيا باعتبار أن الحياة
نفسها فانية، وكان تولستوي يحب البحث عن الحقيقة وينادي بالأخلاق العالية السامية.
ولكن عصام الدين ناصيف لم يكتب عن تنديد تولستوي باستغلال الطبقات البورجوازية
للكادحين.
يحذف عصام الدين ناصيف من مسرحية تولستوي
"ويضيء النور في الظلام" الأمكنة التي تنتقد الحكومة، وهو بذلك يشبه
رشيد حداد مترجم رواية "البعث" فيحذف عصام الدين ناصيف مقطعا كبيرا من
المشهد السادس من الفصل الثالث من الجزء الثالث الذي يندد باستخدام الحكومة العنف
ويندد بمخالفة الدولة للأنظمة والقوانين، وكذلك فإن عصام الدين ناصيف مثله مثل
رشيد حداد يحذف المقاطع التي تندد بالخدمة العسكرية على سبيل المثال يحذف المترجم
من المشهد الثاني من الفصل الأول من الجزء الثالث عبارات نيكولاي ايفانوفتش حول
الخدمة العسكرية التي تعلم الناس فن قتل بعضهم بعضاً فهي فن متوحش وقاسٍ ولايقره
القانون الإنساني ويدعو باريس إلى القاء السلاح ومثله مثل مترجم رواية
"البعث" يكتب عن الحياة الطفيلية للطبقة البورجوازية بلهجة أقل عنفاً من
لهجة تولستوي.
يقول بطل المسرحية لزوجته:
"لاتريدين أن تفهميني ولذلك نحن نبتعد احدنا عن الآخر أكثر فأكثر... الحياة
هنا فاسدة" (المشهد الخامس، الفصل الثاني، الجزء الرابع) وبعد ذلك يقول إن الحياة مبنية على النهب
والسلب، إنهم يفسدون الأطفال. كل هذه الأفكار محذوفة في الترجمة.
وكما هي الحال في ترجمة رواية
"البعث" تتعرض لتغييرات كبيرة الأمكنة التي تتعلق بالدين فتحذف الأمكنة
التي تنتقد أسرار الكنيسة تحذف فكرة نيكولاي ايفانفتش حول ملكية الأرض، إذ أن
البطل المذكور كان ينادي بتوزيع الأراضي على الفلاحين. ولكن من الذي قام بهذا الحذف
كله؟ أهو عصام الدين ناصيف؟ أم أنها كانت محذوفة في النص الألماني؟
أو قد تكون هذه الأمكنة محذوفة من قبل
الرقابة في مصر
*
* *
أصدر الارشمندريت انطونيوس بشير- صاحب
مجلة "الخالدات" في عام 1930 كتاباً بعنوان "اعتراف تولستوي"
(1883) . يهدي انطونيوس بشير كتابه" إلى كلّ من يحبّ الحق، ويعرف الحق
ولايخاف في سبيل الحق لومة لائم" . ويكتب الناشر في المقدمة بأنّه لايتقيد
بأفكار تولستوي، فهو حر في معتقده. ويكتب تولستوي في اعترافه أنه بدأ الكتابة
طمعاً في الشهرة وفي المال ويعترف تولستوي بمحبته لأسرته وللفن، يتعرض تولستوي في
اعترافه إلى شريعة النمو، ويرى أن الإنسان ينمو إلى مرحلة معينة، وبعد ذلك يبدأ
التراجع فيضعف وتسقط أضراسه ويهزل وبعد ذلك يموت. ويناقش تولستوي في اعترافه فلسفة
شوبنهاور الذي كان يرى أن الحياة تعني الإرادة وأن كل شيء سينتهي إلى العدم في يوم
من الأيام. وبعد ذلك يتعرض لآراء النبي سليمان الذي قال بأن كلّ شيء باطل،
ولافائدة للبشر من تعبهم الذي يعانونه تحت الشمس. جيل يمضي وجيل يأتي والأرض قائمة
مدى الدهر... ماكان فهو الذي سيكون، وماصنع فهو الذي سيصنع، فليس تحت الشمس شيء
جديد.... ويرى النبي سليمان أن في كثرة الحكمة كثرة الغمة، ومن ازداد علماً فقد
ازداد كرباً. ويموت الحكيم كما يموت الجاهل. ويرى الأمير سيكامون أن الحياة التي
يتخللها المرض وتنتهي بالشيخوخة والموت باطلة. ويرى تولستوي أن أبناء الطبقات
الراقية يلجؤون إلى بعض الوسائل للهرب من الحياة منها الجهل ومنها الانغماس في
اللذة. ومنها الانتحار، إن لم تنفع الوسائل الآنفه الذكر في الهرب من الشعور
بالحياة.
ثم أخذ تولستوي يفكر في حياة الكادحين:
"لأجل هذا شرعت للحال أدرس حياة العامة وعقائدهم، وكنت كلما تعمقت في الدرس
ازداد اقتناعاً بأن الإيمان الحقيقي كائن في قلوبهم، وأنهم يعتقدون في أعماق
نفوسهم، أن هذا الإيمان جزء مكمل لحياتهم، ولولاه لايجدون معنى لوجودهم على
الأرض.. فكان مارأيته في عامة الشعب مناقضاً على خط مستقيم لما رأيته بين الخاصة
من أبناء الأشراف والأغنياء، الذين كانت حياتهم بلا إيمان سهلةً جداً
عليهم..." (12ص 84) ومع أن
هؤلاء الفقراء حرموا من جميع الملذات التي تجعل الحياة ذات قيمة في نظر سليمان
ونظرنا، فهم يعيشون في وسط سعادة لم يحلم بها سليمان في مجده، ولم يعرف مثلها أعظم
عظماء الأرض." (12ص85) ولذلك
فإن تولستوي أحبهم واتخذ من حياتهم قدوة له.
*
* *
في أثناء الحرب العالمية الثانية، في عام
1941 صدرت في بيروت قصة تولستوي بعنوان "المجنون العاقل" وكما كتبت لجنة
المنشورات في مشروع انعاش القرى في مقدمة القصة، بأن القصة مخصصة للفلاح من أجل
رفع مستواه الثقافي. والقصة، كما هو معروف، تمجد العمل في الأرض، ففي القصة أخوة
ثلاثة، فالأخ الذي خاض حروباً كثيرة وانتصر فيها أصبح فقيراً، لأنّه سلك طريقاً
خاطئاً وهو طريق الحرب، إذ أن الشيطان كان يسيره في كل حروبه وخسر كل ممتلكاته
وخسر الحرب. وخسر الأخ التاجر أمواله كلها، لأنه طمع كثيراً، فهو أيضاً كان يسير
بأوامر الشيطان. أمّا الأخ الفلاح فلقد انتصر على تجارب الشيطان كلها، لأنه يعمل
بالحقل ولايطمع بأكثر من حاجاته الضرورية.
*
* *
وبعد انتصار الاتحاد السوفيتي على
المحتلين الفاشيين وبعد أن تعززت حركة التحرر الوطنيه في الوطن العربي، الذي أخذ
يحصل على الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية. فحصلت سوريا على استقلالها من
الاستعمار الفرنسي في عام 1946 ، وحصل لبنان على استقلاله من الاستعمار نفسه عام
1947 وكذلك حصلت الجزائر على استقلالها في عام 1962 أما مصر فحصلت على استقلالها
من الاستعمار الانكليزي في عام 1954. فأخذت الدول العربية تهتم بالنظام الاشتراكي
في الاتحاد السوفييتي وبحياة المواطنين السوفييت وبالثقافة والأدب الروسيين.
قدم الاتحاد السوفييتي كافة أنواع الدعم
للشعب العربي ولمطالبه العادلة في هيئة الأمم المتحدة. وتزداد رغبة المواطنين
العرب بمعرفة الحياة المعيشية لدى المواطنين السوفييت. فتأسست بعض المجلات
التقدمية، التي تهدف إلى نشر الأدب الروسي بين المواطنين العرب. على سبيل المثال
مجلة "الطريق" التي تأسست
في بداية الحرب العالمية الثانية.
بالإضافة إلى مجلة "الطريق"
لعبت بعض المجلات الأخرى دوراً بارزاً في نشر الأدب الروسي مثل مجلة
"المقتطف" التي أسسها في عام 1876 الأديب المعروف يعقوب صروف والتي
مازالت تصدر حتى يومنا الحاضر. كما قامت بنشر الأدب الروسي المجلات الأخرى وبقي
ليف تولستوي في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية من أشهر الكتّاب الروس في
الوطن العربي.
قيّم عاليا الكتّاب العرب في نهاية النصف
الأول من القرن العشرين إبداع تولستوي. فلقد قيّم الكاتب العربي- "عمر فاخوري
(1895-1946) تقييماً عالياً تراث
تولستوي. ويعتقد الصحفي المشهور عمر فاخوري بأن روح تولستوي نظيفة من الدجل
والرياء ولاتعرف إلا الصدق فكل مايقوله تولستوي صادر من أعماق قلبه" (180ص
134) .
مما كتب عن تولستوي في أقطارعربية مختلفة
في النصف الثاني من القرن العشرين:
في القاهرة كتب الأديب العربي المعروف
محمود تيمور (1894-1973) حول رواية
تولستوي "آنا كارينينا" (1873- 1877) : "أبطال روايات تولستوي
وبوجه خاص رواية "آنا كارينينا" يشبهون أبطال الروايات العربية، وكأنهم
شخصيات عربية، الفرق بين أبطال رواية تولستوي المذكورة وأبطال القصص العربية هي
الأسماء فقط. فنجد في شخصية آنا كارينينا بعض الصفات العربية مثل الصدق في التعبير
عن العواطف وقوة العواطف وغيرتها، وحبها الرومانسي، كل هذه الصفات، تترك لدى
القارئ العربي انطباعاً وكأن البطلة تعيش وتتنفس تحت سماء الشرق" (185ص66) .
ولقد كتب محمود تيمور في عام 1939 في
مجلة الثقافة عدد اكتوبر عن القصة الروسية: "يمتاز القصص الروسي بعنصر الصدق
والبساطة فما القصة الروسية غير قطعة منتزعة، من نفس صاحبها، ومن مشاهداته، يعرضها
في غير كلفة، ولازخرف، وقد يقرأ الإنسان أقصوصة من الأقاصيص، فلايرى فيها موضوعاً
تاماً، له بدايته ونهايته، بل يرى صفحة ساذجة من الحياة، ولكن تتراءى له، خلف هذه
السذاجة الظاهرة، صفحات من صميم المآسي البشرية لذلك نعتقد أن قوة القصة ليست في
حوادثها الثائرة الفاجعة، ولا في مشوقاتها، المبتذله، التي يتعمد القاص أن يسردها،
ليستر ضعفه وراءها، بل إن قوتها الحقيقية في بساطتها وصدقها وصوغها في قالب فني
رفيع".
نشرت مجلة "المقتطف" التي
أسسها الدكتور يعقوب صروف والتي صدرت في القاهرة بعدد تشرين الثاني عام 1945 مقالة
"للأديب سعادة خوري بعنوان "تولستوي" يربط المؤلف في مقالته
تولستوي بروسيا المعاصرة، التي انتصرت في عاصفة الحرب الهائجة.
إن تولستوي، برأي المؤلف، تطلع إلى
الحقيقة التي تطلبت منه أن يوزع أراضيه الواسعة على الفلاحين. ولقد حاول تولستوي
القيام بمثل هذا العمل ولكن أسرته مانعت.
وبعد ذلك يتحدث المؤلف عن حياة تولستوي البسيطة التي اختارها بنفسه، فهو
يعيش كما يعيش الفلاحون، وعن نشاطه التربوي في القرية. ويحاول المؤلف أن يجعل
تولستوي مثالاً للكمال في شبابه، فهو، برأي المؤلف، ترك جامعة كازان لكي يدافع عن
وطنه ويشترك في حرب القرم. وعلى مايبدو فإن المؤلف تأثر بسيرة حياة الكتاب
السوفييت الذي تركوا أعمالهم المدنية وذهبوا إلى الجبهة للدفاع عن الوطن من
المعتدين الفاشيين.
وهكذا يقارن المؤلف بين شخصية نابليون
الذي صوره تولستوي في روايته "الحرب والسلام" (1863-1869) وشخصية هتلر فكلاهما مستعد لإغراق الشعوب
بالدماء إذا ماتطلبت مصالحهم الشخصية ذلك وكلاهما دمر الكثير من المدن والقرى،
فيندد المؤلف بهتلر عندما يتحدث عن نابليون. وبذلك فإن المؤلف يحاول أن يقرّب
الكتاب الروس في القرن التاسع عشر إلى العصر الحديث. وهذه الميزة كانت منتشرة في
السنوات التي تلت الحرب.
يبدأ الكاتب مقالته: "إن البلاد
الروسية التي خاضت غمار حرب طاحنة كانت ولاتزال وطن الأدباء ومنبت الكتبة والشعراء
الذين ظهروا كواكب لامعة فأناروا حالك ليل من الجهل، خيم على تلك البلاد
طويلا..." (79ص 279) " وإذا ذكر أدباء الأمة الروسية وفلاسفتها كان
تولستوي الزعيم المقدم" (79ص 297) .
نشرت مجلة "الطريق" التي أسسها
أنطون ثابت في عام 1941 عدد شباط مقالة بعنوان "كاتب روسيا الكبير ليون
تولستوي" بقلم ل.ميخايلوفسكيا تتأثر المجلة بآراء لينين حول تولستوي فتقول
"بيّن فلاديمير لينين بقوة عبقري، التناقض في أدب تولستوي وأخضع لنقد لاذع
النواحي الضعيفة لفهمه الحياة وتحريضه على عدم الصمود في وجه الشر".. (76ص
12) . وتذّكر المجلة بأن يوسف ستالين ذكر تولستوي بين أولئك الذين يمثلون عظمة
روسيا. وتشير المقالة إلى أثر تولستوي في الآداب الأخرى. الذي أعطى العالم الأدبي
نماذج أدبية تكاد تكون فريدة مثل شخصية نتاشا في رواية "الحرب والسلام"
وشخصية" آنا كارينينا" في الرواية التي تحمل اسمها وشخصية كاتيوشا في
رواية "البعث" وتتعرض المقالة لتحليل رواية "آنا كارينينا" :
"إن كارينين: الرجل الذي له قلب الرجل الجاف، المائع، ممثل البيروقراطية
القيصرية، لم يكن يستطيع أن يكون رفيق حياة جديراً بآنا" (76ص16) .
وفي عام 1951وفي عدد شباط كتبت مجلة
"الطريق" مقالاً حول تولستوي بمناسبة مرور أربعين عاماً على وفاة الكاتب
الروسي العظيم. ونتحسس في هذه المقالة وفي غيرها تأثير أفكار لينين حول تولستوي.
فهذه المجلة التي كانت لسان حال أنصار السلم في سوريا ولبنان تبنت آراء لينين حول
الأدب والفن وبوجه خاص مقالته "ليف تولستوي كمرآة للثورة الروسية" ويؤكد
المقال بأن تولستوي يشكل مفخرةً
للأدب الروسي" (77ص 68) .
في بيروت وبمناسبة مرور خمسين عاما على
وفاة الكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي احتفلت جمعية العلاقات الثقافية بين لبنان
والاتحاد السوفييتي في شهر كانون الأول من عام 1960 بهذه الذكرى في قاعة
الاجتماعات في وزارة التربية. وقامت مجلة "الطريق" بنشر الكلمات في عدد
شباط الممتاز المكرس لهذه الكلمات من عام 1961 وزود العدد بصور لتولستوي وبصور
لبعض مخطوطاته.
كانت الكلمة الأولى لجورج حنا الذي بيّن
أن تولستوي هو رسول المحبة والسلام. وبين تقييم كل من تورغينيف وغوركي والمهاتما
غاندي وفلاديمير إيليتش لينين (1870-1924)
لتولستوي الذي كان، برأي جورج حنا، من أنصار الحرب الدفاعية وضد الحرب
الهجومية ويبرهن على رأيه بأن تولستوي كتب رواية "الحرب والسلام" التي
يمجد فيها بطولات الشعب الروسي في أثناء دفاعه عن أرضه. وكذلك اشتراك تولستوي في
حرب القرم. ولكن جورج حنا يتناسى أن تولستوي في الخمسينيات والستينيات من القرن
الماضي يفترق عن تولستوي في الثمانينيات. وبكلمة واحدة فإن جورج حنا يحاول أن يرى
تولستوي بالشكل الذي يتمنى أن يراه وليس تولستوي كما هو على حقيقته.
أما رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد
البستاني فقد ألقى كلمة حول تولستوي الإنسان والفنان، ويقول في كلمته إنّ السلطات
لاحقت أنصار تولستوي ولم تلاحقه لعلاقته الخاصة مع القصر والقيصر ( 78ص 21) أما في الحقيقة فإن السلطات في روسيا لم
تلاحق تولستوي ليس لوجود علاقات خاصة طيبة بينه وبينها، وإنما لأنها خافت انفجار الغضب الشعبي من ملاحقتها للكاتب
العظيم.
وتحدثت الدراسات الأخرى في العدد ذاته عن
تولستوي الذي جسد في أدبه وشخصه صفات الأمة الروسية لابل الإنسانية بأسرها.
واستعمل أسلوب المبالغة إذ يقول بعضهم إنّ بين الفنانين تولستوي وحده يستحق لقب
الخالق. ويذكر المحاضرون عمق وبعد نظر تولستوي في إبداعه، ويكرر بعضهم فكرة
فلاديمير إيليتش لينين أن إبداع تولستوي يتصف بالتناقض ولكن سبب هذا التناقض، برأي
لينين هو أن إبداع تولستوي يعكس الثورة الروسية وتناقضاتها، في حين أن سبب
التناقض، برأي النقاد العرب، أن تولستوي يعكس تناقضات البشرية منذ ظهورها إلى
يومنا الحاضر، لأنه يعبر عن تطلعات واهتمامات ليس الأمة الروسية فحسب، بل
الإنسانية بأسرها ( 78ص 31) وتفتخر
المجلة بأن البشرية أنجبت هذه العبقرية هذا الإنسان، وكتبت المجلة أن تولستوي
لايعرف الرياء ويعيش حياةً بسيطة" وينشر العدد المذكور من المجلة بعض المقاطع
من مؤلفات لينين حول تولستوي وكذلك من مقالة غوركي حوله. وكذلك تتحدث المجلة حول
كتاب الكاتب الفرنسي الشهير رومان رولان حول تولستوي، وكذلك نشرت المجلة قصة
تولستوي" كم يحتاج الإنسان من الأرض"..
وبهذه المناسبة ألقى الكاتب العربي
الكبير ميخائيل نعيمه كلمة نشرتها المجلة نفسها في عدد شباط، يرى نعيمه في تولستوي
عملاقا روحا وقلما، ويدرس نعيمه حياة تولستوي وإبداعه ويقارنه بالنبي البوذي بوذا
ويرى بأن الكاتب الروسي خالد بسيرة حياته وبإبداعه الأدبي وبتعاليمه، وفي الوقت
ذاته يلوم نعيمه الكاتب الروسي لأن ابتدأ تعاليمه منذ عام 1862 فقط أي عندما تجاوز
الثلاثين من عمره ويلومه على سلوكه في شبابه. ويبارك نعيمه خروج تولستوي من بيته
ويلومه لأنه لم يترك بيته منذ شبابه لأن الكاتب الروسي ترك بيته عندما بلغ عمره
82سنة.
ويذكر شيفمن المستشرق الروسي المعروف أن
ميخائيل نعيمه ترجم الكثير من مؤلفات تولستوي (140ص551) وأمّا في الحقيقة فإن نعيمه لم يمارس الترجمة في حياته، لأن
أفكاره الخاصة كانت كثيرة فاكتفى بنقل أفكاره للقارئ علماً بأن نعيمه كان يتقن
الروسية والفرنسية والانكليزية إضافة إلى اللغة العربية، لغته الأم. فلم يكن لديه
وقت للترجمة، مع توفر الامكانيات، ذكرت هذه الملاحظة المستشرقة آنّا أركاديفنا
دالينينا إذ سألته في نيسان في بيروت عام 1967، فأجابها بأنه لم يعمل بالترجمة
أبداً سوى أنّه نقل كتابه "مرداد" من الانكليزية إلى العربيّة أيّ أنّه
ترجم مؤلفات ولم يترجم لغيره.
وبهذه المناسبة ألقى كلمة سعيد عقل
الشاعر العربي المعروف فرأى الشاعر أن تولستوي كان قلقا، ودائما كان يطرح سؤالا
واحدا "لماذا" ولماذا ولم يجد عن هذا السؤال جواباً. لماذا نعيش؟ لماذا
نتعلم؟ لماذا نؤدي الخدمة العسكرية؟ لماذا العالم مبني هكذا؟
وبذلك فإن الكتّاب العرب قيموا تولستوي
تقييماً عالياً كفنان وككاتب، لأنه نادى بأفكار إنسانية عظيمة وناضل من أجل
تحقيقها. وذكر هذه النقطة شيفمن في كتابه "ليف تولستوي والشرق"
(139ص408) .
وبعد الحرب العالمية الثانية كتبت الكثير
من المؤلفات النقدية حول تولستوي وأخذت هذه المؤلفات تدرس الأعمال الإبداعية
لتولستوي دراسةً مفصلة" في حين أن الأعمال قبل الحرب العالمية الثانية كانت
تدرس أفكار تولستوي فقط. فبدأنا نرى دراسات حول "الحرب والسلام"
و"آنّا كارينينا" و"البعث".
واحتفلت القاهرة بمناسبة الذكرى الخمسين
لوفاة الكاتب الروسي العظيم باجتماع كبير لمثقفي القاهرة وألقيت كلمات حول سيرة
الكاتب العظيم وإبداعه وتحدث المحاضرون حول تأثير إبداع تولستوي على إبداع الكتّاب
العرب، ويرجع السبب إلى تشابه الواقع العربي مع الواقع الروسي. فلقد عالج الكتاب
العرب والروس مسائل واحدة. فالفلاح العربي والفلاح الروسي يتعبان في أرض غيرهما،
ولذلك فمسألة الأرض مادة في الأدبين العربي والروسي. فالفلاح العربي مثله مثل
الفلاح الروسي يحلم بالحصول على الأرض التي يزرعها ويحصدها في حين تذهب ثمار عمله
لصاحب الأرض.
وكذلك تحدث المحاضرون عن أهمية رواية
"آنّا كارينينا" وأثرها في الأدب العربي، فقد أثرت في حركة تحرير المرأة
ومساواتها بالرجل وحقها في العمل وفي التعبير عن المشاعر والعواطف. فالمرأة نصف
المجتمع ولها كامل الحقوق مثلها مثل الرجل.
كما تحدث المحاضرون عن خصائص مسرحيات
تولستوي، وعقد اجتماع آخر في القاهرة في مبنى جمعية الصداقة والعلاقات
الثقافية مع البلدان الأجنبية. فلقد
تحدث بهذه المناسبة الناقد الكبير محمد مندور حول إبداع تولستوي. وبهذه المناسبة
أقيم معرض لمنشورات مؤلفات تولستوي باللغة العربية وعرضت في القاهرة بهذه المناسبة
مسرحية تولستوي "سلطة الظلمة" وكذلك عرض فيلم "نهر الحب"
المقتبس عن رواية تولستوي" آنا كارينينا" (1873-1877) .
وفي القاهرة وبعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية مباشرة أيّ في عام 1947 وفي سلسلة "اقرأ" العدد (57) كتب حسن محمود عملا حول إبداع تولستوي.
يغض النظر هذا العمل النقدي عن التناقضات الموجودة في إبداع تولستوي أو
لايتفهمها تفهماً كافيا وتعتبر
الدراسة من أفضل الدراسات حول تولستوي في ذلك الوقت لأنها وافية وكافية، وتقدم
حقائق جيدة حول إبداع تولستوي.
وفي خاتمة الكتاب توجد قائمة بأسماء
الدراسات حول تولستوي فتذكر مختارات تولستوي التي صدرت في موسكو باشراف ب.ي
بيريوكوف (1913) ، والتي صدرت في باريس في عام 1902، والتي صدرت في لندن في عام
1928. وتشير الدراسة إلى الترجمات الفرنسية والانكليزية ليوميات تولستوي ورسائله،
وذكريات ويوميات أبناء تولستوي، وذكريات غوركي وغولدنفيزر وآخرين مثل رومان رولان
وتشرتكوف وإيلمار مود.
تتوفر كافة الأدلة التي تثبت أن حسن
محمود استفاد من بعض المصادر التي يذكرها حين وضع دراسته عن تولستوي. وتدل الدراسة
على أن حسن محمود اطلع على يوميات تولستوي وعلى يوميات زوجته واستفاد من اعتراف
"تولستوي ومن" ما العمل؟" حيث يستشهد بهما.
يحاول حسن محمود ربط مراحل حياة تولستوي
بالأحداث التي كانت تجري آنذاك في روسيا. فيتحدث بالتفصيل عن نبلاء روسيا وعن
حياتهم في القرن الماضي. ويتحدث عن الحروب التي خاضتها روسيا ضد انتفاضات سكان
الجبال. وعن المرسوم الاصلاحي الذي صدر في عام 1861 والذي أعطى الفلاحين حريتهم،
ويربط حياة تولستوي بهذه الأحداث. ويتحدث حسن محمود بالتفصيل عن علاقة تولستوي
بزوجته. وعن أسباب خلافهما حديثاً مفصلاً وحتى عن الخلافات البسيطة التي تحدث بين
الأزواج أحياناً، ونستغرب من أين استطاع الناقد الحصول على هذه المعلومات كلها.
ولايذكر الناقد رواية "البعث" نهائيا. ويكتب قليلا عن صراع تولستوي ضد
رجال الدين ولايذكر حرمان تولستوي من الكنيسة إلا في نهاية الكتاب.
وبوجه عام فإنّ حسن محمود لايعير أفكار
تولستوي الدينية اهتماماً خاصا. وعندما يتحدث عن "اعتراف" تولستوي فإنه
يهتم بأفكاره الفلسفية أكثر من أفكاره الدينية. أي أنّ الباحث يتحدث عن نظرات
تولستوي الدينية ولكن باختصار. وعندما يتحدث حسن محمود عن فلسفة تولستوي فإنه
يتحدث عن نواحي القوة، وقلما يكتب عن نواحي الضعف في هذه الفلسفة. ويكتب مفصلاً،
عن عمل تولستوي "ماالعمل؟" لأن تنديد تولستوي باستغلال الإنسان لأخيه
الإنسان يبلغ ذروته في هذا الكتاب.
يرى حسن محمود أنّ تولستوي تنبأ بحتمية
قيام الثورة العمالية في روسيا في أقرب وقت ممكن، وبذلك فإن نظرة تولستوي، برأي
المؤلف، إلى الحياة الروسية لاتختلف عن نظرة كارل ماركس وفريد ريك إنجلس، إذ أصبحت
مؤلفاته في نظر الناس مثل الانجيل مقدسة، فقوة التعبير عند تولستوي بلغت الذروة.
لقد رسم لوحة "مروعه"
لأحوال الفلاحين الروس وقارنها ببذخ الطبقات الحاكمة الذين يتلذذون بالحياة، ويقدم
الكاتب الروسي العظيم الحل للخلاص من هذا التناقض العجيب المعيب الغريب فيقترح على
الطبقات الغنية التي يمثلها، إذ أنه من أسرة غنية، تجنب الكارثة، والتخلص من
المصيبة القادمة حتما بتوزيع أملاكهم على الفقراء والتنازل عن الملكية الخاصة
طوعا، لكي لاتؤخذ منهم عن طريق العنف والقوة. ولكن هذه الفكرة التي تعبر عن قلب
طيب يؤمن بأن الآخرين طيبون لاتتفق مع آراء كارل ماركس، وفلاديمير لينين، وفريدريك
انجلس الذين آمنوا بالثورة وسيلة وحيدة لخلق المناخ المناسب للحياة الإنسانية
الكريمة، وللعدالة الاجتماعية ولتحقيق الملكية العامة لوسائل الانتاج.
وهكذا فإن حسن محمود يبدأ نقده لنظرات
تولستوي ولأفكاره الطوباوية، مع أن حسن محمود يحاول أن يبرهن أن تولستوي كان
كاتباً تقدميا لأنه يمثل الشعب الروسي الذي قام بأول ثورة اشتراكية في العالم.
من خصائص كتاب حسن محمود حول تولستوي أنّه
يكتب عن أعمال تولستوي الإبداعية مثل "الحرب والسلام" ومثل رواية
"آنا كارينينا"، ويكتب مفصلاً، عن رواية "الحرب والسلام" فهي
ملحمة مثلها مثل "إلياذة" هوميروس. خالدة مثلما "الإلياذة"
خالدة. وهي للعالم بأسره كما أن "الإلياذة" للعالم بأسره. يصور تولستوي
في روايته الخالدة العظيمة التي لايوجد لها مثيل في الأدب العالمي حياة الشعب،
وسير الأحداث التاريخية في المراحل الحرجة من تاريخ الشعوب حين يتقرر مصيرها
بالبقاء أو بالموت. يصور تولستوي قادة الشعوب أثناء الحرب والناس البسطاء،
والأغنياء فالرواية لوحة لشعب بكامله، لبلد بكامله، في مرحلة تقرير المصير. يكتب
حسن محمود عن رواية "الحرب والسلام" تلك القصة التي صاغها مؤلفها في عمل
فني عظيم ليس له مثيل من قبل وربما لن يأتي له فيما بعد مثيل، ليست على حد قول
تولستوي نفسه رواية قصصية " ولاهي قصيدة ولاهي سجل تاريخي بل إنه اتخذ الشكل
الأنسب للموضوع"... (73ص46)
ويكتب عن "اعترافاته": "أن يكون الرجل واسع الضياع كبير
الثروة، ذلك أكثر مايرجوه الناس في حياتهم، وأن تكون له زوجة محبة وأسرة في نمو
دائم فينعم بالمال والبنين ذلك أقصى ماتقف عنده آمال الناس، أمّا أن يؤلف تلك
القصص الخالدة فيبلغ بها ذروة المجد في بلاده وتدر عليه إلى جانب ذلك أموالاً
لاحاجة به إليها، فذلك مايعمل له الناس في حياتهم فلا يصلون إليه وقد وصل إليه
تولستوي" (73ص 57) .
*
* *
وفي القاهرة صدر كتاب بلا تاريخ عن دار
مكتبة الانجلو المصرية يقع في 240صفحة بعنوان "تولستوي- حياته- فلسفته-
اعترافاته"- كتبه المحامي صادق مرجان. يتصدر الكتاب قول تولستوي" نحن
بالحقيقة في حاجة إلى ثورة، ولكنها ليست ثورة دموية، بل ثورة في ضمائر الأغنياء
وفي قلوبهم" وكذلك قول برنارد شو- المسرحي الانكليزي الساخر الشهير "لن
تستطيع أبدا أن تستغني عن قراءة تولستوي" (42ص1) ويقول المؤلف في مقدمة كتابه: "كان تولستوي رجلاً قوي
العاطفة والعقل، مخلصا إلى أقصى حد، فكانت الكلمات التي يكتبها قويةً نفاذة"،
تصل إلى قلوب الناس، وتعتمل في نفوسهم، وتتفاعل مع تفكيرهم فتجعل منهم أشخاصا
آخرين متجددين، وكان الفيلسوف الذي طابق قوله فعله" (42ص1) .
وفي السبعينيات من هذا القرن أخذت تظهر
بعض المؤلفات حول تولستوي باللغة العربية، وقد تأثرت بآراء النقاد الروس حول كاتب
الأرض الروسية العظيم. من بين هذه الأعمال، كتاب الدكتورة حياة شرارة بعنوان
" تولستوي فناناً" تكتب الدكتورة في فصل بعنوان" الروافد
الأدبية" : "درس تولستوي أعمال وانتاج العديد من الكتاب والفلاسفة
والمؤرخين الروس والأجانب وأحاط بأفكارهم وطرقهم الأدبية وآرائهم الفلسفية
والاجتماعية وبرامجهم الاصلاحية في حداثته، قرأ بوشكين وجوجول وليرمنتوف وتورجينيف
وغيرهم" (27ص 6) .
ويمكن القول إن كتاب الدكتورة حياة شرارة
من أكثر الكتب النقدية عن إبداع ليف تولستوي جدية، وذلك لأن الدكتورة المؤلفة تتقن
اللغة الروسية وتستند في مصادرها على الأعمال النقدية الروسية حول الكاتب العظيم.
ولكن يجب القول إن الدكتور حياة شراره لم تأت بشيء من عندها أو لم تأت بجديد، لأن
الأفكار المطروقة في الكتاب ترجع للباحثين الروس. وقامت الدكتورة حياة شرارة
بنقلها بأمانة.
يشير عنوان الكتاب إلى أن الباحثة
ستتناول الجانب الفني في إبداع تولستوي أكثر من تناولها الجانب الفكري مع أن
الباحثة تؤكد في مقدمة الكتاب أنها تتناول الجانبين الفكري والفني.
وعلى أية حال فإن الكتاب ذو طابع جديد
وذلك لتركيزه على الجانب الفني. فتتناول الباحثة تولستوي كما هو عليه في الواقع
وليس كما يريده بعضهم.
وتذكر الباحثة أنّ تولستوي بدأ إبداعه في
مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، أي في وقت تكوّن فيه الاتجاه الواقعي في الأدب
الروسي. فلقد سبق تولستوي كل من بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودوستيفسكي.
كما تذكر الباحثة تأثير جان جاك روسو على تولستوي وتأثير ديكنز وغيرهما. وتشير
الباحثة إلى أن أبطال روايات وقصص تولستوي يبحثون عن الحقيقة بلا تعب وبلا ملل
وكذلك يبحث البطل في تراث تولستوي عن العدالة الاجتماعية وعن الخير، فمن هؤلاء
الأبطال نيكولينكا بطل قصة "الطفولة" وأولينين بطل قصة
"القوزاق" وبيير من رواية "الحرب والسلام" وأندريه بولكونسكى
من الرواية ذاتها وكارينين من رواية " آنا كارينينا" وغيرهم. وتذكر
الباحثة أن أسلوب تولستوي يعتمد على جدلية الروح التي تعتبر الميزة الأساسية في
إبداع تولستوي، وتركز الباحثة على آراء تشرنيشفسكى حول إبداع تولستوي، وتدرس
"آنا كارينينا" دراسة مفصلة.
تدرس حياة شرارة رواية "آنا
كارينينا" كرواية عن المجتمع الروسي بعد الاصلاح، لأن تولستوي عندما تحدث عن
الحب والأسرة فإنما كان يقصد المجتمع بكامله حيث الأسرة خليته الأولى، فلقد بدأت
العلاقات الرأسمالية تتغلغل إلى أعماق المجتمع الروسي بعد اصلاح عام 1861، الذي
نال بموجبه الفلاحون الحرية. فأحد أبطال رواية "آنا كارينينا" فرونسكي
ضابط في الجيش من أسرة غنية يحمل لقب كونت، يطمح إلى الحصول على المجد العسكري،
وحياته مليئة بالفرح والمرح، وكان يستطيع الحصول على أهدافه كلها؛ ولكن بعد علاقته
مع آنّا كارينينا يشعر بأن أهدافه قد سقطت مع سقوطه في الخطيئة، إذ بنى سعادته على
حساب سعادة آنا وزوجها وابنها، لقد دمر بيتا ليشبع غرائزه. أما آنا كارينينا فلقد
تنبأت بمأساتها منذ وصولها إلى بيت أخيها أو بلونسكي أي من بداية الرواية، فلقد
تعرفت على الضابط فرونسكي في محطة السكك الحديدية في الوقت ذاته، الذي عرفت فيه أن
أحد العمال سقط تحت عجلات القطار، وترى في هذه الحادثة نذير شؤم بدأت ترى أن من
الواجب أن تنتهي حياتها نهاية مأساوية.
أما الطريق السليم فيسلكه ليفن الذي تشبه
حياته حياة تولستوي نفسه. فيعمل في أرضه مع الفلاحين ويهتم بحياته الخاصة وبحبه
المقدس النزيه وبحياة الفلاحين وبروسيا بكاملها، ويعرف ليفن أن روسيا تمر في مرحلة
جديدة تختلف عن المرحلة السابقة.
وكان من المتوقع أن تولستوي الذي كتب
رواية "الحرب والسلام" سيكتب بعدها رواية ذات مضمون تاريخي، لأنه وفق في
هذا الجنس الروائي، إلا أنه كتب رواية "آنّا كارينينا" حول الأسرة وحول
روسيا بعد اصلاح عام 1861، وتقارن الباحثة بين الروايتين فترى أن رواية "آنّا
كارينينا" أكثر مأساوية" من سابقتها، فبطلها ليفن يفكر بالانتحار، ولذلك
فإن روح التفاؤل تخيم على رواية "الحرب والسلام" أكثر من رواية
"آنا كارينينا" مع أن موضوع الرواية الأولى هو الحرب وتجربتها القاسية.
ويقع بيير بيزوخوف أكثر من مرة بمأزق ومع هذا يوجد لديه شعور دائم بأنه سيخرج من
أزمته، ويبدأ حياته من جديد، ويحب ناتاشا روستوفا التي لم تفقد أملها في السعادة،
على الرغم من أنها فقدت أخاها وخطيبها أندريه بولكونسكي.
وبعد ذلك تتطرق الباحثة إلى مراحل تأليف
رواية "آنا كارينينا" ففي البداية لم تكن في الرواية بعض الشخصيات مثل
شخصية ليفن وكيتي وكان كارينين أكثر جاذبية، أما آنا فكانت أقل جاذبية مما صارت
إليه في الشكل النهائي للرواية.
وتتطرق الباحثة إلى رواية "آنّا
كارينينا" في الصفحات الأخيرة من كتابها، وترى بأن فرونسكي استطاع جذب كيتي،
وتغلب على منافسة ليفن الذي كان يتمنى الزواج من كيتي، ولكن علاقته مع آنّا
كارينينا قلبت الموازيين فاستطاع ليفن الزواج من كيتي بسبب ابتعاد فرونسكي عنها
واقترابه من آنّا كارينينا، إلا أن كيتي كانت تفضل فرونسكي على ليفن. ولقد قضى
فرونسكي على حياة كارينينا وعلى أسرتها وكان كارينين قد قضى قبله على شبابها.
ويبرهن الكتاب على معرفة المؤلفة بأعمال
الباحثين الروس قبل الثورة عن تولستوي مثل "ل.ن تولستوي ودراسة أعماله من
الناحية النفسية "للباحث ستراخوف ي.ف وعمل للمؤلف ب. ايخنباوم بعنوان "
ليف تولستوي في الخمسينات" وكتاب ن.ن. غوسف بعنوان "ل.ن تولستوي. مواد
لسيرة حياة تولستوي 1828-1855 "ومؤلفات أخرى" تولستوي في ذكريات
المعاصرين "تاريخ إبداع رواية" آنا كارينينا " كما أن المؤلفة
تستند في كتابة عملها على أعمال النقاد الروس الآخرين، وهي بذلك تأتي بشيء جديد.
لم يعرفه النقد العربي في الماضي.
وفي مجلة "الثقافة الأجنبية"
التي تصدر في بغداد في العدد الثالث عام 1981 تعرفنا على دراسة لسيرجى زاليفن
بعنوان " الروح الإنسانية في إبداع تولستوي" قام بترجمتها" يوسف
ساردات من اللغة الإنكليزية. وفي العدد ذاته نشرت المجلة مقالة "لجورج أوريل
بعنوان "تولستوي والبهلوان والملك لير" قام بترجمتها من اللغة
الانكليزية حسن حسن، وفي هذه الدراسة يبين المؤلف آراء تولستوي السلبية حول مسرح
شكسبير ويستند على مقالة تولستوي "حول شكسبير والمسرحية" (1906) ويذكر المؤلف أن تولستوي ينتقد شكسبير
وبعض روائعه مثل "الملك لير" وتراجيديات شكسبير الأخرى، ولعل السبب أن
ميزات مسرحيات تولستوي تختلف عن خصائص مسرحيات شكسبير. فتولستوي أيضاً انتقد مسرح
أنطون تشيخوف ( 1860-1904) ومسرح
الكاتب الانكليزي برنارد شو لأنه كان يكتب عن مواضيع جادة بطريقة ساخرة.
يرى مؤلف المقالة أن تولستوي انتقد
شكسبير لأنه كان يلهث وراء الشهرة، ولكن المقالة ساذجة لأن تولستوي في عام 1906
كان على قدر كبير جدا من الشهرة وكان يكرهها ويبتعد عنها وليس بحاجة إليها فكان
كما ذكرنا أقوى من القيصر. ولكن علاقة تولستوي بشكسبير علاقة فنية ومعقدة ودراسة
جورج أوريل لهذه العلاقة ساذجة وغير كافية.
وكتبت جريدة
"الجمهورية" التي تصدر في بغداد في 22 كانون الثاني عام 1982 عدد 4526
دراسة عن الكتّاب الروس وخصوصاً عن ليف تولستوي، ويبرز المؤلف قصة تولستوي
"موت إيفان ايليتش" إذ يعتبرها من روائع الأدب العالمي.
وصدر عن وزارة
الثقافة والارشاد القومي بدمشق كتاب بعنوان "تولستوي مقدمة نقدية" تأليف
رد.ف كريستان. ترجمة: عبد الحميد الحسن من اللغة الانكليزية يعرض الكتاب مؤلفات
تولستوي وأهم مراحل حياته. وجاء في مقدمة الكتاب:"ولقد أفسحت مجالا كبيرا
لأعظم عملين روائيين لتولستوي (هما: الحرب والسلام، وآنا كارينينا) وكان لابد منه لاحقيتهما، ولامناص، إذ
لايمكن الحديث عنهما بأقل منه. لكنني تعرضت أيضاً لمعظم كتاباته السردية والدرامية
المعتبر منهما رديئا والجيد. لكنني تجاهلت مقالاته الجدلية ودراساته الدينية - على
أهميتها في فهم تولستوي- لأنها تقع خارج مجال هذا الكتاب (38ص5) .