نستطيع أن نقول إن التأثير والتأثر
المتبادلين بين الآداب المختلفة أمر حتمي ودائم، فلا نستطيع الزعم بأن أدباً
حديثاً، مهما كانت أصالته وعراقته، يخلو من التأثر بآداب أمم أخرى غريبة عنه.
وبقدر ماينفتح أدب قومي معين على الآداب
العالمية الأخرى، تتوسع آفاقه، وتتعمق جذوره ويكفي أن نذكر أن العصر الذهبي لأدبنا
العربي كان العصر العباسي، حيث ترجمت الكثير من الآثار الفارسية، وحيث ترجمت
مؤلفات الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى لغتنا العربية، التي قامت بحفظ هذه المؤلفات
من الضياع، إذ فقد في مرحلة معينة أصلها اليوناني، وحفظت باللغة العربية، وترجمت
ثانية من اللغة العربية إلى لغات العالم كله.
وعندما انغلق الأدب العربي على ذاته في
مرحلة الحكم المملوكي والعثماني، انخفض عدد المؤلفات الأدبية المترجمة من اللغات
الأجنبية إلى اللغة العربية، وكذلك قل عدد الأعمال المترجمة عن اللغة العربية إلى
اللغات الأجنبية، وكان ذلك أحد الأسباب في انحطاط مستوى الأدب العربي في تلك
المرحلة.
ونستطيع أن نعمم هذا الاستنتاج على آداب
عالمية أخرى. فعلى سبيل المثال، يعتبر القرن التاسع عشر مرحلة ذهبية في تاريخ
الأدب الروسي، ففي هذا القرن أصبح الأدب الروسي أدباً عالمياً، وترجمت مؤلفات
الشاعر الروسي الكسندر بوشكين (1799- 1837)
إلى لغات عالمية كثيرة وكذلك مؤلفات الشاعر ميخائيل ليرمنتوف (1814-
1841) ومؤلفات نيكولاي غوغول (1809-
1852) ومؤلفات إيفان تورغينيف
(1818- 1883) ، ومؤلفات فيدور دوستيفسكي (1821- 1881) ومؤلفات ليف تولستوي (1828- 1910) ومؤلفات سالتيكوف- شيدرين (1826- 1889) ومؤلفات فيساريون بيلينسكي 1811- 1848
ومؤلفات غيرتسن 1812- 1870 ومؤلفات الناقد الأدبي دوبرولوبوف (1836- 1861) وقصائد نيكراسوف ومسرحيات اوستروفسكي
وقصص ومسرحيات انطون تشيخوف (1860- 1904)
ومؤلفات كورولنيكو وغيرهم. وكذلك ترجمت في هذا القرن إلى اللغة الروسية
مؤلفات كثيرة عن اللغات العالمية الانكليزية والفرنسية والاسبانية والألمانية
والعربية وغيرها.
وعلى أية حال لايوجد أدب منغلق على ذاته
تماماً، فبشكل أو بآخر، لابد من أن يتأثر أدب قومي معين بآداب العالم ولابدّ من أن
يؤثر في هذه الآداب، حتى وإن بدا للوهلة الأولى أنه منعزل انعزالاً تاماً عن غيره
من الآداب. فعلى سبيل المثال يظن بعضهم أن الأدب العربي قبل الإسلام كان أدباً
منعزلاً ولذلك لم يتأثر ولم يؤثر بغيره من الآداب.
أما في الحقيقة فلقد أقام العرب قبل
الإسلام صلات ثقافية بينهم وبين الشعوب المجاورة، على الرغم من الظروف المادية
الصعبة، التي من شأنها أن تعيق قيام علاقات منظمة بين الأمم القديمة.
فلقد قامت بين العرب وبين الفرس والروم
والأحباش علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية ولا شك في أن هذه العلاقات تركت آثارها
على اللغة العربية وعلى الشعر العربي قبل الإسلام، ولايوجد شك في أن العرب القدماء
تركوا آثاراً ملموسة في الآداب المجاورة.
ولقد استفاد العرب من الأدب اليوناني
القديم بسبب احتكاكهم بالروم، الذين وقعوا تحت تأثير الأدب اليوناني القديم، بعد
أن انتصروا على اليونان في عام 146 قبل الميلاد، انتصاراً عسكرياً إلا أنهم عادوا
وهزموا ثقافياً، وأصبحت روما المنتصره عسكرياً تابعة لليونان ثقافياً وأدبياً.
فأصبح الأدب الروماني محاكياً للأدب اليوناني. ودعا هوراس إلى محكاة الإغريق:
"اتبعوا أمثلة الاغريق، واعكفوا على دراستها ليلاً، واعكفوا على دراستها
نهارا "كتب ذلك هوراس في رسالة لأحد أصدقائه في عام 20 قبل الميلاد.
إلا أن المحاكاة التي تحدث عنها هوراس،
تختلف عن المحاكاة التي قصدها أرسطو في كتابة "فن الشعر" فلقد نادى
أرسطو بمحاكاة الطبيعة، في حين نادى هوراس بمحاكاة اليونان.
ومن الذين طالبوا الرومان بمحاكاة
اليونان الناقد كونتيليان في كتاب ألفه ليتركه لابنه، إلا أن الابن مات قبل أبيه.
ويرى كونتيليان أن المحاكاة أمر صعب، لايسلم من يمارسه من الوقوع في أخطاء جسيمه، إذا لم تتوفر له
القدرة على التذوق الفني، والتمييز بين النصوص لمعرفة جيدها، من رديئها، وهو يراها
في نهاية المطاف، تشبه محاكاة الطبيعة، من حيث عمق الرؤية.
*
* *
لقد عرف مصطلح الأدب المقارن في فرنسا
أول مرة منذ عام 1827، بفضل فيلمان الأستاذ بجامعة السوربون، الذي أخذ منذ هذا
التاريخ يستخدمه في محاضراته. ولقد ظهرت منذ ذلك الحين دراسات بعنوان تاريخ الأدب
المقارن، أو التاريخ الأدبي المقارن.
وهناك علاقة بين النقد الأدبي الحديث
وبين الأدب المقارن إلا أن الأول يسعى للكشف عن القيم الفنية الكامنة في الأعمال
الأدبية الإبداعية ويفسرها، ولايستطيع الناقد الأدبي الوصول إلى غايته إلا إذا كشف
عن المنابع والمؤثرات التي انتقلت إلى الكاتب أو الشاعر من الآداب الأخرى ولما
كانت الأعمال الأدبية الإبداعية بطبيعتها الفنية ليست تعبيراً مباشراً، وإنما يغلب
عليها طابع الرمز، فإن هذا الناقد أو ذاك، يبيح لنفسه أن يعيد صياغة النص في لغة
نقدية وبذلك يفك رموزه، وبهذا يصبح العمل النقدي عملاً أدبياً آخر، وبذلك فإن
الذين يتشبثون بمصطلح "الأدب المقارن" يرون في الدراسات المقارنة عملاً
إبداعياً يصح أن نسميه "الأدب المقارن".
وإذا ماانتقلنا من العام إلى الخاص،
فإننا نجد أن العلاقات الأدبية العربية والروسية قوية، منذ أقدم الأزمنة. فلقد وصل
العرب إلى المناطق الجنوبية لروسيا التي شكلت فيما بعد جزءاً من الاتحاد
السوفييتي، وكانت أبجدية بعض هذه الشعوب هي الأبجدية العربية، وأصبحت الثقافة
العربية جزءاً لايتجزأ من ثقافة تلك البلاد، التي شكلت جسراً لعبور الثقافة
العربية إلى روسيا نفسها، وإذا لم يصل إليها العرب إلا أنهم، وصلوا إلى البلاد،
التي فيما بعد أصبحت جزءاً من روسيا، قال شاعر الهند رابندرانات طاغور في عام
1908" .... فعلينا أن نجاهد كي ننظر في عمل كل مؤلف بوصفه كلاً، وننظر في هذا
الكل بوصفه جزءاً من خلق الإنسان العالمي، وننظر إلى هذا الروح العالمي في مظاهره
من خلال الأدب العالمي. وهذا هو ما آن لنا الآن أن نفعله".
أما في العصر الحديث فلقد انعكس الأمر.
فبعد أن كانت الأمة العربية هي التي تبدع وتصدر إبداعها لشعوب الأرض قاطبة، فهي
التي وصلت إلى إسبانيا، ونقلت تراثها الغني عبر اسبانيا إلى الشعوب الأوروبية ومن
اسبانيا انتقل الفكر العربي إلى أمريكا اللاتينيه.
أصبحنا نستعين بخبرات الأمم الأخرى
الأدبية، فنحن عرفنا فن القصة القصيرة عند الكاتب الروسي انطون تشيخوف (1860-
1904) وعرفنا الفن المسرحي بعد حملة
نابليون بونابرت على مصر 1798-1801، وبعد الاصلاحات الجذرية التي قام بها حاكم مصر
آنذاك محمد علي منذ عام 1805 وبعد عودة الموفدين من الدول الأوروبية وفي مقدمتها
فرنسا. وعرفنا الرواية بعد أن اطلعنا على الرواية الأوروبية.
والآن لدينا أدباء نستطيع أن نفخر بهم.
يأتي في مقدمتهم الروائي العربي نجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل للآداب في عام
1988، والذي حاز على جائزة الدولة التقديرية.
وإننا ببحثنا هذا، نحاول أن نساهم مساهمة
متواضعة في إغناء الأدب المقارن العربي، الذي أصبح من أهم الاختصاصات الأدبية في
المرحلة الأخيرة.
وأريد أن انتقل إلى صلب الموضوع، وهو هل
وجود تشابه بين أفكار تولستوي الغيبية والدينية وأفكار بعض المفكرين العرب مثل
جبران خليل جبران 1883- 1931 وميخائيل نعيمه 1889- 1988 وأمين الريحاني ومصطفى
لطفي المنفلوطي، والياس فرحات، ومظفر النواب، وعبد المعين الملوحي، وغيرهم. هل يعد
التشابه من أبواب الأدب المقارن؟
يجيبنا عن هذا التساؤل الدكتور محمد
غنيمي هلال الذي يعتبر بحق، من أكبر علماء الأدب المقارن في وطننا العربي حتى
يومنا الحاضر، يكتب الدكتور غنيمي في كتابه الشهير "الأدب المقارن" "مدلول الأدب المقارن تاريخي، ذلك
أنه يدرس مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة،
في حاضرها أو في ماضيها، ومالهذه الصلات من تأثير أو تأثر، أيا كانت مظاهر ذلك
التأثير أو التأثر به سواء تعلقت بالأصول الفنية العامة للأجناس والمذاهب أو
التيارات الفكرية، أو اتصلت بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو
تحاكي في الأدب، أو كانت تمس مسائل الصياغة الفنية والأفكار الجزئية في العمل
الأدبي...
إذن لقد فهم الدكتور غنيمي الأدب المقارن
فهماً واسعاً، ومن خلال هذا الفهم نعتبر الدراسة المقدمة تدخل في أحد أبواب الأدب
المقارن.
*
* *
آمن ليف تولستوي باللَّه، واحترم
الديانات السماوية إلا أنّه انتقد النظام الاجتماعي القائم، ورأى أنّ بعض المؤسسات
الدينية تقدم خدمات للسلطات الحاكمة أحياناً على حساب الفقراء والكادحين، أي أنه
آمن بالغيب، إيماناً كبيراً، إلا أنه انتقد بعض رجال الدين.
ومع أنّ وجهة نظره تختلف اختلافاً جذرياً
عن وجه نظر لينين
(1870-1924) لأن الأخير كان مادياً
ملحداً، في حين أنّ تولستوي لم يكن ملحداً مع هذا، فلقد قدّر لينين موقف تولستوي
من رجال الدين تقديراً عالياً، فكتب في عام 1910 في مقالته (ل.ن. تولستوي) :
"حرم المجمع المقدس ليف تولستوي من الكنيسة، هذا أفضل" (166ص 22)
انتقد ليف تولستوي رجال الدين الكاثوليك
والأرثوذكس والآخرين لابتعادهم عن جوهر الدين وذلك في بحثه "ملكوت اللَّه في
داخلكم" (104ص 62- 63) .
أمّا عملاق الرواية الروسية دوستيفسكي
(1821- 1881) الذي تبادل مع تولستوي
الاحترام والمحبة، ومع أنهما عاشا في فترة واحدة وفي دولة واحدة، فإن أحدهما لم ير
الآخر، ومات دوستيفسكي دون أن يلتقي تولستوي.
وكانت هناك نقاط مشتركة في نظرتهما إلى
الدين ونقاط خلاف. فكان دوستيفسكي متعصباً لقوميته الروسية ولطائفته الأرثوذكسية،
ولذلك انتقد الطوائف المسيحية الأخرى مثل الكاثوليكية والبروتستانتية... على سبيل
المثال انتقد في بحثه "مذكرات شتوية عن انطباعات صيفية" (1863) الكنيسة الإنجيلية التي رآها في أثناء
زيارته لبريطانيا، لأنها برأيه تعبر عن مصالح الأغنياء (131ص73)
وبعد مرور خمس سنوات من كتابته
"مذكرات شتوية عن انطباعات صيفية" أي في عام 1868 أصدر دوستيفسكي رواية
"الأبله"، ينتقد بطل الرواية المذكورة واسمه الأمير ميشكين الكنيسة
الكاثوليكية (131، المجلد الثامن ص450)
وكذلك يتكرر الانتقاد في رواية "الشياطين" 1871 على لسان أحد
أبطال الرواية واسمه شاتوف. واستمر دوستيفسكي في انتقاده للكنائس غير الأرثوذكسية
في روايته الأخيرة "الأخوة كارامازوف" التي نشرها في عام 1880، أما
تولستوي فانتقد الكنائس كلّها بما في ذلك الأرثوذكسية لتضامنها مع الأغنياء ضد
الفقراء، ولتعاطفها مع الحاكم ضد المحكوم.
وبدأت هذه الأفكار لدى تولستوي منذ
شبابه. يقول في قصته "المراهقة" : "وأستطيع أن أقول مؤكداً، بأنني
خطوت الخطوة الأولى في مجال الشك الديني في شبابي" (94ص44) وصدرت هذه القصة، كما هو معروف في عام
1854. في أثناء دراسته في جامعة كازان، كانت تراود تولستوي بعض الأفكار التي
لاتنسجم مع تعاليم الكنيسة.
وكذلك نجد مثل هذه الأفكار في رواية
"الحرب والسلام" (1863- 1869)
على لسان بيير بيزوخوف، الشخصية الرئيسية في الرواية المذكورة
(97ص 297) .
ونجد مثل هذه الأفكار في مسرحية تولستوي
"ويضيء النور في الظلمة" التي كتبها في عام 1902إذ يطالب بطلها واسمه
باريس بتوحيد الكنائس من أجل توحيد قلوب المؤمنين، ويركز على الدعوة إلى المحبة
والتسامح.
لعل أحد المؤلفات الفكرية الرئيسية
لتولستوي هو "اعترافه" الذي كتبه في عام 1880، وكتب تولستوي أن إيمان
الوسط المتعلم ليس إيماناً، وماهو إلا وسيلة من أجل الوصول إلى بعض الأهداف
الحياتية المؤقتة. ولامعنى لحياة هؤلاء الناس، لابل فإن حياتهم هي جريمة بحد
ذاتها.
هكذا كانت حياة الأمير -ابن الملك بوذا،
وكذلك كانت حياة الملك سليمان، وحتى حياة تولستوي نفسه الذي يكتب في
"اعترافه" أنه أراد الانتحار لأنه لم يجد جواباً عن معنى الحياة، أي لم
يجد جواباً عن سؤال: لماذا الحياة؟
لم يجد تولستوي جواباً عن سؤال معنى
الحياة،ولذلك التجأ إلى التاريخ والفلسفة. ففي حكمة النبي سليمان لم يستطع تولستوي
أن يجد الإيمان الذي يخلصه من فكرة الانتحار التي كانت تراوده، لأن النبي سليمان
نفسه رأى أن الحياة كلها تعب وأفكار مقلقة ولافائدة للإنسان من أتعابه تحت الشمس.
اعتبر سليمان الحكيم أن لاجديد تحت الشمس، كل شيء يذوب تحتها.
لاذكرى للأسلاف ولن يكون ذكرى للجيل
الحالي ولاللأجيال القادمة. سينسى التاريخ جميعهم. وجد تولستوي في آراء النبي
سليمان صدى لأرائه. فلقد كانت تجول بباله الأفكار ذاتها التي كانت تراود النبي
سليمان حول عدم جدوى الحياة. ولذلك حاول أن يجد معنى الحياة في تعاليم الملك بوذا-
مؤسس الديانة البوذية، ولكن النبي بوذا قال إن الحياة شقاء وتعب وتتخللها الأمراض
والصعوبات وتنتهي بالشيخوخة والموت. وقال النبي بوذا لاعزاء في الحياة بل الحياة
شر كبير بحد ذاتها، ولذلك يجب علينا أن نتخلص منها، وهكذا فإن إيمان وعقيدة بوذا
والنبي سليمان لم تجيبا على تساؤلات تولستوي عن معنى الحياة ومضمونها، كما لم تجب
عن هذه التساؤلات فلسفة سقراط وشبنهاور، أي الفلسفة في قديمها وفي حاضرها.
رأى تولستوي أن حياة الناس في الوسط
البورجوازي فارغة وغير منطقية وغير عقلانية وتعني لاشيء أي تساوي الصفر. ولذلك أخذ
تولستوي يفتش عن معنى الحياة عند أولئك الذي يصنعون الحياة أي يصنعون أسباب العيش
لأنفسهم ولغيرهم، أي عند الشعب الكادح، ووجد تولستوي أن الشعب الكادح يحمل الإيمان
المسيحي الحقيقي الصادق، وليس الإيمان المزيف الكاذب أو كل مايموه ويغطي الإيمان
الحقيقي. تمر حياة الشعب الكادح كلها بالأعمال الصعبة وبالظروف المعيشية الفقيرة
ومع هذا فإنه أقل تذمراً من الحياة من الناس الأغنياء.
"يعمل الفلاحون، ويتحملون الحرمان
والألم، يعيشون ويموتون ويرون في هذه الحياة الخير وليس الشر" (100ص 40) .
كما أنه كرر الأفكار ذاتها في بحثه بعنوان: "ماالعمل؟". وفي كلمة له عن
قصته "لحن كريتسر" (100ص 464)
ولقد أشار أحد النقاد واسمه كاشيرين إلى أن رواية "البعث" 1899
هي الأكثر انتقاداً لرجال الدين (155ص 15) .
موقف رجال الدين من أفكار تولستوي:
لم تقف الكنيسة موقفاً غير مبالٍ من
انتقادات الكاتب الروسي الكبير لتعاليم الكنيسة. ولذلك فلقد انبرى للدفاع عنها من
كان مؤمناً بهذه التعاليم ومنهم كونستانتين ليونتيف، الذي ألف كتاباً بعنوان
"مسيحيونا الجدد" ينتقد كونستانتين ليونتيف في كتابه كلاً من فيدور دوستيفسكي
وليف تولستوي لابتعادهما عن الكنيسة، ويرى ليونتيف أن كلاً من تولستوي ودوستيفسكي
يبشر بالمسيحية الرومانسية أو الوردية وعلى أية حال فهما بعيدان عن الكنيسة، وبدون الكنيسة لايمكن، برأيه ،
إدراك جوهر المسيحية، ويرى أن الكنيسة عرفت في الماضي مثل هذه الظواهر.
ينتقد كونستانتين ليونتيف فهم تولستوي
للديانة المسيحية ويعتبره فهما خاطئا ويرى أن تولستوي يتجاهل بعض الأمور الدينية،
ويستبعد بعضها الآخر ويرفض قبول بعض الأمور الدينية، ولذلك فالمسيحية تتلائم مع
أفكاره، أي ماتبقى من المسيحية يتناسب مع أفكار تولستوي. ويحلل ليونتيف الأسطورة
التي ألفها تولستوي بعنوان "بم يعيش الناس؟". يقول ليونتيف إنّ تولستوي
صدّر أسطورته بآياتٍ إنجيلية حول الحبّ، مع العلم أنّه توجد في الانجيل آيات تحث
الناس على التواضع والخوف والخضوع. ويرى أن الحبّ في نظر تولستوي حبّ مجرد، أي
بعيد عن الواقع، ومثل هذا الحب يؤذي ولايفيد لأنه لايؤدي إلى نتائج إيجابية،
وإنّما إلى نتائج سلبية وإلى عكس النتائج المرجوة، أيّ مثل هذا الحبّ يؤدي إلى
الكراهية" الحبّ المطلق الكامل للإنسانية، مثل هذا الحبّ غير الموجه ماهو إلا
كذب وخداع للنفس" (164ص53)
وبعد ذلك يكتب ليونتيف: "الحبّ للإنسانية خطوة بعد خطوة... بسهولة
يمكن أن يؤدي إلى نسيان جوانب الشخصية الأخرى. وحتى يمكن أن يؤدي إلى كراهية هذه
الجوانب"
(164ص 54) .
يعترف ليونتيف بأن السيد المسيح لم يعد
الناس بانتشار الحبّ على الأرض وسيادة الحق عليها، بل العكس هو الصحيح، فلقد تنبأ السيّد
المسيح باضمحلال الحبّ. ويعتقد ليونتيف بأن من الواجب حب الكنيسة ورجال الدين،
لأنها تعكس الحقيقة المسيحية "محبة القريب القائمة على محبة الكنيسة
وتعاليمها، هذا هو الحبّ المسيحي الحقيقي" (164ص 61) .
وبعد مرور بضع سنوات على صدور كتاب
ليونتيف "مسيحيونا الجدد" التقى تولستوي به، وتحدث معه، فقال له
ليونتيف: "أنت لاأمل منك يرجى" فأجابه تولستوي: "أما أنت أيرجى منك
الأمل!"
ففي رسالة إلى ت.ي. فيليبوف كتب ك. ن.
ليونتيف حول حديثه مع ل.ن. تولستوي، نرى من خلال قراءتنا لهذه الرسالة أنّ ليونتيف
قال لتولستوي : "آسف، ياليف نيكولايفتش لأنّني متردد وغير حازم. ولو كنت
حازماً لكتبت إلى بطر سبورج، حيث توجد عندي مجموعة من الأصدقاء والعلاقات، لكي
يرسلوك إلى تومسك، مع عدم السماح لزوجتك ولبناتك بزيارتك، ولكي يرسلوا لك نقوداً
قليلة لأنك بالفعل مؤذٍ! "وأجاب عن هذا ليف نيكولايفيتش بحرارة: "عزيزي
كونستانتين نيكولايفيتش اكتب، من أجل اللَّه، باللَّه عليك أن تكتب لكي ينفوني.
هذا هو حلمي. إنّني أقوم بكلّ ماأستطيع لكي لاترضى الحكومة عني، لكنني لاأحصل على
نتيجة، أرجوك أن تكتب" (137ص 135) .
ظهرت أفكار تولستوي المذكورة عن الكنيسة
في نهايات السبعينات وبداية الثمانينات ولكن الأرضية لظهور هذه الأفكار كانت جاهزة
في فجر إبداع الكاتب. كتب ليف تولستوي في وصيته لأقاربه لكي لايسمحوا لرجال الدين
بالصلاة على جثمانه. رأى تولستوي أن تعاليم الكنيسة حول الخطيئة الأصلية التي وقع
بها آدم في الجنة غير صحيحة.
وعندما نتحدث عن انتشار أفكار ل. تولستوي
في الشرق نعني انتشار فكره الديني أو أنّ آراءه الدينية لقيت صدى لها في المشرق
العربي. فكما أكدت الدكتورة آنّا دالينينا: لاقت أفكار تولستوي رواجاً
واهتماماً" "لدى المسيحيين
والمسلمين، الذين ينادون بالاصلاح الديني، والذين يقفون ضد المؤسسات الدينية وضد
الخرافات، (126ص 232) .
ظهرت جماعة من الكتاب العرب منذ مطلع
القرن العشرين، نددوا باستغلال رجال الدين للشعب وانتقدوا الخرافات الغيبية.
فانتقد هؤلاء الكتاب رجال الدين لأنهم باسم الدين يستغلون الناس البسطاء. ولايوجد
أدنى شك بأن هؤلاء الكتاب على معرفة تامة بأفكار تولستوي. وعلى كل حال يوجد شبه
بين أفكارهم وأفكار ليف تولستوي الدينية. من بين هؤلاء الكتاب فرح أنطون، أمين
الريحاني، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمه، الياس فرحات، مصطفى لطفي المنفلوطي
وغيرهم.
*
* *
كان الكاتب العربي فرح أنطون
(1874-1922) أحد الكتاب الذي تقبلوا
نقد تولستوي للكنيسة. يرى فرح أنطون أن الكنيسة في الأزمنة الغابرة وفي الوقت
الحاضر تعلم الناس القناعة، ولقد نقل إلى اللغة العربية من اللغة الفرنسية كتاب
المفكر الفرنسي المشهور رينان "حياة يسوع" ومن المعروف أن الكاتب
الفرنسي المذكور نظر إلى حياة السيد المسيح نظرة واقعيةً. ولذلك انتقد الشيخ محمد
عبده ( 1849-1905) مفتي الديارة
المصرية، رئيس جامعة الأزهر، فرح أنطون لترجمته "حياة يسوع" لرينان،
ولنشاطاته الأخرى.
لقد عبر فرح أنطون عن آرائه الدينية في
مؤلفاته المختلفة، ففي كتابه "ابن رشد وفلسفته" (1903) يؤكد فرح أنطون أن الهام في الدين هو
الجوهر وليس الطقوس. كما أكد في مقالته حول عمر الخيام أن عمر الخيام كان حكيماً
فمن المعروف أن عمر الخيام كان سكيراً، ومنحلاً.
ويعبر كليم - أحد أبطال قصته
"الوحش، الوحش، الوحش، أو سياحة في أرز لبنان" (1903) عن أفكار فرح أنطون. ولقد أكدت آنّا
دالينينا أن هذه الرواية تعكس آراء تولستوي: "يرى فرح انطون مثله مثل تولستوي
أن السعادة لأصحاب النفوس القوية والمستقيمة والمخلصة" (128ص186) وكتبت المستشرقة السالفة الذكر:
"ويرى فرح أنطون أن محاربة الشر يحب
أن تتم بوسائل طيبة مثل الوداعة والتسامح، وهنا أيضا يمكن أن نرى صدى أفكار
تولستوي" (128ص 185) .
ففي روايته التاريخية "اورشليم
الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" (1904) يعبر فرح أنطون عن فكرته بأن على الإنسان محاربة الشر بكل
الوسائل ماعدا وسائل الشر والعنف، لأن العمل الطيب يولد عملاً طيباً في حين أن
العمل الشرير يولد عملاً شريراً أي بعمل الخير ينتشر الخير وبالشر ينتشر الشر.
ويطالب الإنسان بتلبية الحاجات الروحية وبعد الاهتمام بالحاجات المادية والجسدية،
ويرى فرح أنطون أن اللَّه يطالب الإنسان بعمل الخير، وهنا يمكن أن نرى أصداء أفكار
تولستوي الذي انتقد بعض جوانب حياة رجال الدين.
على الرغم من أن أحداث رواية "
أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" تجري في القرن السابع، إلا أن فرح
أنطون أراد أن ينتقد المجتمع المعاصر. فالراهب ميخائيل في رواية "أورشليم
الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" يعتقد بأن الكنيسة تخطئ عندما تعلم الناس
القناعة وعدم الاهتمام بالحياة الدنيا والاهتمام فقط بالحياة الآخرة. وينادي
الراهب ميخائيل بضرورة بناء المجتمع العادل حيث يعيش فيه الناس بالمحبة وكأنهم في
أسرة واحدة.
يرى المستشرق أ.ي. شيفمن الذي كان يعمل
في متحف تولستوي الأدبي في موسكو أنّ رواية "أورشليم الجديدة أو فتح العرب
بيت المقدس" تذكرنا برواية تولستوي "الحرب والسلام" :
" ومن هنا نرى في إبداع فرح أنطون
الاهتمام بالأحداث التاريخية الكبيرة التي تعكس حركة الجماهير الشعبية، ومشاعر
أفراد عاديين. والرواية مفعمة بالأفكار الفلسفية وبذلك فهي تشبه رواية "الحرب
والسلام" (139ص393) .
*
* *
كرس أمين الريحاني إحدى مقالاته لتولستوي
كما ذكرنا في الفصل الأول. وعبر عن آرائه الدينية في أعماله المختلفة. فهي تتفق مع
آراء تولستوي، في كتابه "الريحانيات"، حيث نشر مقالته عن تولستوي نشر
أيضاً مقالة بعنوان" خطاب المسيح (1910) يقول إن اتباع المسيح لايطبقون تعاليمه..
ويقول السيد المسيح في خطابه: "فيا
ملوك الزمان وياسادة الأرض. لقد بشرت منذ تسعة عشر قرنا بالسلام على الأرض والرجاء
الصالح لبني البشر. فهل تفهمون بالسلام الحروب. وهل تظهرون رجاءكم الصالح بمدافعكم
القتالة ومدرعاتكم الهائلة! (22ص145) .
وفي شهر شباط من عام 1900 في الذكرى
السنوية الأولى لتأسيس الجمعية المارونية في مدينة نيويورك ألقى أمين الريحاني
(1876-1940) كلمة نادى فيها بعدم
التفرقة الطائفية وبالصبر والتسامح وبالمحبة.
وفي الوقت نفسه الذي حرمت فيه الكنيسة في
روسيا تولستوي لعن فيه أحد الأساقفة الريحاني وحرمه من لقاء المؤمنين، وكان
الريحاني مؤمناً ومن أنصار الإيمان السليم الحقيقي فكان يؤمن باللَّه ويرى أن
الإيمان هو سلوكية الإنسان.
وفي بعض أعمال الريحاني الإبداعية يرى
ضرورة مساعدة الشعب الفقير الذي يعاني الكثير من ضائقة العيش.
كان أمين الريحاني يناضل من أجل الإيمان
الحقيقي الذي يتلخص في المحبة والعمل الإنساني وتقديم المساعدة للآخرين. وبذلك فإن
نظرة الريحاني إلى الدين تتفق ونظرة ليف تولستوي. فلقد صور ريبن الرسام الروسي
الشهير تولستوي وهو يصلي في الغابة. فهذه اللوحة تدل على إيمان تولستوي بأنه يمكن
الصلاة في الغابة، وكذلك كان يؤمن الريحاني الذي يرى أن اللهَّ هو المحبة.
والدين هو الاستقامة والاخلاص والصبر
والمعاملة. من آمن بالمحبة آمن باللَّه وهذه هي أعلى درجات الإيمان.
ولكن الفرق الأساسي بين أمين الريحاني
وبين ليف تولستوي هو أن الريحاني لم يكن متناقضاً مع ذاته مثل تولستوي ولم تكن في
تعاليمه نقاط ضعف فهو يؤمن بمبدأ تطبيق العنف من أجل الوصول إلى الخير. فهو من
أنصار الثورة. كتب في عام 1910 قصيدة بعنوان "الثورة"، نادى بقصيدته
بالثورة وبالنصر، ومع هذا فقلد كتب عنه الاكاديمي كراتشوفسكي: "بأن المسائل
الروحية والأخلاقية تهمه أكثر من المسائل الاجتماعية" (161ص139) .
ولقد كتبت الدكتورة آنّا دالينينا في
مقدمة كتاب "النثر العربي المعاصر" وفي كتاب "النثر الرومانسي
العربي" أن الريحاني يطالب بتحسين العالم عن طريق تحسين أخلاق الأفراد وعن
طريق التعليم. ويذكرنا هذا بمواعظ تولستوي (124ص9) .
*
* *
جبران خليل جبران (1883-1931) رئيس الرابطة القلمية التي قامت في مدينة
نيويورك مابين عامي 1920-1931 ولم يكن يعرف اللغة الروسية ولكنه تعرف على الأدب
الروسي عن طريق اللغة الانكليزية التي أتقنها وكتب نصفها مؤلفاته بها. وكان يقدر
تقديراً عالياً الأدب الروسي. حول هذا الموضوع كتب صديقه ميخائيل نعيمة في كتابه
"جبران خليل جبران" (1934) :".... وعندما جئنا على ذكر الأدب
الروسي أدهشني جبران بقوله إنه من المعجبين به.
ولاسيما بتورغينيف وتولستوي ودوستيفسكي،
وبالأخير بنوع خاص، مع أن روحه تناقض روح نيتشه على خط مستقيم. غير أني اشتممت من
كلامه الاجمالي عن هؤلاء الكتبة المشاهير أنه قرأ عنهم ولم يقرأهم.
ولعله أحب أن يجاملني فيجاريني في إعجابي
بدوستويفسكي عندما رآني أضعه فوق كل كتّاب الزمان الأخير بدون استثناء".
(53ص140) ولاعجب أنّ جبران خليل
جبران تأثر بتولستوي
جبران خليل جبران- شاعر ورسام وأديب
معروف وفيلسوف احترم شخصية السيد المسيح وتعاليمه احتراما عميقا، وانعكس الأمر في
تراثه "المجنون" (1918) ، "والعواصف" (1920) ،
"السابق" (1920) ففي هذه
المؤلفات نرى يسوع ابنا للحرية، وينتظر جبران خليل جبران قدوم ابن آخر للحرية.
والجدير بالذكر أنّ المستشرق السوفييتي فولساتوف كتب حول كتاب "السابق"
لجبران خليل جبران (150ص11)
في السنوات الأخيرة من حياته كتب جبران
خليل جبران كتاب "يسوع ابن الإنسان" (1928) ويندد المؤلف في كتابه بالفهم التقليدي لشخصية السيد المسيح.
فيسوع في نظر جبران، إنسان، إلا أنّه يتميز عن غيره من الناس بشخصيته القادرة على
الحبّ الكبير والتضحية . وجعل جبران بناء كتاب "يسوع ابن الإنسان” على شكل
تأملات معاصري يسوع. كل حسب منازعه ومداركه يتحدث عنه، ومن أحاديثهم تتكون صورة
يسوع كما يراه جبران خليل جبران، وهو أسلوب يناسبه كل المناسبة.
وفي هذا الكتاب يستنطق جبران الأموات عن
يسوع، وفي الواقع لايستنطق إلاّ قلبه ولايحكم إلا فكره. يسوع في الإنجيل يبكي
ويتألم، أما يسوع جبران فيضحك، وهو فوق الدموع والألم. ويتحدث عن المسيح في كتاب
جبران سبعة وسبعون إنساناً من معاصري المسيح بعضهم من الشخصيات الإنجيلية، وبعضهم
اختلقته مخيلة جبران، منهم من كان مع السيد المسيح مثل مريم المجدلية وزوجة
بيلاطوس البنطي. وكان بعضهم غير مبال بالسيد المسيح مثل الذين لم يحبوه ولم يكرهوه
وبعضهم كره السيد المسيح وعلى رأسهم رجال الدين اليهودي الذين اعتبروه سارقا
ودجالا...
أما في الفصل الأخير فإن جبران خليل
جبران يتحدث من خلال نظرة الناس في القرن العشرين إلى تعاليم السيد المسيح أي بعد
مرور عشرين قرناً على ميلاد الناصري. فيرى أن الناس كما كانوا في القرن الأول منهم
من يتبع السيد المسيح ومنهم من يصلبه ومنهم من لايهتمون بتعاليمه.
يذكرنا هذا الكتاب بكتاب الفيلسوف
الفرنسي الشهير ارنست رينان "حياة المسيح" وأحياناً يشبه فهم جبران
للسيد المسيح فهم تولستوي له، وقد حاول أن يطهر الإنجيل من الخرافات.
عندما كتب جبران خليل جبران كتاب
"يسوع ابن الإنسان" كان مريضاً مرضا مميتا وهو عليم بذلك ورأى أن تكون
إحدى كلماته الأخيرة عن السيد المسيح.
كتب جبران خليل جبران في عام 1923 كتاب
"النبي" الذي يعتبر من أشهر كتبه. لقد خلق جبران رجلا دعاه
"المصطفى" وجعل روحه نيرة إلى حد أنّ سامعيه كانوا يخاطبونه "يانبي
اللَّه" والجدير بالذكر أنّ كتابٍ النبي" ترجم إلى اللغة الروسية
(178ص239) ويعتبر الكتاب ثمرة
تأملات جبران في سنوات عديدة. يأتي المصطفى من مدينة اسمها "اورفليس"
صرف فيها اثنتي عشرة سنة" في انتظار السفينة التي كانت قادمة لتعود به إلى
الجزيرة التي هي مسقط رأسه. وإذ يبصره أهل مدينة غربته ويدركون أنه مودع يتركون كل
أعمالهم ويسير وإياهم إلى الساحة الكبيرة أمام الهيكل . وهناك تخرج من الهيكل
رائية اسمها "الميترا" فتطلب إليه أن يحدثهم قبل الوداع عن الحياة.
ويلقي عليهم المصطفى خمساً وعشرين موعظة في خمسٍ وعشرين جهة من جهات الحياة
الإنسانية، وبعدها يودعهم وداعاً مؤثراً وينصرف عنهم إلى بلاده.
في النبي أشرف جبران بخياله على الحياة
فرأى جوهرها واحداً وهو المحبة. ويقول المصطفى لأهل اورفليس: "إذا ما أحببتم
فلا تقولوا : إنّ الله في قلوبنا، بل الأحرى بكم أن تقولوا: إننا في قلب
اللّه" ومن كان "في قلب اللّه- كذلك فلا يقول أعطيت فلاناً أو أخذت من
فلان. فهو الآخذ عندما يعطي وهو المعطي عندما يأخذ. وإذ ذاك ففضل من يأخذ كفضل من
يعطي" ويقول: "أنتم لاتقدرون أن تفصلوا بين العادل والظالم، وبين الصالح
والشرير، من شاء منكم أن يرفع الفأس على شجرة ليقطعها باسم الصلاح عليه أن يتفقد
جذورها أولا. الحق أقول لكم إنه يجد الجذور الصالحة والطالحة، والمثمرة وغير
المثمرة، ملتفة معاً في قلب الأرض الصامت"
إنّ فهم جبران لنواحٍ كثيرةٍ من الحياة
غير عادي بالنسبة لنا. فهو يشبه فهم ليف تولستوي. ولكنه لايتطابق معه. يرى جبران
أنه لايوجد ناس أشرار وآخرون أبرار. ويرى تولستوي وجبران أن عبادة الله تتلخص في
المحبة وخدمة الآخرين.
يتحدث جبران خليل جبران في كتابه عن
"المحبة":
إذا اشارت المحبة إليكم فاتبعوها
وإن كانت مسالكها صعبة متحدرة
وإذا ضمتكم بجناحيها، فاطيعوها،
وإن جرحكم السيف المستور بين ريشها.
وإن خاطبتكم المحبة، فصدقوها،
وإن عطل صوتها أحلامهم وبددها كما تجعل
الريح الشمالية قاعاً صفصفا".
"المحبة لاتعطي إلا ذاتها، ولاتأخذ
إلا من نفسها.
المحبة لاتملك شيئاً، ولاتريد أن يملكها
أحد"
لأن المحبة مكتفية بالمحبة"
هنا مفهوم المحبة مفهوم مطلق. فكل إنسان،
عندما يحب الآخرين فإنه يحب ذاته وعندما يحب ذاته يحب الآخرين فلا تقل: إن اللَّه في
قلبي بل قل: إنّني في قلب اللّه.
فعلى الناس أن يتحرروا من كل شيء أرضي
ويرتبطوا بحب الله، أي بالحب المطلق. وبذلك يتفق جبران مع تولستوي الذي آمن بالحب
المطلق والذي قال الكلام ذاته حول الحب. ويبارك نبي جبران خليل جبران الزواج،
ولكنه يرى أن يبقى الزوج مستقلا عن زوجته يحمل معها حمل الأسرة ولكن كلاً على حدة
مثلما أعمدة المعبد كلّ على حدة.
في هذا الكتاب جبران مثله مثل تولستوي
يطالب بالعطاء المطلق، وبدون ألم، وبدون أمل بالمكافأة. "إنك إذا أعطيت فإنما
تعطي القليل من ثروتك. ولكن لاقيمة لما تعطيه مالم يكن جزءاً من ذاتك. لأنه أي شيء
هي ثروتك؟
أليست مادة فانية تخزنها في خزائنك
وتحافظ عليها جهدك خوفاً من أن تحتاج إليها غدا؟...".
" ومن الناس من يعطون بفرح، وفرحهم
مكافأة لهم.
ومنهم من يعطون بألم، وألمهم معمودية
لهم".
وأراء جبران حول العطاء تتفق مع آراء
تولستوي الذي كان يؤمن بالعدالة الاجتماعية، والذي بذل الكثير لمساعدة الفقراء
والجياع.
ويمتدح نبي جبران العمل: " الحركة
تكون عمياء لابركه فيها إن لم ترافقها المعرفة، والمعرفة تكون سقيمة إن لم يرافقها
العمل والعمل يكون باطلا وبلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة، لأنكم إذا اشتغلتم بمحبة
فإنما تربطون وأفرادكم بعضها ببعض، وترتبطون كل واحد منكم بربه". وبذلك يتفق
جبران برأيه حول العمل مع ليف تولستوي، يكفي أن نتذكر شخصية أفلاطون كاراتايف في
رواية "الحرب والسلام" وشخصية أفلاطون فاكونيتش في رواية "آنا
كارينينا" وآراء تولستوي في"اعترافه" حول العمل.
ورأي جبران في القضاء لايختلف عن رأي
تولستوي فيه، والذي عبر عنه في روايته "البعث" (1899) حيث يدين المجرم ضحيته إذ أن نيخليودوف
يدين كاتيوشا ماسلوفا بعد أن اغواها وشردها.
وكذلك يرى جبران خليل جبران أن القتيل
ليس بريئاً من جريمة القتل وليس المسروق بلا لوم في سرقته، لايستطيع البار أن
يتبرأ من أعمال الشرير..
في هذا الكتاب يكتب جبران خليل جبران حول
الأسئلة التي أثارت قلق ليف تولستوي. فهل هناك فهم مشترك لهذه الأسئلة عند كلّ من
جبران وتولستوي. يوجد قاسم وذلك لأنّ الكاتبين فهما صعوبة هذه الأسئلة وعدم
إمكانية الوصول إلى حل لها، وحاول كل منهما فهم أسرار الحياة وأنشدا لحن جمال
الحياة، وفضح كلّ منهما الظلم الاجتماعي وبشر بالحياة الجديدة، المحررة من
القوانين الأبدية والحقائق المطلقة للدين" (167ص101) على حدّ تعبير فلاديمير لينين في مقاله
"ليف تولستوي وعصره".
أمّا الفرق بين جبران خليل جبران وليف
تولستوي فهو أنّ الأول كاتب رومانسي، في حين أن الثاني كاتب واقعي. فلا تتوفر عند
الأول حقائق مادية ملموسة، وفي حين وجّه الثاني جهوده لنقد الكنيسة الروسية ، وجه
جبران خليل جبران نقده بالدرجة الأولى للنظام القائم على الظلم ولكل من يؤيد
الظالمين والمستغلين، ووقف في أدبه إلى جانب المقهورين والمذلين والمهانين، ولقد
أشار المستشرق فولساتوف إلى هذه النقطة في أدب جبران (151ص11) كما أشار ميخائيل نعيمة إلى تنديد جبران
بالظلم الاجتماعي (47ص13) ندد جبران
بالاستغلال في قصته "يوحنا المجنون" من مجموعة "عرائس
المروج"، التي صدرت في مدينة نيويورك في عام 1906 يؤمن بطل القصة بأن جوهر
الدين إلى جانب الفقراء (16ص46)
ويقول بطل القصة مخاطباً السيد المسيح: "ماهو السلام يايسوع الحلو؟ هل
هو في أعين الأطفال المتكئين على صدور الأمهات الجائعات في المنازل المظلمة
الباردة؟ أم في أجساد المعوزين النائمين على أسرة حجرية يتمنون القوت" (16ص
57) بطل القصة إنسان فقير يعمل
راعياً.
وكذلك يندد جبران خليل جبران بالظلم
الاجتماعي في قصة "مرتا البانية"، فبطلة القصة امرأة فقيرة، مظلومة
أغواها أحد الأغنياء، ثم اشترى رفاقه جسدها بمالهم، "ولم يشيعها إلى تلك
الحفرة البعيدة غير ابنها وفتى آخر كانت مصائب هذه الحياة قد علّمته الشفقة"
(16ص 38) .
يتابع جبران خليل جبران موضوع التنديد
بالظلم الاجتماعي في مجموعة "الأرواح المتمردة" التي صدرت في مدينة
النيويورك في عام 1908، يكتب في قصة "صراخ القبور"، "عن فقير بائس،
طلب الخبز لصغاره فلم يجده بالعمل، ثم رجاه بالتسول فلم ينله، وأخذ أطفاله يتلوون
جوعاً على التراب" (17ص
42) أما في قصة "مضجع
العروس" فتقوم العروس بقتل نفسها وقتل حبيبها، لأنّها لم تستطع الزواج منه،
لأسباب اجتماعية، ولاتريد العيش مع من لاتحب.
وفي قصة "خليل الكافر" يدين
بطلها الإقطاعيين لاستغلالهم البسطاء والفقراء، ويقف إلى جانبه الفلاحون، الذين
بحاجة إلى من يشعل الشرارة، فثاروا وانتصروا، ويكتب جبران عن علاقة الفلاحين
بالاقطاع: "وهكذا كان يبقى هؤلاء التعساء مثقلين بديون الشيخ عباس، مكبلين
بحاجتهم إليه، خائفين غضبه، طالبين رضاه" (17ص 59) .
ولقد أصبح خليل الإنسان الذي يستطيع أن
يشعل نيران الغضب في قلوب الفلاحين، لأن روحه المتمردة لم تتحمل الكذب والدجل
والرياء، وهو منحدر من أسرةٍ فقيرةٍ متواضعةٍ، وثار ضد الاقطاع لأنّهم يمتصون دماء
المحتاجين والفلاحين والفقراء والمساكين.
وقفت إلى جانب خليل أرملة كان الاقطاعي
قد قتل زوجها فيما مضى، وانتصر خليل على الاقطاعي، أي انتصر المظلوم على الظالم.
وشخصية خليل تشبه بتمردها شخصية يوحنا المجنون، الذي اعتبره الفلاحون مجنوناً، ولم
يقفوا إلى جانبه، في حين وقفوا إلى جانب خليل وانتصروا على الظلم والظالمين ولقد
أشارت إلى هذه النقطة المستشرقة الروسية ايمانغوليفا في كتابها "الرابطة
القلمية وميخائيل نعيمة" (88ص29) .
نجد التنديد بالظلم الاجتماعي في الرواية
المشهورة لجبران خليل جبران ألا وهي رواية "الأجنحة المتكسرة" التي صدرت
في عام 1912. يرى المستشرق الروسي فولساتوف أن البطل هو نفسه جبران خليل جبران
(150ص7) ، كان عمر البطل ثمانية عشر عاماً عندما أحب سلمى كرامي ابنة فارس كرامي،
وأراد الزواج منها، إلا أن النظام الاجتماعي القائم على القهر والظلم والاستبداد
حال دون انتصار الحب. فتزوجت سلمى من منصور بيك. الجدير بالذكر أن الرواية
المذكورة ترجمت إلى اللغة الروسية(120) .
ترمز سلمى كرامي إلى الأمة المظلومة،
ويرمز منصور بيك إلى الاقطاعيين، الذين يهجمون على ضحيتهم، ويفتكون بها، ويمتصون
دمها.
نجد مثل الأفكار الآنفة الذكر في كتاب
لتولستوي بعنوان "الكنيسة والدولة" كتبه في عام 1879، حيث يدين الأشرار
والقتلة أمثال نابليون بونابرت، الذي تسبب بقتل الآلاف من أجل الوصول إلى مجده
الشخصي (100ص 480) .
ويتألم أبطال قصص جبران خليل جبران
ويناضلون ضد الظلم الاجتماعي، فإما أن يحصلوا على حقهم في السعادة، أو يستشهدوا في
أثناء النضال، فلقد كتبت الباحثة نادرة جميل سراج في قصة "خليل الكافر"
أنّ جبران بهذه القصة بدأ نضالاً لايعرف الهوادة ضد القوانين التقليدية والسلطات
الظالمة
(26ص 288) .
وقد يتساءل المرء: أين الحل؟ إلى أين
يرحل الإنسان النظيف في هذا المجتمع القائم على القهر والظلم والاستبداد؟ يرى
جبران أن طريق الخلاص هو طريق الجمال الروحي، فهو المخلّص والمنقذ. ففي قصيدته
الشهيرة "المواكب" التي نظمها في عام 1919، يرى جبران أن الخلاص في
الغناء والموسيقا والهرب إلى الغاب لأن الغناء والموسيقا هنا هما رمز الجمال،
والغاب رمز الطهارة، حيث لاظلم
ولاقهر، لاظالم ولامظلوم، ولاحاكم ولامحكوم، يقول جبران في القصيدة الآنفة الذكر:
|
فالغنا يرعى العقول
|
|
أعطني الناي وغن
|
|
من مجيد وذليل
|
|
وأنين الناي أبقى
|
|
فالغنا يمحو المحن
|
|
أعطني الناي وغن
|
|
بعد أن يفنى الزمن
|
|
وأنين الناي يبقى
|
|
فالغنا خير الشراب
|
|
أعطني الناي وغن
|
|
بعد أن تفنى الهضاب
|
|
وأنين الناي يبقى
|
|
فالغنا غير الصلاة
|
|
أعطني الناي وغن
|
|
بعد أن تفنى الحياة
|
|
وأنين الناي يبقى
|
ويتابع الموضوع ذاته في مجموعته
"العواصف" التي نشرها بعد مرور عام على قصيدة "المواكب" أي في
عام 1920، وينادي في هذه المجموعة بالمحبة، ومساعدة الفقراء، الذين يعيشون في
البيوت المظلمة الباردة البسيطة. وأشار إلى الفكرة المذكورة المستشرق الروسي
فولساتوف (151ص9) الذي عبر عن
إعجابه بالمجموعة المذكورة، ولاسيما بقصة "الشيطان" كما كتبت عن
المجموعة المذكورة وعن مجموعة "المجنون" التي صدرت في عام 1918
المستشرقة الروسية إيما نغوليفا (88ص48) .
والجدير بالذكر أن جبران خليل جبران دفن
في لبنان في مسقط رأسه، بلدة بشري، في دير مارسركيس حسب وصيته، وهذا إن دلّ على
شيء، فإنما يدل على إيمانه باللَّه، ولقد صرح بذلك لصديقه ميخائيل نعيمه
(1889-1988) ولكنه إيمان خاص به.
وهذا واضح في مؤلفاته.
وكتب مارون عبود (1886-1952) أنّ أهالي بلدة بشري يعتبرونه مؤمناً
إيماناً عميقاً:
"يرى البشراويون جبران غير مانراه
نحن الأدباء، يرون فيه مسيحياً مخلصاً حتى للطقسيات، ولذلك يقدّسون لراحة نفسه كل
أحد، على مذبح مارسركيس، أمّا الترحم عليه فلا ينقطع" (30ص106) .
ورأى حنا الفاخوري أنّ "يسوع جبران
يختلف تماماً عن يسوع الإنجيل" (31-1096) ولعل رأي حنا الفاخوري على قدر كبير من الصواب، لأنّ جبران
نفسه يؤمن إيماناً خاصاً به، يختلف عن الإيمان التقليدي.
ولقد تركت أفكار جبران خليل جبران
المذكورة آثارها على أعضاء الرابطة القلمية التي تأسست في مدينة نيويورك مابين
عامي 1921-1931 ومن بين هؤلاء الشاعر ندرة حداد (1881-1950) وهو من مواليد مدينة حمص، هاجر إلى
الولايات المتحدة الأمريكية عندما بلغ السادسة عشرة من عمره، أيّ في عام 1897،
وأصدر هناك في عام 1914 ديوانه "أوراق الخريف". ويرى الشاعر أنّ فكر
الإنسان ومعتقداته يجب ألا تنتقل بالوراثة عن الوالدين، وإنما يحق للأبناء اختيار
الفكر الذي يرونه مناسباً لعصرهم وللمكان الذي يعيشون فيه. ويندد في قصائده بالظلم
الاجتماعي.
يمكن أن نجد الأفكار التي نادى بها
تولستوي وجبران خليل جبران عن العدالة الاجتماعية والتسامح والمحبة والأخوّة في
شعر الياس فرحات، الذي ولد في لبنان في عام 1893 وهاجر إلى البرازيل في عام 1910،
وأصدر "الرباعيات" في عام 1925 وديوان "الربيع" في عام 1945،
و"أحلام الراعي" في عام 1952. فنادى برباعياته بالعيش المشترك والحرية
الفكرية فيقول:
|
آمنت باللَّه أم آمنت بالحجر
|
|
مادمت محترماً حقي فأنت أخي
|
(32 -ص49)
والدين برأي الياس فرحات معاملة طيبة
وقلب نقي، ولذلك يطلب من ابنته، واسمها ليلى أن تعيش حياةً صالحةً فيقول:
|
أن تبلغي كل ماللنفس من وطر
|
|
إني كفيل إذا ماعشتِ صالحةً
|
|
بالملح والزيت والتغريم والهذر
|
|
الدين قلب نقي لااتصال له
|
(32- ص54)
ويبّشر الياس فرحات بالعدالة الاجتماعية،
ويذكر اسم لينين (1870-1924) ، مؤسس الدولة الاشتراكية الأولى في العالم، قائد
ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا فيقول:
|
توزيع ماكدّسوه في الصناديق
|
|
قد قام لينين يدعو الأغنياء إلى
|
(32ص 55)
وينتقد الياس فرحات الناس لعدم تقديرهم
الشعر والشعراء، ولاسيما المعري، الذي نادى بالتسامح، وبتقديس العقل، ولذلك نظم
الياس فرحات قصيدة بعنوان "المعري" الذي عاش الفترة الممتدة مابين
(973-1058) ، ومازالت أفكاره صالحة إلى يومنا الحاضر، وانتشرت في العالم كله. لأن
الياس فرحات يرى أن العمل الصالح خير من الكلام الجيد الذي لايقترن بالعمل الطيب:
|
أدنى لربك من شريف ملحد (32ص158)
|
|
أنا لاأصدق أن لصاً مؤمناً
|
أيّ أنّ الشاعر يهتمّ بالأفعال لا
بالأقوال، فما أكثر الأقوال الصائبة التي لايطبقها أصحابها. وهذا لايعني أبداً أن
الياس فرحات لم يكن مؤمناً، بل كان مؤمناً إيماناً حقيقياً، ويرى أن موعظة السيد
المسيح على الجبل تعتبر حجر الزاوية في الفكر المسيحي، لأنها نادت بالتسامح
المطلق، والمحبة الخالصة، والعطاء غير المحدود للآخرين. فيخاطب الشاعر موعظة السيد
المسيح على الجبل قائلاً:
|
نفسي وداوي القلب فهو جريح
|
|
يا خطبة الجبل الشريفة جاوري
|
|
الحب صافٍ والسلام صريح
|
|
فيك الحياة رضية ونقية
|
(32ص161)
فهو مثل تولستوي يرى في الموعظة المذكورة
عصارة تعاليم السيد المسيح رسول المحبة والتسامح والسلام. ويرى أنّ الإنجيل كتاب
نقلته شعوب هذه المنطقة إلى الغرب، فهو بالتالي كتابنا أكثر مما هو كتابهم، فيقول
مخاطباً شعوب الغرب في قصيدة بعنوان: "أيها الغرب" من ديوانه
"الربيع" الذي صدر في عام 1945:
|
يرى الإكراه في الإيمان كفرا
|
|
ولاتدعوا إلى الإيمان شعباً
|
|
كتبناه لكم سطراً فسطراً
|
|
ولاتتلوا لنا الإنجيل إنّا
|
(33ص145)
ويقترح الشاعر السماح بزواج المسلمين من
المسيحيات والعكس:
|
ولو كان عابد الأوثان
|
|
زوّجوا الحرة الكريمة بالحر
|
|
من لئيم يغوص في الإيمان
|
|
كافر يعشق المكارم خير
|
(33ص278)
ويشيد الشاعر في الجزء الثاني من ديوانه
وهو بعنوان "الصيف" بالأمّة العربيّة، التي حملت راية العلم خفّافةً في
مرحلة هامة من تاريخ الإنسانية فيقول عن الأمة العربية العظيمة:
|
وكان بنوها في الدياجر أنجما
|
|
فكانت لها الدينا وكانت لها العلى
|
(34ص 67)
ويتابع الأفكار ذاتها في الجزء الثالث من
ديوانه الذي يحمل عنوان "الخريف" (35ص151) وينادي بتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة.
أي بالأفكار ذاتها التي نادى بها ليف تولستوي
نذكر من هؤلاء الأدباء مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) ، الذي كما ذكرنا، اهتم
كثيراً بأدب تولستوي وبشخصه، وكتب في عام 1910 مقالاً عنه، عندما سمع بمغادرة
تولستوي بيته.
وبلا أدنى شك فإن المنفلوطي الذي اطلع
على الآداب الأوربية وقام بترجمة بعض الأعمال عن اللغة الفرنسية مثل رواية
"ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون" للكاتب الفرنسي الفونس كار، اطلع أيضاً
على أدب تولستوي، ومقالته عنه تثبت ذلك.
والجدير بالذكر أن المنفلوطي درس في
جامعة الأزهر الشهيرة في القاهرة، وكان الشيخ محمد عبده رئيساً للجامعة المذكورة،
والذي نادى بالأفكار الاصلاحية، وكتب الشيخ محمد عبده رسالتين لتولستوي، وكان من
الممكن أن تستمر المراسلة لولا وفاة الشيخ عبده في عام 1905.
ونشر المنفلوطي بعض أعماله في جريدة
"المؤيد" ويكتب في مقالة له بعنوان "دمعة على الإسلام":
" أيّ قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي
صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجداً أو يطير جزعاً، حينما يرى المسلمين، أصحاب دين
التوحد..." (45ص17) .
ويتابع لومه للأمة العربية والإسلامية
لأنها تخلت عن المكانة العظيمة التي تليق بها، ولأنها فقدت بعض القيم السامية
والمثل العليا التي تبنتها خلال عصور طويلة.
بهذه المناسبة يمكن أن نتذكر بعض قصائد
الشاعر العراقي مظّفر النوّاب، التي منعت في بعض الأقطار العربية، فهو شاعر موهوب
وصريح وصادق ومتأجج العاطفة وملتهب المشاعر، يدافع عن الجياع والمقهورين
والمظلومين، وهو مثقف واسع الاطلاع
على الآداب العربية والأجنبية، ويؤمن بالصراع الطبقي ويقدس الخليفة العربي الراشدي
الرابع على بن أبي طالب، فيخاطبه قائلاً في قصيدته التي تحمل عنوان
"شهوات":
لو جئت الآن لحاربك الداعون إليك
وسموك شيوعياً (46ص22)
يقف الشاعر إلى صف الفلاحين والعمال
مادام الصف الآخر يسرق وينهب البلاد والعباد.
ولابأس من الإشارة إلى قصيدتي الشاعر
العربي السوري عبد المعين الملوحي، الذي عمل فترة طويلة مديراً للمراكز الثقافية
والمكتبات بوزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق، ودرّس اللغة العربية في جمهورية
الصين الشعبية، وقام بترجمة عدد كبير من الكتب، وأهتم بأدب تولستوي، ولاسيما
بترجمة سليم قبعين لهذا الأدب. ورثى زوجته بهيرة بقصيدة غير تقليدية بعنوان
"بهيرة"، وزوجته عروس عام، وأم ثلاثة شهور، فيقول في رثائها، الذي يتألم
به لآلام الثكالى واليتامى والشعوب المضطهدة وأوجاع المرضى، وتحطم الآمال والأحلام
فيقول:
أبهيرتي لاتزعمي أن قد عرفت الحق بعدي
أنا صنته وبذلت في تعليمه عرقي وجهدي
أبهيرتي ماالحق تحت الأرض، أو بعد الممات
الحق، فوق الأرض، في الإنسان، في هذي
الحياة
أحبيبتي العدل أن نبغي الوجود كما نشاء
كم بائسٍ نادى السماء! فهل أجابته
السماء؟ (41ص23-25)
إنّ أفكار عبد المعين أقرب ماتكون إلى
أفكار دوستيفسكي (1821-1881) منها
إلى أفكار تولستوي. يكفي أن نتذكر ثورة أوبيليت- أحد شخصيات رواية
"الأبله" 1868 لدوستيفسكي
أو آراء إيفان - أحد شخصيات رواية "الأخوة كارامازوف" 1880 للكاتب نفسه.
فكان تولستوي مؤمناً إيماناً حقيقياً، ويتبع جوهر الدين وليس قشوره. وناضل ضد
الفساد، أينما كان في العالم المعاصر، فنضاله ضد الفساد نضال متكامل ولايقبل
التفريط بجزء من أجزائه، أو بجانب من جوانبه، وأيقظت أفكاره الضمائر المخّدرة في
كافة أنحاء العالم.
ولعل خير مانختم به هذا الفصل كلمات الكاتب
السوفيتي الكبير مكسيم غوركي (1868-1936)
التي تتضمن حقيقة عميقة: "إنّ العالم كلّه، الأرض كلّها، تنظر إليه،
وتمتد إليه من الصين والهند وأمريكا ومن كل مكان خيوط حيّة خفاقة، إنّ روحه للجميع
وللأبد " (144ص291) وينهي
مكسيم غوركي مقاله بعنوان "ليف تولستوي" بهذه الكلمات الرائعة:
"هذا الانسان يشبه الإله"
(144ص 312) .
ولابأس في الختام من الإشارة إلى أنّ
معظم الأدباء المذكورين في هذا الجزء هم من أدباء المهجر، الذين رحلوا من أوطانهم
إلا أنهم حملوا حبهم لوطنهم في أعماق قلوبهم، وآمنوا بأن الدين للَّه والوطن للجميع.
فوجدنا أمين الريحاني يخطب في حفلةٍ مدرسيةٍ: "كلنا ندين بدين التوحيد،
وماموسى وعيسى ومحمد غير رسل الإله الواحد، فإذا كان إلهنا واحدا، وبلادنا في
سهولها وجبالها وصحاريها واحدة، ومصائبنا السياسية كلها واحدة.... أفلا ينبغي أن
يكون الوطن كذلك واحداً فرداً لاتقسم فيه ولاتجزئة...."
وكان الأدباء العرب
في المهجر، بغض النظر عن انتمائهم الطائفي يحتفلون بعيد المولد النبوي، فقدموا
بذلك برهاناً على شدة التلاحم الوطني.