|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:22 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الجزء الثالث الباب الأول ميخائيل نعيمه وليف تولستوي ليف تولستوي وميخائيل نعيمه 1- يبدو لنا لأول وهلةٍ، إنّ تأثير الكتّاب الروس على الكاتب العربي ميخائيل نعيمه أمرٌ غريبٌ، ولكننا نرى أنّ الكاتب العربي المعاصر ميخائيل نعيمه وقع تحت تأثير الكتّاب الروس وبوجهٍ خاصٍ ليف تولستوي. وتدل على ذلك مسيرة حياته ومؤلفاته. ولد ميخائيل نعيمه في عام 1889 وتعلم في قريته في لبنان في مدرسةٍ روسيةٍ، واسم قريته بسكنتا. افتتحت روسيا آنذاك عدداً من المدارس في كلٍّ من فلسطين ولبنان وسوريا، بهدف نشر الثقافة الروسية في المشرق العربي. فلقد ضعفت تركيا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكانت الدول العربية تحت سيطرتها آنذاك. واعتبرت تركيا إنساناً مريضاً، فموتها أصبح قريباً، وأيامها معدودة، وكانت فرنسا وبريطانيا وروسيا تنوي اقتسام ثروتها فيما بينها، ولذلك أخذت الدول الثلاث المذكورة تفتح مدارس ومؤسسات أخرى في المشرق العربي بهدف التمهيد للسيطرة الثقافية والإيديولوجية والسياسية. يكتب ميخائيل نعيمه في الجزء الأول من سيرة حياته "سبعون" الذي صدر في بيروت في عام 1959 أنّ سكان لبنان ارتاحوا لافتتاح المدارس الروسية وقالوا: "جاي المسكب يفتح مدرسة ببسكتنا اللَّه ينصرو" (48ص74) والمسكب نسبة إلى موسكو. قامت بإدارة المدارس الروسية الجمعية الروسية- الفلسطينية. ويفسّر المؤلف سبب فرح اللبنانيين بافتتاح مدرسة روسية: "انتشر الخبر في البلدة انتشار النور عند انبلاج الفجر. فاستقبلته الطائفة الأرثوذكسية بالتهليل والتكبير ولاعجب. فقد كان من المسّلم به عند سكان لبنان في عهد المتصرفية أنّ روسيا هي الحامية التقليدية للروم" (48ص 74) . وكانت روسيا تفتح مدارس مجانيةً في كلّ من فلسطين وسوريا ولبنان، وكانت تنسق برامجها وإدارتها على أحدث طراز. ولم تكن تشترط على السكان إلا أن يتبرعوا بتشييد بناء لائق بالمدرسة. أمّا المعلمون والكتب والدفاتر والأثاث والحبر والأقلام وتكاليف الإدارة فجميعهم وجميعها بالمجان. كان ذلك في عام 1899، ولأول مرةٍ في تاريخ بسكنتا تفتح مدرسة مثالية، يدرس فيها البنات والبنون على قدم المساواة. وضمت المدرسة خمسة معلمين وثلاث معلمات وعلى رأسهم مدير تخرج من دار المعلمين الروسية بمدينة الناصرة بفلسطين. وأخذت التلاميذ نشوة من الاعتزاز بالمدرسة الجديدة، إذ كانوا يشعرون أن من ورائها دولة عظيمة تهابها الدول. أنهى ميخائيل نعيمة المدرسة الروسية في صيف عام 1902، ولتفوقه ولسلوكه قُبل في دار المعلمين بمدينة الناصرة، التي افتتحتها أيضاً الجمعية الفلسطينية- الروسية. فأتيحت لنعيمة فرصة الدراسة المجانية، وبذلك وفّر على والده مصاريف الدراسة. كان سكان مدينة الناصرة يطلقون على دار المعلمين الروسية اسم "المدرسة الروسية". وطلاب دار المعلمين من مناطق مختلفة من فلسطين وسوريا ولبنان ومنهم من المدن ومنهم من الريف. بعضهم من أبناء الفلاحين وآخرون أبناء الحرفيين والتجار ورجال الدين... كانت المدرسة الروسية في الناصرة تتمول من قبل تبرعات المؤمنين في روسيا. وكان المدير يشير إلى هذه النقطة أكثر من مرة. وكان الطلاب يرتدون اللباس العربي بدلاً من البذلة الأوروبية وذلك لأنهم اعتادوا على اللباس العربي ولأنّه أقل كلفة من البذلة الغربية. كان عدد الطلاب في دار المعلمين بالناصرة حوالي الأربعين طالباً. وكان المعلمون من الروس والعرب. وكان على نعيمة أن يعد نفسه ليصبح مديراً لإحدى المدارس الروسية. وكان اسكندر جبرائيل كزما الدمشقي المولد والمنبت مديراً لدار المعلمين الروسية بالناصرة منذ تأسيسها وحتى الحرب العالمية الأولى واغلاق المدارس الروسية في الشرق العربي بسبب الحرب والعداء بين روسيا وتركيا. وعقد ميخائيل نعيمة في أثناء دراسته في الناصرة علاقات مودة وصداقة بينه وبين اثنين من طلابها، وكلاهما من حمص وهما نسيب عريضة وميخائيل اسكندر. وكان الحلم بالسفر إلى روسيا يساور ميخائيل نعيمة منذ سنته الأولى في الناصرة. والشروط من أجل متابعة الدراسة معروفة، وهي التفوق على الآخرين جميعهم في الدرس وفي السلوك. وإن تعادل طالبان فقد تختار المدرسة الاثنين معاً، وذلك في السنة الدراسية الرابعة. ولقد تحقق حلم ميخائيل نعميه، ففي عام 1906 وصل إلى بولتافا لمتابعة دراسته في روسيا وكان عمره آنذاك ستة عشر عاماً. السمنار الروحي حيث كان يدرس ميخائيل نعيمه هي مدرسة ثانوية أو فوق الثانوية بقليل، يمتد برنامجها ست سنوات، الأربع الأولى منها مكّرسة للدروس العلمانّية وبعض المواد الدينيّة. والاثنتان الأخيرتان للطقوس والعقائد الكنسية. وكان من حسن حظ ميخائيل نعيمه أن سبقه إلى بولتافا ميخائيل اسكندر الذي كان يدرس معه في الناصرة وهو من سوريا من مدينة حمص. والمدرسة مثلها مثل مدرسة الناصرة داخلية وحياتهم فيها تشبه حياة الرهبان في الأديرة. وعدد الطلاب كان في مدرسة بولتافا حوالي (500) طالبٍ، وينفق عليها المجمع المقدس، وهي مدرسة من الدرجة الثانية، أمّا مدارس الدرجة الأولى فتدّرس اللاهوت قبل كلّ شيء. كتب الأكاديمي إيغناتي كراتشكوفسكي في مؤلفه "المخطوطات العربية، ذكريات الكتب والناس" (1945) أنّه أثناء جولته في بلدان المشرق العربي مابين عام 1908-1910 قام بزيارة عددٍ من المدارس الروسية التي افتتحتها الجمعية الروسية - الفلسطينية، ورأى عند الكثير من المعلمين كتب تورغينيف وتشيخوف، وكان الكثيرون يستلمون مجلة "نيفا" بصورةٍ دائمةٍ، ومجلدات "المعرفة" ذات اللون الأخضر. ولقد ترك الاتصال بالثقافة الروسية وبالأدب الروسي أثراً لايمحى لدى خريجي المدارس الروسية. ويلاحظ الأكاديمي كراتشكوفسكي أن الكثير من خريجي المدارس الروسية أصبحوا كتّاباً مشهورين في كل الأقطار العربية، لأنهم أعطوا الأدب العربي روحاً جديدةً ونفساً معاصراً (157ص55) . قام الأكاديمي إيغناتي كراتشكوفسكي بزيارة قرية بسكنتا حيث ولد وعاش ومات ميخائيل نعيمه، وذلك في الوقت الذي كان فيه نعيمه يدرس في بولتافا، ويذكر كراتشكوفسكي أنّه أحبّ أن يعيش ويعمل في بسكنتا. صدر كتاب ميخائيل نعيمه "الغربال" في القاهرة في عام 1923 ويتضمن الكتاب المذكور مجموعة مقالاتٍ نقديةٍ، وعندما قرأ كراتشكوفسكي الكتاب المذكور تراءى له أنّ مؤلفه متأثر بأراء الناقد الروسي بيلينسكي النقدية، التي لم تكن معروفةً كثيراً في البلاد العربية آنذاك. في ذلك الوقت لم يكن يعرف كراتشكوفسكي شيئاً عن مؤلف "الغربال"، وبعد مرور عدة سنوات قامت بين الناقد الكبير كراتشكوفسكي والأديب ميخائيل نعيمه مراسلات. 2- آراء نعيمه في الأدب الروسي: أرسل ميخائيل نعيمه لكراتشكوفسكي سيرته الذاتية، حيث كتب: "غرفت الكثير من الأدب الروسي في السمنار، فلقد افتتح أمامي عالم جديد، مليء بالعجائب، فقرأت بشغف الكتّاب الروس، ولايكاد يوجد كاتب روسي إلا وأعدت قراءته (159ص57) ويرى في سيرته الذاتية أنّه تربى على ذوق الشاعر الروسي بوشكين (1799-1837) الرفيع وعلى أدب ليرمنتوف وتورغينيف وعلى سخرية غوغول عبر الدموع، وعلى واقعية تولستوي الجذابة، وعلى مبادئ بيلينسكي الأدبية."... وتربيت على المبادئ الإنسانية السامية التي نادى بها دوستيفسكي الذي يعتبر أكثر الكتّاب الروس قوةً وعمقاً، وأكثرهم قدرةً على التغلغل في أعماق النفس الإنسانية" (158ص 225) . يكتب كراتشكوفسكي في كتابه " الأدب العربي في القرن العشرين" إنّ ميخائيل نعيمه: عليم بالأدب الروسي، ومتأثر بالشخصيات الأدبية في القرن الماضي، وبآراء بيلينسكي الأدبية..." (158ص94) . أمّا تلميذة الأكاديمي كراتشكوفسكي، أستاذة الأدب العربي في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة لينينغراد آنّا أركاديفنا دالينينا، التي زارت في نيسان 1967 مع وفد يمثل جمعية الصداقة مع البلدان العربية ميخائيل نعيمه في بيروت تكتب: "وبدون شك، في هذه الحياة البسيطة، في حضن الطبيعة، وفي الابتعاد عن مباهج الحياة، التي يستطيع ميخائيل نعيمه الآن أن يصل إليها بعد أن أصبح كاتباً مشهوراً، وفي أحاديثه الفلسفية الأخلاقية يذكرنا بحياة ليف تولستوي في ياسنايا بوليانا، ويجب أن نعتقد بأنّ التشابه ليس صدفة. يكفي أن نتذكر الكلمات التي ذكرها نعيمه حول تولستوي في يومياته عندما كان شاباً" (129ص234) . يعبّر ميخائيل نعيمه عن محبته لروسيا في مؤلفاته المختلفة، ففي عام 1956 التقى السفير السوفييتي ببيروت. وعندما سأله السفير عن مدى رغبته واستعداده لزيارة الاتحاد السوفييتي فيما لو وجهت له الدعوة، أجاب الكاتب العربي الكبير أنّه مستعد لزيارة الاتحاد السوفييتي، ويلبي الدعوة بكلّ سرور. وبعد مرور مدة قصيرة تلقى نعيمه الدعوة من قبل اتحاد الكتاب في الاتحاد السوفييتي وقام نعيمة بزيارة الاتحاد السوفييتي في عام 1956، وزار مدرسته في بولتافا حيث درس قبل الثورة. ورأى صور لينين وستالين معلقةً، بدل صور السيّد المسيح ومريم العذراء، ولم يندهش بل أعجبته هذه الظاهرة، لأن الماركسية برأيه ماهي إلا ديانة أرضية. وكان كتاب "أبعد من موسكو ومن واشنطن" (1957) ثمرة لزيارته لموسكو. ويعترف الكاتب في عمله الأدبي المذكور أن لحظة وصوله إلى روسيا كانت أسعد لحظات حياته. ويقول في هذا الكتاب إنّه قرأ بوشكين وليرمنتوف وتورغينيف وغوغول ودوستيفسكي ونيكراسوف وغيرهم. ويكتب عن روايات دوستيفسكي: "وتحسست إيمان دوستيفسكي بالأمة السلافية ورسالتها الإنسانية، وبمستقبلٍ أفضل لروسيا، تتقلمّ فيه أظفار الظلم والاستبداد، وتتكسّر أنياب الحاجة والمذلة، فيتنفس الشعب، بملء رئتيه، وتكون له الثقة بأنّه لن يعرق ليهزل، وليسمن غيره بنتاج عرقه، ولن يسكن الأكواخ ويلبس الأسمال لينعم غيره بالقصور ويرفل في الديباج" (60ص 209-210) . وكان الكاتب يشعر أنّ ثقافة الروس تغلغلت في دمه وارتسمت مناظر تلك البلاد وأغانيها ومشكلاتها في ذهنه فكأنها بعض منه. ولذلك بقي الكاتب على ارتباطٍ وثيقٍ بروسيا، ويصف ثورتها الاشتراكية: "إنها المرة الأولى التي تتفجر فيها المظالم المكبوتة على مدى أجيالٍ وأجيالٍ في صدور العاملين في الأرض والمعامل والمناجم، وينطلق صوتهم مطالباً بقسطهم العادل من ثمرات أعمالهم، ومن الكرامة الإنسانية" (60ص231) . وفي كتابه "النور والديجور" (1948) يكتب ميخائيل نعيمه عن روسيا: "وأنا كلما ذكرتها فكما يذكر الولد البار أباه أو أمّه... لن أنسى بلادً هي روسيا وشعباً هو الشعب الروسيّ..." (58ص 574) . ويكتب في مقالته "ماهية الأدب ومهمته" التي نشرها في مجموعة "دروب" عام 1932: "ولو أنّ جيشاً من رجال الدين، وعلماء النفس، وأساتذة الاجتماع. وأساطين القانون تجمعوا معاً لما استطاعوا أن يؤلفوا لنا رواية "كرواية دوستيفسكي" الأخوة كارامازوف" ففي هذه الرواية نرتفع مع الأب "زوسيما" إلى درجة الاشراق الروحي والانخطاف بنور الألوهة. وننحدر مع "سمر دياكوف" إلى حالة البهيمية..." (59ص34) . اغتنم ميخائيل نعيمه الفرص كلّها ليكتب عن روسيا معبراً عن حبه لها، وأثناء الحرب العالمية الثانية أقلقه مصير روسيا، وحلم بنصرها، وكتب مقالة "حلم مع موسوليني" في مجموعة "البيادر". وانتهز مناسبة انطلاق رائدة الفضاء السوفييتية فالنتينا تيرشكوفا في مركبتها لتدور حول الأرض عدة أيام، ليكتب عنها مقالةً بعنوان: "فتاة وفتاة"، وذلك في مجموعة "هوامش" ويعبّر نعيمه في هذه المقالة عن سروره للحدث، العظيم ويطالب المرأة العربية بالحصول على الحرية. ويقارن الكاتب بين المرأة العربية والمرأة الروسية التي استطاعت أن تخرج إلى خارج الكرة الأرضية، في حين تعاني الأولى صعوبةً في الخروج من بيتها. بدأ ميخائيل نعيمه في السنة الدراسة الأولى في روسيا ينظم الشعر باللغة الروسية وكانت قصيدته النهر المتجمد أول إنتاج أدبي له. وقد نظمها بسهولةٍ متناهيةٍ، حتى كأنّها كانت تملى عليه. وكان الذي أوحاها إليه منظر نهر "صولا" المتجمد. فكان النهر متجمداً حتى أنّ نعيمه مشى على وجهه. واختتم القصيدة بسؤالٍ يوجهه إلى روسيا، فيسألها وقد كبلّها الجليد، مثلما كبّل نهر "صولا" . متى يأتي الربيع ويفكّها من عقال الجليد؟ وهل يأتي زمن يتذوق فيه العامل والفّلاح شيئاً من الفرح والسعادة؟ ولم يكن يدور في خلد نعيمه أنّ سؤاله سيلقى جواباً بعد سبع سنوات، وأنّ الحكم سينتقل من أيدي القيصر والأشراف والإقطاعيين ورجال الدين إلى أيدي العمال والفلاحين. نقل نعيمه القصيدة بعد سنين غير قليلة إلى اللغة العربية وجعل خاتمتها خطاباً يوجهه إلى قلبه بدلاً من روسيا. فقد كان يشعر أنّه في الواقع يعيش في دنيا تقلصّت فيها الجمالات الإنسانية. فلا رأفة، ولامحبة، ولا إخلاص، ولاعدل، ولاحرية، بل إنّ هذه باتت صفائح من جليد تنساب من تحتها الأحقاد والضغائن والمطامع والمظالم وما تجرهّ على الناس من الأوجاع والمآسي. نالت هذه القصيدة الإعجاب من رفاقه ومن النقد الأدبي ونظمها نعيمه شعراً باللغة العربيّة وكانت الترجمة ناجحةً. وتتضمن بعض المناهج الدراسية في الأقطار العربية القصيدة المذكورة. ولذلك فالقصيدة معروفة بصورةٍ واسعةٍ، ولاعجب أن ينظم ميخائيل نعيمه قصيدةً ثوريةً، فلقد اشترك أثناء دراسته في الاضراب الطلابي في بولتافا وألقى كلمةً، قال فيها إنّ الطلاب حين يطلبون سمكةً يقدّمون لهم حيةً بدلاً من السمكة، وحجراً بدلاً من الخبز. وبسبب هذه الكلمة وقفت ضده الإدارة ومنعته من تقديم الامتحان، واستطاع تقديم الامتحان فقط في صيف 1911 وبصورةٍ استثنائيةٍ. 3- مسرحية " الآباء والبنون" لنعيمه وتولستوي: ولابدّ من القول إنّ لأفكار تولستوي تأثيراً كبيراً على أفكار نعيمه. وهذا واضح في مسرحية "الآباء والبنون" التي ألفها عام 1917، بطل هذه المسرحية واسمه داود يعلق في غرفته صورة ليف تولستوي وينادي بأفكاره، فهو لايصلي في الكنيسة ويؤمن بإلهٍ واحدٍ للجميع. هذا الإله ليس مسيحياً ولايهودياً ولا مسلماً. يؤمن داود بأنّ قيمة الإنسان بما يقدّمه للآخرين من عملٍ وخدمةٍ وخيرٍ. تأثر ميخائيل نعيمه بتورغينيف حتى، أنّه عنّون مسرحيته بعنوان "الآباء والبنون". العنوان نفسه الذي اختاره إيفان تورغينيف لإحدى رواياته، وعالج في هذه المسرحية الموضوع نفسه الذي عالجه إيفان تورغينيف (1818-1883) ، في روايته، وهو صراع الأجيال. ينظر الآباء إلى الحياة نظرةً تختلف عن نظرة الأبناء، الذين رغم خبرتهم المحددة في الحياة، أكثر صواباً من الآباء فهم بحسهم السليم وقلبهم النيّر يهتدون إلى الصراط المستقيم. في مقالةٍ هامةٍ مكرسةٍ لمسرحية ميخائيل "الآباء والبنون" كتبت آنا دالينينا أنّ بين رواية "الآباء والبنون" لتورغينيف (1818-1883) ومسرحية نعيمه أموراً كثيرةً مشتركةً: "كلّ من المؤلفين يتحدث عن صراع الأجيال في مراحل هامةٍ من تاريخ الشعبين، وهي مراحل التحولات. عند تورغينيف قبيل الستينات... وعند نعيمة تجري الأحداث في سوريا المعاصرة للمؤلف، وبما أنّه لايذكر الحرب أبداً، مما يدل على أنّ الأحداث تجري قبيل الحرب العالمية الأولى" (125ص66) . ولاحظت آنا أركاديفنا دالينينا أنّ تورغينيف ونعيمه لم يصورا النضال الثوري، وأنّ بطليهما يفغيني بازاروف وداود سلامه من أسرٍ متوسطة الحال. وتؤكد المستشرقة أنّ داود من أنصار تولستوي. فهو يعتقد مثل تولستوي أنّ الله واحد في العالم كلّه، وللجميع وهو للمسيحيين وللمسلمين ولليهود، وبهذا فهو لايتفق مع يفغيني بازاروف الملحد، ولكنه يشبهه بأن نظرتيهما إلى الحياة تختلف عن نظرة الآخرين اختلافاً كبيراً. وآراء داود الدينية تشبه إلى حد كبير أفكار تولستوي. وهكذا فإن داود في أثناء حديثه مع والدة صديقه الياس يقول إنه ليس شرقياً ولاكاثوليكياً. وعندما تطرح عليه سؤالاً: هل هو ملحد؟ يجيب داود عن هذا السؤال بأنّه يؤمن باللَّه وبأنبيائه من أعماق قلبه، ولذلك لاتستطيع والدة الياس فهمه، لأنّ الإنسان برأيها لايمكن أن يكون مسيحياً ومسلماً ويهودياً في الوقت ذاته. وعندما تسأله أين يصلي، في المسجد أم في الكنيسة أم في الكنيس؟ في كنيسة الكاثوليك أم في كنيسة الأرثوذكس؟ يجيب داود عن هذا السؤال بأنّه يصلي في قلبه. وعندما يسألونه لماذا إذن رجال الدين، المطارنة والكهّان والكنائس، إذا كان الناس يستطيعون الصلاة دونهم؟ يجيب داود بأنّه يستطيع الاستغناء عنهم، أمّا من لايستطع الاستغناء عنهم فليذهب إليهم. ولذلك فإن داود في نظر أم الياس شخصية غريبة وغير مفهومة. مفهومة ظواهر الحياة الكثيرة بالنسبة لداود، على الرغم من أنّ أكثرية الناس لايستطيعون فهمها، فهو يؤمن بقوةٍ عظيمةٍ تنّظم هذه الظواهر لمصلحة الناس، ولذلك فهو يعلق صورة تولستوي والسيّد المسيح في غرفته مؤمناً بأفكارهما النيّرة. كما نرى، مما تقدم فإنّ داود بالفعل يؤمن بالسيّد المسيح وبأفكار تولستوي، ويتصرف حسب مبادئه، فحياته ذات معنى، يعمل معلّما كما عمل تولستوي، الذي قام بتعليم أولاد الفلاحين في مدرسة ياسنايا بوليانا. يتطرق ميخائيل نعيمة في هذه المسرحية إلى موضوعٍ آخر مهم جداً، أثار اهتمام تولستوي كثيراً، وهو موضوع الحياة والموت. وفي حالة يأس يقرر الياس وهو صديق داود الانتحار، لأنّه لايفهم معنى الحياة، فيرى أنّ الحياة بلا معنى. ولكن شهيدة أخت داود تقنعه بأنّ الحياة رائعة وكاملة، فيتخلى عن فكرة الانتحار، ولكن لايستطيع الجميع فهم روعة الحياة وكمالها، فالناس المؤمنون وحدهم، يستطيعون رؤية جمال الحياة، وحتى مصائب الحياة هي لصالح الناس، في نظر شهيدة. إنّ الأسئلة التي أقلقت الياس، هي نفسها التي أقلقت سابقاً ليفن أحد أبطال رواية "آنّا كارينينا" والتي أقلقت تولستوي نفسه، الذي تحدث عن هذا الموضوع في "اعترافه" (1880) في مسرحية "الآباء والبنون" (1917) تفكر أخت الياس أيضاً بالانتحار، واسمها زينه، وتحضر السم، ويقنعها بالإقلاع عن هذه الفكرة داود الذي يعمل معلماً، وأخته معلّمة ومفهوم من قبلهما معنى الحياة، الذي يتلخص بأنه يجب أن نعيش من أجل الآخرين (66ص67) ولذلك لاتخطر على بال داود وأخته شهيدة فكرة الانتحار. وأما الياس وأخته زينة، اللذان يعيشان حياةً فارغةً، يفكران بالانتحار. إنّ فكرة معنى الحياة الذي يتلخص في العمل من أجل الآخرين وليس من أجل الذات، هذه الفكرة هي من أفكار تولستوي، وسيجري الحديث مفصلاً عنها، ويعبّر ميخائيل نعيمه في مسرحيته، وهي من أعماله الأدبية الأولى عن هذه الأفكار التي استقاها من نبع تولستوي. إنّ الشخصيات الإيجابية في مؤلفات تولستوي سلبية، بمعنى أنها لاتأخذ إصلاح كل شيء على عاتقها، لإيمانها بوجود خالق وهو يدين الآخرين، مثلها مثل شخصيات روايات دوستيفسكي، وأما الشخصيات الإيجابية في مسرحية نعيمه فإنها تقاوم الشر بكلّ الوسائل. فهؤلاء الأبطال يعملون ويكدحون ويحاربون الأعداء الأشرار، الذين يعيشون حياةً فارغةً، ويدمنون على المشروبات الكحولية، ويقترفون الموبقات، ويلعبون القمار، يتظاهر أحد هؤلاء الفاسدين بالإيمان باللّه، ويتردد على الكنيسة، ويتظاهر بعضهم بالغنى الفاحش، في حين كانوا يغرقون في الدَيْن. ومن أجل تحسين أحواله يقرر ناصيف الزواج من زينة، التي تحب داود، ومن أجل الوصول إلى هدفه القذر الوصولي الأناني يتبع أساليب قذرة، منها نشر إشاعة بأنّ داود يعيش مع عشيقة له، وليس مع أخته ويساعده على ذلك والده، وينشر إشاعة بأنّ والد داود يقيم في مشفى الأمراض العقلية. وترغب أم الياس في أن تتزوج ابنتها من ناصيف لاعتقادها بأنّ داود بروتستانتي أيّ من طائفةً أخرى غير طائفتها، وترغب بأنّ يكلل الكاهن حنا، ابنتها على ناصيف، حتى بدون موافقة زينه. 4- مذكرات نعيم عن تولستوي نلاحظ من الحقائق التي أوردناها أنّ ميخائيل نعيمة كان دائماً يقدر تقديراً عالياً الأدباء الروس وعبقريتهم. كان لتولستوي أتباع في كلّ أنحاء العالم، في الهند كان من أتباعه الزعيم الهندي المهاتما غاندي (1869-1948) الذي كتب له حول ذلك. وفي فرنسا كان الكاتب رومان رولان (1866-1944) من أنصاره وألفّ كتاباً عنه، أمّا في الوطن العربي فلعل ميخائيل نعيمة أقرب الكتّاب إلى أفكار تولستوي وسلوكيته، ولقد قرأ ميخائيل نعيمه مؤلفات تولستوي باللغة الروسية عندما كان يدرس في المدرسة الرّوسية الداخلية في الناصرة. وتابع قراءة تولستوي عندما كان يدرس في روسيا. ويكتب في يومياته أنّه أنهى قراءة "الحرب والسلام" (1863-1869) ويوافق تولستوي في رأيه عن نابليون بونابرت (1769-1821) ، لأنه يكره الحرب وكلّ من يشعلها. ولكنه لا يوافق تولستوي في كلّ شيء يختص بنابليون وكوتوزوف (1745-1813) ، القائد الروسي، فنعيمه يرى تناقضاً في آراء تولستوي عن نابليون وعن كوتوزوف. وكان نابليون يتحرك ليس بإرادته ولكن بإرادة الظروف والشعوب، في حين أن كوتوزوف الحكيم استطاع أن يحرز النصر على المعتدي نابليون. ويتابع قوله عن تولستوي: "إنّه ليضحكني أن أراني أناقش مفكراً عظيماً من عيار تولستوي، عفواً يا ليف نيكولايفتش فأنا مدين لك بأفكارٍ كثيرةٍ أنارت ما كان مظلماً في عالمي الروحّي. ففي كثير من منشوراتك الأخيرة التي طالعتها في العالم الماضي قد وجدت نوراً أهتدي به في كلّ خطوةٍ من خطواتي.. أجل. فأنت من هذا القبيل، قد أصبحت معلمي ومرشدي من حيث لا تدري". (49ص 189) . يكتب ميخائيل نعيمه بعد ذلك في مذكراته عن ليف تولستوي: "في الجرائد أخذ وردّ عنيفان لمناسبة بلوغ تولستوي الثمانين من عمره. فاليسارية تطالب الحكومة بالاحتفاء احتفاءً رسمياً بيوبيل الكاتب العظيم، واليمينية تأبى على الحكومة والبلاد أنّ تلقي أيّ بال إلى يوبيل رجل تفسد تعاليمه العقول. وعلى رأس المعارضين الكنيسة التي رشقت بحرمها سيّد ياسنايا بوليانا، والتي حمّلت وزارة المعارف على إصدار تعميم لجميع المدارس، تحذّر فيه الطلاّب من الاحتفاء في أيّ شكل باليوبيل. ياللعار أن يكون في روسيا من يحاول إطفاء هذا المشعل الذي يتألق نوره اليوم في جميع أقطار الأرض." (49 ص214) . وفي مكان آخر يكتب: "... ما أفقرك يا بلادي حتى المشاعل العالميّة من طراز تولستوي لم يخترق سواد ليلك بعد...." (49ص233) . وبعد ذلك يكتب ميخائيل نعيمة عن ليف تولستوي: "لقد استهواني تولستوي المفتش عن حقيقة نفسه وحقيقة العالم من حواليه. " (49ص271) . ويقول عنه: "... وكانت يده القوية تسندني من حيث أدري ولا يدري. فقد كان لا يعرف شيئاً عني، وأعرف عنه الشيء الكثير. وكنت أتتبع بلهفةٍ صراعه العنيف مع نفسه ومع العالم. فإذا ربح معركةً شعرت كأنّني ربحتها. وإذا خسر معركةً شعرت كأنني الذي خسرها. ذلك الصديق لم يكن غير نمرود "ياسنايا بوليانا" ليف نيكولايفتش تولستوي" (49ص371) . وعندما سمع ميخائيل نعيمة بأنّ ليف تولستوي غادر بيته في شهر تشرين الثاني من عام 1910 ارتاح لهذا الخبر واعتبره انتصاراً في صراع الكاتب الروسي مع نفسه، ويعني تصرف تولستوي، بنظر ميخائيل نعيمة، رفض العالم ومجده ومغرياته لكي يربح نفسه، لأنّه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه. في العشرين من تشرين الثاني عام 1910 سمع ميخائيل نعيمة صراخ بائع الجرائد الذي كان يصرخ بأنّ تولستوي توفّي. وعرف نعيمة من الجرائد أنّ تولستوي توفّي في محطة قطار صغيرة. بسبب مرض التهاب الصدر. وهزّ موت ليف تولستوي ميخائيل نعيمة، الذي كان يتتبع خطاه ويحبه إلى درجة العبادة، ويعظم خطوته الأخيرة في أيامه الأخيرة، ومع أنّ خطوته هذه كانت متأخرةً، ولم تحقق هدفها. وبعد مرور حوالي نصف قرنٍ، كتب ميخائيل نعيمة في كتابه "أبعد من موسكو ومن واشنطن" (1957) أنّه عرف من مؤلفات تولستوي، كيف ضحى الشعب الروسّي بدمه في سبيل الدفاع عن الوطن، وعرف الآلام التي تسببها الحرب، وعرف أنّ الروح الرّوسية تتطلع إلى السلام والحبّ والتسامح وعدم مقاومة الشر بالشر، والبحث عن الحياة في الموت، والنظام في الفوضى، وحتى ياسنايا بوليانا، قرية تولستوي، أصبحت منارةً لميخائيل نعيمة، تضيء أيامه، وطريقه للوصول إلى الخير والشر والحياة والموت "ووجدت فيه الركيزة، والبرهان على إمكانية وصول الإنسان المخلص لنفسه والمتفهم لقوانين الحياة، إلى التخلص من شباك وأحابيل العالم، ولقد ارتفع فوق هذا العالم بتعاليمه وقلمه وحياته التي يمكن اتخاذها قدوةً" (60ص210) . عاش ميخائيل نعيمة في لبنان، الذي كان حتى عام 1918 يرضخ تحت نير الاستعمار التركي، وقع بعد ذلك تحت نير الاستعمار الفرنسي، وكان ذا بنيةٍ اقتصاديةٍ متخلفةٍ وتمر ثقافته بمرحلة انحطاطٍ، في حين ولد تولستوي في روسيا وهي بلد كبير قوي مستقل، ذو حضارة وثقافة عريقة وممتازة وله علاقات وثيقة مع الغرب. ولد ميخائيل نعيمة في أسرةِ فلاح فقير، واضطر والده إلى الهجرة إلى أمريكا لكي يؤمن لقمة العيش لأسرته. وبفضل الصدفة وبفضل روسيا استطاع ميخائيل نعيمة الحصول على التعليم، أمّا تولستوي "بتربيته وولادته فانتمى إلى أسرةٍ ارستقراطيةٍ عريقةٍ إقطاعيةٍ" (167 ص39-40) . ومع كلّ هذه الفوارق فإنّ نظرتهما إلى الحياة وإلى التعاليم المسيحية واحدة ومتطابقة. كتب ميخائيل نعيمة في الجزء الأول من سيرته الذاتية "سبعون": ".... فأنا كذلك كنت قد بدأت أفتش بمنتهى الجد عن حقيقة نفسي، وحقيقة العالم الذي أعيش فيه، والمصباح الوحيد الذي كنت أهتدي بنوره هو المصباح الذي سار على نوره تولستوي. وأعني الإنجيل" (49 ص371) . ويؤكد ميخائيل نعيمة في أكثر مؤلفاته أنّ الإنجيل كان ويبقى العزاء الوحيد له. وفهم تولستوي ونعيمة تعاليم السيّد المسيح بأنّه لا يجوز مقاومة الشر بالشر وبعدم الإدانة، ولا يحق لأحدٍ الحكم على آخر بالإعدام. ويجب التواضع، وعدم إهانة الآخرين، وعدم إهانة الذات، وعدم استغلال تعب الآخرين، ويجب مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان، وعدم جمع الثروات، ومن يطلب قميصاً فأعطه الرداء، بالإضافة إلى القميص، يجب أن نحيا بمحبة الآخرين، والتخلي عن كل الثروات، والبحث عن ملكوت اللّه في القلب وليس في أيّ مكانٍ آخر. وفي كتابه "جبران خليل جبران" 1934 كتب ميخائيل نعيمة أنّ موضوع يسوع لا ينضب، ومهما عالجته اللغات والأقلام والألسن، ومهما كثرت المؤلفات حول هذا الموضوع، يبقى هناك مكان لكتاب جديد. (53 ص254) . لم يكن عند السيّد المسيح بيت ولا ثروة ولا أسرة ولا مجد وكان يتجول. ويرى تولستوي ونعيمة أنّه يجب أخذ قدوة من السيد المسيح في هذا النموذج من الحياة. فانعكست هذه الآراء في إبداعهما. إن تعاليم السيد المسيح في نظرهما هامة لا بحد ذاتها، وإنّما كإرشادات عملية للحياة. اهتم كلاهما بأخلاقيّة الناس وبإنسانيتهم، ولكنّ أفكارهما كانت أوسع من المسيحية، لأنّها نبعت من الإنجيل ومن البوذية ومن الديانات الأخرى ومن الفلاسفة القدماء والمعاصرين، فنعيمة كما رأينا قدّر تقديراً عالياً الأفكار الاشتراكية. فلذلك انتشرت أفكارهما بين شعوب كثيرة ذات أنظمةٍ سياسيةٍ متباينةٍ، وذات قومياتٍ مختلفةٍ. إنّ عودة تولستوي إلى الفكر المسيحي تمثل عودته إلى فلسفةٍ شرقيةٍ قديمةٍ، وكأنّها عودة إلى طفولة البشرية، حيث كان الإخلاص والمحبة التي لا تعرف الحدود، أيّ الصفات التي لاحظها في طفولته وقدّرها تقديراً عالياً. مازال الشعب يحافظ على هذا الإخلاص والصدق. هذا ما نلاحظه في رواية "الحرب والسلام" (1863-1869) وفي رواية "آنّا كارينينا" (1873-1877) ويعود نيخليودوف بطل رواية "البعث" (1899) إلى طهارة الشعب. لكي نتخلص من عيوب البشرية، برأي تولستوي ونعيمة، يجب أن نبدأ بتخليص أنفسنا من العيوب. ولقد كتب ليف تولستوي في عام 1854 في قصته "المراهقة": "وبصورةٍ طبيعيةٍ، وبتأثير نيخليودوف، وبصورةٍ لا إراديةٍ استوعبت مذهبه، الذي يتضمن عبادة عمل الخير للآخرين، الاعتقاد بأنّ قدر الإنسان هو أن يحاول دائماً تصعيد إمكانياته. وآنذاك يمكن القضاء على كلّ عيوب الإنسانية ومصائبها، وهو عمل سهل جداً، وفقط يجب أن يقوم كلّ فردٍ بالقضاء على عيوبه، وأن يعمل الخير، فيصبح سعيداً" (94ص75) . في قصته التي تعتبر سيرةً ذاتيةً "صبيحة إقطاعي" (1858) يعتبر نيخليودوف أنّ هدف حياته مساعدة فلاحيه، مع أنّهم لا يفهمونه. ويكتب الأمير نيخليودوف إلى عمته "دعوتي هي أن أعمل الخير وأتمناه وأحبه" (107ص123) ومن أجل ذلك يترك نيخليودوف الجامعة، وللسبب ذاته ترك ليف تولستوي جامعة كازان في عام 1847. ونقرأ الفكرة ذاتها في قصة "السعادة الزوجية" (1859) فالسعادة، لا شك، تتلخص في أن يحيا الإنسان من أجل أخيه الإنسان، ومن أجل الآخرين. 5- التضحية في سبيل الآخرين عند تولستوي ونعيمه: ونجد الفكرة ذاتها في قصة "القوزاق" (1863) . يكتب تولستوي في هذه القصة، أنّ السعادة حاجة فطرية لدى الإنسان ولذلك فتلبيتها أمر ضروري ومشروع، ولكن إذا لبيت بصورةٍ أنانيةٍ، أيّ في البحث عن الثروة والمجد، فإنّ الظروف يمكن أن تتكون بشكل لا يستطيع فيه الإنسان أن يلبي كلّ أمانيه، وهذا يعني أنّ هذه الأماني غير مشروعة. ويمكن تلبية حاجة الإنسان إلى محبة الآخرين والتضحية بالذات من أجلهم "وهل يجوز أن نعيش بصورةٍ أنانيةٍ، إذ أن الحياة قصيرة، وما معناها إن لم نعمل فيها الخير ولا يعرف أحد أننا قمنا بعمل الخير" (96ص87) . توصل أولينين بطل القصة، في تأملاته عن معنى الحياة إلى الفكرة المذكورة. نجد في مؤلفات ميخائيل نعيمه مثل هذه الأفكار. ففي قصة "ويذوب الجليد" التي نشرها الكاتب في مجموعة "أبو بطة" (1958) يكتب: "مني قشة ومنك قشة" (50 ص564) ومن الآخر قشة، فأنا لا أستطيع أن أعيش في عالمٍ، يده ونظراته وهواؤه وقلبه من جليد، فمني قشة، ومنك قشة ومن كلّ إنسان قشة، ويذوب الجليد. نرى أنّ الكاتب ينادي في هذه القصة بالتعاون، والمحبة لكي نشعر بدفء العالم. وتذكرنا هذه القصة بقصة ليف تولستوي "المعّلم والعامل". (1895) يشعر المعلم بدفء من عامله، ويتحسس أنّه يعيش بسببه، فإنّ عاش العامل، عاش المعلم، وإن مات العامل، مات المعلم. فالمعلم هو العامل، والعكس صحيح. ففي هاتين القصتين نرى أفكار نعيمه وتولستوي عن الروح الأخوية التي يجب أن تخيّم على البشرية. وفي قصة "شهيدة الشهد" من المجموعة ذاتها، حصلت خيزران على العسل من أجل أخيها المريض. من خليّة النحل، فلسعها النحل، فماتت، وحتى الآن تحدث أمّها الناس عنها. وفي قصة "جهنم" كان على عدنان إخلاء البيت الذي يسكنه، فأخذ يحرق كلّ ماعنده حتى توصل إلى صورة عشيقته، التي كانت تخون زوجها معه. وعندما أحرق نصف صورته معها، إذ بجرس الهاتف، وإذا بها تناديه. ويشعر عدنان بآلامٍ عظيمةٍ، ولا توجد لديه وسيلة يتخلص بها من هذه الآلام، فتخلص منها فقط عندما تحسس في قلبه بعض الحبّ، يرى المؤلف أنّ الجنة والجحيم هما حالتان من حالات القلب الإنساني، ومكانهما فيه، وليس في أيّ مكان آخر. وفي مجموعة "النور والديجور" (1948) ، يكتب ميخائيل نعيمه في أكثر من مكانٍ، أنّ على الناس مساعدة بعضهم بعضاً. فكلّ الكائنات الحيّة يساعد بعضها بعضها الآخر. تطير الطيور أسراباً لكي يدافع بعضها عن بعضها الآخر ويساعده، كما تتحسس أعضاء الجسد بعضها آلام بعضها الآخر فإن تألمت يد الإنسان أو قلبه أو عينه تألم الجسد كلّه، وتغير عمله بسبب مرض ألمّ بأحد أعضائه. فحياة الإنسان تتأثر وتؤثر بحياة الآخرين، فإن أحبّ أحد أفراد المجتمع قريبه، فإنما أحبّ نفسه، وإن أحب نفسه أحبّ الآخرين. الكون بكامله مترابط. الماضي يؤثر على الحاضر، والحاضر على المستقبل، الشمس تؤثر على الأرض، وعلى كواكب أخرى، فكلّ ذرةٍ في الكون متأثرة ومؤثرة فالكون وحدة متكاملة. يرى نعيمه أنّ الأنانية، أية كانت، ليست صفةً سلبيةً فقط، وإنّما هي أيضاً صفة غبيّة ولا فائدة منها، حياة الفرد تشبه المياه في المحيط الذي يعطي مياهه عن طريق التبخر، وهي تعود إليه بوساطة الأنهار. كتب عن هذا الموضوع في سيرته الذاتية"سبعون" (1960) وكتب في كتابه "مرداد" أنّ الناس يجب أن يعرفوا أنّ كلّ أعمالهم وأفكارهم ونياتهم وأقوالهم تعود إليهم. ولذلك يجب معاملة الآخرين كما نعامل أنفسنا، ويجب أن ننظف قلوبنا من كلّ نية سوداء شريرة، وآنذاك تختارنا الإرادة الكلية لتخليص البشرية من آلامها، ولكي نستطيع أن نصل إلى المحبة وإلى الفهم الكامل. كذلك كان مرداد يعلّم نوحاً وكذلك علّم الآخرين. كذلك كان يقول الخادم مرداد لتلاميذه. (61 ص564) ومرداد في كتاب نعيمه هو المخّلص، الذي يساعد نوحاً في فترة الفيضانات، وبعد ذلك جاء إلى الدير الذي بناه سام بن نوح، لكنهم في الدير لم يقبلوه كأحد أعضاء الدير، وحرم من حقوقهم، لأنّ ملابسه كانت بالية، وشكله يشبه المتسول. فقبلوه بصفة خادم. فأصبح، برأي الرهبان، قديساً ومعلماً ونبياً. فكتب كلماته أصغرهم سناً. فكتاب "مرداد" هو عبارة عن كلمات مرداد ومواعظه وهي صالحة لكلّ الأمكنة والأزمنة والشعوب. وعندما ذكّر رئيس الدير مرداد بأنّه خادم، أجابه مرداد بأنّ عند رئيس الدير أكثر من خادم، النجوم والكواكب والبحار والمحيطات والطيور والغابات. وعنده أيضاً رؤساء كثيرون، فهم اللصوص والمتسولون كلّ ما في العالم هم سادة وخدّام. الفرد يخدم الجميع، والجميع يخدمون الفرد، رأس الإنسان يخدم المعدة، مثلما هي تخدم الرأس. (61 ص610) ولذلك يقترح مرداد إلغاء كلمة "أنا" لأنّها جزء من الكلّ. لكي نحبّ أنفسنا يجب أن نحبّ الآخرين. إنّنا نعيش لكي ندرك الحبّ، ونحبّ لكي ندرك الحياة. والمحبة هي اللّه، ووصيته. وكل من يحبّ الجزء، ويترك الكلّ فإنّ محبته محكوم عليها بالموت، فكيف نحبّ الأوراق على الشجر ولا نحبّ الشجر نفسه. يستنتج ميخائيل نعيمه أنّ القاتل والقتيل شركاء في جريمةً واحدةٍ، مثل السارق والمسروق، فالمسروق مذنب مثل السارق، فالأمور متشابكة وليست بسيطةً، ولذلك لا يحق لأحدٍ أن يدين الآخرين ولكننا جميعاً يجب أن نحبّ بعضنا بعضاً، ونحب كلّ مافي العالم، أن نتخلى عن ذواتنا ونذوب في الآخرين. وآنذاك تستطيع الإنسانية أن تصل إلى حلمها وهو معرفة كلّ شيء. بالحبّ وحده، وبالقلب وحده يمكن أن ندرك كلّ شيء، لأنّ المحبة هي اللّه، واللّه محبة. وتذكرنا هذه الكلمات بكلمات تولستوي في أسطورة "بم يعيش الناس؟" من كان في المحبة، كان في اللّه، واللّه فيه، لأنّ اللّه هو المحبة" (101 ص25) . ونعبّر عن الحبّ بعمل الخير، وبرفض الشر، ويمكن أن نجد هذه الأفكار في مؤلفات تولستوي، وميخائيل نعيمه. رواية "الحرب والسلام" (1863-1869) ذات مواضيع كثيرة ومتعددة الأفكار. من بين الأفكار البسيطة لهذه الرواية أننا يجب أن نعمل الخير ولا يجوز أن نعمل الشر. يحاول الأمير فاسيلي في هذه الرواية أن يسرق وصية الكونت بيزوخوف، التي بموجبها يحصل بيير على ثروةٍ كبيرةٍ وعلى لقب كونت بيزوخوف، ولكن آنّا ميخايلوفنا حالت دون تحقيق نواياه الشريرة. يتخلص بيير من الفخ الأول الذي نصبه له الأمير فاسيلي، لكنه يقع في الثاني، إذ اضطر إلى أن يتزوج من إيلين ابنة الأمير فاسيلي. ولم يكن معها سعيداً. ولكنّ أفكار الأمير فاسيلي الأنانية لم تعطه الثروة أو الكرامة. وفي سنواته الأخيرة أصبح شيخاً متقدماً في السن، يستحق الشفقة. ولم يستطع أن يزوّج ابنه أناتولي من ماريا بولكونسكي، وأصبح أناتولي بعد معركة باردينو مشوهاً. وماتت إيلين في صباها بسبب حياتها الفاسدة. ولّدت تصرفات الأمير فاسيلي عند بيير فكرةً تشاؤميةً ولعلها أكثر أفكار الرواية تشاؤماً، فلقد سمع بيير قصةً عن الجنود الذين كانوا أثناء الحرب في الخندق وتحت القصف، والذين اختلقوا وسائل كثيرة للتسلية، لكي يتحملوا الحرب بصورةٍ أسهل، ولكي يتناسوا الخطر المحدق بهم، ورأى بيير أن الناس كلهم يشبهون هؤلاء الجنود الذين يحتمون من الحياة ويتناسونها ويتجاهلونها، بعضهم بحبّهم للشرف، وبعضهم بانشغالهم بالسياسة، وبعضهم بهواية الصيد، وبعضهم بالإدمان على المشروبات الكحولية. "لايوجد عمل هام وآخر وضيع، كلّ الأعمال متساوية الأهمية، فقط المهم أن أحتمي منها كما أستطيع! -فكر بيير- فقط المهم ألا ألاحظها، هذه المخيفة" (97 ص297) . ويقصد بكلمة المخيفة أن الحياة مخيفة. إنّ تأملات بيير حول الحياة تشبه تأملات تولستوي نفسه. يكفي أن نتذكر ما كتبه تولستوي في اعترافه (1880) بأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا حين تسكره الحياة وتغشي بصيرته، أمّا حين يكون صاحياً، فيستحيل عليه إلا أن يرى أنّها زيف محض، زيف غبي! فالحق أنّ ليس فيها شيء مسل أو ذكي، إنّها غبية، بكل بساطة قاسية. ويكتب تولستوي الأسطورة الشرقية التي تتحدث عن مسافر اعترضه في الوعر الفسيح وحش مفترس، فاضطر للهرب منه والقفز في بئرٍ جافةٍ، لكنه رأى من بعيد في قاع البئر تنيناً، قد فتح فكيه لافتراسه، فتمسك بغصن شجرةٍ، لكنه رأى جرذين أبيض وأسود، يدوران حول الغصن، ويقضمانه. فعرف أنّه لا محالة هالك. حالة بيير بيزوخوف غير طبيعية. فهو غني ومتعلم وذو صحةٍ جيدةٍ، ولكنه لا يعرفُ السعادة ويثير السخرية لأنّ زوجته خائنة، ولاتحبه، كلّ فلاح من فلاحيه سعيد أكثر منه. وحصل بيير على السعادة في نهاية المطاف، فتزوج من ناتاشا روستوفا. فاستحق بيير السعادة لقلبه الذهبي. فإذا كان زواج بيير من إيلين قد أدى به إلى التشاؤم فإنّ زواجه من ناتاشا روستوفا أنقذه منه وخلصه من الأفكار السوداوية. أمّا دولوخوف -أحد أبطال الرواية، الذي أصبح عشيقاً لإيلين زوجة بيير "فلعب في حياة بيير الدور نفسه، الذي لعبه أناتول في حياة أندريه بولكونسكي..." (86ص76) وعندما يقع بيير في الأسر، وتظهر جانبه ناتاشا روستوفا، وآنذاك كان المخلّص هو أفلاطون كاراتايوف، الذي ترك انطباعاً كبيراً على بيير ليس بكلماته وإنما بتصرفاته. وتم لقاء بيير بأفلاطون كاراتايوف عندما تحطّم إيمان بيير بعدالة النظام الذي يسود العالم، وباللّه، وتغلغلت أفكار أفلاطون كاراتايوف إلى أعماق قلب بيير ليس كنظريةٍ، كمنظومةٍ فكريةٍ، وإنّما كإحساس بالحياة المحيطة المفقودة المعقولة. أحب أفلاطون كاراتايوف الجميع وعاش الحبّ، وبقوة هذا الحب كان أفلاطون كاراتايوف يحس أنه جزء لا يتجزأ من العالم كلّه. كاراتايوف ابن الطبيعة العظيم. وعندما يموت فإنّما يرجع إلى حضن الطبيعة. ويرى غالاغان أنّ موقف تولستوي من شخصياته هو موقف أخلاقي (142 ص77) يحاول أن يظهر الأحداث من خلال تجربة الخير والشر ومن خلال القانون الأخلاقي. وهذا واضح في مخطوطات "الحرب والسلام" (1863-1869) ، فهذه الرواية يمكن فهمها على أنّها رواية أخلاقية، أكثر مما هي رواية تاريخية. ولعل نابليون بونابرت (1769-1821) هو الشخصية المروعة في الرواية، الذي أقدم على عدد لا يحصى من الجرائم، التي أدت إلى أن دخلت القوات الروسية إلى قلب بلده، إلى باريس. ويفهم الكاتب الاحتفالات الشعبية، والنصر على نابليون من وجهة نظرٍ فلسفيةٍ أخلاقيةٍ، أيّ انتصار العدالة على الظلم والشر في الحياة. وهزيمة نابليون هي هزيمة فلسفته في الحياة، فهو يقوم بدور الجلاّد، لكنه يحاول أن يقنع نفسه بأنّه يهدف إلى خير الشعوب. قائد الجيوش الروسية ما بين عام 1805-1812 الجنرال كوتوزوف (1745-1813) هو الشخصية المضادة لشخصية نابليون بونابرت بكلّ شيء. فلديه حس شعبي، ساعده على التعمق في مجريات الأحداث، وفهم مضمونها ونهايتها. ويبدي كوتوزوف حكمةً شعبيةً ويعتقد بأنّ الصبر والزمن شرطان ضروريان لتحقيق النصر، ولتجاوز الأزمة. يتصف كوتوزوف ببعض الصفات الشعبية العفوية. وتؤدي هذه الروح العفوية إلى البطولة الشعبية الإنسانية، التي حققها الناس العاديون البسطاء، وليس القادة، حتى ناتاشا روستوفا، التي لا تفكر بالقرارات التاريخية المصيرية، وإنّما تطيع إحساساتها العفوية الفطرية، تقوم بالمساعدة على نقل الجرحى من موسكو، وعملها هذا عمل تاريخي. ومثل هذه الأعمال البسيطة العفوية أدت في نهاية المطاف إلى النصر التاريخي على النابليونية. تتصف ناتاشا روستوفا بالصفات الشعبية البسيطة الطبيعية العفوية ولذلك يتعلق بها كلّ من الأمير أندريه بولكونسكي والكونت بيير بيزوخوف، الشخصية القريبة إلى قلب تولستوي فقد ظهر في بداية الرواية، واستمر حتى نهايتها، كأنه يرمز إلى الشعب الذي لن يموت. في الحادي عشر من نيسان عام 1908 أيّ عندما كان عمره أقل من عشرين عاماً يكتب ميخائيل نعيمه في يومياته التي نشر بعضها في الجزء الأول من سيرته الذاتية "سبعون" (1959) عن هذه الرواية أكثر من مرةٍ، لأنّه قرأها خلال فترةٍ طويلةٍ، لأنّ الرواية، كما هو معروف كبيرة الحجم، وتتضمن أفكاراً عميقةً، وتتحدث عن مصائر أوروبا في زمن نابليون بونابرت (1769-1821). 6ً-الماسونية في نظر تولستوي ونعيمه: عندما كان ميخائيل نعيمه يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، انتسب إلى محفل ماسوني لكنه توصل إلى الاستنتاج ذاته الذي توصل إليه بيير بيزوخوف في رواية "الحرب والسلام" وهو أن كثيراً من رجال السياسة والتجارة والقضاء والمحاماة يتخذون من المحافل الماسونية وسيلةً للوصول إلى مناصب حكوميةٍ رفيعةٍ، أو إلى أهدافٍ أنانيةٍ ضيقةٍ، لذلك أنهى ميخائيل نعيمه نشاطه في المحافل الماسونية، مع أنّه انتسب إليها، وتوصل إلى مركز رفيع فيها. (49 ص346) . في رواية "الحرب والسلام" (1863-1869) ينتسب بيير، بعد خلافه مع زوجته إيلين، إلى المحافل الماسونية، لاعتقاده بأنّ هدفها تخليص الذات، وفي نهاية المطاف تخليص الجنس البشري بكامله، ولكنّ بيير يئس بعد ذلك من المحافل الماسونية. وكذلك نعيمه تعلّق بها ويئس منها، أمّا تولستوي نفسه، فلم يرتبط بها أبداً في حياته. يتحدث تولستوي في روايته الخالدة عن التاريخ وعن الشعب والسلام والحرب، وكذلك عن الخير والشر، وأن الخير يولد الشر، والشر يولد الشر، ومن يصنع الشر يبتلي به. ومن حفر حفرةً لأخيه وقع فيها، ومن طبخ السّم بلعه. يمكن أن نجد هذه الأفكار في رواية "آنّا كارينينا" (1873-1877) . تبتدئ الرواية بالتصدير: لي النقمة، وسأجازى، قال الرب. ويعتبر هذا التصدير مفتاحاً لفهم الرواية. لا يحق للإنسان إدانة أخيه الإنسان. يحاكمنا جميعاً الخالق. من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. ليس لأنّ نظام المجتمع غير طبيعي وغير عادل فحسب، وإنما في أيّ نظامٍ اجتماعي لا يجوز إدانة بعضهم بعضاً، لأن ".... قوانين الروح الإنسانية مجهولة لايعرفها العلم، وغير محددة، ومحاطة بالأسرار، ولذلك لايوجد، ولا يمكن أن يوجد حكماء ولا قضاة، وإنما يوجد من يقول: لي النقمة وسأجازى". كتب فيدور دوستيفسكي (1821-1881) عن رواية "آنّا كارينينا" في يوميات كاتب في عام 1877. وفسّر ليف تولستوي نفسه اختياره للتصدير: (131 المجلد الحادي عشر ص210) "ليؤكد فكرة أنّ الشر الذي يقوم به الإنسان، يترك نتائجه وهي الآلام التي تقع على الإنسان، ليس من المجتمع ولا من الناس، وإنّما من اللّه. وهذا ما حدث مع آنّا كارينينا (153-498) . تتضّمن فلسفة ميخائيل نعيمه وليف تولستوي الأخلاقية فكرة عدم إدانة الناس بعضهم بعضاً، وبالعكس يجب على الناس مساعدة بعضهم بعضاً، ويجب على الإنسان أن يرغب الخير للآخرين مثلما يرغبه لنفسه. 7ً- التسامح عند تولستوي ونعيمه: ويكتب نعيمه في الفصل العاشر من كتابه "مرداد" (1947) : "لادينونة في فمي. بل في فمي فهم مقدس. فأنا ما جئت لأدين العالم، بل بالأحرى لأرفع عنه الدينونة. إذ أنّ الجهل وحده فخور بحبّه القضاء وولوع بشرح القانون وإنزال العقوبات بالناس. والجهل يدين ذاته بذاته. وليس أقسى من الجهل ديّاناً للجهل (61ص627) . "إنكم يوم تعرفون كل ما يعرفه الكون، تعدلون عن إصدار حكمكم على أيّ شيء في الكون. ويوم يصبح في إمكانكم أن تجمعوا العوالم، تحجمون من تلقاء أنفسكم عن أن تدينوا حتى الذين دأبهم التفرقة. وبدلاً من أن تدينوا الذين قضوا على أنفسهم بالموت، تسعون جهدكم لإنقاذهم من الدينونة" (61ص627) . ولقد قال السيّد المسيح في الإنجيل حول الدينونة "ما بالك تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينك؟.... كلّ ماتريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم بهم". ويرى ميخائيل نعيمه أنّ اللّه واحد، وأنّ قانونه واحد. ولا يحتاج الخالق إلى مساعدة الإنسان في تطبيق قانونه ومعاقبة من يخالفه. فما القاضي والمتهم إلا شركاء في كل شيء، ومع هذا أحدهما يحاكم الآخر، كما يحاكم الشريك شريكه. يحاكم الإنسان نفسه وتعود أفكاره وأعماله وأقواله إليه. فكما قطرة الماء تتبخر من المحيط وتعود إليه عن طريق الأنهار، كذلك يحدث مع أعمالنا، فهي تصدر عنا وتعود إلينا. فكلّ عمل شرير نقوم به، تعود نتائجه علينا، وكذلك كلّ عمل خير نقوم به تعود ثماره إلينا. ولكن الناس بسبب غبائهم يقسّمون العالم كلّه إلى "أنا" وليس "أنا" أو إلى "لي" وليس "لي"، يحافظ الإنسان على كلّ ماله، ويحاول زيادته، أمّا ماليس له، فيحاول إمّا تجاهله، لأنّه لا يخصه أو الإساءة إليه، أو ضمّه إلى ماله. علماً بأنّ هذا التقسيم غبي وليس صحيحاً. فلو سألوا الأرض: من ترغبين أن يعيش عليك؟ الإنسان أم الحيوان؟ "ابن الوطن أم الأجنبي؟ لقهقهت وضحكت وسخرت وأجابت بأنّ لافرق لديها بين هذا وذاك. وأنها تعطي خيراتها للجميع بلا تمييز، وهي لا تحتاج لمن يدافع عنها ويحميها. تطبّق الحياة قوانينها بنفسها، ولكن الإنسان أخذ على عاتقه الكثير فهو يكافئ ويعاقب، ولكنه في الحقيقة ماهو إلاّ أداة للمكافأة وللعقاب، وهذه الأداة تحت تصرف الإرادة الكلية أو اليد السرّية، وكما يقول نعيمه فإنّ الإنسان نسيّ تماماً هذه الحقائق فلذلك يكرر دائماً "أنا"، "أنا"، أبي، وجدي، وطني شعبي، ومن أجل تعليم الإنسان التواضع يرسل له اللّه المصائب والمرض والحروب والموت التي تصيب شخصاً واحداً، أو أسرةً واحدةً، أو شعباً بكامله أو مجموعة من الشعوب، وذلك عندما ينتشر الفساد. يخون أوبلونسكي زوجته في رواية "آنا كارينينا" أيّ أنّه يقوم بعملٍ شريرٍ، أيّ يخالف وصيةً من الوصايا العشر. "لا تزن" وبصورةٍ طبيعيةٍ، يولد من الشر الذي قام به أوبلونسكي شر آخر، أكبر من الشر الوالد، الشر الأصل، هذا قانون، كما أنّ اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة قانون أيضاً. ويختلف مع زوجته فتأتي أخته لتصلح بينهما، من بطرسبرج وتتعرف في موسكو في محطة القطار بفرونسكي. فأقدمت آنا على الخطيئة التي أقدم عليها قبلها أخوها أوبلونسكي، أيّ قامت بخيانة زوجها. وعاقبتها الحياة عقاباً أليماً، موتاً بطيئاً، ففي البدء خسرت ابنها، أيّ خسرت جزءاً منها. وبعد ذلك أقدمت على الانتحار، فرمت بنفسها تحت عجلات القطار. يصوّر تولستوي آنّا كارينينا بعد خيانة زوجها كما يصوّر امرأةً مقتولةً، ويصوّر فرونسكي كقاتلٍ. وبدأت مأساتها منذ خيانتها لزوجها، فبدأت تضايقها فكرة أنّها زوجة لرجلين في آنٍ واحدٍ. تحلم ناتاشا روستوفا في رواية "الحرب والسلام" (1863-1869) بأن تتزوج رجلين في آنٍ واحدٍ، وهما أناتولي كوراغين، والأمير أندريه بولكونسكي، فهي تحبهّما في وقتٍ واحدٍ. "لماذا لا يحدث هذا؟ -كانت تفكر أحياناً وكأنّها في غيبوبةٍ، آنذاك فقط أكون سعيدةً تماماً". (97ص345) . أما إيلين فلم تتألم أبداً من علاقتها بدولوخوف، وبعد ذلك بباريس دروبيتسكي. ولم تطرح على نفسها أبداً الأسئلة التالية: "تحبّ زوجها أم لا تحبّه؟ هل تحب دولوخوف أم باريس؟ لم تفكر إيلين بالّحب. واعتنقت المذهب الكاثوليكي لكي تتخلص من زوجها، وتتزوج أحد المقربين من القيصر المتقدمين في السن، وبعد موته تتزوج من أميرٍ أجنبي، لكنها لم تستطع تحقيق نواياها بسبب مرضها المفاجئ، وعرف سكان بطرسبرج كلهم، أنّ سبب مرض إيلين عدم إمكانية الحصول في وقتٍ واحدٍ على زوجين، علماً بأنّها لا تحب هذا ولا ذاك. وماتت إيلين بصورةٍ مفاجئةٍ. أراد أخوها أناتولي أيضاً الحصول على زوجتين في وقتٍ واحدٍ، فلقد كان متزوجاً سرّاً، عندما حاول اختطاف ناتاشا روستوفا. ولقد ساعدته أخته إيلين بالتقرب من ناتاشا روستوفا. لم يعرف أناتولي وإيلين تقريع الضمير، لكن الحياة لم تتركهما بلا عقاب. فلقد عاقبهما النظام الكوني، والإرادة الكلية. فلم يعرفا السعادة والهدوء والانسجام مع الذات. كان وضع آنّا كارينينا أقل صعوبةً من وضع ناتاشا روستوفا لأنّها لاتحبّ زوجها، وتحبّ عشيقها فرونسكي، ولذلك لم تراودها الأفكار التي راودت ناتاشا، ولم تتحسس أحاسيسها، ولكنها لم تكن زوجةً مخلصةً، كما كانت على سبيل المثال تاتيانا في (يفغيني أوينغن) (1823-1831) لبوشكين (1799-1837) ، هل أخطأت آنّا في اختيارها؟ أعطتها الحياة إجابةً عن هذا السؤال. ويؤكد تولستوي في روايتيه "آنّا كارينينا" و "الحرب والسلام" أنّنا نحبّ الناس الذين نقدّم لهم الخير، ونكره الذين نسبب لهم الشر، ويكرر تولستوي هذه الفكرة، مما يدلّ على اقتناعه بها. أيّ أنّ العمل يسبق الإحساس والشعور بالكراهية أو المحبة. إذا كانت آنا كارينينا حلت بسهولة المشكلة الأولى، وهي إمّا أن تختار الزوج الذي لاتحبه أو العشيق الذي تحبه، فاختارت الثاني، فقد اعترضتها المشكلة الثانية القاسية إمّا العشيق فرونسكي وإما ابنها. وبعد صراع طويلٍ ومرير، اختارت عشيقها بعد أن أنجبت منه طفلاً. وبعد أن يئست من الناس ومن الحياة قررت آنّا كارينينا الانتحار، لا لكي تعاقب نفسها، وإنما لكي تعاقب الآخرين، لأنّها كانت تنظر إلى الموت كخيرٍ وليس كشرٍ. ولقد انتظر ليفن النهاية ذاتها، فلقد فكّر طويلاً بالانتحار. "إنّ خطيئتي الكبرى هي الشك. إنني أشك في كلّ شيء. وأقضي أكثر أوقاتي في الشك... وأحياناً أشك في وجود اللّه (99ص706) يقول ليفن في الرواية المذكورة. ولقد أنقذ ليفن من الإقدام على الانتحار إيمانه العميق في حكمة تنظيم الكون، ومحبته للعمل. تتكرر فكرة الحض على الإيمان بعدالة الحياة في مؤلفات ميخائيل نعيمه. فيقول مرداد في كتاب "مرداد" (1947) : "اعتصموا بالإيمان، والإيمان يجترح المعجزة التي تتمنون. هكذا علمت نوحاً. وهكذا أعلمكم" (61ص762) . وفي مسرحية "الآباء والبنون" 1917 تتجاوز شهيدة -بطلة المسرحية، الشك في عدالة الكون، وتؤمن بكمال الحياة: "أمّا أنا فأتقبل علقمها بالشكر طمعاً بشهدها. وأشهى شهدها عندي أن أعمل وأن أقول مايجلب الراحة والسرور لغيري. ذلك هو سروري الأكبر" -تقول شهيدة في المسرحية المذكورة. (61 ص179) وترى شهيدة أنّ الحياة رائعة ومن لا ير روعتها، فليتأكد من سلامة رؤيته، وليست الحياة مذنبة. فنحن السبب وليست الحياة. فكلّ الأمراض والآلام والعذاب تمر في حياة شهيدة مرور الكرام لإيمانها بعدالة الحياة. يعرض بطل مسرحية تولستوي "ويضيء النور في الظلام" (1902) نيكولاي إيفانوفتش فكرةً مماثلةً لفكرة شهيدة في مسرحية "الآباء والبنون" يقول: "يجب أن نؤمن، الإيمان ضروري، لا يجوز أن نعيش بلا إيمان، ولكن لا نؤمن بما يقول الآخرون، وإنّما نؤمن بما تقنعنا به عقولنا... الإيمان باللّه، وفي الحياة الأبدية الحقيقية." (105ص130) . في رواية "آنا كارينينا" نرى أنّ آنّا تقدم على الانتحار، في حين ينقذ الإيمان ليفن من الانتحار. ويذكّرنا هذا الجانب في رواية "آنّا كارينينا" برواية فيدور دوستيفسكي "الجريمة والعقاب" 1866. كان ينتظر راسكولنيكوف المصير نفسه الذي انتظر سفيدر يغاليوف، الذي أقدم على الانتحار في الرواية المذكورة، ولقد أنقذ راسكولنيكوف من الانتحار بعثه الروحي، الذي ساعدته فيه سونيا بإيمانها بضرورة حمل صليب الفداء والآلام والتضحية من أجل الآخرين. 8ً-الإخلاص في الحياة الزوجية عند نعيمه وتولستوي: لقد آمن كلّ من ميخائيل نعيمه وليف تولستوي بوصية "لا تزن" لأنّ احترام هذه الوصية يعني احترام الأسرة، التي يشكل الإخلاص حجر الزاوية في بنائها، وإذا خالف الإنسان هذه الوصية فإنما يسيء لنفسه وللآخرين. كتب ليف تولستوي مؤلفاتٍ نقديةً وإبداعيةً كثيرةً في هذا الموضوع. ورأى ضرورة الحفاظ على العفة قبل الزواج وأثناءه. والهدف من الزواج برأيه إنجاب الأطفال الذي يخدمون اللّه والناس في المستقبل. تزوجت بطلة قصة "السعادة الأسرية" (1859) رجلاً أكبرمنها كثيراً. عدد سنوات عمره ضعف عدد سنوات عمرها. وعندما كانت في بلدٍ أجنبي، كادت أن تخون زوجها مع إيطالي اسمه ماركيز، لكنها لم تقدم على الخيانة، وبذلك أنقذت أسرتها، وأنقذت حياة الناس الآخرين، الذين ارتبطت حياتها بحياتهم. تذكّرنا قصة "السعادة الأسرية" (1859) بأمور كثيرة برواية "آنّا كارينينا" (1877)، التي صدرت بعد مرور ما يقارب العشرين عاماً على صدور قصة "السعادة الأسرية" فلقد تزوجت آنّا كارينينا إنساناً أكبر منها سناً بكثير، كما هي الحال في قصة "السعادة الأسرية" وكان عند بطلة القصة طفل واحد مثلما عند بطلة "آنّا كارينينا" طفل واحد، عندما تعرضت كلّ منهما لتجربة الخيانة الزوجية. في قصة "السعادة الأسرية" لم تحدث الخيانة، ولذلك سارت الحياة مسارها الطبيعي. وهذه الحالة الأولى من حالات الحياة الأسرية. وأما الحالة الثانية فهي فيما لو أقدمت بطلة قصة "السعادة الأسرية" على الخيانة الزوجية. ماذا كان سيحدث؟ ونجد الإجابة عن هذا السؤال في رواية "آنّا كارينينا". فلم تستطع آنّا كارينينا فهم قوانين الحياة الواضحة والمستقيمة مثل سكة الحديد، وقوانين الحياة رحيمة لمن يحافظ عليها ويصونها، وقاسية على الذين لا يصونونها. قضت آنّا كارينينا على حياتها وعلى حياة ابنها وابنتها، وعلى حياة زوجها كارينين، وبعد انتحارها التحق فرونسكي بالقطعات العسكرية المشاركة في الحرب متطوعاً، وكأنّه يقدم على الانتحار، وترك والدته تعاني الآلام والشقاء. أيّ أنّ موت آنّا كارينينا سبّب الآلام والأوجاع لكلّ الناس المحيطين بها، على قدر علاقتهم بها، وعلى قدر تسببهم في موتها. لأنّه لا توجد في الحياة تصرفات منعزلة. كلّ الأمور في الحياة متشابكة ومترابطة ولها علاقة بعضها ببعضها الآخر ولذلك فإن الجميع مسؤولون عن خطيئة آنّا كارينينا مثلما هي مسؤولة عن خطاياهم. ففي الحياة توجد علاقات سببية. فكل عملٍ هو نتيجة للأعمال التي سبقته وسبب للأعمال التي تليه. كانت علاقة كارينين بأسرته مثلما هو بوظيفته. وهذا أحد أسباب مأساة أسرته. لأنّ العقل والأخلاق ضروريان في الحياة الأسرية ولكنهما لا يكفيان فلا بدّ من القلب والحب. في قصة "موت إيفان إيليتش" (1886) نرى أنّ إيفان يشبه كارينين: "وكان يطلب من الحياة الأسرية فقط وسائل الراحة مثل الفراش والخدمة والحفاظ على الأخلاق العامة أمام المجتمع للحصول على احترام الآخرين" (102ص74-75) ونتيجة لنظرتي إيفان وكارينين إلى الحياة الأسرية الخاطئتين، لم يتوصلا إلى السعادة الأسرية، فلكي تتخلص آنّا كارينينا من خشونة معاملة كارينين لها، التجأت إلى الضابط فرونسكي، الأمر الذي انتهى بانتحارها، لأنّ آنّا ابتعدت عن خطيئة زوجها، فارتكبت خطيئةً، عقوبتها الموت. يقتل بوزنيشوف زوجته في قصة "لحن كريتسر" (1889) ومصدر شقاء هذه الأسرة أنّ بوزنيشوف لم يكن عفيفاً في حياته قبل الزواج، ولكنه لم يتوقع أبداً أنّه سيدفع ثمناً باهظاً بعد الزواج، وأنّ سلوكيته قبل الزواج ستترك آثارها ونتائجها. فكانت عواقب هذه السلوكية أنّه أصبح ظنيناً، ولم يثق بأحدٍ، في أيّ أمرٍ. وانتهى أمره بقتل زوجته، وأراد أن يقتل الموسيقي ويقدم على الانتحار. ونرى في قصة "الشيطان" التي كتبها تولستوي في العام نفسه، الذي كتب فيه قصة "لحن كريتسر" أيّ في عام 1889، جريمة قتل تمت بسبب الزنى. وتبدأ القصة بتصدير حول الإخلاص في الحياة الزوجية "سمعتم أنّه قيل، لا تزن. أمّا أنا فأقول لكم، إنّ كلّ من نظر إلى امرأة حتى ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه. فإن أعثرتك عينك اليمنى فاقلعها، وانتبذها عنك بعيداً، فإنّه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنّم، وإن أعثرتك يدك اليمنى فاقطعها، واطرحها عنك بعيداً، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يذهب جسدك كلّه إلى جهنم" (37). كان لبطل القصة علاقة قبل الزواج مع فلاحةٍ متزوجةٍ. وكان المجتمع يبرّر مثل هذه العلاقات، ولذلك فإن ارتينييف، لم يتحسس أيّ ذنب أو تقريع ضميرٍ. وكان يأمل ألا تترك هذه العلاقة عواقبها بعد الزواج، ولكنّ الأمور سارت بصورةٍ أخرى. فجرت الرياح بما لاتشتهي السفن، لأنّ كلّ أمرٍ يترك عواقبه وآثاره في نظر تولستوي. وكان ليف تولستوي قد كتب قبل ذلك بعامين مسرحية "سلطة الظلام" وأخذ التصدير لهذه المسرحية من الإنجيل حول تحريم الزنى. بطل هذه المسرحية نيكيتا عامل أغوى فتاةً، اسمها مارينا وبعد ذلك مارس الحب مع زوجة معلمه أنيسا، وأقدم على قتل زوجها بطرس، وبعد ذلك يقدم على قتل ابنه الطفل. لا يرتاح والده أكيم الذي يخاف اللّه، من تصرفات ابنه، ولذلك ينبّهه والده: "نيكيتا تستطيع إخفاء تصرفاتك عن الناس، ولكنك لن تستطيع إخفاءها عن اللّه. أنت نيكيتا لن تستطيع الكذب... " (102ص141). يرى الوالد المتقدم في السن أنّ ابنه يسير نحو الهلاك، لأنّ الخطيئة تجر الأخرى. ويقع الابن في الشبكة. ويتبين أنّ الوالد كان محقاً. فلم يستطع نيكيتا في نهاية المسرحية تحمل الخطيئة، فيعترف أمام الجميع بخطيئته. يتحدث تولستوي عن فساد العالم المعاصر في قصة "فرانسوازا"، التي كتبها في عام 1890 واقتبسها عن قصة الكاتب الفرنسي موباسان "المرفأ"، خلال مدة أربعة أعوام لم ير البحّار ديو كلو وطنه، وفي إحدى المرات ذهب إلى مقهى والتقى فتاةً وعرف فيما بعد أنّ هذه الفتاة أخته، وفهم بطل القصة سيليستين ديو كلو أنّ لهذه النساء أخوة مثله. كتب ليف تولستوي حول قصة موباسان: ".... تتصف القصة بقوةٍ هائلةٍ. فهي عميقة وذات تأثير أخلاقي." (118ص51). وأصدر تولستوي رواية "البعث" في عام 1899، وهي تبدأ بتصدير من الإنجيل، الذي يعبّر عن الفكرة الأساسية للرواية. مثله مثل التصدير لرواية "آنّا كارينينا"، يتضمن التصدير المعنى التالي: لا يحق للإنسان إدانة أخيه الإنسان، لأنّه من أجل ذلك يوجد قاضٍ أساسيّ وهو اللّه، لأنّ الناس كلهّم خاطئون وحتى القضاة خاطئون أمام المتهمين. لا يحق لنيخليودوف إدانة كاتيوشا ماسلوفا، لأنّها كانت ضحية جريمته. وشاء القدر أن يحاكمها نيخليودوف الذي أساء إليها، وهي أحق بمحاكمته منه بمحاكمتها، لأنّ كاتيوشا ماسلوفا لم تسيء إلى نيخليودوف أو لغيره، أمّا هو فقضى على حياتها. فهم نيلخيودوف هذا الأمر، وحاول مساعدة كاتيوشا ماسلوفا. نظر نيخليودوف إلى الزنى كوسيلةٍ للترفيه عن النفس، مثل بطل قصة "فرانسوازا"، لكنه فهم فيما بعد أنّ الزنى خطيئة عظيمة لابدّ من دفع ثمن عظيم للتكفير عنها. لا تختلف أفكار ميخائيل نعيمه حول هذا الموضوع عن أفكار ليف تولستوي، ويرى أنّ الإنسان يعاقب إذا نظر إلى امرأة واشتهاها، فيكتب في كتابه "سبعون" عام 1959 أنّه في إحدى المرات فقد محفظة نقوده، ويفهم هذه الحادثة بأنّها عقوبة من اللّه. سرقت المحفظة في الوقت الذي كان فيه ميخائيل ينظر إلى فتاةٍ قرويةٍ نظراتٍ جائعةً. كتب نعيمه في الجزء الأول من سيرته الذاتية "ألعل قدرةً أجهلها شاءت أن تقتص مني لذنب اقترفته فاتخذت من ذلك السارق أداةً لقصاصي؟ أجل. أجل. أما قال السَّيد المسيح: إنّ كلّ من ينظر إلى امرأةٍ لكي يشتهيها فقد زنى بها في قلبه. ألم أنظر مثل تلك النظرة إلى الفتاة القروية التي كانت واقفةً في الصف أمامي. سبحان من لايفوته علم شيء. والذي يجري العدل في كلّ شيء" (48ص245). وعندما كان يدرس ميخائيل نعيمه في السمنار الداخلي في بولتافا في روسيا، ذهب من أجل النزهة مع فتاة. وعندما بقي وإياها وحدهما، أحس بصراعٍ قاسٍ داخلي، لأنّ شرف هذه الفتاة أمانة في عنقه، ويمكن أن يبعث بها إلى طريق الدعارة، ويستطيع أن يحافظ على شرفها. وقرر الصمود حتى النهاية: "أنا ورفيقتي مستلقيان على الأعشاب الطرية. القمر يطل من بين الغيوم، ثمّ يغيب. إنّه يترصدنا. رفيقتي بجانبي تتململ. وأنا أدري مابها. لأنّ الذي بي مثل الذي بها. ولكنّ في داخلي صراعاً عنيفاً: أمامك تجربة قاسية -بل معركة ضارية- ياميشيا. فهل تنتصر؟ أم هل تستسلم. بل عليك أن تبرهن لنفسك أنّك أقوى من التجربة. فشرفك أمانة في عنقك. وهذه الفتاة أمانة بين يديك... وقر رأيي على الصمود حتى النهاية". (48ص192-193). أحبّ ميخائيل نعيمه فيما بعد أخت صديقه في السمنار واسمها ماريا، وكانت متزوجةً. ويعترف الكاتب بهذه الخطيئة للقارئ كما يعترف الخاطئ للكاهن. ميخائيل نعيمه مثله مثل تولتسوي لايريد أن يخفي شيئاً من سيرة حياته. لأنّ الناس لا يستطيعون محاكمته، فإن اللّه- يحاكم الجميع، وعن اللّه لا نستطيع إخفاء أيّة حقيقة. قال ليف تولستوي لبيريوكوف في آب عام 1910: "أنت تكتب عني فقط الأشياء الإيجابية. هذا غير صحيح وغير كامل. يجب كتابة الأشياء السيئة. كانت حياتي في الشباب سيئةً جداً. وحادثتان من حياتي تؤلماني خصوصاً. إنني أخبرك لأنك تكتب سيرة حياتي. وأرجوك أن تسجلهما في سيرة حياتي. هاتان الحادثتان هما: العلاقة مع الفلاحة من قريتي وقبل زواجي...، والحادثة الثانية التي أقدمت عليها هي علاقتي مع الخادمة غاشيا التي كانت تعيش مع عمتي، وكانت بريئةً، ولقد أغويتها، ولذلك طردتها عمتي من بيتها، وسببت لها الهلاك. (91ص317). يكتب ميخائيل نعيمة في الجزء الثاني من كتاب "سبعون" 1960 عن علاقته مع بيلا، إذ كتب عنها قصائد كثيرةً، وتألم لآلام زوجها، فكانت سعادة ميخائيل نعيمه مبنية على آلام زوج بيلا. أمّا بعد عودته من أمريكا إلى لبنان، فقرر ميخائيل نعيمه الابتعاد عن النساء، ولذلك لم يتزوج. ينتقد ميخائيل نعيمه في كتابه "جبران خليل جبران" (1934) علاقة جبران المتحررة مع النساء. ويرى أنّ جبران نحر حبه بنفسه وبشهواته. فالحبّ نفس سماوي. وأمّا الشهوات فهي من التراب وإلى التراب. انتقد الكاتب أمين الريحاني كتاب ميخائيل نعيمه المذكور لصراحته فيه. ولفضحه أسرار جبران، وبخاصة علاقة جبران مع النساء. فكتب رسالة إلى ميخائيل نعيمه، نشرها في جريدة "البلاد" دافع فيها عن جبران. واتهم نعيمه بالأنانية، التي تنخر مثل السوس في شجرة أدبه. ورد نعيمه على الريحاني برسالةٍ مفتوحةٍ، نشرها في الجريدة المذكورة يرى نعيمه في هذه الرسالة أنّه لا يخاف الناس وإنّما يخاف اللّه، واللّه عليم بكلّ شيء، ولا ضرورة لإخفاء شيء عنه. لا يحبّ ميخائيل نعيمه إخفاء الحقائق عن القرّاء. فتحدث عن كلّ شيء في كتابه "سبعون"، حيث كتب بصراحةٍ تامةٍ عن نفسه. ولذلك لا عجب إذا كتب بصراحةٍ عن صديقه جبران خليل جبران. فيتلخص مبدأه في مخافة اللّه، وعدم مخافة الناس، ومخافة الشهوات، لكي لا تستطيع القضاء على طموحات الروح الإنسانية في بلوغ الهدف السامي من وجود الإنسان على الأرض، ولأنّ هذه الشهوات لا تستحق أن يكرّس الإنسان حياته من أجلها. وفي الوقت ذاته لايحق للإنسان إدانة أخيه الإنسان، الذي يقع في الخطيئة، لأنّ الحياة تدينه، ولقد علمنا السيد المسيح التسامح: "وجاء الكتبة والفريسيون بامرأة بوغتت في زنى، وألقوها في الوسط، وقالوا له: "يا معلم، إنّ هذه المرأة قد أخذت في فعل الزنى؛ وقد أوصانا موسى في الناموس أن ترجم أمثال هذه المرأة، فأنت ماذا تقول؟ " قالوا هذا ليجربوه، انتصب، وقال لهم: "من منكم بلا خطيئةٍ فليبدأ ويرمها بحجر" ثم أكب أيضاً يخط على الأرض. فلمّا سمعوا طفقوا يخرجون واحداً فواحداً، ابتداءً من الشّيوخ، وبقي هو وحده، والمرأة قائمة في الوسط. فانتصب يسوع، وقال لها: "ياامرأة، أين هم؟ ألم يحكم عليك أحد؟ قالت: "لا أحد، ياسيدي". فقال يسوع: "ولا أنا أحكم عليك؟ اذهبي ولاتعودي إلى الخطيئة من بعد" (73ص194). لم يرجم أحد المرأة الخاطئة بحجرٍ، ليس لأنّ كلّهم كانوا خطاة، وإنّما لأنّ المجتمع بكامله مسؤول عن خطيئة هذه المرأة، لأنّه أدى إلى سقوط المرأة، وبعد ذلك يحاول محاكمتها. فلا يحق له محاكمة من كان سبباً في خطيئته. فكل من يعش في مجتمع الخطيئة فهو خاطئ، وحتى لو لم يقترف إثماً. فبذلك فإنّ السيد المسيح يرى أنّ المجتمع مسؤول عن الفرد مثلما الفرد مسؤول عن مجتمعه. يرى تولستوي أنّ تطبيق وصايا السيّد المسيح شيء جميل، ولكه يرى أيضاً ضرورة الابتعاد عن المجتمع البورجوازي، ويستند بذلك أيضاً على الإنجيل فلنتذكر قصة السيّد المسيح مع الشاب الغني، الذي جاء إلى السيد المسيح وسأله ما العمل لكي يستطيع دخول ملكوت السماء، بعد أن حافظ على الوصايا العشر، فأجابه السيد المسيح بأنّ عليه توزيع ممتلكاته على الفقراء، وحمل الصليب والسير وراء المسيح، لأنه أسهل أن يدخل جمل من ثقب الإبرة من أن يدخل غني ملكوت السموات. ظهرت هذه الأفكار عند تولستوي بصورةٍ أساسيةٍ بعد أن كتب رواية "آنّا كارينينا"، وبدأ يكتب "الاعتراف" ورافقته إلى آخر أيام حياته. فلقد كتب تولستوي في عام 1906 عن هذا الانقلاب الذي طرأ على أدبه: "لقد شعرت بوحشية الناس وفزعت منها منذ خمسة وعشرين عاماً، عندما جرى في أعماقي هذا الانقلاب، الذي بيّن لي معنى الحياة الإنسانية الحقيقية وهدفها. واتضح لي أنّ حياتنا، أيّ حياة الطبقات الغنية، فارغة المضمون، لابل هي بحد ذاتها جريمة بحق أخوتنا من الطبقات الأخرى لأنّها مبنية على أوجاعهم وعلى آلامهم (116ص75-76). كتب ليف تولستوي في عام 1879-1880 "اعترافه" الشهير، لكنه لم يعلم أنّ هذا المؤلف سيرى النور مباشرةً، لكنه رأى أنّ هذا المؤلف سينشر يوماً ما لأنّه يتضمن أفكاراً صحيحةً. ويكتب تولستوي في "اعترافه" أنّه لم يستطع أن يعرف معنى الحياة في طبقته، لأنّ حياة طبقته شبيهة بالحياة وليست حياةً. فهذه الطبقة قليلة العدد وشاذة، ولذلك توجه تولستوي إلى الشعب الكادح، الذي كان يفهم، أنّ معنى الحياة هو تطبيق إرادة اللّه، لأننا جئنا إلى هذا الكون بإرادته. ولقد خلق اللّه الإنسان خلقاً يجعله يستطيع أن يخلص نفسه. ويستطيع أن يهلكها، أيّ أنّ اللّه ترك للإنسان حق الاختيار. فرسالة الإنسان في هذه الحياة تتلخص بإنقاذ روحه، ولذلك يجب عليه أن يعيش بمخافة اللّه، أيّ يجب عليه أن يعمل ويصبر ويتواضع ويرحم الآخرين. تثير الانتباه نهاية "الاعتراف" حيث يتحدث تولستوي عن حلم وجد نفسه على حافة منحدرٍ، فنظر إلى الأسفل وخاف من السقوط. ونظر آنذاك إلى الأعلى ورأى السماء الكبيرة اللامتناهية. وجذبته السماء بعظمتها، وزال الخوف. وأكد تولستوي أنّه رأى هذا الحلم، ولم يتخيله. فلقد سأله ن.ن. غوسيف في عام 1908: هل رأى أحلاماً مهمةً؟ وذكّره بالحلم الذي يصوّره في "الاعتراف" فأجاب تولستوي بحيويةٍ" نعم لقد رأيت هذا الحلم، ولم أصوره من خيالي (145ص86). أمّا في كتابه "بما أومن؟" الذي كتبه في عام 1884، فيلخص تولستوي مضمون الوصايا الإنجيلية الخمس، أو القواعد التي تتضمن جوهر الدين المسيحي، كما فهمه. الوصية الأولى: "عش في العالم مع كلّ الناس. ولاتظن غضبك على الناس عادلاً أبداً، ولا تعتبر أيّ إنسان ضائعاً أو مجنوناً، مهما كان، واعتبر غضبك على الآخرين ظلماً، وغضب الآخرين عليك عادلاً" (100ص351). وتحرم الوصية الثانية ليس الزنى فحسب، بل النظر إلى المرأة نظراتٍ شهوانيةٍ. أما الوصية الثالثة فتتلخص بعدم جواز تأدية القسم مهما كانت الأسباب، لأنّ القسم يتناقض مع العقل، ويعني التخلي عن العقل. وتتخلص الوصية الرابعة بعدم مقاومة الشر بالشر، وبعدم مقاومة العنف بالعنف. أيّ يجب مقاومة الشر بكل الوسائل ماعدا الوسائل الشريرة. أمّا العنف أيضاً فيجب مقاومته لكن ليس بالعنف. أمّا الوصية الخامسة فتنص على عدم التفرقة بين شعبٍ وآخر ومعاملة الناس الغرباء مثل الأقرباء ومعاملة الآخرين كما تحب أن يعاملك الآخرون. ويرى الكاتب الروسي أنّ الناس يستطيعون بناء مملكة اللّه على الأرض، فيما لو طبقوا الوصايا الخمس المذكورة. ويبلور تولستوي مبادئ نظراته الإنسانية بمايلي: الحياة من أجل الذات أنانية، وغبية. وحياة الإنسان في الحاضر متصلة بحياته الماضية والمقبلة، وهي صلة وصل بينهما، ولذلك فالإنسان في الحاضر يتمتع بالخيرات التي تركها له أسلافه، ويجب أن يترك خيرات للناس الذين سيعيشون بعده. 9ً-نظرة تولستوي ونعيمه إلى الثروات المادية: يؤمن تولستوي بصورةٍ أكيدةٍ بأنّ الغنى لا يجلب السعادة ويرى أنّ المسيحي المثالي يجب أن يعيش حياةً فقيرةً: "تلميذ المسيح يجب أن يكون فقيراً.. يجب أن يكون فقيراً ومتشرداً.. بهذا بالذات علّمنا السيّد المسيح، وبدون هذا لا يمكن الدخول إلى ملكوت السماوات. وبدون هذا لا يمكن أن نكون سعداء هنا على الأرض" (100ص426-427). ويؤمن تولستوي بالتخلي عن الملكية الخاصة، وبضرورة العمل، لأنّ الناس العاطلين لا معنى لحياتهم، والآخرون بغنى عن حياتهم، حتى هم بغنى عن أنفسهم. كتب تولستوي مؤلفه "بما أومن؟" بحماسةٍ كبيرةٍ، وكنا نتحسس في كلّ سطرٍ إيماناً ثابتاً بالفكر الذي يدعو الناس إليه. لاحظ ب.ي. بيريوكوف: "أنّ هذا المؤلف أقوى عملٍ فلسفي لتولستوي من بين أعمال تولستوي الدينية" (90ص216). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |