المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الباب الأول

المرأة والحياة الاجتماعية في الشعر الأموي

أ-الأم:

حافظت المرأة على سمو مكانتها وموقعها في المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي، الذي شهد شهرة بعض النساء اللواتي كان شأنهن عظيماً، وليس ذلك في رأي أحد الباحثين لعلو منزلة المرأة على الإجمال، بل الفضل فيه، كما يرى الباحث -للأمومة، فلم تكن المرأة تبلغ منزلة العلو والرفعة إلا حين تصبح زوجاً أو أماً، وكانت العرب لا تعلي المرأة إلا أن تكون أماً، ويؤيد رأيه بالقول: "ولم يكن ذلك خاصاً بحال المرأة عند العرب، فقد كان هذا شأنها أيضاً عند اليونان لأنهم كانوا يعدون المرأة أمة يحجبونها قبل الزواج وبعده، وتشتغل بأشغال البيت كالحياكة والغزل وتمريض المرضى، وكذلك كان يفعل الفرس ببناتهم، فإذا صارت المرأة أماً علت منزلتها وصار إليها الأمر والنهي في بيتها ولا يزال دأب أهل البادية إلى اليوم ونشأت عن ذلك عصبية الخؤولة عند العرب، وهي نصرة عشيرة الأم لأولادها"[1]).

وهو كلام غير دقيق، ففي المحبر لابن حبيب حديث عن نساء جاهليات كان شأنهن عظيماً يتمتعن بإرادة حازمة، وكان فيهن من تملك حق الطلاق في بعض الحالات مثل أم خارجة وسلمى بنت عمرو النجارية وغيرهما من اللواتي كن يتزوجن وأمرهن بيدهن، فإذا لم يرضين الزوج حولن باب الخباء،
أو امتنعن عن تقديم الطعام للزوج إشعاراً بطلاقه.[2]).

ولكن شأن المرأة يعلو بعد أمومتها دون شك. وبلغ من شأن المرأة أن القبيلة كانت تسمى باسم الأم: كبجيلة أو بلقبها كخندف، وربما نسبت إلى الحاضنة كقبيلة باهلة[3]) ومما يدل على قوة المرأة ودورها وعظيم شأنها ما يروى عن رسول الله ص عندما كان يقول لقريش: أرأيتم إن قتلت أم قرفة، "وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان" أتؤمنون؟ فيقولون: أيكون ذلك؟ فلما قتلها زيد بن حارثة، أمر رسول الله ص برأسها فدير به في المدينة ليعلم قتلها. وكان زوجها مالك بن حذيفة فولدت له ثلاثة عشر رجلاً كلهم قد علق سيف رياسة، وكانت منيعة تؤلب على رسول الله ص وكان الاختلاف يكون بين غطفان فتبعث بخمارها فينصب بينهم فيصطلحون"[4]). ولم يكن شأن هند أم معاوية مؤسس الدولة الأموية أقل من شأن هؤلاء الجاهليات، فكانت تتمتع بشخصية قوية وتعبر عن مواقفها من الحياة وأحداثها بجرأة وشجاعة، واشتهرت بمقاومة الإسلام والدعوة إلى قتال المسلمين[5]) كما اشتهرت عائشة بنت طلحة التي كانت زوجة لمصعب بن الزبير وكانت منزلتها عنده كبيرة ويروى "أن نساء العراق يقصدنها طالبات وساطتها عند مصعب ليعفي أزواجهن من بعض ما عليهم من الضرائب"[6]) وبرزت أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي كان يستشيرها في أمور الدولة[7]) وكما كانت المرأة في قلب الحياة كانت كذلك في قلب الشعر، فالأم مصدر الحياة بالنسبة للإنسانية جمعاء، بحملها وإرضاعها ورعايتها للطفولة، والحرص على التنشئة السليمة القويمة، وكانت تغرس في نفوس أبنائها قيم الخير والمحبة والصدق والشجاعة، فينمو الطفل على ما أخذه من والدته خاصة لأنه أكثر التصاقاً بها، يمضي جل وقته برفقتها، بسبب عمل الأب خارج البيت.

وكثيراً ما انعكست صورة المرأة -الأم- في الشعر العربي، ففي لوحة مالك بن الريب النفسية الرائعة، تجسيد لوضع الإناث في الأسرة: الأم والزوج والبنت، وبيان للارتباط العاطفي الكبير الذي يشعر به المرء تجاه هذه الأقطاب في الأسرة، ربما لأن الأم أو المرأة عامة، حاضنة العاطفة والحياة، ومخزن الحب والحنان، فكان تذكره لهن وهو في موضعه ذاك يرثي نفسه يعد مشهداً للعواطف الإنسانية الكبرى وبياناً لحب الأم خاصة لأبنائها وحرصها على توفير الرعاية والحنان لهم، إنه يحدد هؤلاء النسوة اللواتي يعز عليهن ما يشعر به من الألم والوحدة والأسى وذلك عندما قال:

عزيزٌ عليهنَّ العَشيّةَ مابيا

 

ولكنْ بأكنافِ السّمينةِ نسوةٌ

كما كنتُ لو عالَوا نَعيَّكِ باكيا

 

فيا ليت شعري هل بكتْ أمُّ مالكٍ

على الرمسِ أُسْقيتِ السّحابَ الغواديا[8])

 

إذا متُّ فاعتادي القبورَ وسلِّمي

هل يمكن القول: إن مالك بن الريب لخص في هذه الأبيات وظيفة الأم في الحياة والأسرة التي تتمثل في تناول الحب والحزن، مع ملاحظة أن هذا الحزن مستمر إذ هي ستعتاد القبور وتصبح زيارتها واجباً كما لو أنها تزور فراش وليدها وتطمئن عليه.

ويلتقط إحساس ابن قيس الرقيات هذه الصورة لأم تحنو على ولدها وتلاعبه وتحاول أن تسكته بحركاتها اللطيفة، فتعلق عليه الخرز والودع وبعض التمائم لتقيه شر الحسد والعيون حرصاً على سلامة وليدها من بعض العادات والأفكار السائدة:

والطّوقِ والخرزاتِ والجَزْعِ

 

حُيِّيتِ عنا أمَّ ذي الوَدْعِ

صَلتِ الجبينِ لسادةٍ صُلْعِ

 

تحنو على طفلٍ تُلاعِبُهُ

وعليهِ منها مائلُ الفَرْعِ[9])

 

يبكي فَتُسِكتُه ببردَتِها

ومما يلفت النظر حرص الشعراء على مناداة زوجاتهم أو تسميتهن أم فلان، فما أكثر ما ترددت هذه الصيغة في أشعارهم، فكأنما كانوا يتلذذون بها ويستمتعون لما يستشعرونه فيها من فيض العاطفة وصدق الإحساس، وهي صيغة تتشابك فيها وتتداخل مشاعر الأبوة والأمومة والزوجية، وتحيل على صلة رحم واشجة رعاها الإسلام وعمرها بالتراحم والود والتعاطف. بيد أننا ينبغي أن نحترس فلا نظن أن كل من استخدم هذه الصيغة أو هذا النداء كان يتحدث عن زوجه، فربما كان يكني -لسبب أو لآخر- بهذه الصيغة عن حبيبته.

ولكن مثل هذا المسلك لا ينفي عن هذه الصيغة عاطفيتها، ولا يجردها من حيويتها وبهائها لأن هؤلاء الشعراء يخاطبون محبوباتهم بأقرب الصيغ إلى نفوسهن، بل بأقربها إلى الذوق العربي السائد. فنسمع المتوكل الليثي يقول:

يَبيتُ كأنما اغتبقَ المداما[10])

 

إذا ذُكِرَتْ لقلبِكَ أمُّ بكرٍ

ويسميّها أم أبان:

فإنَّ الهوى والهمَّ أمُّ أبانِ[11])

 

خليليَّ عوجا اليومَ وانتظراني

وهي أم الصبيين:

حَبْلي لأهلِ النّدى والوصلِ ممدودُ[12])

 

أمَّ الصبيينِ دومي إننّي رجلٌ

وهي في شعر العجير السلولي أم صبية أيضاً:

أريكةُ منها مَسكَنٌ فهروبُ[13])

 

وما القلبُ أمْ ما ذِكرُهُ أمَّ صبية

ويناديها أم مالك:

إذا ما أتانيْ بينَ قِدْري ومجزِري[14])

 

سَلي الطارقَ المعتّر يا أمّ مالكٍ

ومرة أم خالد:

على مالِها أُغرِقتَ دَيناً فأَقصر[15])

 

تقولُ وقد غالبتُها أمّ خالدِ

ويحرص عمرو بن لجأ التميمي على مناداة الأم أيضاً بأسماء أبنائها، فهي مرة أم بدر:

لتطردَ عنكَ حِلمَكَ حين ثابا[16])

 

تصدَّتْ بعد شَيبكَ أمُّ بدرٍ

ومرة أخرى أم بهدل:

من الموئسِ النائي المودَّةِ آيسُ[17])

 

فهل أنتَ بعدَ الصَرِم من أمِ بَهْدَلٍ

وهي عند يزيد بن الطثرية أم شنبل:

إذا الكحلُ في جفنيهما جالَ جائِلُه[18])

 

ألا حبذا عيناك يا أمَّ شنبل

وأكثر الشعراء كذلك من تشبيه المرأة بالظبية الأم لأنها تبدو أكثر حناناً وجمالاً ورقة:

تحنو على خِشفِ لها وتَعطَّفُ[19])

 

وكأنما نظرتْ بِعَيْنَيْ ظبيةٍ

وتبدو صفحة الأمهات في ديوان المداحين نقية بيضاء، ولا سيما أمهات الخلفاء والحكام ورجال السياسة، فقد اتخذ هؤلاء الشعراء من صفاتهن الأخلاقية كالتدين والشرف والحصانة، ومن أحسابهن وأنسابهن مادة شعرية خصبة. ففي مدائح جرير لعمر بن عبد العزيز بن مروان يكرر ذكر والدته مراراً:

على ثقةٍ أزورُكَ واعتمادا[20])

 

إليكَ رحلتُ يا عمرُ بنُ ليلى

ويقول فيها:

جواداً سابقاً ورثَ الجيادا

 

عليكم ذا الندى عمرُ بن ليلى

ومروانَ الذي رَفَعَ العمادا

 

إلى الفاروقِ ينتسب ابنُ ليلى

وتكفي الممحِلَ السّنَة الجمادا

 

وتبني المجدَ يا عمرُ بن ليلى

وحسبنا أن نعرف أن من أبرز وظائف التكرار اللغوي -ولا سيما تكرار اسم العلم -بيان الأهمية وتوكيد المعنى وتقوية الإحساس به.

وفي مدح جرير لعبد العزيز بن مروان يذكر أمه وكرم محتدها ومكانتها حتى يوشك الحديث عنها أن يكون قسيماً للحديث عن ابنها، يقول:

لليلةِ بَدْرِ كان ميقاتُها قَدْرا

 

سَمَتْ بكَ خيرُ الوالدتِ فقابلَتْ

لهُ حَسبٌ عالٍ وَمَنْ ينكرُ الفجرا

 

فجاءَتْ بنورٍ يُستضاءُ بوجهِهِ

جَعَلْتَ الرَماحَ الخاطراتِ لها مَهرا[21])

 

ومنسوبةٍ بيضاءَ في صُلبِ قومِها

وفي مدحه لهشام بن عبد الملك يمضي على سنته السابقة، ويزيد فيذكر صفة مستملحة في النساء عند العرب -وعند غيرهم أيضاً- هي الإكثار من الولد، ويقرن هذه الصفة بصفة دينية رفيعة الشأن، يقول:

وعائشةُ المباركةُ الولودُ[22])

 

بنى مروانُ بيتَكَ في المعالي

وعندما مدح الأخطل الوليد بن عبد الملك مدحه بجداته جميعهن مشيراً إلى حسبهن ورفعتهن وعراقة أسرهن وأصولهن:

نَمَتْهُ إلى خيرِ الفروعِ مَضارِبُهْ

 

وإنْ أَتعرَّضْ للوليدِ فإنَهُ

فنعمَ -لعَمَرْي- الجالباتُ جَوالبُه[23])

 

نساءُ بني كعبٍ وعبسٍ وَلَدْنَهُ

وكان عبد العزيز بن مروان قال لا أعطي شاعراً حتى يذكر والدتي في مدحه لشرفها[24]) فخاطبه الشاعر نصيب ونسبه إلى أمه قائلاً:

أناساً ينظرونَ متى أؤوبُ[25])

 

وإنَّ وراءَ ظهريَ يا بنَ ليلى

ويقول فيها أيضاً:

ويفعلُ فوقَ أَحسنِ ما يقولُ[26])

 

يقولُ فَيُحِسنُ القولَ ابنُ ليلى

ومدح الكميت عبد الملك بن مروان، فذكر والدته ووصفها بالعفّة، ثم ثنّى بذكر ما أورثته من الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة:

حَسَباً ثاقباً ووجهاً نَضيرا

 

أورثَتْهُ الحَصَانُ أمُّ هشامٍ

رَله رقيباً نظيرا[27])

 

وتعاطى به ابنُ عائشة البد

وقال فيه أيضاً مشيراً إلى عراقة والدته وجداته وحسبهن الشريف:

عقائلُ ما إنْ مثلُهنَّ عقائل[28])

 

لقد جَمَعَتْ بيني وبينكَ نسوةٌ

كما مدح النابغة الشيباني يزيد بن عبد الملك بأمه، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأكد حسبها وكرم أهلها وعراقتهم، وذكر أنه سليل الرفعة والنسب الكريم:

نَمَوْكَ وفي عَداوتِهمْ إباءُ

 

وأنتَ ابنُ الخلائفِ من قريش

وحَرْباً فالكرامُ لها حواءُ[29])

 

وعاتكةَ التي ورِثتْ كريزاً

ومدحه أيضاً بقصيدة أخرى تتكرر فيها المعاني ذاتها تقريباً عندما قال:

أمِّ الملوكِ بني الغرِّ المناجيبِ[30])

 

أنتَ ابنُ عاتكةَ الميمونِ طائرُها

ولم يقتصر المدح بالأم على الخلفاء وحسب وإنما امتد ليشمل طبقات مختلفة من المجتمع، فعندما مدح عبيد الله بن قيس الرقيات طلحة الطلحات أشار إلى والدته وذكر رفعة قومها وحسبها وأخلاقها:

حَةَ أكرمْ بهنَّ من أُمّهاتِ[31])

 

ولَدَتْهُ نساءُ آلِ أبي طلْـ

وقد فخر الأولاد أيضاً بأمهاتهم، واعتزوا بكرامتهن وحصانتهن وعراقة أصولهن، فقد ورد في الطبري "أن عتبة وعنبسة ابني أبي سفيان قد تنازعا، وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبي أزيهر الدروسي، فأغلظ معاوية لعنبسة، وقال عنبسة: وأنت أيضاً يا أمير المؤمنين، فقال: يا عنبسة إن عتبة ابن هند،!! فقال عنبسة:

قديماً فأمسَتْ فَرّقَتْ بيننا هندُ

 

كنا بخير صالحاً ذاتُ بيننا

لبيضاءَ يَنميها غَطارِفةٌ نُجْدُ

 

فإنْ تَكُ هندٌ لم تَلِدْني فإنني

ومأوى ضعافٍ لا تنوءُ من الجهدِ[32])

 

أبوها أبو الأضيافِ في كلِّ شتوةٍ

إنه يعّرض بهند ويشير إلى عراقة والدته وعز أهلها وكرمهم.

وعلى نحو ما كانت الأمهات مادة شعرية بأيدي المداحين من الشعراء كن مادة شعرية بأيدي غيرهم من الغزلين. ولم تحل هيبة الحكام والأمراء دون ذلك، فقد مضى هؤلاء الشعراء يتعرضون لأمهاتهم ويتغزلون بهن فيما عرف في تاريخ الأدب العربي باسم "الغزل الكيدي" أو الغزل السياسي"، على نحو ما صنع عبد الرحمن بن حسان حين شبب برملة بنت معاوية، أو ما صنع العرجي عندما تغزل بأم الأمير محمد بن هشام المخزومي وقال:

إنَّكِ إنْ لم تَفْعلي تَحْرَجي

 

عُوجي علينا ربَّةَ الهودجِ

بَيْنِ حبيبٍ قولُهُ عَرِّجِ

 

أَيْسرُ ما نالَ مُحِبٌ لدى

هَلْ ليَ ممّا بيَ مِنْ مخرجِ

 

تُفْضَ إليه حاجةٌ أو يقُلْ

وَجْدُ فؤادِ الهائمِ المُنضَجِ

 

من حُبِّكم بِنتُمْ ولم يَنْصَرمْ

أنْ تَسْمَعَ القوَل ولم تُعْنج

 

فعاجتِ الدّهماءُ بي خيفةً

نحوي بِعَيْنَيْ شادنٍ أدْعَجِ

 

فما استطاعَتْ غيرَ أن أومأتْ

تحنو عليهِ رائمٌ عَوْهِج[33])

 

يأَوي إلى أَدماءَ من حُبِّهِ

أما في الهجاء فكانت الأم وما ترمز إليه من معاني الشرف والكرامة والحصانة والرفعة مجالاً خصباً أمام الشعراء لتحويل كل المعاني السابقة إلى أفكار الرذيلة والشر والقبح وكل ما يسيء،ولا سيما في شعر النقائض وكثر الهجاء بعبوديتها وخدمتها بين الشعراء، وكان عمل الأم دليل فقرها وامتهانها، فنجد الفرزدق يعيّر بالأم التي تعمل حلابة، لأن الحلب من عمل الرجل.

ويعد عمل المرأة ولا سيما حلبها الماشية عاراً ومنقصة حتى في أصغر القبائل وأفقرها وأشدّها تبدّياً يقول:

نُميريَّةٍ حَلاّبةٍ في المعالقِ[34])

 

ولكنَّهُ من نَسْلِ سوداءَ جَعْدةٍ

ويعير جريراً بأن أمه راعية:

إلى أن علاها الشيبُ فوقَ الذوائبِ[35])

 

لسؤبانَ أغنامٌ رعتهنَّ أُمُهُ

وكذلك فعل جرير عندما عيّر الأخطل بأمه:

قَدِ اُخضرَّ من أكلِ الخنابِيصِ نابُها[36])

 

أَيفخرُ عبدٌ أُمُّهُ تَغلِبيَّةٌ

وهو ما فعله أيضاً عمرو بن لجأ التميمي عندما علق بشباك الهجاء مع جرير فألصق بأمه أبشع الصفات، على عادة شعراء النقائض وسخر من أوصافها الجسدية والأخلاقية ونفى عنها أن تلد الكرام:

ماءٌ يفصلُ آمياً وعبيدا

 

يا بنَ المراغةِ إنَّ حَمْلَ نسائكم

نكحتْ أزلَّ من الفحولِ عتودا

 

علقتْ بهِ أرحامُ يَرْبوعيةٍ

من قبلِ ذلك للكرامِ وَلودا[37])

 

غذويةٌ رضعاءُ لم تكُ أُمّها

وكان عقوق الوالدين سبة كبيرة، وترك الأم وعدم حمايتها عاراً على كل من يقوم به.

وقد استغل الشاعر يزيد بن مفرّغ الحميري في هجائه لعبيد الله بن زياد هذه الفكرة، وأظهر عقوق عبيد الله لأمه التي كانت جارية تدعى مرجانة:

دَعَتْهُ فولاها اسْتَهُ وَهْوَ يَهربُ

 

أقَرّ بعيني أنّهُ عَقّ أُمّهُ

كما كنتِ أو موتى فذلك أقربُ[38])

 

وقالَ عليكِ الصبرَ كوني سَبيّةً

أبنْ لي وَخَبّرْني إلى أين أذهب[39])

 

وقد هتفت هندٌ بماذا أمرتني

ويعرّض الشاعر أيضاً بأم عباد بن زياد ساخراً من صفاتها الجسدية والجمالية:

سَكّاءُ تحسبُها نَعامه

 

جاءَتُ بهِ حَبشيّةٌ

هِ ترى عليهنَّ الدّمامه[40])

 

من نسوةٍ سودِ الوجو

ويعود لذكر "سميّة" معرضاً بعبيد الله بن زياد وساخراً من نسبه المضطرب يقول:

أنَّ ابنَها من قريشِ في الجماهيرِ[41])

 

عاشَتْ سُميّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْ

وكانت الأم، إضافة إلى ما سبق، تعبر عما يضطرب في المجتمع من سياسة وأحداث ومواقف، فهي تعبر عن أمومتها وخوفها على أبنائها الصغار، وهي ويا لحرقتها تراهم وهم يقتلون صغاراً فيجن جنونها، وتلتاع روحها فتهتف ممزقة القلب والعقل ببعض الشعر، إنها جويرية أم ابني عبيد الله بن العباس، اللذين قتلهما بسر بن أرطأة، فراحت تدور حول البيوت ناشرة شعرها وهي تقول:

كالدرّتينِ تَشَظَّى عنهما الصَدَفُ

 

ها منْ أَحسّ من ابنيَّ اللذين هما

سمعي وقلبي فعقلي اليومَ مُخْتَطَفُ

 

ها من أحسّ من ابنيَ اللذين هما

مخُّ العظامِ فمخي اليومَ مزدهفُ

 

ها من أحسَ من ابنيّ اللذين هما

مِنْ قولِهم وَمِنَ الإفكِ الذي وصفوا

 

نُبَّئْتُ بسراً وما صَدقْتُ ما زعموا

مشحوذةً وكذاكَ الإثمُ يُقْتَرَفُ[42])

 

أَنحى على وَدَجي ابنيَّ مُرْهَفَةً

إنه البكاء الذي ابتدأنا به مع مالك بن الريب، إنه البكاء الذي قدر على المرأة الأم وحدها أن تعيشه، وأن تنميه في قلبها منذ أن تلد صغارها إلى أن يهرموا وهي تترقب لحظة الخطر التي يمكن أن تحدق بمملكتها الروحية.

ولست أريد أن أبسط القول هنا في كل ما يتصل بالأم، ولكنني سأرجئ القول في ذلك إلى فصل قادم كيلا أخرج من دائرة الأسرة التي عقدت هذا الفصل لها.

 



[1]) تاريخ التمدن الإسامي 4/21

[2]) المحبر 398

[3]) العصبية القبلية 15

[4]) المحبر: 490

[5]) الروض الأنف: 3/160،161

[6]) الحضارة العربية الإسلامية 118

[7]) المرجع السابق 119

[8]) شعراء أمويون: 44-47.

[9]) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: 265

ذو الودع: الطفل يعلق عليه الودع ليقيه شر الحسد، الطوق: العقد، الجزع: خرز أبيض وأسود، الجبين الصلت: المستوى البارز.

[10]) شعر المتوكل: 12/ ويتكرر في 119 وهي أم خشف في 216

[11]) المصدر السابق 188

[12]) المصدر السابق 218

[13]) شعر العجير السلولي: 213 أريكة اسم جبل بالبادية وهروب من قرى صنعاء.

[14]) المصدر السابق: 209 ويتكرر في 223. المعتر: الذي يطيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال.

[15]) المصدر السابق: 222 ويتكرر في: 223.

[16]) شعر عمرو بن لجأ التميمي: 47 في: 49 و61 وأم غزال في: 7.

[17]) المصدر السابق 111

[18]) شعر يزيد بن الطثرية:94.

[19]) الأغاني: 5/47 أعشى همدان 5/146.

[20]) ديوان جرير 1/117 وليلى جدته أم أبيه عبد العزيز بن الأصبغ بن زبان الكلبي وأم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.

[21]) المصدر السابق: 2/708

[22]) المصدر السابق 1/290 أراد عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص أم عبد الملك

[23]) ديوان الأخطل 289

مضاربه: أي عروقه الضاربة في الثرى

كعب: أي كعب بن لؤي. أحد أجداد بني أمية وعبس قبيلة أم الوليد

[24]) الأغاني 1/135

[25]) المصدر السابق 1/135

[26]) المصدر السابق 1/140

[27]) شعر الكميت 204

ابن عائشة عبد الملك بن مروان. تعاطى به: أي رام أن يأتي به شبه البدر.

[28]) شعر الكميت 12

[29]) ديوان النابغة الشيباني 128. كريز جد عاتكة لأمها، حرب بن أمية بن عبد شمس كانت له الرئاسة في الجاهلية. حواء أي أهلها وجمعها.

[30]) المصدر السابق: 172 يريد بالملوك يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد.

[31]) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات:21

[32]) الطبري 5/333

[33]) ديوان العرجي 19 الحرج: الاثم. تفض: مجزوم بالطلب مبني للمجهول. المنضج: المحكم الوجد

الدهماء: الفرس السوداء. تعنج: تجذب زمامها لئلا تحيد. الشادن: ولذ الظبية إذا قوي واستغنى عن أمه العوهج: الطويلة العنق. الرائم: التي تحنو على ولدها.

[34]) ديوان الفرزدق 406 المعالق: العلب.

[35]) المصدر السابق 88

[36]) ديوان جرير 93.

[37]) شعر عمرو بن لجأ التميمي 72 الآمي: ج إماء

            أزل: أرسح خفيف الوركين. عتودا: ما أتى عليه حول من أولاد المعز

            غذوية: سخلة صغيرة أراد بها أم جرير. رضعاء: لئيمة.

[38]) ديوان يزيد بن مفرغ 64 أقر بعينك: أي جعلها تتردد وتنقطع عن البكاء، عقّ أمه: أي لم يكن باراً بها.

[39]) هند: هي هند الفزارية امرأة عبيد الله.

[40])المصدر السابق:51.

[41]) المصدر السابق: 29.

[42]) مروج الذهب 3/22

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244