|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:24 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
ب-المرأة الزوج:
تعد صورة الحبيبة أو الزوجة الصورة الغالبة على صفة المرأة
في هذا الشعر، فقد كانت مفتاحاً للحوار الشعري والمباهاة الشخصية، وملهمة الإبداع
الشعري، مما يدل على المكانة الرفيعة التي وصلت إليها المرأة في هذا العصر، بعد أن
تبوأت مكانة عالية في عصر صدر الإسلام، الذي يعد بحق منصف المرأة العربية. "فقد رفع الإسلام مكانة المرأة وأعلى من منزلتها،
وحررها من القيود والعادات التي كانت شائعة في الجاهلية، ورد لها حقها المسلوب في
الحياة، وقرر لها حقوقهاً لم تكن تعرفها من قبل فجعل لها حقاً مشروعاً في الميراث
وحقق لها الاستقلال الاقتصادي. وجعل للزواج أحكاماً ووضع للطلاق وتعدد الزوجات قيوداً وقرر
للزوجين من الحقوق والواجبات المتبادلة ما به تحسن المعاشرة وتقوى الرابطة[1])" وما إن استقر العصر الأموي حتى شرعت المرأة تفيد من حقوقها
وامتيازاتها التي كفل لها الدين، فمضت تشارك في مختلف مجالات الحياة ولاسيما تلك
المجالات التي تمسّ شؤونها الذاتية والخاصة. فقد كانت تستشار في أمر زواجها، ويؤخذ
برأيها فيه، ونراها تعترض على الزواج غير المناسب فترفضه، أو تشترط له شروطاً كأن
تكون العصمة في يدها، فلا يحملها ولي أمرها على غير ما تحب، بل يرى رأيها. وقد سجل
الشعراء أطرافاً من ذلك، فصوروا رفضها وما جرّه هذا الرفض عليهم من الهم والسهاد
وانكسار القلب. فها هوذا محمد بن بشير الخارجي وقد قدم البصرة في طلب ميراث
له، فخطب عائشة بنت يحيى بن يعمر الخارجية من عدوان فأبت أن تتزوجه إلا أن يقيم
معها بالبصرة ويترك الحجاز، ويكون أمرها في الفرقة إليها، فيأبى أن يفعل ذلك
ويقول:
وكان محمد بن بشير قد صحب رفقة من قضاعة إلى مكة، وكانت فيهم
امرأة جميلة يسايرها ويحادثها، فخطبها إلى نفسها فقالت: لا سبيل إلى ذلك لأنك لست
لي بعشير ولا أنا ممن تطمعه رغبة عن بلده، فلم يزل يحادثها حتى انقضى الحج، وفرق
بينهما نزوع كل منهما إلى وطنه، وتعلقه به. فقال يذكر ما كان من أمره معها:
إلى أن يقول:
بل إن بعضهن ربما اعترضت على الزواج بعد تمامه وبدا لها فيه
رأي آخر، على نحو ما كان من أمر هند بنت النعمان بن بشير الأنصارية، فقد ذكر صاحب
"المستطرف" خبرها فقال: "عندما وصف للحجاج حسنها أنفذ إليها
يخطبها، وبذل مالاً جزيلاً، وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم،
ودخل بها ثم إنها انحدرت معه إلى بلدة أبيها المعرة. وكانت هند فصيحة فأقام بها
مدة طويلة ثُم رحل إلى العراق، فأقامت معه زمناً، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي
تنظر في المرآة وتقول:
فانصرف راجعاً ولم تكن علمت به، فأراد طلاقها فأنفذ إليها
مائتي ألف درهم وهي التي كانت لها معه مع عبد الله بن طاهر، وقال يا بن طاهر طلقها
بكلمتين ولا تزد عليهما، فدخل عليها وقال لها: يقول لك الحجاج كنتِ فبنتِ، فقالت:
إعلم يا بن طاهر، إنا والله كنا فما حمدنا وبنّا فما ندمنا وهذه الأموال لك بشارة
بخلاصي من كلب بني ثقيف"[4]) وكان التكافؤ بين الزوجين شرطاً من أهم شروط الزواج منذ
العصر الجاهلي، وقد توارث العرب هذا الشرط حتى غدا تقليداً عربياً راسخاً لا في
العصر الجاهلي وحده، بل في العصور التاريخية اللاحقة، فقد كانت مكانة الأسرة
الاجتماعية لكلا الزوجين وحسبها ونسبها وجاهها وحالتها الاقتصادية، وسمعتها وما
عرف عنها من الشمائل والأخلاق أموراً مهمة تنبغي مراعاتها وتقديرها تقديراً
عالياً، بل إن قضية التكافؤ تجاوزت الأسر الصغيرة إلى القبائل الكبرى، وما أكثر ما
رغب الراغبون في الشرف بالإصهار إلى أسر عريقة أو قبائل عريقة، فحال بينهم وبين ما
أرادوا عدم التكافؤ بينهم وبين من رغبوا في الإصهار إليهم. وقد عبّر "الفرزدق" عن هذا المبدأ أو التقليد
تعبيراً صريحاً لا غموض فيه ولا التواء، قال:
وحكايات عقيل بن علفة مشهورة في رفض الأزواج ترفعاً لأنه كان
في بيت شرف من قومه في كلا طرفيه، وكانت قريش ترغب في مصاهرته، فتزوج إليه خلفاؤها
وأشرافها، منهم يزيد بن عبد الملك تزوج ابنته الجرباء، وكانت قبله عند ابن عم
لعقيل يقال له: مطيع بن قطعة بن الحرث بن معاوية وولدت ليزيد وتزوج عمرة بنته سلمة
بن عبد الله بن المغيرة، وتزوج أم عمرو بنته ثلاثة نفر من بني الحكم بن أبي العاص[6]).
وحين تزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كثر
المعترضون على أبيها فاحتج بأنه أجبر على ذلك وذلك عندما أراد الحجاج الزواج
"من ابنة عبد الله بن جعفر وأمهرها تسعين ألف دينار، بلغ ذلك خالد بن يزيد بن
معاوية، فأمهل عبد الملك إلى أن أطبق الليل وجاء إليه وقال له: هل علمت أن أحداً
كان بينه وبين حي عداوة ما كان بين آل أبي سفيان وآل الزبير بن العوام، فإنني
تزوجت إليهم، فما في الأرض قبيلة من قريش أحب إليّ منهم، فكيف تركت الحجاج وهو سهم
من سهامك يتزوج إلى بني هاشم، وقد علمت ما يقال فيهم آخر الزمان، فكتب إلى الحجاج
يأمره بطلاقها ولا يراجعه في ذلك، فطلقها"[7]) ويخفي الاعتراض بل يظهر تخوف عبد الملك من ميل الحجاج إلى
الأسرة الهاشمية وتعصبه لهم، مما قد يشكل خطراً على عبد الملك. ونسمع الفرزدق يقول، وقد تزوج "حدراء" من آل ذي
الجدين من بكر بن وائل، مخاطباً جريراً:
إنه يذكره بقضية التكافؤ التي يجب أن تبقى ماثلة في ذهن كل
من يريد الزواج لئلا يلقى غير ما يحب، إن لم يكن كفؤاً لمن أصهر إليهم. وكثيراً ما فخر الفرزدق بغلاء مهور نسائه ونساء قومه مما يدل
على مكانتهن العالية، وأسرهن الشريفة، ويدل أيضاً على أنه الزوج الكفء لهذه الأسرة
الشريفة، القادر على دفع مهور نسائها ويقول في ذلك مقارناً مع نساء قوم جرير:
فهو يهجو قوم جرير ويعيرهم بمهور نسائهم التي تدفع من
الماعز، وبديات من يقتلونهم، في حين كان مهر زوجته من الإبل الغالية. وخطب رجل من بني تميم يقال له لقيط إلى شفاء بن نصر المنافي،
من بني مناف من دارم ابنته فلم يزوّجه، وكان يريد زوجاً من الأكفاء لها. ثم تواترت
عليه سنون فزوّج ابنته لرجل من نهشل، فقال الفرزدق:
ونجد عند جرير كذلك فخراً بغلاء مهور نساء من يمدحهم من بني
جعفر، وذلك عندما قال:
وكما افتخرت القبائل والأسر بعراقتها ومكانتها الاجتماعية،
واشترطت التكافؤ على من يرغب في الإصهار إليها، افتخر الشعراء بزوجاتهم اللواتي
تخيرّوهن من خير الأسر، فعندما تزوج العرجي أم عثمان بنت بكر بن عمرو ابن عثمان
وأمها سكينة بنت مصعب بن الزبير لم ينس أن يشير إلى سلالتها العريقة النبيلة
الضاربة في جذور المجد والفخار:
ونسمع جلبة الفرزدق وهو يفخر بزوجته، نكاية بالنوار زوجته
الأخرى، التي سخرت منها، ويقول لها:
ويكرر معاني العزة والشرف والأسرة يزيد بن معاوية:
ولا يفوت أبا دهبل الجمحي أن يذكر حسب زوجته ونسبها الرفيع
حتى في حال الفراق والخصام:
وكانت قضية المهر الذي يشترطه الأهل من أجل أن يتم الزواج،
قضية من أهم قضايا الزواج أيضاً، وكان ارتفاع المهور في المجتمع الأموي مبعثاً
للتباهي والفخر، فكأنه رمز لشرف الأسرة والقبيلة، وتعبير عن رغبة الناس في الإصهار
إليها، ولذا كانت القبائل العربية والأسرة عامة، والنساء خاصة، تفخر به فخراً
مدوّياً. ولم يحدد القرآن الكريم المهر بحد، وعدّه الأجر، وكان صداق
رسول الله ص، "اثنتي عشرة أوقية ونشأ، والأوقية أربعون والنش عشرون”[16])
وكانت عبارة "ساق إلى المرأة صداقها" ترجع إلى وقت كان العرب يدفعون
الصداق من الإبل، واحتفظ العرب في العصر الأموي بهذه العادة، فيذكر أن الفرزدق مهر
النوار مئة ناقة حمراء، أو مصعب بن الزبير عندما دفع لسكينة بنت الحسين خمسمائة
ألف درهم وأهدى لها مثلها[17]) ودفع عمر
بن عبيد الله لعائشة بنت طلحة مليون درهم نصفها صداقها والنصف الآخر هدية لها[18]).
ويعد ارتفاع المهر مشكلة خطيرة مع ما نقرؤه عن الترف والبذخ
وحالة اليسر في عدد من بيئات المجتمع الأموي كبيئة مدن الحجاز مثلاً. ولست أغالي إذا ظننت أن هذه المشكلة دليل على التفاوت الطبقي
بين أبناء هذا المجتمع، فلم يكن بوسع الكثيرين من أبنائه تقديم المهور المرتفعة
كما فعل الحجاج عندما بعث إلى عروسه هند بنت أسماء بمئة ألف درهم وثياب كثيرة[19])،
وأمهر ابنة عبد الله بن جعفر تسعين ألف دينار[20])،
كما يضرب المثل في بنات الحارث بن هشام، في الحسن والشرف وغلاء المهور،
و"أبوهن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وكانت بنو مخزوم تسمى ريحانة
قريش لحظوة نسائها عند الرجال، وكانت الجارية تولد لأحد آل الحارث بن هشام فتتباشر
النساء بها ويُرين أهلها أنهم أغنياء لرغبة الخطاب فيها"[21]).
ولم يكن التذمر والشكوى من المهور
المرتفعة مقصورين على الأسر الرقيقة الحال، بل ظهر بين أبناء الطبقة الوسطى، وكانت
هذه المهور المرتفعة التي تمهرها الأسر المتنفذة ورجال السياسة مَدْعاةً لاستنكار
الرعيّة، ومعاتبة السلطة عتاباً يكاد يبلغ حدّ السخط فقط روى صاحب الأغاني أن عبد
الله بن الزبير عاتب أخاه وقائده الحربي اللامع مصعب بن الزبير في مهر سكينة بنت
الحسين. ولم يكن عتابه له بسبب ما نسب إليه من البخل بل كان بسبب
أبيات بعثها له أحد قواد جنده وهو أنس بن زنيم في أماكن الفتوح يعترض فيها على بذخ
المال وهدره من أجل المتعة الشخصية، على حين كان قادات الجيوش وجنودهم في حالة جوع
وقلق، قال:
ويعلن كثير عزة شاكياً حزيناً أنه لا قبل له بهذا الذي يطلبه
أهل محبوبته، فهم يغالون في مهرها، وهو لا يستطيع أن يلبي طلبهم لارتفاع المهر
وسوء حاله، وهكذا يحول هذا الطلب بين العاشقين، وتتحول حكاية الغرام إلى قصيدة
يائسة يندب الشاعر فيها حظه ويأسف على نفسه، ويبيّن أن أهل من يحب يطلبون في مهرها
من المال مالا يمكن تحقيقه يقول في ذلك:
ولما زوج الوليد بن عبد الملك ابنه عبد العزيز بأم حكيم بنت
يحيى بن الحكم -وكان يقال لأمها وهي بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
"الواصلة" لأنها وصلت الشرف بالجمال- أمهرها أربعين ألف دينار وقال
لجرير وعدي بن الرقاع، أغدوا علي وقولا في عبد العزيز وأم حكيم، فغدوا عليه وأنشده
جرير قصيدة منها:
ثم قام عدي بن الرقاع فأنشد:
فقال له الوليد: لئن أقللت فلقد أحسنت، وأمر له بضعف ما أمر
لجرير، وكان أول من شبه الزوجين بالشمس والقمر[24]).
وكان عبيد الله بن قيس الرقيات يذكر الحسب والنسب في قصائده التي ذكر فيها زوجتي
مصعب، وكأنه إشادة اجتماعية بمصعب وزجته إذ لا يليق بمصعب إلا أن يقترن بزوجات
شريفات، من أرفع البيوت وأشهرها بالتقى والأخلاق الكريمة، جاء ذلك في قصيدته
الرائعة التي يقول فيها:
أما مهر قطام فقصته قصة تحكى، فقد طلبت قتل الإمام علي كرم
الله وجهه من ابن ملجم كشرط للزواج وجعلت ذلك مهراً لها فقال في ذلك ابن أبي مياس
المرادي:
لقد انعكست في هذا الشعر السياسة والحزبية والعصبية بوعي
اجتماعي وسياسي شديد الحساسية والرهافة. أما ابن ميادة فيشير إلى دور المال والثراء في رفعة الإنسان،
ويظهر رغبة الآخرين في التقرب إليه والإصهار حتى ولو كان لا يستحق الشرف وليس له
نسب. يقول:
ومما يتصل بالثراء والنعيم، ويدلّ على وضع اجتماعي مرموق أن
يقوم الناس على خدمة المرأة وما أكثر ما تداول الشعراء هذه المعاني وداروا حولها،
وسأفصل القول في ذلك في فصل قادم. ولم يكتف الشعراء بالحديث عن أسرة المرأة الزوج والإطناب في
ذكر أوصافها، والتغني بمناقبها وحسبها ونسبها، بل استداروا إلى بيوتهم يقترب كل
منهم من هذه المرأة التي بذل الكثير لتصبح في قربه وفي بيته بعد أن احتضن حلمه بها
في قلبه زمناً فلنرهف السمع إلى هؤلاء الشعراء وهم يحدثوننا عن هذه الزوج في عش الزواج
أو قفصه. ونجد الفرزدق- على ما عرف عنه من غلظة وخشونة- يتغنى بأزواجه
غناء عاطفياً عامراً بمشاعر العشق والغرام، ولعل "النوار" التي وسمت
قلبه ووجدانه بميسم الحب، وتسربت إلى كل قصائده وموضوعاته، كانت أكثر نسائه حظاً
من هذا الغناء، فهو يتأملها، ويملأ عينيه منها، فيغلبه إحساسه بالجمال، فيقول
مصوّراً جمالها وبهاءها، ويقرن -على عادة الشعراء- بين جمال الأنثى ومظاهر الجمال
المبثوثة في الكون لعلهُ يجلو هذا الجمال ويزيده انكشافاً، ويقوي إحساسنا به يقول:
وهو حين يتحدث عن زوجه حدراء يدلّ على السامع بنعيمها
وترفها، وبعض عاداتها اليومية المحبّبة، فكأننا أمام حبيبة امرئ القيس "نؤوم
الضحى" وقد زادها الزمن تحضراً وغنى، ولا ينسى أن ينعت بعض محاسنها الجسدية،
ويخلع عليها بُرد الحياء الجميل يقول:
وزوج هدبة بن الخشرم مضرب المثل في الوفاء والمحبة، وكانت من
أجمل أهل زمانها شكلاً وقواماً، فقد جدعت أنفها وقطعت شفتيها يوم قتل، لئلا تحدثها
نفسها بالزواج بعده وكان هدبة يحبها ويتشوق إليها وهو في سجنه[30])
ومما يقول فيها:
وحديثه عنها مرتبط دائماً بالتذكر وإظهار المحبة وتأكيد
الغرام:
ويؤكد المتوكل الليثي أيضاً حبه لزوجه ويعلن لها عن مكانتها
السامية في نفسه وقلبه في قوله:
وكان الخارجي محمد بن بشير) معجباً بزوجه سعدى، وكانت من
أسوأ الناس خلقاً وأشده على عشير، وكان يلقى منها عنتاً، فغاضبها يوماً لقولٍ آذته
به واعتزلها، وانتقل إلى زوجته الأخرى، ثم اشتاق إلى سعدى وتذكرها وبدا له الرجوع
إليها وقال:
ولعل قارئ هذا الشعر وأشباهه يجد له مذاقاً خاصاً، وحقاً قد
يكون هذا المذاق لاذعاً غير مستساغ، ولكنه يبعث فينا الإحساس بصدقه، فنوشك أن نشرك
هذين الزوجين في حياتهما اليومية بصفائها وكدرها وجفائها الذي تغالبه المودة
والتراحم. وقد تذكر الشعراء زوجاتهم في حالات البعد والسفر، ويقترن هذا
التذكر غالباً بطيف الزوجة الذي يزور الشاعر على بعد المزار، فيثير أشواقه، ويكون
محرضاً له للحديث عن الحب. ولعل حديث الفرزدق عن طيف زوجه "النوار" من
أطيب الحديث وأجمل الغناء. إنه ينثر الحزن والشوق والحنين الذي في نفسه، فتسيل
عواطفه في كلمات رقيقة تبين حالته، ويضاعف إحساسنا بجمال هذا الشاعر تلك العناصر
البدوية التي ينثرها في أرجائه، يقول:
وفي قصيدة أخرى يكرر الصورة وينثر في أرجائها عناصر بدوية
أخرى، ويضيف إلى طيف " نوار" طيب النشر، فإذا هو طيف معطر يضوع شذى:
وأفاض الشعراء أيضاً في الحديث عن حياتهم الزوجية وما تحفل
به من حوار وخلاف يومي بينهم وبين أزواجهم حول الأبناء وتحصيل الرزق، وصوروا معظم
زوجاتهم لوامات عاذلات يكثرن من التنبيه على أمور المعيشة اليومية والحث على
الاقتصاد في الإنفاق وبذل المال. فهذه أم حزرة زوجة جرير تعاتبه في تحصيل الرزق وتلهّي
أولادها الجياع ببعض الماء الذي لا يزيد جوعهم إلا استعاراً، وتقرعه من أجل التصرف
وتدبير أمور الأولاد، فيفكر بالخليفة الذي هو مصدر رزقه الوحيد، بعد أن يؤكد ثقته
بالله وبالخليفة، جاء ذلك في مدحه لعبد الملك بن مروان:
ونراهما أيضاً يخططان معاً للتغلب على الأيام والتفكير في
المستقبل، يقول:
ونجد هذه الصيغة عند
معظم شعراء المدح، فهم يكثرون في مقدماتهم من إشراك المرأة الزوج في التساؤل عن مصدر الرزق ومغالبة الدهر القاسي، فلا
يجد الشاعر من ملجأ سوى الخليفة، ويكون بذلك قد أسكت الزوجة عن المطالبة واللوم
والعذل، لأنها تعلم أن عطاء الخليفة هو العطاء الذي يطمئن المرء إليه ويجعله رضي
البال، ففي شعر لعلباء بن منظور الليثي تظهر فيه الزوجة لوامة في الرزق والتحصيل. يقول:
وابن هرمة يقول في مدح إبراهيم بن عبد الله بن مطيع في العصر
الأموي:
وكان العجير السلولي امرأ جواداً، فلما أسرع في ماله فأتلفه،
ثم أثقله الدين، مد يده إلى مال زوجته فمنعته وعاتبته، فقال لها:
ويدعو الأخطل زوجيه للكف عن لومه على البذل والعطاء ويستعرض
لهما مكارمه، فتبدو حكمته التي تعلمها من الزمن والأحداث:
وكذلك يفعل حارثة بن بدر الغداني الذي يزجر زوجته بحكمة
وتعقل عن اللوم على البذل والتبذير:
ونسمع هدبة بن الخشرم الذي ارتبط حديثه عن زوجته بمباهاته
والفخر بشجاعته وصبره على المكاره، يطالبها بالكف عن لومه على ما فرّط من أمر نفسه
فلا الدهر بمُعتب من يجزع أو يسخط، ولا اللوم بمرجع ما مضى، يقول:
ويطالب النعمان بن بشير الأنصاري زوجه بالكف عن التدخل في
أموره والانصراف إلى أمور نفسها وبيتها، وإلا فإنها ستشقى كثيراً:
ولعل ذلك اللوم وإجماع النساء عليه برأي الدكتور أحمد الحوفي
يعود إلى "أنهن أحفل بالثروة وتنميتها، ولأنهن لا يحفلن بأحاديث الكرم، وهن
أحسن تدبيراً للمال من الرجال وهن من يباشر أعمال البيوت وحاجاتها، فهن أميل إلى
الجانب العملي، فلا يحفلن بثناء ينتقص المال ويسبب الخصاصة، بينما قد يغفل الرجل عن
غده وهو في نشوة الثناء وأريحية العطاء"[46]).
على أننا نرى في كلام الدكتور الحوفي تعميماً مرسلاً من كل
قيد، إذ المشهور عن أكثر النساء البذخ والصرف والإكثار بسبب وبغير سبب، والرجل هو
المدبر لمعظم المشروعات المالية، لأنه فطر على هذا، فقد خلق للعمل خارج المنزل
لتدبير المال، تاركاً المرأة وراءه لترعى شؤون الأطفال وتدبير أمور معيشتهم داخل
البيت ومن هنا كان التفاوت بينهما. وينبغي أن أنصّ هنا على أن هذه الصور التي يرسمها الشعراء
لزوجاتهم، ليست بغريبة على الشعر العربي، فقد سبقهم أسلافهم الجاهليون، وردّدوا
القول في موقف المرأة من المال والكرم على ما هو شائع معروف في مقدمة "العذل
أو الفروسية" وتتردد في شعر الخوارج الصورة الثانية للمرأة في هذه المقدمة،
فنرى المرأة تعذل زوجها وتلومه وتعنّفه خوفاً عليه وإشفاقاً، فهو يلقي بنفسه إلى
الموت دون أن يحسب للعواقب حساباً. فتحاول زوج أحد الشراة" أن تقعد به عن
الخروج والقتال فيصمّ أذنيه عن سماع رأيها، ويدعوها إلى الإقصار عما هي فيه، ويعلن
إصراره على الخروج دفاعاً عن المبدأ والعقيدة:
ويصور لنا عمرو بن الحصين العنبري روح المودّة والتراحم
والوئام بينه وبين زوجه، فقد، أرّقها ما رأت من سوء حال زوجها وحزنه ودموعه، فهبت
قبيل تبلّج الفجر تكفكف دموعه، وتسأل عما اعتراه، وتدعوه إلى الإقصار عما هو فيه،
فقد عرفته صابراً جَلْداً قوياً فيما مضى، وهي في أثناء ذلك كله تبكي وتسرف في البكاء،
يقول:
أما زوج يزيد بن حبناء فقد شغفتها الدنيا، ومالت بها النفس
إليها، فإذا هي تلوم زوجها لانصرافه عن الاهتمام بأمرها، وتدعوه دعوة صريحة إلى أن
يخصّها بالهدايا، فيرد عليها ردّاً هادئاً رشيداً، ويبيّن لها مكانتها في نفسه،
ومعرفته لحقوقها عليه ويبصرّها -لعلها تبصر- أن العمر قصير لا يستحق كل هذا الاهتمام،
وأن الحياة الصادقة الملأى بالكفاح والجهاد هي الحياة الصحيحة التي تستحق أن تعاش،
مستعرضاً أمامها كفاحه ونضاله ورأيه في الحياة على طريقته:
وإذا كان الجهاد قد شغل هذا الشاعر عن الإهداء إلى زوجه، فإن
شاعراً خارجياً آخر لا ينصرف عن الاهتمام بأمر زوجه فحسب بل يفضل عليها فرسه فيخصه
باللبن دونها، ويسجل هذا الشاعر ذلك كله في أبيات طريفة ساخرة، ينقل لنا عتاب زوجه
ولومها له بسبب فرسه الذي يفضله عليها ويقدم له لبن ناقته ويرد عليها بسخرية مرة
منها ومن شكلها ويؤكد لها أن الفرس يستحق ما يقدمه له أكثر منها يقول:
ولكن العلاقة العامرة بالود والتراحم تنقلب بين أبي النجم
العجلي وزوجه شرّ منقلب، ويبدو أن زواجه كان زواجاً عاثر الحظ، فهو لا يسمع من
زوجه سوى اللوم والتقريع، فلا يكتفي بزجرها وكفها عن اللوم والعذل وإنما يهددها
بالعقوبة المناسبة، الحبس والشتم أو الضرب، ويذكرها ويتوعدها بألا تضجر منه وأن
تمسك لسانها ولا تسمعه لوماً، ويطلب إليها ألا تساورها فكرة الفراق بل إنه قدرها وعليها
لزوم اليأس في هذا الأمر والالتزام برفقته على ما هما فيه فهو أحسن لها من الجزاء
الذي تستحقه، يقول: يا بْنةَ عَمّا لا تلومي واهجعي لا تسمعيني منكِ لوماً واسمعي أيهاتَ أيهاتَ ولا تَطلعَي هي المقاديرُ فلومي أوْدَعي لا تطمعي في فُرْقتي لا تطمعي ولا تروِّعيني ولا تروّعي واْستَشْعري اليأسَ ولا تَفجّعي فذاك خيرٌ لك من أن تَجْزَعي فتُحبسَي وتشتمي وتُوجَعي[51]) وفي ديوان رؤبة تصوير بارع لزوجته اللوامة العذالة وهي
تحاوره في شؤون البيت والمال وفي كتاب "قصيدة المدح" دراسة وافية حول
مقدمات رؤبة[52]). وكانت بعض الخلافات الزوجية تدور حول الأبناء، فينبري
الشعراء للدفاع عن أبنائهم خاصة إذا كان الأولاد من زوجات أخريات، فيظهرون حق
هؤلاء الأولاد بمحبتهم وعنايتهم. فهذا هو عمرو بن شأس يجادل امرأته جدالاً شاقاً
في أمر ابن له من أمه سوداء يقال له عرار، وكانت زوجته تعيّره إياه وتؤذيه فأنكر
عمر أذاها له وقال:
وهذه هي "النوار" تعاتب الفرزدق عندما ولدت له أمة
زنجية بنتاً سمّاها مكية وتكنّى بها، وها هي ذي تشكوها إليه غير مرة، ويبدو أن بعض
أهله، قد ظاهروها على شكواها وعتابها، فلم تقع هذه الشكوى وذاك العتاب من نفس
الفرزدق موقع الرضا، وإنما ينبري يدافع عنها ويبيّن مكانتها في نفسه، وعاطفته
نحوها، وحرصه عليها، ويذكر باعتداد وفخر أن ما فاتها من حسب أمها لم يفتها من حسب
أبيها وأعمامها وإخوتها يقول:
وقد يتخذ الشعراء أولادهم دليلاً على حبهم لنسائهم وإيثارهم
لهن، فيقع كلامهم من نفوس هؤلاء النساء موقعاً طيباً جميلاً، على نحو ما فعل
الطرماح عندما خاطب زوجه سليمة مؤكدّاً لها حبه عن طريق ابنه صمصام قال:
وربما كان هؤلاء الأولاد سبباً في تعزيز مكانة أمهم لدى
الشاعر وتمكنها من قلبه وحياته، على نحو ما نرى من أمر الفرزدق وزوجه سويدة، فهو
يخاطبها، ويستعرض أمامها مناقبه، ويتحدث عن أولادها حديثاً مشرقاً فتاناً مفعماً
بالحب والحنان والرحمة، ويعلن أن هؤلاء الأولاد هم الذين شدّوا بعد الله حبالها
إلى قلبه. يقول:
وكان حديث الكبر والشعر الأبيض من أكثر ما دار بين الزوجين
بعد أن عركتهما الحياة وأهرمتهما الأسرة بمشكلاتها، فقدّما لها العمر والشباب
لتنمو وتكبر. إنه حديث ممتدّ عالي النبرة. ولست أبالغ إذا قلت: إن "الشعر
الأبيض وموقف المرأة منه" يصلح عنواناً كبيراً لقسم واسع من الشعر الأموي.
فلا يكاد يخلو ديوان من دواوين شعراء هذا العصر بل أكاد أقول لا تخلو قصيدة من
الإشارة إلى هذا الموضوع حتى أحسست أن الحديث عن المرأة لا يمكن أن ينفصل عن
الحديث عن الشيب أو التقدم في السن، ولا سيما تقدم الرجل وكأن المرأة كانت بمنأى
ونجوة من صروف الدهر وغِيَر الأيام. لقد أكثر الشعراء من الإشارة إلى موقف الأنثى عامة -زوجة
كانت أو فتاة- ونفورها من الرجال عندما يصبحون في سن تدل عليها ألوان شعورهم. ولا
يملك الشاعر إلا أن ينظر إلى نفسه فيرى أن الدهر الذي غيرّ الناس قبله قد غيّره
أيضاً، فيلقي على هذا الدهر أثقاله ومواجعه، أو نراه يكثر من الالتفات إلى الوراء،
إلى الزمن الماضي يوم كان صغيراً حدثاً يضفي على أناسه النضارة والحيوية. ولا تدع
المرأة هذا الأمر يفلت من قبضتها أو يمر على غفلة منها، فإذا هي تذّكر زوجها بما
حلّ به وتنهاه عن التصابي وتلومه على التفتي والمغامرة. ويصور لنا الفرزدق موقف
"النوار" منه بعدما كبر وكيف تتجنى عليه وتكثر من لومه، وهو لا يستطيع
أن يدفع عن نفسه لأنه يعرف ما وراء ملامتها، ولا يستطيع أن يرد عن نفسه الشيب أو
الكبر يقول:
وفي الفعل "تجنى" ما يكفي من
الإشارة إلى براءته مما تنسبه إليه. وفي حوار جميل بين جرير وأحد أزواجه ينقل لنا إنكارها لما هو
فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته على أن يدفع عن
نفسه ما هو فيه، يقول:
ويقول العرجي:
وليس يزيده لومها وإنكارها لما هو فيه من التصابي وطلب لذات
الشباب إلا اندفاعاً في سبيل اللّذة وإقبالاً عليها غير محتفل بما تقول، بل غير
محتفل بما ينبغي أن يفرضه عليه الزمن من الرصانة والوقار:
ويشكو عمرو بن أحمر الباهلي ما رأى من استخفاف زوجه به
وإزرائها عليه عندما رأت شيبه وقد استيقظ شبابها ومرحت وجالت متباهية، يقول:
ولم تكن زوج ابن قيس الرقيات أخف وطأة على نفسه من الزمن فهي
تهزأ به، وتسخر منه فيما لا يد له فيه، فقد وخط الشيب رأسه وعلا ذؤابته، يقول
منكراً من أمرها ما يرى:
ثم يبين لها أن ما صار إليه إنما كان بسبب بسالته في الحروب،
ومطاعنته الأعداء، فكأنما هو ينكر كبر سّنه، ويعتذر عما صار إليه لو كان عذر
ينفع!!
ومع ما نراه في شعر الشعراء العذريين من الشكوى المفرطة
والبوح الأسيان، فإن شعرهم يكاد يخلو من الحديث عن الشيب، بل هو يخلو حقاً من
تصوير مواقف نسائهم منه، لكأن تجاربهم العاطفية المخفقة وحبهم الموؤُد وقلوبهم
المتعبة.. قد صرفهم عن التفكير في حياتهم الطبيعية، وبقي شعرهم يتغنى حسراته،
ويجتر ذكرياته وآلامه. ولم يكن شعراء الخوارج الذين وقفوا عمرهم وفنهم لعقيدتهم أقل
انصرافاً من العذريين عن حديث الشيب وموقف نسائهم منه، فليس في أشعارهم ما يكشف عن
هذه المشكلة التي طالما توجع منها الآخرون. إن الشعراء العرب توجعوا من الشيب بل هم لم يتوجعوا من أمر
كما توجعوا من الشيب وصروف الزمان، وما أكثر ما اقترن هذا التوجع بذكر النساء! وما أكثر ما تمنى الشعراء لو كانوا يملكون زمام الدهر، إذاً
لوقفوا به حيث يحبون له أن يقف، أيام كانوا فتية مغامرين يصبون العذارى، ويصيبون
من اللذاذة ما يشاؤون. ولكنها أمنيات تذروها رياح العمر العاصفة فتتبدد! ولم يكن الشيب مقصوراً على الرجال، ولم يكونوا وحدهم أغراضاً
لصروف الزمان، فقد شركتهم النساء فيما شكوا منه وتوجّعوا. فكيف كان الأمر حين عمّم
الشيب رأس المرأة وبدت طاعنة في السن؟ كانت اللوحة الشاملة لهذا الموقف شديدة
المفارقة والحساسية. فقد وقف الشعراء يتأملونها وقد بدت عجوزاً يسربلها خجل حزين
لا تملك له دفعاً أو منصرفاً. وراح كل منهم يتفنن في رسم صورتها ساخراً بها، داعياً للنفور
منها، ناصحاً النصائح المجانية لرفاق جنسه بالابتعاد عنها واتقاء شرها. لقد رأيناه عندما كبر وسخرت منه يتهمها بالظلم ويظن بأخلاقها
وعقلها الظنون، وها هو ذا الآن يفعل ما كان ينكره عليها نكراناً شديداً، فما حقيقة
موقفه إذاً؟ إنه يجلد هذه العجوز المسكينة بكلماته الهازئة، ويدعو إلى
الابتعاد عنها فقد جفّ عودها ويبس، ولم يعد فيها بقية من خير، يقول:
ويسوق رجل آخر النصيحة ذاتها منفراً ممن طعنت في السن، وكانت
أرملة مجربة:
أما العجاج فقد سخر من العجائز جميعهن، ورسم لهن صورة
"كاريكاتورية" ساخرة سخرية لاذعة، فشبههن بالأفاعي، وتكثّر عليهن
الطعام، ودعا عليهن دعاء طريفاً ساخراً، وخصّ واحدة منهن بالحديث فرآها لا تساوي
فلساً، ثم صورها صورة فيها من المرارة والسخرية أضعاف ما فيها من الدعابة، فهي
تنهس الزبدة نهساً:
وحقاً ليست هذه الأشعار في المرأة الزوج، ولكنها تدل على
موقف الرجل من امرأته حين تطعن في السن، ويعمّمها الشيب. ونرى زوج محمد بن بشير الخارجي العدوانية قد أسنّت، فضربت
دونه حجاباً، لما تعرف من رأيه فيها وتوارت عنه، ودعت نسوة من عشيرتها فجلسن عندها
يلهون ويتغنين فسمعهن فقال ساخراً:
ونسمع أبا الأسود الدؤلي الوفي لامرأته العجوز يعلن أنه قد
خالف قاعدة الرجال الشعراء وشبب بعجوزه على الرغم مما يتعرض له محب العجوز من لوم
وتوبيخ:
ولم يقتصر هجاء الزوجات على العجائز منهن فقط بل كان بعضُ
الخلاف والنشوز يؤدي إلى هجاء الزوجة وتصويرها بصورة قبيحة مشوهة. فقد هجا الفرزدق زوجته رهيمة بنت غني بن درهم النمرية عندما
نشزت عليه وطلقها، فصورها صورة مضحكة بدت فيها صلعاء خشنة الملمس كالشوك:
وهجا أبو المنهال زوجه، فرسم لها صورة هي صورة القبح عينه،
فوجهها وجه قرد، وثديها متهدل يجول على بطنها كالقربة، وساقها كساق الدجاجة، صور
قبيحة متلاحقة على نحو ما نرى:
أما الأقرع بن معاذ القشيري فكان أكثر جرأة أو أقل رزانة
وحياء في هجاء زوجه عندما قال:
وفي خبر عن الصمة القشيري أنه "هوي امرأة من قومه ثم من
بنات عمه يقال لها العامرية بنت غطيف، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها
وخطبها عامر بن بشير بن أبي براء بن مالك بن ملاعب الأسنة فزوجه إياها. فلما بنى بها زوجها، وجد الصمة بها وجداً شديداً وحزن عليها،
فزوجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشي بن الطفيل فأقام عليها مقاماً
يسيراً ثم رحل إلى الشام غاضباً على قومه وخلف امرأته فيهم وقال لها:
وزوج النابغة الجعدي كانت من بني المجنون وهم كثرة من بني
جعدة، فنازعته وادعت الطلاق، فكان يراها في منامه ويقول:
ولم يقتصر الهجاء على الزوج بل امتد شرره وتطاير ليصيب من
كان يحتمل أن تكون زوجاً للشاعر، فقد سخر محمد بن بشير الخارجي من امرأة كان
يخطبها فقال:
وقد يتفاقم الخلاف بعد هذه المنازعات والأهاجي، ويتطور
الموقف بين الزوجين إلى الفراق والطلاق فقد كان لأعشى همدان امرأة من قومه يقال
لها أم الجلال، فطالت مدتها معه وأبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة،
فقالت له لا حتى تطلق أم الجلال. فطلقها، وقال:
وبعد أن طلقها قال:
وحدّث محمد بن بشير، قال: علق أبي جارية لبعض الهاشميين،
فبعثت أمي تعاتبه فكتب إليها يهدئ روعها ويشرح لها كيف طمح إلى سواها فلتقبل وضعها
على ما هو: قال:
وربما ندم بعضهم أشد الندم، وشاقه الحب القديم بعد الطلاق،
فراح يصور شوقه وحنينه إليها، ويلقي اللوم على الوشاة، ولات ساعة مندم. فقد طلق المتوكل الليثي زوجه أم بكر حين سألته الطلاق، ثم
أفاق من غفلته، فندم على ما كان منه، قال:
وأشفق أبو دهبل الجمحي على زوجه، وشاقه فراقها، وهي بنت
الحسب والعز، فاضطرب واعتراه حزن مقيم، وضاقت عليه سبل القول على اتساعها، قال:
وتذكر محمد بن بشير الخارجي زوجه التي طلقها في البصرة بناء
على رغبتها، ورحل إلى الحجاز، فغاله الشوق والأسى لما حدث بينهما:
وكانت النوار قد مكثت عند الفرزدق زماناً ترضى عنه أحياناً
وأحياناً تخاصمه، وكانت تطلب منه الطلاق ويرفض ذلك، فلم تزل ترققه وتستعطفه حتى
أجابها إلى طلاقها، وأخذ عليها ألا تفارقه، ولا تبرح منزله، ولا تتزوج رجلاً بعده،
ولا تمنعه من مالها، ثم ندم على طلاقها قائلاً:
أما حارثة بن بدر الغداني فقد خرج مع سلم بن زياد بخراسان
وأوصى رجلاً من غدانة أن يتعهد امرأته الشماء ويقوم بأمرها، فكان الغداني يأتيها
فيتحدث عندها ويطيل حتى أحبها، فكتب إلى حارثة يخبره أنها فسدت عليه وتغيرت، ويشير
عليه بفراقها، ويقول له أنها فضحتك، فكتب إليه بطلاقها، وكتب في آخر كتابه:
فلما طلقها وقضت عدتها خطبها الغداني فتزوجها، وكان حارثة
شديد الحب لها، فبلغه ذلك، فاغتم وحزن، ثم قال:
وتمنى بعض الأزواج لو كانت زوجاتهم من البدويات العربيات
اللواتي يتميزن بالأصالة والأخلاق والفضائل الكريمة. وهم بذلك يهجون زوجاتهم
الحضريات وينفرون من كثرة مشاكستهن ومخاصمتهن، بل ويعيرون هؤلاء الزوجات بأنهن لسن
من البدويات الفاضلات. وممن لجأ إلى هذا الأسلوب الهجائي من الشعراء الفرزدق عندما
خاصم زوجه النوار. قال:
لم يكن المجتمع العربي يومئذ على الرغم مما أصابه من تحضر قد
فارق بداوته، فقد ظلت روح البداوة تسري في عروقه، وظل حنينه إلى مثالية الصحراء
حنيناً جارفاً، ولذا ظلت المرأة البدوية أعلق بنفوس الشعراء من أختها الحضرية.
ونرى ذلك واضحاً لا في حديث الشعراء عن نسائهم فحسب، بل في الغزل الأموي كله، حتى
في ذلك الغزل اللاهي الذي نما وازدهر في مدن الحجاز المترفة على نحو ما سنرى. وما أكثر ما شعرت أولئك البدويات اللواتي تركن البادية
بغربتهن في بلاد أزواجهن، وما أكثر ما أبدين التذمر والملل والكراهية من حياة
المدنية المملة، فرشحت نفوسهن بما تكظم وانسالت أبياتاً في الحنين إلى البادية
التي خرجن منها. ولعل أشهر هؤلاء البدويات وأبعدهن صيتاً، ميسون بنت بحدل
التي كرهت زواجها والموطن الذي صارت إليه، وفضلت زوجاً من أبناء عمها يصونها
ويحميها ويبقي على مشاعرها بين أهلها في تلك البادية التي ألفتها بخشونتها وفقرها،
فكانت منها في سويداء القلب، فلم تقو على فراقها، ولم تطق عليها صبراً، فإذا هي
تسترسل في الحديث عنها ذاكرة أشياءَها وحيوانها وأهلها وطريقة عيشها، ومقابلة
بينها وبين المدينة في كل ما ذكرت في موازنة عاطفية صرف ترجح فيها كفة البادية على
كفة المدينة رجحاناً يستوقف القارئ ويهزّه هزاً، تقول:
وميسون هذه هي زوج معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين، وأم
ابنه يزيد، وكانت بدوية فضاقت نفسها لما تسرّى عليها، فعذ لها على ذلك وقال لها: أنت في ملك عظيم وما تدرين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة،
فقالت الأبيات. ولما سمعها قال لها: ما رضيت يا بنة بحدلٍ حتى جعلتني علجاً
عليفاً، فالحقي بأهلك فطلقها وألحقها بأهلها"[84]).
وقد حرصت أسر هؤلاء الغريبات على تزويدهن بعض النصائح
والوصايا من أجل الحظوة عند رجالهن وحفظاً للمودة والحب، وإيناساً للنفس في الغربة
وفي بيت الزوجية، فقد أوصت أم ابنتها ليلة زفافها قائلة: "أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي فيه خرجت، وعشك الذي فيه
درجت إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له
خصالاً عشراً يكن لك ذخراً، فالأولى والثانية، الخشوع له بالقناعة وحسن السمع
والطاعة، وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على
قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وأما الخامسة والسادسة، فالتفقد لوقت منامه وطعامه،
فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة، فالاحتراس
بماله والإبقاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال
حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة، فلا تعصين له أمراً ولا تفشين له سراً، ثم
إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً"[85]). ومن أكبر المشاكل التي تعرضت لها الأسرة العربية والزوجة
خاصة، مشكلة الجواري، وكان بعضهن عربيات سبايا، وكان أكثرهن أجنبيات من أجناس
وعروق شتى، ولقيت هؤلاء الجواري -ولا سيما الأجنبيات منهن- حظوة لدى الرجال بجمالهن
ومواهبهن، فتسرّوا بكثير منهن لأن زواج العربي بغير العربية كان أمراً غير مرغوب
فيه، فعوّضوا هذا الإحساس بالتسري بالإماء والجواري حتى أصبحت العلاقة بين الرجل
ومن يتسرى بها علاقة شرعية لا حرج فيها ولا إثم بنص آية قرآنية كريمة "وإن
خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم"[86])
وهذه التي عدت ملك اليمين التي يتسرى بها سيدها وتنجب له تدعى "أم ولد"
ولها حقوق شرعية مقررة، فليس يجوز بيعها ولا هبتها، وإذا مات عنها زوجها أصبحت
حرة، وقد انشغل الرجل العربي بهذه المرأة وانبهر بحسنها وجمالها وفنون دهائها
وذكائها، مما أدى إلى تصدع كيان الأسرة العربية وأدى إلى ردة فعل الزوجة التي كانت
تتطلع إلى شيء من التحرر، وتبحث عن أساليب تبرز أثرها في حياة الرجل العربي، بيد
أننا ينبغي أن نذكر أن السرية كانت أقل منزلة من الزوجة وذلك بسبب ما شاع في العصر
الأموي من عصبية تجاه العنصر الوافد على المجتمع العربي، فقد شعر الأمويون بالخطر
يتهدد عروبتهم باختلاطهم الواسع بالأمم الأخرى وساسوا الناس سياسة قائمة على بث
العصبية في نفوس أبناء جنسهم، مما جعل هؤلاء العرب ينظرون إلى الجواري وإلى
أبنائهن نظرة احتقار ومهانة، واستنكروا الهجنة في أبنائهم ورفضوا أن يزوجوا الهجين
ولو كان ابن الخليفة، على نحو ما روي من خبر عقيل بن علفة "الذي كان غيوراً
جداً، فقد رفض مصاهرة عبد الملك بن مروان عندما خطب ابنة عقيل لبعض ولده، وقال:
جنبّني هجناء ولدك"[87])وشعر أبناء
الجواري بالمهانة وعدم المساواة في المعاملة بينهم وبين أبناء العربيات المحصنات.
فهذا عبيد الله بن الحر وكان لأم ولد، يستنكر وضعه ويتمرد على مجتمعه ويتحول إلى
الصعلكة ويعلن احتجاجه مبطناً بأمنية لعله يحظى كرامة أبناء العربيات:
وبسبب هذا الغض من مكانة أبناء السراري، حرم مسلمة بن عبد
الملك الذي عرف بالتعقل والرزانة، الخلافة لأنه لأم ولد[89]).
وظل أهل المدينة يكرهون أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن
محمد، وسالم بن عبد الله، وأمهاتهم بنات آخر ملوك الساسانيين[90]).
وكانت الإماء والجواري كثيرات في المجتمع العربي منذ العصر
الجاهلي الذي عرف نظام الرق من خلال الأسر أو السبي أو التجارة، وكانت هؤلاء
الإماء أسهل وأيسر من النساء العربيات، فكثر الإقبال عليهن والتسري بهن وبلغن حداً
خلخل نظام المجتمع العربي وكيان المرأة العربية، واشتهرت طائفة من هؤلاء الجواري
ممن تعلمن الغناء والعزف، وأصبحت لهن علاقات وثيقة جداً بالخلفاء والحكام في دولة
بني أمية واستطعن أن يفرضن وجودهن وذوقهن على العصر وأخلاقه، ومن أخبار الخلفاء
وشغفهم بالجواري، أن عبد الملك خرج ذات ليلة فبصر في صحن داره جارية من جواريه
أعزهن عليه وأحبهن فقال: ما أوقفك هذا الموقف؟ قالت: ذكرت قول الله تبارك وتعالى
"الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنونهم" وإذا هاتف يهتف ويقول:
فقال عبد الملك لحاجبه: عليّ برأس الرجل الساعة، ثم استطاعت
الجارية أن تخلصه[91]). وكان "هشام بن عبد الملك مشغوفاً بجارية يقال لها
"صدوف" مدنية، اشتريت له بمال جزيل، فعتب عليها ذات يوم في شيء وهجرها
وحلف ألا يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك، فقال له: مالي أراك
مغموماً يا أمير المؤمنين؟ فأخبره هشام القصة، فأطرق الكميت وأنشأ يقول:
فكانت سبب الصلح بينهما"[92]) وعلى عكس ما كان شائعاً بين الخلفاء من إيثار الجواري
والتعلق بهن، كان أمر الشعراء في العصر الأموي، وقليلاً ما تغزل شعراء هذا العصر
بهن. فهذا جرير يطري بعض الجواري من ساكنات المدن والأسواق، ويصف
بعض ملابسها الرقيقة الشفافة:
وكان ليزيد بن مفرغ الحميري جارية تدعى أراكة، وكان يهواها
وحصل أن ابتعد عنها، فتذكر أيامه معها بهذه الأبيات:
وللأحوص غزل بالجواري، وتذكر لأيام المحبة واللقاءات
السعيدة:
لقد تتبعنا حديث المرأة الزوج في هذا الشعر ما وسعنا الجهد،
فرصدنا أمرها يوم كانت تهم أو تحلم بدخول بيت الزوجية، ورصدنا حياتها في هذا البيت
وما كان من أمر علاقتها بزوجها: حباً ومودة كانت هذه العلاقة أو شجاراً وخلافات،
ولم يبق أمامنا لنستكمل هذا الحديث إلا أن نتساءل عن وفاتها حين يطوي الموت ما كان
منشوراً، فكيف برزت صورة الزوجة بعد وفاتها؟ وهل انقطعت بينها وبين الشاعر كل
الأسباب؟ إن مفارقة غريبة وقاسية وعجيبة تصدم الباحث وهو يتأمل هذا
الموقف المهيب ها هي ذي رفيقة العمر ترحل وترحل برحيلها قطعة غالية من
العمر، وها هو الزوج ينفض من على منكبيه غبار السنين فتتردد أصداؤها قوية أو خافتة
بين جوانحه، ولكنه على جلال الموقف وهيبته -يزّم شفتيه ويمضي كأن أمراً لم يقع!! أليست مفارقة عجيبة حقاً أن ينذر الشعراء جلّ حياتهم
وأشعارهم منذ أول كلمة شعر يقرضونها إلى آخر قصيدة، وهم يتغنون بهذه المرأة،
المرأة المثال الأكبر، والحقيقة الثابتة في حياتهم، يتناولونها في شعرهم رمزاً
عاماً: للحياة والحب والمخاطر والموت، ثم نراهم عند موتها يخجلون من ذكرها، أو
يستكثرون عليها بعض النشيد؟ إن الباحث ليحار في تعليل هذا حقاً؟ أهو مجتمع الذكورة الذي
لا يليق به أن يظهر بعض ضعفه في لحظة الضعف الكبرى؟ وإذا كان هذا هو السبب، فلم
أكثر هؤلاء الشعراء من الشكوى وأفرطوا فيها في محراب الحب؟ هل هي علاقة ملكية صرف
عارية من الود والتراحم؟ لقد أراد الله لها غير ذلك "ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة "صدق الله العظيم"[96]).
أهي طبيعة الحياة التي لا تعرف غير القسوة وعدم المبالاة
حقاً ولا تؤمن بمنطق الالتفات إلى الوراء ولو قليلاً؟ من يدري؟ إنها دراية قاسية
على كل حال فلا يكاد شاعر يذكر زوجه المتوفاة حتى يأتي بعبارة تدل على الحياء أو
المداراة والخجل. هل في ذكر حبه لها بعد وفاتها ما يخجل؟! هل في ذكر حزنه عليها منقصة وعار؟! لقد كان عمره كله هيناً
رخيصاً مقابل نظرة حب ورضى من عينيها، فما الذي غيرّه كل هذا التغيير؟ وقد أحس "جرير" هذه الأحاسيس كلها فاندفع يتحدى
هذا الموقف الغامض، ولكنه لم يجد مناصاً من ذكر الحياة الاجتماعية ومداراة تقاليد
مجتمعه، يقول في رثاء زوجه:
وما من ريب أن في هذه القصيدة لوعة الحزن وحرقة الدمع ونبل
الإنسان، ولكنه مع الحزن الجيّاش الذي اعترى نفسه والدموع الغزار التي عرفها قلبه،
والمعاني الإنسانية النبيلة التي ألمّ بها، لم يلبث أن تحوّل بهذه القصيدة إلى
نقيضة، فتحولت بذلك من غاية الحزن والأسى إلى أبشع صور الهجاء والشتم والسباب بينه
وبين الفرزدق!! وليس يستحق الموقف في نظر الفرزدق أدنى التفات أو اهتمام، بل
هو الجفاء والغلظة وقسوة القلب، فكأن قلب هذا الشاعر قُدّ من حجر، فقد توفيت زوجه
"حدراء" فلم يفتح الله عليه إلا بمثل هذا الشعر:
ولكننا لا نعدم أن نجد من يتعالى على الحياء والخجل، ويعلن
أسفه وحزنه الشديد لفقد زوجته الحبيبة، ويتذكر ما كان من حسبها ومجدها وطيب
معاشرتها ما هو جدير بالحزن والجزع والبكاء كما في رثاء الوليد بن يزيد لزوجه:
وأحياناً، أحياناً نادرة، تصفو النفس، ويضوع منها عبق إنساني
فتّان، فيرقب الشاعر صغاره وقد أرمضهم اليتم وغالهم، فلا يملك إلا أن يسلم نفسه
للبكاء والأسى تاركاً حزنه ينساب من غير أن يخجل أو يداري:
وهذه هي حال مالك بن المزموم الحارثي الذي رزئ بزوجه، فماتت
عن ابنة صغيرة لها، فهو يصور هذه الابنة، وقد غابت عنها الحقيقة المرّة فليست تعرف
ما حل بأمها، وهو يذكر هذه الزوج، ويصلي عليها، ويتأسى لفراقها ويذكر بعض أحوالها:
وممن قال يرثي زوجته باقياً على مودتها واحترام ذكراها،
"بيهس" وهو شاعر مغمور من شعراء الدولة الأموية، ومما قاله فيها:
فأيّ عار هذا الذي يخافه؟ وأيّ حياء هذا الذي يتدثر به ليخفي
حقيقته عن العيون؟ وهو يحيي قبرها ويدعو لها مذكراً نفسه بالمسافة التي تفصل
بينهما:
ونختم رثاء الزوجة برثاء للمرأة عامة جاء على لسان عمر بن
أبي ربيعة، عندما سمع بمقتل ابنة النعمان بن بشير. روى المسعودي في مروج الذهب أن
مصعب بن الزبير قتل "عدة آلاف مما طالب بدم الحسين وتتبع الشيعة بالقتل
بالكوفة وغيرها، وأتى بحرم المختار الثقفي فدعاهن إلى البراءة منه، ففعلن إلا
حرمتين إحداهما بنت سَمُرة بن جندب الفزاري، والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري،
وقالت: كيف نتبرأ من رجل يذكر الله، وقد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت
رسول الله وأهل شيعته، فكتب إلى أخيه عبد الله بخبرهما وما قالتا، فكتب إليه: إن هما رجعتا عما عليه وتبرأتا منه وإلا فاقتلهما، فعرضهما
مصعب على السيف فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرأت منه، وأبت بنت النعمان بن بشير
وقالت: شهادة أرزقها فأتركها؟ كلا!.. إنها موتة ثم الجنة والقدوم على الرسول وأهل
بيته، والله لا يكون، آتي مع ابن هند فأتبعه، وأترك ابن أبي طالب، اللهم اشهد أني
تبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ثم قدّمها فقتلت صبراً وفيها يقول عمر:
ولعلنا
نستطيع أن نجد في هذه الحادثة صورة الزوج الوفيّة لزوجها الوفاء كلّه، كما نتبين
أهمية موقف المرأة وصلابتها في تمثل حركة مجتمعها وما يدور فيه من أحداث سياسية
ومذهبية وفكرية، ويكشف لنا عن وعيها بكل ما يجري وعن صلابتها التي تفوق صلابة كثير
من الرجال. [1]) مجلة عالم الفكر -مكانة
المرأة في التشريع الإسلامي د. عبد الباسط محسن ص39 م7/ العدد الأول/ 1976 إبريل
-مايو- يونيو. [9]) المصدر السابق: ص89 شم:
مرتفعات الأسنام. الغوارب: واحدتها غارب: الكاحل، التلاد: المال الموروث، الظفارية
المنسوبة إلى ظفار، الجزع: الخرز أبيض وفيه سواد. تريبة البعير: منحره. [12]) ديوان العرجي: 51 القرم من
الرجال: السيد المعظم. قصي: ابن كلاب بن مرة وهو الذي جمع قريش ووحدها. علته: سمت
إليه في الرفعة والشرف، وعبد شمس وهاشم أخوان أبوهما عبد مناف بن قصي جعل الضمير
في يفخرون مذكراً في موضع التأنيث لملاحظة أن شرف النساء مما يتعلق بفخر الرجال إذ
النقص في شرفهن يحط من قدر رجالهن. أم أروى: اسمها البيضاء، وهي بنت عبد المطلب
شقيقة عبد الله والد الرسول الكريم. المصاداة
كالمداراة أي المصانعة والمداجاة أركت
الناقة: فهي أركة أي أكلت الأراك. والعدوة: الخلفة من النبات، إبل عدوية وإبل عواد
أي ليست ترعى الحمض فلا يمكن أن تجتمع هذه وتلك. [37]) ديوان جرير: 88 الموردون:
أصحاب الإبل يوردونها الماء الساغبة:
الجائعة. النفس من الماء: ما كان مروياً كافياً. الشبم: البارد الميح:
العطاء [45]) شعر النعمان بن بشير: 138
التبسط: ترك الاحتشام. اصطحب القوم: صحب بعضهم بعضاً. قني قنيت الجارية منعت من
اللعب وسترت في البيت. [50]) شرح الحماسة: 349 وهو الأعرج
المعْني. الورد: فرسه، إنه لا يساوي بينها وبين فرسه لأنها عندما تقوم بلا قناع
جادة في العدو والهرب تكون قبيحة جداً. [55]) ديوان الطرماح: 101 الجنى
العسل. واتناً: مقيماً. الأجبح: مواضع النحل في الجبل تعسّل فيها واحدها جبح،
يخاطب هنا ابنه. [56]) ديوان الفرزدق: 28-29 عرسي:
زوجتي، الحفيظة: الغضب، الضرايب: واحدتها ضريب، هو المثل: الشكل والنصيب، العقر:
النحر: الركايب: الإبل السمينة: الناقة يدفعها للقرى ويعلق رحله على غيرها. ويسير
ماشياً، أبينوها: مصغر أبناء، الجنائب: التي يقاد بعضها إلى جانب بعض، الأبيض هنا:
السيف اللامع. [60])المصدر السابق: 114-115
أهجرت: استهزأت. الروعة: المسحة والعلامة القذال: جماع الرأس من مؤخره. الشهاب:
الشعلة الساطعة. ناهي: زاجري. وخط
المشيب: اختلاط البياض بالسواد:درس الخضاب: نصوله وانكشافه. [69]) ديوان الفرزدق: 161 المزملة:
الملتفة بثوبها. وقوله فتى أي يا فتى، الزعراء: القليلة الشعر. الشجنة: الغصن
الملتف المشتبك. البشر: ظاهر الجلد، الشسن: الخشن. القتاد: الشوك. [73]) ديوان النابغة الجعدي 207/
هُنّباء: حمقاء: تستخنث: خنثت القربة وخنثها ثنى فاها إلى خارج فشرب منه. الوطب:
سقاء اللبن وهو قربة من جلد، المريرة الحبل المفتول. والمعنى أنها من شرها ولؤمها
وجفوتها تعجل إلى الوطب فتثني فمه قبل أن تحل رباطه ولا تحذر أن يكون فيه حشرة أو
قذر. [82]) ديوان الفرزدق: 411 الروق:
رواق البيت. المظلة: الخيمة. الضناك: الشديدة الضفنة: الحمقاء أي لم يظهر سوء خلق
نوار إلا في التعامل معها. [83]) الخزانة 8/503 الخفق:
الاضطراب. المنيف: العالي، البكر: الفتى من الإبل الأظعان:
ج ظعينة المرأة في الهودج. السقب: ولد الناقة. الزفوف المسرع. الطراق: الطارق الذي
يأتي ليلاً. تقر: تسكن. الشفوف: ج شف وهو الثوب الرقيق. والكسيرة قطعة الخبز
الخِرْق: الكريم. العِلج:
الصلب الشديد، العليف: المسمن بالعلف. [86]) سورة النساء: آية (3) | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||