المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
ب-المرأة الزوج:

ب-المرأة الزوج:

تعد صورة الحبيبة أو الزوجة الصورة الغالبة على صفة المرأة في هذا الشعر، فقد كانت مفتاحاً للحوار الشعري والمباهاة الشخصية، وملهمة الإبداع الشعري، مما يدل على المكانة الرفيعة التي وصلت إليها المرأة في هذا العصر، بعد أن تبوأت مكانة عالية في عصر صدر الإسلام، الذي يعد بحق منصف المرأة العربية.

"فقد رفع الإسلام مكانة المرأة وأعلى من منزلتها، وحررها من القيود والعادات التي كانت شائعة في الجاهلية، ورد لها حقها المسلوب في الحياة، وقرر لها حقوقهاً لم تكن تعرفها من قبل فجعل لها حقاً مشروعاً في الميراث وحقق لها الاستقلال الاقتصادي.

وجعل للزواج أحكاماً ووضع للطلاق وتعدد الزوجات قيوداً وقرر للزوجين من الحقوق والواجبات المتبادلة ما به تحسن المعاشرة وتقوى الرابطة[1])"

وما إن استقر العصر الأموي حتى شرعت المرأة تفيد من حقوقها وامتيازاتها التي كفل لها الدين، فمضت تشارك في مختلف مجالات الحياة ولاسيما تلك المجالات التي تمسّ شؤونها الذاتية والخاصة. فقد كانت تستشار في أمر زواجها، ويؤخذ برأيها فيه، ونراها تعترض على الزواج غير المناسب فترفضه، أو تشترط له شروطاً كأن تكون العصمة في يدها، فلا يحملها ولي أمرها على غير ما تحب، بل يرى رأيها. وقد سجل الشعراء أطرافاً من ذلك، فصوروا رفضها وما جرّه هذا الرفض عليهم من الهم والسهاد وانكسار القلب.

فها هوذا محمد بن بشير الخارجي وقد قدم البصرة في طلب ميراث له، فخطب عائشة بنت يحيى بن يعمر الخارجية من عدوان فأبت أن تتزوجه إلا أن يقيم معها بالبصرة ويترك الحجاز، ويكون أمرها في الفرقة إليها، فيأبى أن يفعل ذلك ويقول:

لطوارقِ الهمِّ التي تَرِدُهْ

 

أرقَ الحزينُ وعادَهُ سُهُدُهْ

فأبى فليسَ تَلينُ لي كَبِدُهْ

 

وَذَكَرْتُ مَنْ لانَتْ له كبدي

أبداً وليس بمصلحي بَلدُهْ

 

وأبى فليس بنازلٍ بَلدي

صَدْعَ الزجاجةِ دائمٌ أَبَدُهْ[2])

 

فَصَدَعْتُ حين أبى -مودَّته

وكان محمد بن بشير قد صحب رفقة من قضاعة إلى مكة، وكانت فيهم امرأة جميلة يسايرها ويحادثها، فخطبها إلى نفسها فقالت: لا سبيل إلى ذلك لأنك لست لي بعشير ولا أنا ممن تطمعه رغبة عن بلده، فلم يزل يحادثها حتى انقضى الحج، وفرق بينهما نزوع كل منهما إلى وطنه، وتعلقه به. فقال يذكر ما كان من أمره معها:

يوماً بدا ليَ منها الكشحُ والكَتَدُ

 

أستغفرُ اللهَ ربي من مُخَدَّرةٍ

كُلٌّ حرامٌ فما ذُمُّوا ولا حُمِدُوا

 

من رفقة صاحبونا في ندائهمُ

إلى أن يقول:

وما أُبالي أغابَ القومُ أم شهدوا

 

أَقْبَلْتُ أسأَلُها ما بالُ رفقتِها

وخوَّفتْني وقالَتْ: بعضَ ما تجدُ

 

فقرَّبتْ ليَ واحلولَتْ مقالتُها

إحدى بني القين أدنى دارِها بَرِدُ[3])

 

أنّى ينالُ حجازيٌّ بحاجتهِ

بل إن بعضهن ربما اعترضت على الزواج بعد تمامه وبدا لها فيه رأي آخر، على نحو ما كان من أمر هند بنت النعمان بن بشير الأنصارية، فقد ذكر صاحب "المستطرف" خبرها فقال: "عندما وصف للحجاج حسنها أنفذ إليها يخطبها، وبذل مالاً جزيلاً، وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم، ودخل بها ثم إنها انحدرت معه إلى بلدة أبيها المعرة. وكانت هند فصيحة فأقام بها مدة طويلة ثُم رحل إلى العراق، فأقامت معه زمناً، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة وتقول:

سليلةُ أَفراسٍ تَحَلَّلها بَغلُ

 

وما هندُ إلا مهرُة عربيةٌ

وإن ولدَتْ بغلاً فجاءَ بهِ البغلُ

 

فإن ولدَتْ فحلاً فلّلهِ دَرُّها

فانصرف راجعاً ولم تكن علمت به، فأراد طلاقها فأنفذ إليها مائتي ألف درهم وهي التي كانت لها معه مع عبد الله بن طاهر، وقال يا بن طاهر طلقها بكلمتين ولا تزد عليهما، فدخل عليها وقال لها: يقول لك الحجاج كنتِ فبنتِ، فقالت: إعلم يا بن طاهر، إنا والله كنا فما حمدنا وبنّا فما ندمنا وهذه الأموال لك بشارة بخلاصي من كلب بني ثقيف"[4])

وكان التكافؤ بين الزوجين شرطاً من أهم شروط الزواج منذ العصر الجاهلي، وقد توارث العرب هذا الشرط حتى غدا تقليداً عربياً راسخاً لا في العصر الجاهلي وحده، بل في العصور التاريخية اللاحقة، فقد كانت مكانة الأسرة الاجتماعية لكلا الزوجين وحسبها ونسبها وجاهها وحالتها الاقتصادية، وسمعتها وما عرف عنها من الشمائل والأخلاق أموراً مهمة تنبغي مراعاتها وتقديرها تقديراً عالياً، بل إن قضية التكافؤ تجاوزت الأسر الصغيرة إلى القبائل الكبرى، وما أكثر ما رغب الراغبون في الشرف بالإصهار إلى أسر عريقة أو قبائل عريقة، فحال بينهم وبين ما أرادوا عدم التكافؤ بينهم وبين من رغبوا في الإصهار إليهم.

وقد عبّر "الفرزدق" عن هذا المبدأ أو التقليد تعبيراً صريحاً لا غموض فيه ولا التواء، قال:

وتنْكِحُ في أكفائِها الحُبَطَاتُ[5])

 

بنو دارمٍ أكفاؤهم آلُ مسمعٍ

وحكايات عقيل بن علفة مشهورة في رفض الأزواج ترفعاً لأنه كان في بيت شرف من قومه في كلا طرفيه، وكانت قريش ترغب في مصاهرته، فتزوج إليه خلفاؤها وأشرافها، منهم يزيد بن عبد الملك تزوج ابنته الجرباء، وكانت قبله عند ابن عم لعقيل يقال له: مطيع بن قطعة بن الحرث بن معاوية وولدت ليزيد وتزوج عمرة بنته سلمة بن عبد الله بن المغيرة، وتزوج أم عمرو بنته ثلاثة نفر من بني الحكم بن أبي العاص[6]).

وحين تزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كثر المعترضون على أبيها فاحتج بأنه أجبر على ذلك وذلك عندما أراد الحجاج الزواج "من ابنة عبد الله بن جعفر وأمهرها تسعين ألف دينار، بلغ ذلك خالد بن يزيد بن معاوية، فأمهل عبد الملك إلى أن أطبق الليل وجاء إليه وقال له: هل علمت أن أحداً كان بينه وبين حي عداوة ما كان بين آل أبي سفيان وآل الزبير بن العوام، فإنني تزوجت إليهم، فما في الأرض قبيلة من قريش أحب إليّ منهم، فكيف تركت الحجاج وهو سهم من سهامك يتزوج إلى بني هاشم، وقد علمت ما يقال فيهم آخر الزمان، فكتب إلى الحجاج يأمره بطلاقها ولا يراجعه في ذلك، فطلقها"[7])

ويخفي الاعتراض بل يظهر تخوف عبد الملك من ميل الحجاج إلى الأسرة الهاشمية وتعصبه لهم، مما قد يشكل خطراً على عبد الملك.

ونسمع الفرزدق يقول، وقد تزوج "حدراء" من آل ذي الجدين من بكر بن وائل، مخاطباً جريراً:

على دارمي بين ليلى وغالب[8])

 

فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلم

إنه يذكره بقضية التكافؤ التي يجب أن تبقى ماثلة في ذهن كل من يريد الزواج لئلا يلقى غير ما يحب، إن لم يكن كفؤاً لمن أصهر إليهم.

وكثيراً ما فخر الفرزدق بغلاء مهور نسائه ونساء قومه مما يدل على مكانتهن العالية، وأسرهن الشريفة، ويدل أيضاً على أنه الزوج الكفء لهذه الأسرة الشريفة، القادر على دفع مهور نسائها ويقول في ذلك مقارناً مع نساء قوم جرير:

على مئة شُمِّ الذّرى والغوارب

 

فقالوا سمعنا أنّ حدراءَ زُوِّجَتْ

ظفاريةُ الجزع الذي في الترائب

 

وفينا من المِعزى تِلادٌ كأنّها

وكلُّ دمٍ منا عليهنَّ واجبُ[9])

 

بهنّ نكحنا غالياتِ نسائِنا

فهو يهجو قوم جرير ويعيرهم بمهور نسائهم التي تدفع من الماعز، وبديات من يقتلونهم، في حين كان مهر زوجته من الإبل الغالية.

وخطب رجل من بني تميم يقال له لقيط إلى شفاء بن نصر المنافي، من بني مناف من دارم ابنته فلم يزوّجه، وكان يريد زوجاً من الأكفاء لها. ثم تواترت عليه سنون فزوّج ابنته لرجل من نهشل، فقال الفرزدق:

هُبِلْتَ، وكانت في قريش مناكِحُ[10])

 

أأنكحتَ ليلى نهشليّاً لمالِهِ

ونجد عند جرير كذلك فخراً بغلاء مهور نساء من يمدحهم من بني جعفر، وذلك عندما قال:

مناجيبَ تغلو في قريشِ مُهورُها[11])

 

ميامينُ خطّارونَ يَحْمُوْنَ نسوةً

وكما افتخرت القبائل والأسر بعراقتها ومكانتها الاجتماعية، واشترطت التكافؤ على من يرغب في الإصهار إليها، افتخر الشعراء بزوجاتهم اللواتي تخيرّوهن من خير الأسر، فعندما تزوج العرجي أم عثمان بنت بكر بن عمرو ابن عثمان وأمها سكينة بنت مصعب بن الزبير لم ينس أن يشير إلى سلالتها العريقة النبيلة الضاربة في جذور المجد والفخار:

ملكٍ نالَ من قُصيٍّ ذُراها

 

إنها بنتُ كلِّ أبيضَ قَرْمٍ

عبد شمسٍ وهاشمٌ أبوها

 

وبنى المجدَ صاعداً فَعَلَتْهُ

أبداً حينَ يفخرون مداها

 

فهيَ لا تُدركُ النساءَ بسعي

كلَّ ما يُعْجزُ الأكفَّ يداها

 

أُمُّها البدرُ: أمُّ أَروى فنالتْ

دِ قُصُّيٌ إنْ تَعدِلوا مولاها

 

وبحسبِ الفتاةِ قرباً من المجـ

هُ إلى بابِ كلِّ خيرٍ هَداها[12])

 

منهمُ الطيّبُ النبيُّ بهِ اللّـ

ونسمع جلبة الفرزدق وهو يفخر بزوجته، نكاية بالنوار زوجته الأخرى، التي سخرت منها، ويقول لها:

زحامُ بنات الحارثِ بنِ عُبادِ

 

أراها نجومَ الليلِ والشمسُ حيَّةٌ

من الحُتِّ في أجبالِها وهدادِ

 

نساء أبوهُنَّ الأغرُّ ولم تكن

ولا في الهجاريِّينَ رهطِ زيادِ

 

ولم يكنِ الجوفُ الغموضُ محلَّها

وقد رضيتْ بالنصفِ بعدَ بعادِ[13])

 

عَدَلْتُ بها مَيْلَ النوارِ فأصبحتْ

ويكرر معاني العزة والشرف والأسرة يزيد بن معاوية:

حينَ تُنمى وبين عبدِ منافِ

 

إنّها من بني عامرِ بن لؤي

يمشي بنعلٍ على الترابِ وحافي[14])

 

بنت عمِّ النبيِّ أكرم مَنْ

ولا يفوت أبا دهبل الجمحي أن يذكر حسب زوجته ونسبها الرفيع حتى في حال الفراق والخصام:

لها نسبٌ من فرعِ فهرِ مُتَوَّجِ[15])

 

وأشفقَ قلبي من فراقِ حليلةٍ

وكانت قضية المهر الذي يشترطه الأهل من أجل أن يتم الزواج، قضية من أهم قضايا الزواج أيضاً، وكان ارتفاع المهور في المجتمع الأموي مبعثاً للتباهي والفخر، فكأنه رمز لشرف الأسرة والقبيلة، وتعبير عن رغبة الناس في الإصهار إليها، ولذا كانت القبائل العربية والأسرة عامة، والنساء خاصة، تفخر به فخراً مدوّياً.

ولم يحدد القرآن الكريم المهر بحد، وعدّه الأجر، وكان صداق رسول الله ص، "اثنتي عشرة أوقية ونشأ، والأوقية أربعون والنش عشرون”[16]) وكانت عبارة "ساق إلى المرأة صداقها" ترجع إلى وقت كان العرب يدفعون الصداق من الإبل، واحتفظ العرب في العصر الأموي بهذه العادة، فيذكر أن الفرزدق مهر النوار مئة ناقة حمراء، أو مصعب بن الزبير عندما دفع لسكينة بنت الحسين خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثلها[17]) ودفع عمر بن عبيد الله لعائشة بنت طلحة مليون درهم نصفها صداقها والنصف الآخر هدية لها[18]).

ويعد ارتفاع المهر مشكلة خطيرة مع ما نقرؤه عن الترف والبذخ وحالة اليسر في عدد من بيئات المجتمع الأموي كبيئة مدن الحجاز مثلاً.

ولست أغالي إذا ظننت أن هذه المشكلة دليل على التفاوت الطبقي بين أبناء هذا المجتمع، فلم يكن بوسع الكثيرين من أبنائه تقديم المهور المرتفعة كما فعل الحجاج عندما بعث إلى عروسه هند بنت أسماء بمئة ألف درهم وثياب كثيرة[19])، وأمهر ابنة عبد الله بن جعفر تسعين ألف دينار[20])، كما يضرب المثل في بنات الحارث بن هشام، في الحسن والشرف وغلاء المهور، و"أبوهن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وكانت بنو مخزوم تسمى ريحانة قريش لحظوة نسائها عند الرجال، وكانت الجارية تولد لأحد آل الحارث بن هشام فتتباشر النساء بها ويُرين أهلها أنهم أغنياء لرغبة الخطاب فيها"[21]).

ولم يكن التذمر والشكوى من المهور المرتفعة مقصورين على الأسر الرقيقة الحال، بل ظهر بين أبناء الطبقة الوسطى، وكانت هذه المهور المرتفعة التي تمهرها الأسر المتنفذة ورجال السياسة مَدْعاةً لاستنكار الرعيّة، ومعاتبة السلطة عتاباً يكاد يبلغ حدّ السخط فقط روى صاحب الأغاني أن عبد الله بن الزبير عاتب أخاه وقائده الحربي اللامع مصعب بن الزبير في مهر سكينة بنت الحسين.

ولم يكن عتابه له بسبب ما نسب إليه من البخل بل كان بسبب أبيات بعثها له أحد قواد جنده وهو أنس بن زنيم في أماكن الفتوح يعترض فيها على بذخ المال وهدره من أجل المتعة الشخصية، على حين كان قادات الجيوش وجنودهم في حالة جوع وقلق، قال:

من ناصحِ لكَ لا يُريكَ خِداعا

 

أَبلْغ أَميرَ المؤمنينَ رسالةً

وَتَبيتُ قاداتُ الجيوش جِياعا[22])

 

بضعُ الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ

ويعلن كثير عزة شاكياً حزيناً أنه لا قبل له بهذا الذي يطلبه أهل محبوبته، فهم يغالون في مهرها، وهو لا يستطيع أن يلبي طلبهم لارتفاع المهر وسوء حاله، وهكذا يحول هذا الطلب بين العاشقين، وتتحول حكاية الغرام إلى قصيدة يائسة يندب الشاعر فيها حظه ويأسف على نفسه، ويبيّن أن أهل من يحب يطلبون في مهرها من المال مالا يمكن تحقيقه يقول في ذلك:

صبابةَ حرّانِ الصبابةِ صادِ

 

ولمّا رأَتْ وجدي بها وتبينتْ

وتحسبُ أنَّ الناسَ غيرُ جلادِ

 

أَدَلَّتْ بصبرٍ عندها وجلادةٍ

فؤادُكِ أو رُدّي عليَّ فؤادي

 

فيا عزُّ صادي القلبَ حتى يودّني

أواركُ لمّا تأتلفْ وعوادي[23])

 

وإنَّ الذي ينوي من المالِ أهلُها

ولما زوج الوليد بن عبد الملك ابنه عبد العزيز بأم حكيم بنت يحيى بن الحكم -وكان يقال لأمها وهي بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام "الواصلة" لأنها وصلت الشرف بالجمال- أمهرها أربعين ألف دينار وقال لجرير وعدي بن الرقاع، أغدوا علي وقولا في عبد العزيز وأم حكيم، فغدوا عليه وأنشده جرير قصيدة منها:

في كلّ حالاتٍ منَ الأحوالِ

 

ضَمَّ الإلهُ إليهِ أكرمَ حُرَةٍ

 ثم قام عدي بن الرقاع فأنشد:

بالسعدِ ما غابا وما طلعا

 

قمرُ السماءِ وشمسُها اجتمعا

فيمَنْ رأى منهمْ وَمَنْ سمعا

 

ما وارتِ الأستارُ مثلَهما

وتَهَنَّآ طولَ الحياةِ معا

 

دامَ السرورُ لَهُ بها ولها

فقال له الوليد: لئن أقللت فلقد أحسنت، وأمر له بضعف ما أمر لجرير، وكان أول من شبه الزوجين بالشمس والقمر[24]). وكان عبيد الله بن قيس الرقيات يذكر الحسب والنسب في قصائده التي ذكر فيها زوجتي مصعب، وكأنه إشادة اجتماعية بمصعب وزجته إذ لا يليق بمصعب إلا أن يقترن بزوجات شريفات، من أرفع البيوت وأشهرها بالتقى والأخلاق الكريمة، جاء ذلك في قصيدته الرائعة التي يقول فيها:

وغدا بلبِّك مَطْلع الشرقِ

 

ظعنَ الأميرُ بأحسنِ الخلقِ

كالشمسِ أو كغمامةِ البرقِ

 

وَبَدَتْ لنا من تحتِ كِلّتِها

أهلِ التقى والبرِّ والصدقِ

 

في البيتِ ذي الحسبِ الرفيع ومِنْ

عَبقَ العبيرُ بعاجةِ الحُقِ[25])

 

قرشيةٌ عَبَقَ العبيرُ بها

أما مهر قطام فقصته قصة تحكى، فقد طلبت قتل الإمام علي كرم الله وجهه من ابن ملجم كشرط للزواج وجعلت ذلك مهراً لها فقال في ذلك ابن أبي مياس المرادي:

كمهر قَطام من فصيح وأعجمِ

 

ولم أرَ مَهْراً ساقَهُ ذو سماحةٍ

وضربُ عليّ بالحسامِ المصمّمِ

 

ثلاثةُ آلافٍ وعبدُ وقينة

ولا قتلَ إلا دونَ قتلِ ابنِ ملجم[26])

 

فلا مهرَ أغلى من عليِّ وإنْ غلا

لقد انعكست في هذا الشعر السياسة والحزبية والعصبية بوعي اجتماعي وسياسي شديد الحساسية والرهافة.

أما ابن ميادة فيشير إلى دور المال والثراء في رفعة الإنسان، ويظهر رغبة الآخرين في التقرب إليه والإصهار حتى ولو كان لا يستحق الشرف وليس له نسب.

يقول:

ولو خَطبَتْ أَنسابُهُمْ لم تُزَوَّجِ[27])

 

أَلمْ تَرَ قوماً ينكحونَ بمالِهم

ومما يتصل بالثراء والنعيم، ويدلّ على وضع اجتماعي مرموق أن يقوم الناس على خدمة المرأة وما أكثر ما تداول الشعراء هذه المعاني وداروا حولها، وسأفصل القول في ذلك في فصل قادم.

ولم يكتف الشعراء بالحديث عن أسرة المرأة الزوج والإطناب في ذكر أوصافها، والتغني بمناقبها وحسبها ونسبها، بل استداروا إلى بيوتهم يقترب كل منهم من هذه المرأة التي بذل الكثير لتصبح في قربه وفي بيته بعد أن احتضن حلمه بها في قلبه زمناً فلنرهف السمع إلى هؤلاء الشعراء وهم يحدثوننا عن هذه الزوج في عش الزواج أو قفصه.

ونجد الفرزدق- على ما عرف عنه من غلظة وخشونة- يتغنى بأزواجه غناء عاطفياً عامراً بمشاعر العشق والغرام، ولعل "النوار" التي وسمت قلبه ووجدانه بميسم الحب، وتسربت إلى كل قصائده وموضوعاته، كانت أكثر نسائه حظاً من هذا الغناء، فهو يتأملها، ويملأ عينيه منها، فيغلبه إحساسه بالجمال، فيقول مصوّراً جمالها وبهاءها، ويقرن -على عادة الشعراء- بين جمال الأنثى ومظاهر الجمال المبثوثة في الكون لعلهُ يجلو هذا الجمال ويزيده انكشافاً، ويقوي إحساسنا به يقول:

وجَعْدٌ تَثنّى في الكثيبِ غدائرُهُ

 

دعتني إليها الشمسُ تحت خمارِها

إلى ربربٍ تحنو إليه جآذِرُه[28])

 

كأنَّ نواراً ترتعي رملَ عالجٍ

وهو حين يتحدث عن زوجه حدراء يدلّ على السامع بنعيمها وترفها، وبعض عاداتها اليومية المحبّبة، فكأننا أمام حبيبة امرئ القيس "نؤوم الضحى" وقد زادها الزمن تحضراً وغنى، ولا ينسى أن ينعت بعض محاسنها الجسدية، ويخلع عليها بُرد الحياء الجميل يقول:

دَعَت وعليها دِرعُ خَزٍ ومِطْرَفُ

 

إذا انتبهتْ حدراءُ من نَومةِ الضحى

عذابَ الثنايا طيّباً حينَ يُرْشَفُ

 

بأخضرَ من نعمانَ ثم جَلَتْ بهِ

مراضُ سُلالٍ أو هوالكُ نزَّفُ[29])

 

يُتشَّبْهنَ من فَرط الحياءِ كأنها

وزوج هدبة بن الخشرم مضرب المثل في الوفاء والمحبة، وكانت من أجمل أهل زمانها شكلاً وقواماً، فقد جدعت أنفها وقطعت شفتيها يوم قتل، لئلا تحدثها نفسها بالزواج بعده وكان هدبة يحبها ويتشوق إليها وهو في سجنه[30]) ومما يقول فيها:

نواها وإن طالَ التذكرُ تُسْعِفُ

 

أبى القلبُ إلا أمَّ عمروٍ وما أرى

فهل للصّبا إذا جاوزَ الهمَّ موقفُ[31])

 

من البِيضِ لا يُسلي الهمومَ طلابُها

وحديثه عنها مرتبط دائماً بالتذكر وإظهار المحبة وتأكيد الغرام:

على ما لقينا من تناءِ ومن هَجْر

 

ألا ليتَ شعري هل إلى أمّ معمر

إليها وذكراها على حين لا ذِكْرِ

 

تباريحُ يلقاها الفؤادُ صَبابةً

ويا حبَّها لم يُغْرِ شيءٌ كما يُغري[32])

 

فيا قلبُ لم يألفْ كإلفكَ آلفٌ

ويؤكد المتوكل الليثي أيضاً حبه لزوجه ويعلن لها عن مكانتها السامية في نفسه وقلبه في قوله:

يَبيتُ كأنما اغتبقَ المداما

 

إذا ذُكِرتْ لقلبِكَ أمُّ بكرٍ

وتكسو المتنَ ذا خُصَلٍ سُخاما

 

خدلجةُ تَرفُّ غروبُ فيها

وإن كانت مودُّتُها غراما[33])

 

أبى قلبي فما يهوى سواها

وكان الخارجي محمد بن بشير) معجباً بزوجه سعدى، وكانت من أسوأ الناس خلقاً وأشده على عشير، وكان يلقى منها عنتاً، فغاضبها يوماً لقولٍ آذته به واعتزلها، وانتقل إلى زوجته الأخرى، ثم اشتاق إلى سعدى وتذكرها وبدا له الرجوع إليها وقال:

أبى الصبرُ ما ألقى بسعدى فأُغْلَبُ

 

أراني إذا غالبتُ بالصبرِ حبَّها

إذا ظَلَمَتنْا أو ظلَمْنا سُنْعتِبُ

 

وقد علمتْ عند التعاتبِ أننا

رضاها وأعفو ذنَبها حين تْذنبُ

 

وأني وإنْ لم أَجنِ ذنباً سأبتغي

بها عجباً مَنْ كانَ فيها يؤنِّب[34])

 

وإني إذا أذنبتُ فيها يزيدُني

ولعل قارئ هذا الشعر وأشباهه يجد له مذاقاً خاصاً، وحقاً قد يكون هذا المذاق لاذعاً غير مستساغ، ولكنه يبعث فينا الإحساس بصدقه، فنوشك أن نشرك هذين الزوجين في حياتهما اليومية بصفائها وكدرها وجفائها الذي تغالبه المودة والتراحم.

وقد تذكر الشعراء زوجاتهم في حالات البعد والسفر، ويقترن هذا التذكر غالباً بطيف الزوجة الذي يزور الشاعر على بعد المزار، فيثير أشواقه، ويكون محرضاً له للحديث عن الحب. ولعل حديث الفرزدق عن طيف زوجه "النوار" من أطيب الحديث وأجمل الغناء. إنه ينثر الحزن والشوق والحنين الذي في نفسه، فتسيل عواطفه في كلمات رقيقة تبين حالته، ويضاعف إحساسنا بجمال هذا الشاعر تلك العناصر البدوية التي ينثرها في أرجائه، يقول:

جذبُ البُرى لنواحلٍ صُعْرِ

 

طرقتْ نوارُ ودونَ مطرقها

خِمسُ المؤوِّبِ للقطا الكُدْرِ

 

أدنى محلّتِها لطالبها

حتى يُنَبِّهَ أعينَ السّفْر[35])

 

وإذا أَنامُ أَلمَّ طائفُها

وفي قصيدة أخرى يكرر الصورة وينثر في أرجائها عناصر بدوية أخرى، ويضيف إلى طيف " نوار" طيب النشر، فإذا هو طيف معطر يضوع شذى:

نزلاً بحيثُ تَقيلُ عُفْرُ الأبَّدِ

 

طرقَتْ نوارُ معرّسي دويّةٍ

برياضِ مُلْتفٍ حدائقُهُ ندي[36])

 

وكأنما نزلت بنا عطّارةٌ

وأفاض الشعراء أيضاً في الحديث عن حياتهم الزوجية وما تحفل به من حوار وخلاف يومي بينهم وبين أزواجهم حول الأبناء وتحصيل الرزق، وصوروا معظم زوجاتهم لوامات عاذلات يكثرن من التنبيه على أمور المعيشة اليومية والحث على الاقتصاد في الإنفاق وبذل المال.

فهذه أم حزرة زوجة جرير تعاتبه في تحصيل الرزق وتلهّي أولادها الجياع ببعض الماء الذي لا يزيد جوعهم إلا استعاراً، وتقرعه من أجل التصرف وتدبير أمور الأولاد، فيفكر بالخليفة الذي هو مصدر رزقه الوحيد، بعد أن يؤكد ثقته بالله وبالخليفة، جاء ذلك في مدحه لعبد الملك بن مروان:

رأيتُ الموردينَ ذوي لِقاحِ

 

تعزَّتْ أمُّ حزرةَ ثم قالَتْ

بأنفاسٍ من الشَّبمِ القَراحِ

 

تُعَلّلُ وَهْيَ ساغِبةٌ بينها

أَذاةَ اللومِ وانتظري امتياحي

 

سأَمتاحُ البحورَ فجنّبيني

ومِنْ عندِ الخليفةِ بالنجاح[37])

 

ثقي باللّه ليسَ له شَريكٌ

ونراهما أيضاً يخططان معاً للتغلب على الأيام والتفكير في المستقبل،

يقول:

جعادةُ أيَّ مرتحلٍ تريدُ[38])

 

تعرّضَتِ الهمومُ لنا فقالَتْ

 ونجد هذه الصيغة عند معظم شعراء المدح، فهم يكثرون في مقدماتهم من إشراك المرأة الزوج في التساؤل  عن مصدر الرزق ومغالبة الدهر القاسي، فلا يجد الشاعر من ملجأ سوى الخليفة، ويكون بذلك قد أسكت الزوجة عن المطالبة واللوم والعذل، لأنها تعلم أن عطاء الخليفة هو العطاء الذي يطمئن المرء إليه ويجعله رضي البال، ففي شعر لعلباء بن منظور الليثي تظهر فيه الزوجة لوامة في الرزق والتحصيل.

يقول:

زوراءَ بالأذنين ذاتِ تَسدّرِ

 

قالَتْ عليّةُ واعتزمتُ لرحلةٍ

كَلّ عليكَ كبيرُهُمْ كالأصغر

 

أينَ الرحيلُ وأهلُ بيتِكَ كلُّهمْ

لا في ثرى مالٍ ولا في معشرِ[39])

 

فأصاغرٌ أمثالُ سلكانِ القطا

وابن هرمة يقول في مدح إبراهيم بن عبد الله بن مطيع في العصر الأموي:

بعد هَدْءٍ واللومُ قد يؤذيني

 

أَرّقتني تلومُني أمُّ بكرٍ

ليسَ هذا الزمانُ بالمأمونِ

 

حَذَّرتني الزمانَ ثُمَّتَ قالَتُ

دعي اللومَ عنكِ واستبقيني[40])

 

قلتُ لمّا هَبَّتْ تحذّرْني الدهرَ

وكان العجير السلولي امرأ جواداً، فلما أسرع في ماله فأتلفه، ثم أثقله الدين، مد يده إلى مال زوجته فمنعته وعاتبته، فقال لها:

على مالِها أغرِقتَ دَيناً فأقْصِر[41])

 

تقولُ وقد غالبتُها أمُّ خالدٍ

ويدعو الأخطل زوجيه للكف عن لومه على البذل والعطاء ويستعرض لهما مكارمه، فتبدو حكمته التي تعلمها من الزمن والأحداث:

وكُفّا الأذى عني ولا تُكْثِرا عَذْلا

 

أعاذلتيَّ اليومَ ويحكما مهلا

سأُصبحُ لا أَسْطِيعُ جُوداً ولا بُخْلا[42])

 

ذَراني تَجُدْ كَفيَ بمالي فإنني

وكذلك يفعل حارثة بن بدر الغداني الذي يزجر زوجته بحكمة وتعقل عن اللوم على البذل والتبذير:

عليك من التبذيرِ قلتُ لها اقصدي

 

وقائلةٍ يا حار هل أنت ممسكٌ

رأيتُ الكثيرَ المالِ غيرَ مخلَّدِ[43])

 

ولا تأمريني بالسدادِ فإنّني

ونسمع هدبة بن الخشرم الذي ارتبط حديثه عن زوجته بمباهاته والفخر بشجاعته وصبره على المكاره، يطالبها بالكف عن لومه على ما فرّط من أمر نفسه فلا الدهر بمُعتب من يجزع أو يسخط، ولا اللوم بمرجع ما مضى، يقول:

ولا تجزعي مما أصابَ فأوجعا

 

أقلي عليّ اللومَ يا أمَّ بوزعا

إذا ما مضى يومٌ ولا اللومَ مُرْجعا[44])

 

فلا تعذليني لا أرى الدهَر مُعْتِباً

ويطالب النعمان بن بشير الأنصاري زوجه بالكف عن التدخل في أموره والانصراف إلى أمور نفسها وبيتها، وإلا فإنها ستشقى كثيراً:

لو تصحبينَ ركائبي لشقيتِ

 

إنى لعمرُ أبيكِ يا بنةَ هانئٍ

فدعي التبسط للقاء نُسيْتِ

 

وتُسَرُّ أُمُّكِ أننا لم نصطحب

إن كنتِ للرشَّدِ المُصبِّ هُدِيتِ[45])

 

واقني حياءَكِ واقعدي مكفيَّة

ولعل ذلك اللوم وإجماع النساء عليه برأي الدكتور أحمد الحوفي يعود إلى "أنهن أحفل بالثروة وتنميتها، ولأنهن لا يحفلن بأحاديث الكرم، وهن أحسن تدبيراً للمال من الرجال وهن من يباشر أعمال البيوت وحاجاتها، فهن أميل إلى الجانب العملي، فلا يحفلن بثناء ينتقص المال ويسبب الخصاصة، بينما قد يغفل الرجل عن غده وهو في نشوة الثناء وأريحية العطاء"[46]).

على أننا نرى في كلام الدكتور الحوفي تعميماً مرسلاً من كل قيد، إذ المشهور عن أكثر النساء البذخ والصرف والإكثار بسبب وبغير سبب، والرجل هو المدبر لمعظم المشروعات المالية، لأنه فطر على هذا، فقد خلق للعمل خارج المنزل لتدبير المال، تاركاً المرأة وراءه لترعى شؤون الأطفال وتدبير أمور معيشتهم داخل البيت ومن هنا كان التفاوت بينهما.

وينبغي أن أنصّ هنا على أن هذه الصور التي يرسمها الشعراء لزوجاتهم، ليست بغريبة على الشعر العربي، فقد سبقهم أسلافهم الجاهليون، وردّدوا القول في موقف المرأة من المال والكرم على ما هو شائع معروف في مقدمة "العذل أو الفروسية" وتتردد في شعر الخوارج الصورة الثانية للمرأة في هذه المقدمة، فنرى المرأة تعذل زوجها وتلومه وتعنّفه خوفاً عليه وإشفاقاً، فهو يلقي بنفسه إلى الموت دون أن يحسب للعواقب حساباً. فتحاول زوج أحد الشراة" أن تقعد به عن الخروج والقتال فيصمّ أذنيه عن سماع رأيها، ويدعوها إلى الإقصار عما هي فيه، ويعلن إصراره على الخروج دفاعاً عن المبدأ والعقيدة:

وقبَل سُليمى ما عصيتُ الغوانيا

 

تعاتُبني عِرسي على أنْ أُطيعَها

أرى فتنةً صمّاءَ تُبْدي المخازيا

 

فكُفَّي سليمى واتركي اللومَ إننّي

عِزينَ يلاقون البلايا الدواهيا[47])

 

فكيفَ قعودي والشراةُ كما أرى

ويصور لنا عمرو بن الحصين العنبري روح المودّة والتراحم والوئام بينه وبين زوجه، فقد، أرّقها ما رأت من سوء حال زوجها وحزنه ودموعه، فهبت قبيل تبلّج الفجر تكفكف دموعه، وتسأل عما اعتراه، وتدعوه إلى الإقصار عما هو فيه، فقد عرفته صابراً جَلْداً قوياً فيما مضى، وهي في أثناء ذلك كله تبكي وتسرف في البكاء، يقول:

هندٌ تقولُ ودمعُها يجري

 

هبّتْ قُبيلَ تَبَلُّج الفجرِ

ينهلُّ واكفُها على النحرِ

 

إذْ أبصرت عيني وأدمُعَها

سَرِبَ الدموعِ وكنتَ ذا صبرِ[48])

 

أنّى اعتراكَ وكنتَ عهديَ لا

أما زوج يزيد بن حبناء فقد شغفتها الدنيا، ومالت بها النفس إليها، فإذا هي تلوم زوجها لانصرافه عن الاهتمام بأمرها، وتدعوه دعوة صريحة إلى أن يخصّها بالهدايا، فيرد عليها ردّاً هادئاً رشيداً، ويبيّن لها مكانتها في نفسه، ومعرفته لحقوقها عليه ويبصرّها -لعلها تبصر- أن العمر قصير لا يستحق كل هذا الاهتمام، وأن الحياة الصادقة الملأى بالكفاح والجهاد هي الحياة الصحيحة التي تستحق أن تعاش، مستعرضاً أمامها كفاحه ونضاله ورأيه في الحياة على طريقته:

ولا تعجلي باللومِ يا أمَّ عاصم

 

دعي اللومَ إن العيشَ ليسَ بدائمِ

مقالةَ معنيّ بحقِكِ عالمِ

 

فإن عجلتْ منك الملامةُ فاسمعي

تكونُ الهدايا من فُضولِ المغانم

 

ولا تعذلينا في الهديّةِ إنما

جلاداً ويُمسي ليلُهُ غيرَ نائم

 

فليس بمُهْدٍ مَنْ يكون نهارهُ

غَموسٍ كشدقِ العنبريّ ابنِ سالم[49])

 

يريدُ ثوابَ اللهِ يوماً بطعنةٍ

وإذا كان الجهاد قد شغل هذا الشاعر عن الإهداء إلى زوجه، فإن شاعراً خارجياً آخر لا ينصرف عن الاهتمام بأمر زوجه فحسب بل يفضل عليها فرسه فيخصه باللبن دونها، ويسجل هذا الشاعر ذلك كله في أبيات طريفة ساخرة، ينقل لنا عتاب زوجه ولومها له بسبب فرسه الذي يفضله عليها ويقدم له لبن ناقته ويرد عليها بسخرية مرة منها ومن شكلها ويؤكد لها أن الفرس يستحق ما يقدمه له أكثر منها يقول:

تلومُ وما أدري عَلاَمَ تَوجَّعُ

 

أرى أمَّ سهلٍ ما تزالُ تَفجَّعُ

وما تستوي والوردَ ساعةَ تفزعُ

 

تلومُ على أن أُعطيَ الوردَ لِقْحةً

نخيبَ الفؤادِ رأسَها ما تُقَنّعُ[50])

 

إذا هيَ قامت حاسراً مشمعلَّةً

ولكن العلاقة العامرة بالود والتراحم تنقلب بين أبي النجم العجلي وزوجه شرّ منقلب، ويبدو أن زواجه كان زواجاً عاثر الحظ، فهو لا يسمع من زوجه سوى اللوم والتقريع، فلا يكتفي بزجرها وكفها عن اللوم والعذل وإنما يهددها بالعقوبة المناسبة، الحبس والشتم أو الضرب، ويذكرها ويتوعدها بألا تضجر منه وأن تمسك لسانها ولا تسمعه لوماً، ويطلب إليها ألا تساورها فكرة الفراق بل إنه قدرها وعليها لزوم اليأس في هذا الأمر والالتزام برفقته على ما هما فيه فهو أحسن لها من الجزاء الذي تستحقه، يقول:

يا بْنةَ عَمّا لا تلومي واهجعي

لا تسمعيني منكِ لوماً واسمعي

أيهاتَ أيهاتَ ولا تَطلعَي

هي المقاديرُ فلومي أوْدَعي

لا تطمعي في فُرْقتي لا تطمعي

ولا تروِّعيني ولا تروّعي

واْستَشْعري اليأسَ ولا تَفجّعي

فذاك خيرٌ لك من أن تَجْزَعي

فتُحبسَي وتشتمي وتُوجَعي[51])

وفي ديوان رؤبة تصوير بارع لزوجته اللوامة العذالة وهي تحاوره في شؤون البيت والمال وفي كتاب "قصيدة المدح" دراسة وافية حول مقدمات رؤبة[52]).

وكانت بعض الخلافات الزوجية تدور حول الأبناء، فينبري الشعراء للدفاع عن أبنائهم خاصة إذا كان الأولاد من زوجات أخريات، فيظهرون حق هؤلاء الأولاد بمحبتهم وعنايتهم. فهذا هو عمرو بن شأس يجادل امرأته جدالاً شاقاً في أمر ابن له من أمه سوداء يقال له عرار، وكانت زوجته تعيّره إياه وتؤذيه فأنكر عمر أذاها له وقال:

عِراراً لَعمري بالهوانِ فقد ظَلَمْ

 

أرادت عِراراً بالهوانِ وَمَنْ يُرِدْ

فكوني له كالسمْنِ رُبّتْ له الأَدَم

 

فإن كنتِ مني أو تريدينَ صُحبتي

فكوني له كالذئبِ ضاعَتْ له الغنم

 

وإن كنتِ تهوين الفِراق ظعينتي

تجشّمَ خِمْساً ليسَ في سيرهِ أَمَم

 

وإلا فسيري مثل ما سارَ راكبٌ

تلاقينها منه فما أمْلِكُ الشيم

 

فإن عراراً إن يكنْ ذا شكيمةٍ

فإني أحبُّ الجونَ ذا المنكِبِ العمم[53])

 

وإن عراراً إن يكن غيرَ واضحٍ

وهذه هي "النوار" تعاتب الفرزدق عندما ولدت له أمة زنجية بنتاً سمّاها مكية وتكنّى بها، وها هي ذي تشكوها إليه غير مرة، ويبدو أن بعض أهله، قد ظاهروها على شكواها وعتابها، فلم تقع هذه الشكوى وذاك العتاب من نفس الفرزدق موقع الرضا، وإنما ينبري يدافع عنها ويبيّن مكانتها في نفسه، وعاطفته نحوها، وحرصه عليها، ويذكر باعتداد وفخر أن ما فاتها من حسب أمها لم يفتها من حسب أبيها وأعمامها وإخوتها يقول:

كذبتمْ وبيتِ اللهِ بل تظلمونها

 

كنتم زعمتم أنها ظلَمْتكمُ

فإن أباها والدٌ لا يَشينُها

 

فإلا تعدّوا أمَّها من نسائكم

وشيخاً إذا شئتم تأيَّمَ دونها [54])

 

وإنَّ لها أعمامَ صدقٍ وإخوةً

وقد يتخذ الشعراء أولادهم دليلاً على حبهم لنسائهم وإيثارهم لهن، فيقع كلامهم من نفوس هؤلاء النساء موقعاً طيباً جميلاً، على نحو ما فعل الطرماح عندما خاطب زوجه سليمة مؤكدّاً لها حبه عن طريق ابنه صمصام قال:

لها شافعٌ في الصدرِ لم يتبَّرح

 

أصمصامَ إن تشفعْ لأمّكَ تلْقَها

يَعِنُّ لنا في كلِّ ممسى ومُصْبَحِ

 

إذا غِبْتَ عنا لم يَغبْ غيرَ أنّه

لِذّبْحِكَ يا صمصامُ قلتُ لها اذبحي

 

هل الحبُّ إلا أنها لو تجردَّتْ

جنى النحلِ أمسى واتناً بين أجبُحِ[55])

 

وإن كنت عندي أنت أحلى من الجنى

وربما كان هؤلاء الأولاد سبباً في تعزيز مكانة أمهم لدى الشاعر وتمكنها من قلبه وحياته، على نحو ما نرى من أمر الفرزدق وزوجه سويدة، فهو يخاطبها، ويستعرض أمامها مناقبه، ويتحدث عن أولادها حديثاً مشرقاً فتاناً مفعماً بالحب والحنان والرحمة، ويعلن أن هؤلاء الأولاد هم الذين شدّوا بعد الله حبالها إلى قلبه. يقول:

سريعٌ عليها حِفْظتي للمعاتِب

 

ألا زعمتْ عِرسي سويدةُ أنها

مكانكِ والأقوامُ عندَ الضرايب

 

ومكثرةٍ يا سود ودّتْ لو أنّها

إذا كان زادُ القومِ عقرِ الركايب

 

ولو سألتْ عني سويدةُ أُنبِئتْ

وتعليقِ رَحْلي ماشياً غيرَ راكب

 

بضربي بسيفي ساقَ كلِّ سمينةٍ

لقد أنكرت مني عقود الجنائب

 

ولولا أبينُوها الذين أُحِبُّهم

من اللهِ أعطاها مليكُ العواقب

 

ولكنهم ريحانُ قلبي ورحمةٌ

وأوتادَها فينا بأبيضَ ثاقِب[56])

 

هُمُ بعدَ أمر اللهِ شدُّوا حبالَها

وكان حديث الكبر والشعر الأبيض من أكثر ما دار بين الزوجين بعد أن عركتهما الحياة وأهرمتهما الأسرة بمشكلاتها، فقدّما لها العمر والشباب لتنمو وتكبر. إنه حديث ممتدّ عالي النبرة. ولست أبالغ إذا قلت: إن "الشعر الأبيض وموقف المرأة منه" يصلح عنواناً كبيراً لقسم واسع من الشعر الأموي. فلا يكاد يخلو ديوان من دواوين شعراء هذا العصر بل أكاد أقول لا تخلو قصيدة من الإشارة إلى هذا الموضوع حتى أحسست أن الحديث عن المرأة لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن الشيب أو التقدم في السن، ولا سيما تقدم الرجل وكأن المرأة كانت بمنأى ونجوة من صروف الدهر وغِيَر الأيام.

لقد أكثر الشعراء من الإشارة إلى موقف الأنثى عامة -زوجة كانت أو فتاة- ونفورها من الرجال عندما يصبحون في سن تدل عليها ألوان شعورهم. ولا يملك الشاعر إلا أن ينظر إلى نفسه فيرى أن الدهر الذي غيرّ الناس قبله قد غيّره أيضاً، فيلقي على هذا الدهر أثقاله ومواجعه، أو نراه يكثر من الالتفات إلى الوراء، إلى الزمن الماضي يوم كان صغيراً حدثاً يضفي على أناسه النضارة والحيوية. ولا تدع المرأة هذا الأمر يفلت من قبضتها أو يمر على غفلة منها، فإذا هي تذّكر زوجها بما حلّ به وتنهاه عن التصابي وتلومه على التفتي والمغامرة. ويصور لنا الفرزدق موقف "النوار" منه بعدما كبر وكيف تتجنى عليه وتكثر من لومه، وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه لأنه يعرف ما وراء ملامتها، ولا يستطيع أن يرد عن نفسه الشيب أو الكبر يقول:

وتُكْثُر لي الملامةَ والعتابا

 

رأيتُ نوارَ قد جَعَلتْ تَجنَّى

إذا ما رأسُ طالبِهِنَّ شابا

 

وأَحدثُ عهدِ وُدِّكَ بالغواني

ولا أرجو مع الكبرِ الشبابا[57])

 

فلا أستطيعُ ردَّ الشيب عني

 وفي الفعل "تجنى" ما يكفي من الإشارة إلى براءته مما تنسبه إليه.

وفي حوار جميل بين جرير وأحد أزواجه ينقل لنا إنكارها لما هو فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته على أن يدفع عن نفسه ما هو فيه، يقول:

ليتَ العهودَ تجّددَتْ بعدَ البلى

 

قالَتْ بَليتَ فما نراكَ كعهدِنا

حاجاتُ ذي أربٍ وهمٌ كالجوى

 

أأُمامَ غيَّرني وأنتِ غريرةٌ

كيف الصبابةُ بعدما ذهبَ الصِّبا

 

قالت أمامةُ ما لجهلكَ مَالَهُ

بعد استقامتِها وقصْرا في الخطا

 

رأت أمامةُ في العِظام تحنّياً

والويلُ للفتياتِ من خضْبِ اللحّى[58])

 

ورأت بلحيَيْهِ خضاباً راعَها

ويقول العرجي:

وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا

 

رأتني خضيب الرأس شمرّت مئزري

لِغيِّ فلم أعدل عن الغي معدلا[59])

 

صريع هوىً ما يبرح العشقُ قائدي

وليس يزيده لومها وإنكارها لما هو فيه من التصابي وطلب لذات الشباب إلا اندفاعاً في سبيل اللّذة وإقبالاً عليها غير محتفل بما تقول، بل غير محتفل بما ينبغي أن يفرضه عليه الزمن من الرصانة والوقار:

ملَّ سمعي وما تَمَلُّ عتابي

 

تلك عِرسي تلومُني في التّصابي

لاحَ شيبي وقد تولّى شبابي

 

أَهْجَرَتْ في الملامِ تزعمُ أنّي

في قَذالي مبينةً كالشهاب

 

أن رأتْ روعةً مَنْ الشيبِ صارتْ

منكِ هذا وقد علمت جوابي

 

قلتُ مهلاً فقد علمتِ إبائي

وخْطُ شيبٍ بَدَا ودْرِسُ خضاب[60])

 

ليس ناهيَّ عن طلابِ الغواني

ويشكو عمرو بن أحمر الباهلي ما رأى من استخفاف زوجه به وإزرائها عليه عندما رأت شيبه وقد استيقظ شبابها ومرحت وجالت متباهية، يقول:

شيبٌ وهانَ بذاك ما لم تزددِ

 

زعمتْ غنيَّة أنَّ أكثرَ لمَّتي

مرِحَتْ وجالَتْ في الصراخ الأبعد[61])

 

لما رأتْ عُرُباً هجائنَ وسْطها

 

ولم تكن زوج ابن قيس الرقيات أخف وطأة على نفسه من الزمن فهي تهزأ به، وتسخر منه فيما لا يد له فيه، فقد وخط الشيب رأسه وعلا ذؤابته، يقول منكراً من أمرها ما يرى:

لا تلومي ذؤابتي أن تَشيبا[62])

 

هزئت أن رأت بيَ الشيبَ عِرسي

ثم يبين لها أن ما صار إليه إنما كان بسبب بسالته في الحروب، ومطاعنته الأعداء، فكأنما هو ينكر كبر سّنه، ويعتذر عما صار إليه لو كان عذر ينفع!!

وعلا الشيبُ مفرِقي وقذالي

 

إن تَرَيني تَغَيَّرَ اللونُ منيّ

وطعاني في الحرب صُهْبَ السِّبالِ[63])

 

فظلالُ السيوفِ شيّبْنَ رأسي

ومع ما نراه في شعر الشعراء العذريين من الشكوى المفرطة والبوح الأسيان، فإن شعرهم يكاد يخلو من الحديث عن الشيب، بل هو يخلو حقاً من تصوير مواقف نسائهم منه، لكأن تجاربهم العاطفية المخفقة وحبهم الموؤُد وقلوبهم المتعبة.. قد صرفهم عن التفكير في حياتهم الطبيعية، وبقي شعرهم يتغنى حسراته، ويجتر ذكرياته وآلامه.

ولم يكن شعراء الخوارج الذين وقفوا عمرهم وفنهم لعقيدتهم أقل انصرافاً من العذريين عن حديث الشيب وموقف نسائهم منه، فليس في أشعارهم ما يكشف عن هذه المشكلة التي طالما توجع منها الآخرون.

إن الشعراء العرب توجعوا من الشيب بل هم لم يتوجعوا من أمر كما توجعوا من الشيب وصروف الزمان، وما أكثر ما اقترن هذا التوجع بذكر النساء!

وما أكثر ما تمنى الشعراء لو كانوا يملكون زمام الدهر، إذاً لوقفوا به حيث يحبون له أن يقف، أيام كانوا فتية مغامرين يصبون العذارى، ويصيبون من اللذاذة ما يشاؤون. ولكنها أمنيات تذروها رياح العمر العاصفة فتتبدد!

ولم يكن الشيب مقصوراً على الرجال، ولم يكونوا وحدهم أغراضاً لصروف الزمان، فقد شركتهم النساء فيما شكوا منه وتوجّعوا. فكيف كان الأمر حين عمّم الشيب رأس المرأة وبدت طاعنة في السن؟ كانت اللوحة الشاملة لهذا الموقف شديدة المفارقة والحساسية. فقد وقف الشعراء يتأملونها وقد بدت عجوزاً يسربلها خجل حزين لا تملك له دفعاً أو منصرفاً.

وراح كل منهم يتفنن في رسم صورتها ساخراً بها، داعياً للنفور منها، ناصحاً النصائح المجانية لرفاق جنسه بالابتعاد عنها واتقاء شرها.

لقد رأيناه عندما كبر وسخرت منه يتهمها بالظلم ويظن بأخلاقها وعقلها الظنون، وها هو ذا الآن يفعل ما كان ينكره عليها نكراناً شديداً، فما حقيقة موقفه إذاً؟

إنه يجلد هذه العجوز المسكينة بكلماته الهازئة، ويدعو إلى الابتعاد عنها فقد جفّ عودها ويبس، ولم يعد فيها بقية من خير، يقول:

واخلع ثيابَكَ ممعناً هَرَبا

 

لا تَنكحنَّ عجوزاً إن أُتيتَ بها

فإنَ أمثلَ نِصفيها الذي ذهبا[64])

 

فإنْ أتَوْكَ وقالوا إنّها نَصَفٌ

ويسوق رجل آخر النصيحة ذاتها منفراً ممن طعنت في السن، وكانت أرملة مجربة:

مُجرِّبةً قد مُلَّ منها وملّتِ

 

لا تنكحنَّ الدهرَ ما عشتَ أَيَّماً

إذا فقدَتْ شيئاً من البيت جُنَّتِ[65])

 

تحك قفاها من وراءِ خمارِها

أما العجاج فقد سخر من العجائز جميعهن، ورسم لهن صورة "كاريكاتورية" ساخرة سخرية لاذعة، فشبههن بالأفاعي، وتكثّر عليهن الطعام، ودعا عليهن دعاء طريفاً ساخراً، وخصّ واحدة منهن بالحديث فرآها لا تساوي فلساً، ثم صورها صورة فيها من المرارة والسخرية أضعاف ما فيها من الدعابة، فهي تنهس الزبدة نهساً:

عجائزاً مثل الأفاعي خمسا

 

لقد رأيتُ عجباً مذ أمسا

لا تركَ اللهُ لهُنَّ ضرسا

 

يأكلنَ ما في رحلِهنَّ همسا

فيها عجوزٌ لا تساوي فلسا

 

ولا لقينَ الدهرَ إلا تَعْسا

 

لا تأكلُ الزّبدة إلا نَهْسا[66])

 

وحقاً ليست هذه الأشعار في المرأة الزوج، ولكنها تدل على موقف الرجل من امرأته حين تطعن في السن، ويعمّمها الشيب.

ونرى زوج محمد بن بشير الخارجي العدوانية قد أسنّت، فضربت دونه حجاباً، لما تعرف من رأيه فيها وتوارت عنه، ودعت نسوة من عشيرتها فجلسن عندها يلهون ويتغنين فسمعهن فقال ساخراً:

إلى كعبِها وامْتُصَّ منها شبابُها

 

لئن عانسٌ قد شاب مَا بين قرنِها

حجاباً لقد كان ستيراً حجابُها

 

صَبَتْ في طِلابِ اللهوِ يوماً وعَلَّقَتْ

ثوى الزعمُ منها حيث يثوي نقابُها[67])

 

فبيني برغمٍ ثم ظليّ فربما

ونسمع أبا الأسود الدؤلي الوفي لامرأته العجوز يعلن أنه قد خالف قاعدة الرجال الشعراء وشبب بعجوزه على الرغم مما يتعرض له محب العجوز من لوم وتوبيخ:

عجوزاً ومن يُحْبِبْ عجوزاً يُفنّدِ

 

أبى القلُب إلا أمّ عمروٍ وحبَّها

ورقْعَتُه ما شئتَ في العينِ واليدِ[68])

 

كسحق اليماني قد تقادَم عهدُهُ

ولم يقتصر هجاء الزوجات على العجائز منهن فقط بل كان بعضُ الخلاف والنشوز يؤدي إلى هجاء الزوجة وتصويرها بصورة قبيحة مشوهة.

فقد هجا الفرزدق زوجته رهيمة بنت غني بن درهم النمرية عندما نشزت عليه وطلقها، فصورها صورة مضحكة بدت فيها صلعاء خشنة الملمس كالشوك:

مُزَمّلةً من بَعلِها لبعادِ

 

لا تِنْكحَنْ بَعْدي، فتى، نمريةً

مولَعةً في خضرةٍ وسوادِ

 

بيضاءَ زعراءَ المفارقِ شجنةً

إذا عانقَتْ بعلاً مَضمُّ قَتادِ[69])

 

لها بَشَرٌ شَسْنٌ كأن مضمَّه

وهجا أبو المنهال زوجه، فرسم لها صورة هي صورة القبح عينه، فوجهها وجه قرد، وثديها متهدل يجول على بطنها كالقربة، وساقها كساق الدجاجة، صور قبيحة متلاحقة على نحو ما نرى:

ووجهٌ كبيض القطا الأبرشِ

 

لها وجهُ قرد إذا زُيّنتْ

كقربةِ ذي الثُلّةِ المُعْطشِ

 

وثديٌ يجولُ على بَطنِها

كساقِ الدجاجةِ أو أحمش[70])

 

وساقٌ بخلخالِها خاتمٌ

أما الأقرع بن معاذ القشيري فكان أكثر جرأة أو أقل رزانة وحياء في هجاء زوجه عندما قال:

إليَّ وإنْ ضاجعتُها لبغيضُ

 

لَعَمْرُكَ إنّ المسَّ من أمِ خالدٍ

على الثوبِ نمْلٌ عازمٌ وبَعوضُ[71])

 

إذا ابتُزَّ عنها ثوبُها فكأنما

وفي خبر عن الصمة القشيري أنه "هوي امرأة من قومه ثم من بنات عمه يقال لها العامرية بنت غطيف، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وخطبها عامر بن بشير بن أبي براء بن مالك بن ملاعب الأسنة فزوجه إياها.

فلما بنى بها زوجها، وجد الصمة بها وجداً شديداً وحزن عليها، فزوجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشي بن الطفيل فأقام عليها مقاماً يسيراً ثم رحل إلى الشام غاضباً على قومه وخلف امرأته فيهم وقال لها:

خطامَكِ ما تدرينَ ما اليومُ من أمس[72])

 

كُلي التمرَ حتى تهرمَ النخلُ واضفري

وزوج النابغة الجعدي كانت من بني المجنون وهم كثرة من بني جعدة، فنازعته وادعت الطلاق، فكان يراها في منامه ويقول:

مجنونةٌ هُنّباءُ بنتُ مجنون

 

وشرُّ حشوِ خباءٍ أنت مولجُهُ

وتَقْضَمُ الحَبَّ صِرفاً غيرَ مطحون[73])

 

تستخنثُ الوطْبَ لم تنقُض مَريرتَهُ

ولم يقتصر الهجاء على الزوج بل امتد شرره وتطاير ليصيب من كان يحتمل أن تكون زوجاً للشاعر، فقد سخر محمد بن بشير الخارجي من امرأة كان يخطبها فقال:

عرقوبُها مثلُ شهرِ الصومِ في الطول

 

أُنبِئْتُ أنّ فتاةًكنتُ أخطبُها

كأنها حينَ يبدو وجهُهَا غُولُ[74])

 

أسنانُها مئةٌ أو زدنّ واحدةً

وقد يتفاقم الخلاف بعد هذه المنازعات والأهاجي، ويتطور الموقف بين الزوجين إلى الفراق والطلاق فقد كان لأعشى همدان امرأة من قومه يقال لها أم الجلال، فطالت مدتها معه وأبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة، فقالت له لا حتى تطلق أم الجلال. فطلقها، وقال:

فطاشَتْ نبالُكِ عندَ النصال

 

تَقَادَمَ ودُّكِ أمَّ الجلال

فرثت قُوى الحبلِ بعدَ الوِصال

 

وطالَ لزومُكِ ليْ حقبةَ

فقد أَصبحَ اليوم عن ذاكَ سالي

 

وكانَ الفؤادُ بها معجباً

ولكنْ سلا سلوةً في جمال

 

صحا لا مُسيئاً ولا ظالماً

وَرُضْنا خلائقَكم كلَّ حال

 

ورُضْتِ خلائقَنا كلهَّا

تسومينني كلَّ أمرٍ عُضال

 

فأعييتِنا في الذي بيننا

فلا لكِ في ذاك خيرٌ ولالي

 

فبعضَ العتابِ فلا تهلكي

ءُ صَبّحْتُها بثلاثٍ عجال

 

فلما بدا ليَ منها البذا

وبعد أن طلقها قال:

تُ كلا وخالِقنا ذي الجلال[75])

 

ولا تحسبيني بأني ندمـ

وحدّث محمد بن بشير، قال: علق أبي جارية لبعض الهاشميين، فبعثت أمي تعاتبه فكتب إليها يهدئ روعها ويشرح لها كيف طمح إلى سواها فلتقبل وضعها على ما هو:

قال:

ولا تُقاسنَّ بعدي الهمَّ والجزعا

 

لا تَتْبَعنْ لوعةً إثري ولا هلعا

إلى سواكِ وقلبٍ عنكِ قد نَزَعا[76])

 

ما تصنعينَ بعينٍ عنكِ طامحةٍ

وربما ندم بعضهم أشد الندم، وشاقه الحب القديم بعد الطلاق، فراح يصور شوقه وحنينه إليها، ويلقي اللوم على الوشاة، ولات ساعة مندم.

فقد طلق المتوكل الليثي زوجه أم بكر حين سألته الطلاق، ثم أفاق من غفلته، فندم على ما كان منه، قال:

وَرُدّي قبلَ بينكِمُ السّلاما

 

قفي قبلَ التفرّقِ يا أُماما

دعاءُ حمامةٍ تدعو حماما

 

طربتُ وشاقَني يا أُمَّ بكرٍ

أُعزّي عنكِ قلباً مُستهاما

 

فبتُّ وباتَ همّيْ لي نَجيِّاً

ورثَّ الحبلُ فانجذمَ انجذاما

 

سعى الواشونَ حتى أَزعجوها

إذا سخطتْ وتغتمُّ اغتماما[77])

 

تَساقَطُ أَنْفُساً نفسي عليها

وأشفق أبو دهبل الجمحي على زوجه، وشاقه فراقها، وهي بنت الحسب والعز، فاضطرب واعتراه حزن مقيم، وضاقت عليه سبل القول على اتساعها، قال:

وكنتُ إذا ما زرتُها لا أُعرِّجُ

 

وإنّي لمحزونٌ عشيَّةَ زرتُها

وفي القولِ مستنُ كثيرٌ ومخرجُ

 

وأعيا عليّ  القولُ والقولُ واسعٌ

لها نَسَبٌ من فرعِ فهرِ مُتَوَّجُ[78])

 

وأشفق قلبي من فراقِ خليلةٍ

وتذكر محمد بن بشير الخارجي زوجه التي طلقها في البصرة بناء على رغبتها، ورحل إلى الحجاز، فغاله الشوق والأسى لما حدث بينهما:

وثَوَتْ بقلبِكَ زفرةٌ وهمومُ

 

باتَتْ لعينكَ عبرةٌ وسجومُ

في الوصلِ لا حرجٌ ولا مذمومُ

 

ولقد أراكِ غداةَ بنتِ وعهدُكُمْ

عَلَقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ

 

ولقد أردتُ الصبرَ عنكِ فعاقني

شتّانَ ذاك مصّححٌ وسقيم

 

وعَتْبتِ حين صححتِ وهو بدائه

إن المحبَّ عن الحبيبِ حليم

 

وأذيته زمناً فعَادَ بحِلْمِه

شوقٌ إليكِ وإن بخلت أَليمْ[79])

 

وزعمتِ أنّكِ تبخلين وَشَفّهُ

وكانت النوار قد مكثت عند الفرزدق زماناً ترضى عنه أحياناً وأحياناً تخاصمه، وكانت تطلب منه الطلاق ويرفض ذلك، فلم تزل ترققه وتستعطفه حتى أجابها إلى طلاقها، وأخذ عليها ألا تفارقه، ولا تبرح منزله، ولا تتزوج رجلاً بعده، ولا تمنعه من مالها، ثم ندم على طلاقها قائلاً:

غَدَتْ مني مطلّقةٌ نَوارُ

 

ندمتُ ندامةَ الكُسَعَيّ لمّا

كآدمَ حينَ لجَّ به الضرار[80])

 

وكانت جنتي فخرجتُ منها

أما حارثة بن بدر الغداني فقد خرج مع سلم بن زياد بخراسان وأوصى رجلاً من غدانة أن يتعهد امرأته الشماء ويقوم بأمرها، فكان الغداني يأتيها فيتحدث عندها ويطيل حتى أحبها، فكتب إلى حارثة يخبره أنها فسدت عليه وتغيرت، ويشير عليه بفراقها، ويقول له أنها فضحتك، فكتب إليه بطلاقها، وكتب في آخر كتابه:

أَبى أوَدُ الشمّاءِ أن يتقوَّما

 

آلا آذِنا شمّاءَ بالبينِ إنَّه

فلما طلقها وقضت عدتها خطبها الغداني فتزوجها، وكان حارثة شديد الحب لها، فبلغه ذلك، فاغتم وحزن، ثم قال:

ولكنْ أطلتُ النأيَ عنها فملّتِ

 

لَعَمْرُكَ ما فارقتُ شمّاءَ عن قلىً

إليها ولا تدنو إذا هي حَلَّت[81])

 

مقيماً بمرورَوذَ لا أنا قافل

وتمنى بعض الأزواج لو كانت زوجاتهم من البدويات العربيات اللواتي يتميزن بالأصالة والأخلاق والفضائل الكريمة. وهم بذلك يهجون زوجاتهم الحضريات وينفرون من كثرة مشاكستهن ومخاصمتهن، بل ويعيرون هؤلاء الزوجات بأنهن لسن من البدويات الفاضلات. وممن لجأ إلى هذا الأسلوب الهجائي من الشعراء الفرزدق عندما خاصم زوجه النوار. قال:

تظلُّ بِرَوْقي بيتِها الريحُ تَخفقُ

 

لَعَمْري لأَعرابيّةٌ في مظلّةٍ

إذا ما بدت مثلَ الغمامةِ تُشرقُ

 

كأمِّ غزالٍ أو كدّرَةِ غائصٍ

إذا رُفعتْ عنها المراويح تعرق

 

أَحبُّ إلينا من ضِناكِ ضِفّنةٍ

صحيحاً ويبدو داؤها حين تُفْلَق[82])

 

كبطيخة الزّراعِ يُعْجِبُ لونُها

لم يكن المجتمع العربي يومئذ على الرغم مما أصابه من تحضر قد فارق بداوته، فقد ظلت روح البداوة تسري في عروقه، وظل حنينه إلى مثالية الصحراء حنيناً جارفاً، ولذا ظلت المرأة البدوية أعلق بنفوس الشعراء من أختها الحضرية. ونرى ذلك واضحاً لا في حديث الشعراء عن نسائهم فحسب، بل في الغزل الأموي كله، حتى في ذلك الغزل اللاهي الذي نما وازدهر في مدن الحجاز المترفة على نحو ما سنرى.

وما أكثر ما شعرت أولئك البدويات اللواتي تركن البادية بغربتهن في بلاد أزواجهن، وما أكثر ما أبدين التذمر والملل والكراهية من حياة المدنية المملة، فرشحت نفوسهن بما تكظم وانسالت أبياتاً في الحنين إلى البادية التي خرجن منها.

ولعل أشهر هؤلاء البدويات وأبعدهن صيتاً، ميسون بنت بحدل التي كرهت زواجها والموطن الذي صارت إليه، وفضلت زوجاً من أبناء عمها يصونها ويحميها ويبقي على مشاعرها بين أهلها في تلك البادية التي ألفتها بخشونتها وفقرها، فكانت منها في سويداء القلب، فلم تقو على فراقها، ولم تطق عليها صبراً، فإذا هي تسترسل في الحديث عنها ذاكرة أشياءَها وحيوانها وأهلها وطريقة عيشها، ومقابلة بينها وبين المدينة في كل ما ذكرت في موازنة عاطفية صرف ترجح فيها كفة البادية على كفة المدينة رجحاناً يستوقف القارئ ويهزّه هزاً، تقول:

أحبُ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ

 

لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيه

أحبُّ إلى من بَغلٍ زفوفِ

 

وبكرٌ يتبعُ الأظعانَ سَقْباً

أَحبُّ إلى من قطٍ أَلوفِ

 

وكلبٌ يَنْبحُ الطُرَّاقَ عني

أحبُّ إليَّ من لبسِ الشَفوفِ

 

ولُبسُ عباءةٍ وتقَرَّ عيني

أَحبُّ إليَّ من أكلِ الرغيفِ

 

وأَكُل كُسَيْرِة في كسر بيتي

أَحبُّ إليَّ من نَقْرِ الدّفوفِ

 

وأصواتُ الرياحِ بكلَّ فجٍ

أَحبُّ إليّ من عِلجٍ عَليفِ

 

وخرقُ من بني عمّي نحيفٌ

إلى نفسي من العيشِ الطريفِ

 

خشونةُ عيشتي البدوِ أشهى

فحسبي ذاكَ من وطنٍ شريفِ[83])

 

فما أبغي سوى وطني بديلاً

وميسون هذه هي زوج معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين، وأم ابنه يزيد، وكانت بدوية فضاقت نفسها لما تسرّى عليها، فعذ لها على ذلك وقال لها:

أنت في ملك عظيم وما تدرين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة، فقالت الأبيات. ولما سمعها قال لها: ما رضيت يا بنة بحدلٍ حتى جعلتني علجاً عليفاً، فالحقي بأهلك فطلقها وألحقها بأهلها"[84]).

وقد حرصت أسر هؤلاء الغريبات على تزويدهن بعض النصائح والوصايا من أجل الحظوة عند رجالهن وحفظاً للمودة والحب، وإيناساً للنفس في الغربة وفي بيت الزوجية، فقد أوصت أم ابنتها ليلة زفافها قائلة:

"أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي فيه خرجت، وعشك الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً يكن لك ذخراً، فالأولى والثانية، الخشوع له بالقناعة وحسن السمع والطاعة، وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وأما الخامسة والسادسة، فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة، فالاحتراس بماله والإبقاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة، فلا تعصين له أمراً ولا تفشين له سراً، ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً"[85]).

ومن أكبر المشاكل التي تعرضت لها الأسرة العربية والزوجة خاصة، مشكلة الجواري، وكان بعضهن عربيات سبايا، وكان أكثرهن أجنبيات من أجناس وعروق شتى، ولقيت هؤلاء الجواري -ولا سيما الأجنبيات منهن- حظوة لدى الرجال بجمالهن ومواهبهن، فتسرّوا بكثير منهن لأن زواج العربي بغير العربية كان أمراً غير مرغوب فيه، فعوّضوا هذا الإحساس بالتسري بالإماء والجواري حتى أصبحت العلاقة بين الرجل ومن يتسرى بها علاقة شرعية لا حرج فيها ولا إثم بنص آية قرآنية كريمة "وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم"[86]) وهذه التي عدت ملك اليمين التي يتسرى بها سيدها وتنجب له تدعى "أم ولد" ولها حقوق شرعية مقررة، فليس يجوز بيعها ولا هبتها، وإذا مات عنها زوجها أصبحت حرة، وقد انشغل الرجل العربي بهذه المرأة وانبهر بحسنها وجمالها وفنون دهائها وذكائها، مما أدى إلى تصدع كيان الأسرة العربية وأدى إلى ردة فعل الزوجة التي كانت تتطلع إلى شيء من التحرر، وتبحث عن أساليب تبرز أثرها في حياة الرجل العربي، بيد أننا ينبغي أن نذكر أن السرية كانت أقل منزلة من الزوجة وذلك بسبب ما شاع في العصر الأموي من عصبية تجاه العنصر الوافد على المجتمع العربي، فقد شعر الأمويون بالخطر يتهدد عروبتهم باختلاطهم الواسع بالأمم الأخرى وساسوا الناس سياسة قائمة على بث العصبية في نفوس أبناء جنسهم، مما جعل هؤلاء العرب ينظرون إلى الجواري وإلى أبنائهن نظرة احتقار ومهانة، واستنكروا الهجنة في أبنائهم ورفضوا أن يزوجوا الهجين ولو كان ابن الخليفة، على نحو ما روي من خبر عقيل بن علفة "الذي كان غيوراً جداً، فقد رفض مصاهرة عبد الملك بن مروان عندما خطب ابنة عقيل لبعض ولده، وقال: جنبّني هجناء ولدك"[87])وشعر أبناء الجواري بالمهانة وعدم المساواة في المعاملة بينهم وبين أبناء العربيات المحصنات. فهذا عبيد الله بن الحر وكان لأم ولد، يستنكر وضعه ويتمرد على مجتمعه ويتحول إلى الصعلكة ويعلن احتجاجه مبطناً بأمنية لعله يحظى كرامة أبناء العربيات:

جيادُ القنا والمرهفاتِ الصفائحِ

 

فإن تَكُ أُمّي من نساءٍ أفاءها

كرائمَ أَولادِ النساءِ الصرائحِ[88])

 

فتباً لفضلِ الحُرِّ إن لم أَنَلْ بهِ

وبسبب هذا الغض من مكانة أبناء السراري، حرم مسلمة بن عبد الملك الذي عرف بالتعقل والرزانة، الخلافة لأنه لأم ولد[89]). وظل أهل المدينة يكرهون أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأمهاتهم بنات آخر ملوك الساسانيين[90]).

وكانت الإماء والجواري كثيرات في المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي الذي عرف نظام الرق من خلال الأسر أو السبي أو التجارة، وكانت هؤلاء الإماء أسهل وأيسر من النساء العربيات، فكثر الإقبال عليهن والتسري بهن وبلغن حداً خلخل نظام المجتمع العربي وكيان المرأة العربية، واشتهرت طائفة من هؤلاء الجواري ممن تعلمن الغناء والعزف، وأصبحت لهن علاقات وثيقة جداً بالخلفاء والحكام في دولة بني أمية واستطعن أن يفرضن وجودهن وذوقهن على العصر وأخلاقه، ومن أخبار الخلفاء وشغفهم بالجواري، أن عبد الملك خرج ذات ليلة فبصر في صحن داره جارية من جواريه أعزهن عليه وأحبهن فقال: ما أوقفك هذا الموقف؟ قالت: ذكرت قول الله تبارك وتعالى "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنونهم" وإذا هاتف يهتف ويقول:

من آخرِ الليلِ لمّا بلَّها السَّحَرُ

 

محجوبة سمعَتْ صوتي فَأرّقَها

والحليُ منها على لَبّاتها حصرُ

 

تُدني على الجيدِ منها من معصفرةٍ

فقال عبد الملك لحاجبه: عليّ برأس الرجل الساعة، ثم استطاعت الجارية أن تخلصه[91]).

وكان "هشام بن عبد الملك مشغوفاً بجارية يقال لها "صدوف" مدنية، اشتريت له بمال جزيل، فعتب عليها ذات يوم في شيء وهجرها وحلف ألا يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك، فقال له: مالي أراك مغموماً يا أمير المؤمنين؟ فأخبره هشام القصة، فأطرق الكميت وأنشأ يقول:

وعتابُ مثلِك مثلها تشريفُ

 

أعتبتَ أم عتبتْ عليكَ صدوفُ

فكانت سبب الصلح بينهما"[92])

وعلى عكس ما كان شائعاً بين الخلفاء من إيثار الجواري والتعلق بهن، كان أمر الشعراء في العصر الأموي، وقليلاً ما تغزل شعراء هذا العصر بهن.

فهذا جرير يطري بعض الجواري من ساكنات المدن والأسواق، ويصف بعض ملابسها الرقيقة الشفافة:

لبّاسةٌ للقُمُصِ الرّقاقِ[93])

 

جاريةٌ من ساكني الأسواقِ

وكان ليزيد بن مفرغ الحميري جارية تدعى أراكة، وكان يهواها وحصل أن ابتعد عنها، فتذكر أيامه معها بهذه الأبيات:

عيشاً لذيذاً وكانت جنّةً رغدا

 

أمّا الأراكُ فكانت من محارمنا

نَغنى بها إن خشينا الأزلَ والنّكدا[94])

 

كانت لنا جنّةً كنا نعيشُ بها

وللأحوص غزل بالجواري، وتذكر لأيام المحبة واللقاءات السعيدة:

بعدي تَقَلُّبُ ذا الزمانِ المفسدِ

 

هل تذكرينَ عَقيلٌ أو أنساكِه

منا جميعُ الشملِ لم يتبدّدِ[95])

 

يومي ويومَكِ بالعقيقِ إذ الهوى

لقد تتبعنا حديث المرأة الزوج في هذا الشعر ما وسعنا الجهد، فرصدنا أمرها يوم كانت تهم أو تحلم بدخول بيت الزوجية، ورصدنا حياتها في هذا البيت وما كان من أمر علاقتها بزوجها: حباً ومودة كانت هذه العلاقة أو شجاراً وخلافات، ولم يبق أمامنا لنستكمل هذا الحديث إلا أن نتساءل عن وفاتها حين يطوي الموت ما كان منشوراً، فكيف برزت صورة الزوجة بعد وفاتها؟ وهل انقطعت بينها وبين الشاعر كل الأسباب؟

إن مفارقة غريبة وقاسية وعجيبة تصدم الباحث وهو يتأمل هذا الموقف المهيب

ها هي ذي رفيقة العمر ترحل وترحل برحيلها قطعة غالية من العمر، وها هو الزوج ينفض من على منكبيه غبار السنين فتتردد أصداؤها قوية أو خافتة بين جوانحه، ولكنه على جلال الموقف وهيبته -يزّم شفتيه ويمضي كأن أمراً لم يقع!!

أليست مفارقة عجيبة حقاً أن ينذر الشعراء جلّ حياتهم وأشعارهم منذ أول كلمة شعر يقرضونها إلى آخر قصيدة، وهم يتغنون بهذه المرأة، المرأة المثال الأكبر، والحقيقة الثابتة في حياتهم، يتناولونها في شعرهم رمزاً عاماً: للحياة والحب والمخاطر والموت، ثم نراهم عند موتها يخجلون من ذكرها، أو يستكثرون عليها بعض النشيد؟

إن الباحث ليحار في تعليل هذا حقاً؟ أهو مجتمع الذكورة الذي لا يليق به أن يظهر بعض ضعفه في لحظة الضعف الكبرى؟ وإذا كان هذا هو السبب، فلم أكثر هؤلاء الشعراء من الشكوى وأفرطوا فيها في محراب الحب؟ هل هي علاقة ملكية صرف عارية من الود والتراحم؟ لقد أراد الله لها غير ذلك "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة "صدق الله العظيم"[96]).

أهي طبيعة الحياة التي لا تعرف غير القسوة وعدم المبالاة حقاً ولا تؤمن بمنطق الالتفات إلى الوراء ولو قليلاً؟ من يدري؟ إنها دراية قاسية على كل حال فلا يكاد شاعر يذكر زوجه المتوفاة حتى يأتي بعبارة تدل على الحياء أو المداراة والخجل. هل في ذكر حبه لها بعد وفاتها ما يخجل؟!

هل في ذكر حزنه عليها منقصة وعار؟! لقد كان عمره كله هيناً رخيصاً مقابل نظرة حب ورضى من عينيها، فما الذي غيرّه كل هذا التغيير؟

وقد أحس "جرير" هذه الأحاسيس كلها فاندفع يتحدى هذا الموقف الغامض، ولكنه لم يجد مناصاً من ذكر الحياة الاجتماعية ومداراة تقاليد مجتمعه، يقول في رثاء زوجه:

ولزرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ

 

لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ

وذوو التمائم من بينكِ صِغارُ[97])

 

ولَّهتِ قلبي إذ عَلَتْني كبرَةٌ

وما من ريب أن في هذه القصيدة لوعة الحزن وحرقة الدمع ونبل الإنسان، ولكنه مع الحزن الجيّاش الذي اعترى نفسه والدموع الغزار التي عرفها قلبه، والمعاني الإنسانية النبيلة التي ألمّ بها، لم يلبث أن تحوّل بهذه القصيدة إلى نقيضة، فتحولت بذلك من غاية الحزن والأسى إلى أبشع صور الهجاء والشتم والسباب بينه وبين الفرزدق!!

وليس يستحق الموقف في نظر الفرزدق أدنى التفات أو اهتمام، بل هو الجفاء والغلظة وقسوة القلب، فكأن قلب هذا الشاعر قُدّ من حجر، فقد توفيت زوجه "حدراء" فلم يفتح الله عليه إلا بمثل هذا الشعر:

وكيفَ بشيء وَصْلُهُ قد تقطّعا

 

يقولونَ زُرْ حدراءَ والتربُ دونها

على المرءِ منْ أَصحابِهِ مَنْ تَقَنَعا

 

وأَهونُ مفقودٍ إذا الموتُ نالَهُ

رزيّةُ مرتّجِ الروادفِ أَفرعا[98])

 

وأهونُ رُزْءٍ لامرئٍ غيرِ عاجزٍ

ولكننا لا نعدم أن نجد من يتعالى على الحياء والخجل، ويعلن أسفه وحزنه الشديد لفقد زوجته الحبيبة، ويتذكر ما كان من حسبها ومجدها وطيب معاشرتها ما هو جدير بالحزن والجزع والبكاء كما في رثاء الوليد بن يزيد لزوجه:

مضَمَّنَةً من الصحراءِ لَحْدا

 

أَلّما تعلما سلمى أقامَتْ

بها حَسَباً ومكرمةً ومجدا

 

لَعَمْرُكَ يا وليدُ لقد أجنّوا

وأكثَر جازِعاً وأَجلَّ فقدا[99])

 

فلم أَرَ مَيّتاً أَبكى لعينٍ

وأحياناً، أحياناً نادرة، تصفو النفس، ويضوع منها عبق إنساني فتّان، فيرقب الشاعر صغاره وقد أرمضهم اليتم وغالهم، فلا يملك إلا أن يسلم نفسه للبكاء والأسى تاركاً حزنه ينساب من غير أن يخجل أو يداري:

وذكَّرَنيها أيُّنا هوَ أَوجَعُ

 

فو اللّه ما أدري إذا الليلُ جننَّي

أمِ العاشقُ النابي بهِ كلُّ مَضجعِ[100])

 

أَمنفصِلٌ عن ثدي أمٍّ كريمةٍ

وهذه هي حال مالك بن المزموم الحارثي الذي رزئ بزوجه، فماتت عن ابنة صغيرة لها، فهو يصور هذه الابنة، وقد غابت عنها الحقيقة المرّة فليست تعرف ما حل بأمها، وهو يذكر هذه الزوج، ويصلي عليها، ويتأسى لفراقها ويذكر بعض أحوالها:

أمُّ العلاءِ فنادِها لو تسمعُ

 

امررْ على الجدَثِ الذي حلَّتْ به

بلداً يمرُّ به الشجاع فيفزَعُ

 

أنّى حَلَلْتِ وكنتِ جدَّ فروقةٍ

إذْ لا يلائُمك المكانُ البلقعُ

 

صلَّى عليكِ اللّهُ من مفقودةٍ

لم تَدرِ ما جزعٌ عليكِ فتجزعُ[101])

 

فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً

وممن قال يرثي زوجته باقياً على مودتها واحترام ذكراها، "بيهس" وهو شاعر مغمور من شعراء الدولة الأموية، ومما قاله فيها:

باقٍ فيسمعَ صوتَ المدلجِ الساري

 

هل بالديار التي بالقاعِ من أَحدٍ

نارٌ تُضيء ولا أصواتُ سُمّار

 

تلك المنازلُ من صفراءَ ليسَ بها

لولا الحياء ولولا رهبةُ العارِ

 

قد كان يعتادُني من ذِكرِها جزعٌ

فأيّ عار هذا الذي يخافه؟ وأيّ حياء هذا الذي يتدثر به ليخفي حقيقته عن العيون؟ وهو يحيي قبرها ويدعو لها مذكراً نفسه بالمسافة التي تفصل بينهما:

لام وقولا حيّنا أيُّها القبر

 

ألّما على قبرٍ لصفراءَ فاقرأا السـ

دعاءَك قبراً دونه حججُ عشرُ[102])

 

وما كان شيئاً غير أن لستُ صابراً

ونختم رثاء الزوجة برثاء للمرأة عامة جاء على لسان عمر بن أبي ربيعة، عندما سمع بمقتل ابنة النعمان بن بشير. روى المسعودي في مروج الذهب أن مصعب بن الزبير قتل "عدة آلاف مما طالب بدم الحسين وتتبع الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها، وأتى بحرم المختار الثقفي فدعاهن إلى البراءة منه، ففعلن إلا حرمتين إحداهما بنت سَمُرة بن جندب الفزاري، والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وقالت: كيف نتبرأ من رجل يذكر الله، وقد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله وأهل شيعته، فكتب إلى أخيه عبد الله بخبرهما وما قالتا، فكتب إليه:

إن هما رجعتا عما عليه وتبرأتا منه وإلا فاقتلهما، فعرضهما مصعب على السيف فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرأت منه، وأبت بنت النعمان بن بشير وقالت: شهادة أرزقها فأتركها؟ كلا!.. إنها موتة ثم الجنة والقدوم على الرسول وأهل بيته، والله لا يكون، آتي مع ابن هند فأتبعه، وأترك ابن أبي طالب، اللهم اشهد أني تبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ثم قدّمها فقتلت صبراً وفيها يقول عمر:

قتلَ بيضاءَ حُرّةٍ عُطبُولِ

 

إنّ من أعجبِ الأعاجيبِ عندي

إنّ للّهِ دَرّها من قتيل

 

قتلوها ظلماً على غير جُرمٍ

وعلى الغانياتِ جَرُّ الذيولِ[103])

 

كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا

ولعلنا نستطيع أن نجد في هذه الحادثة صورة الزوج الوفيّة لزوجها الوفاء كلّه، كما نتبين أهمية موقف المرأة وصلابتها في تمثل حركة مجتمعها وما يدور فيه من أحداث سياسية ومذهبية وفكرية، ويكشف لنا عن وعيها بكل ما يجري وعن صلابتها التي تفوق صلابة كثير من الرجال.

 



[1]) مجلة عالم الفكر -مكانة المرأة في التشريع الإسلامي د. عبد الباسط محسن ص39 م7/ العدد الأول/ 1976 إبريل -مايو- يونيو.

[2]) ديوان محمد بن بشير، 52.

[3]) المصدر السابق 63.

[4]) المستطرف في كل فن مستظرف101

[5]) ديوان الفرزدق 126

[6]) الأغاني 11/86.

[7]) العقد الفريد 6/122

[8]) ديوان الفرزدق: 112

[9]) المصدر السابق: ص89 شم: مرتفعات الأسنام. الغوارب: واحدتها غارب: الكاحل، التلاد: المال الموروث، الظفارية المنسوبة إلى ظفار، الجزع: الخرز أبيض وفيه سواد. تريبة البعير: منحره.

[10]) أمالي ابن دريد الأزدي: 105

[11]) ملحق بقصائد ديوان جرير: 880

[12]) ديوان العرجي: 51 القرم من الرجال: السيد المعظم. قصي: ابن كلاب بن مرة وهو الذي جمع قريش ووحدها. علته: سمت إليه في الرفعة والشرف، وعبد شمس وهاشم أخوان أبوهما عبد مناف بن قصي جعل الضمير في يفخرون مذكراً في موضع التأنيث لملاحظة أن شرف النساء مما يتعلق بفخر الرجال إذ النقص في شرفهن يحط من قدر رجالهن. أم أروى: اسمها البيضاء، وهي بنت عبد المطلب شقيقة عبد الله والد الرسول الكريم.

[13]) ديوان الفرزدق: ص124 الحت وهداد من الأزد. الجوف: المطمئن من الأرض. ودرب الجوف بالبصرة.

[14]) شعر يزيد بن معاوية 27.

[15]) ديوان أبي دهبل 56.

[16]) الطبقات الكبرى م8/161.

[17]) الحضارة العربية الإسلامية 121.

[18]) المرجع السابق 121

[19]) المرجع السابق 121.

[20]) العقد الفريد 6/122

[21]) ثمار القلوب 298.

[22]) الأغاني 3/122

[23]) ديوان كثير 443

المصاداة كالمداراة أي المصانعة والمداجاة

أركت الناقة: فهي أركة أي أكلت الأراك. والعدوة: الخلفة من النبات، إبل عدوية وإبل عواد أي ليست ترعى الحمض فلا يمكن أن تجتمع هذه وتلك.

[24]) ثمار القلوب 33

[25])ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات، 31 : يريد بعاجة الحق حقَّ العاج أو الوعاء.

[26]) تاريخ الطبري 5/150

[27]) شعر ابن ميادة: 31

[28]) ديوان الفرزدق: 279

[29]) المصدر السابق: 383

[30]) مقدمة الديوان: 6

[31]) ديوان هدبة: 111

[32]) المصدر السابق: 95

[33]) شعر المتوكل الليثي:112.

[34]) شعر محمد بن بشير الخارجي: ق6

[35]) ديوان الفرزدق: 220 الصعر: ميل في الخد من جذب الزمام.

[36]) المصدر السابق: 127

[37]) ديوان جرير: 88 الموردون: أصحاب الإبل يوردونها الماء

الساغبة: الجائعة. النفس من الماء: ما كان مروياً كافياً. الشبم: البارد

الميح: العطاء

[38]) ديوان جرير: 288

[39]) تاريخ الطبري: 7/206

[40]) فنان البديع: 70، ابن هرمة 90-176).

[41]) شعر العجير السلولي: 222

[42]) ديوان الأخطل: 427

[43]) شعراء أمويون: 341

[44]) شعر هدبة: 95

[45]) شعر النعمان بن بشير: 138 التبسط: ترك الاحتشام. اصطحب القوم: صحب بعضهم بعضاً. قني قنيت الجارية منعت من اللعب وسترت في البيت.

[46]) المرأة في الشعر الجاهلي 364

[47]) شعر الخوارج: زياد الأعسم 65، عزين: جماعات وأحزاب.

[48]) شعر الخوارج: 84.

[49])المصدر السابق: 36 طعنة غموس واسعة تشبه شدق رجل اسمه العنبري.

[50]) شرح الحماسة: 349 وهو الأعرج المعْني. الورد: فرسه، إنه لا يساوي بينها وبين فرسه لأنها عندما تقوم بلا قناع جادة في العدو والهرب تكون قبيحة جداً.

[51]) ديوان أبي النجم العجلي: 134 أيهات أراد هيهات فقلب.

[52]) قصيدة المدح حتى نهاية العصر الأموي: 380-391.

[53]) شرح الحماسة: 280

[54]) العقد الفريد: 6/95.

[55]) ديوان الطرماح: 101 الجنى العسل. واتناً: مقيماً. الأجبح: مواضع النحل في الجبل تعسّل فيها واحدها جبح، يخاطب هنا ابنه.

[56]) ديوان الفرزدق: 28-29 عرسي: زوجتي، الحفيظة: الغضب، الضرايب: واحدتها ضريب، هو المثل: الشكل والنصيب، العقر: النحر: الركايب: الإبل السمينة: الناقة يدفعها للقرى ويعلق رحله على غيرها. ويسير ماشياً، أبينوها: مصغر أبناء، الجنائب: التي يقاد بعضها إلى جانب بعض، الأبيض هنا: السيف اللامع.

[57]) ديوان الفرزدق: 75.

[58]) ديوان جرير: 343

[59]) ديوان العرجي: 71-72

[60])المصدر السابق: 114-115 أهجرت: استهزأت. الروعة: المسحة والعلامة القذال: جماع الرأس من مؤخره. الشهاب: الشعلة الساطعة. ناهي: زاجري.

وخط المشيب: اختلاط البياض بالسواد:درس الخضاب: نصوله وانكشافه.

[61]) شعر عمرو بن أحمر الباهلي: 51

[62]) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات 108.

[63])المصدر السابق:  صهب كأنهم عجم وله في قـ 48 فخر بشيبه ويذكر أنه لا يداريه.

[64]) شرح الحماسة 1873 لمجهول

[65]) المصدر السابق: 1872

[66]) ديوان العجاج: 269

[67]) شعر محمد بن بشير: 44. بيني أي ابتعدي

[68]) شرح الحماسة: 1344

[69]) ديوان الفرزدق: 161 المزملة: الملتفة بثوبها. وقوله فتى أي يا فتى، الزعراء: القليلة الشعر. الشجنة: الغصن الملتف المشتبك. البشر: ظاهر الجلد، الشسن: الخشن. القتاد: الشوك.

[70]) مجالس ثعلب: 74 أبو المنهال هو اسماعيل بن عامر من مخضرمي الدولتين).

[71]) الحيوان: 7/160 عازم: ذو عض.

[72]) الأغاني: 5/132.

[73]) ديوان النابغة الجعدي 207/ هُنّباء: حمقاء: تستخنث: خنثت القربة وخنثها ثنى فاها إلى خارج فشرب منه. الوطب: سقاء اللبن وهو قربة من جلد، المريرة الحبل المفتول. والمعنى أنها من شرها ولؤمها وجفوتها تعجل إلى الوطب فتثني فمه قبل أن تحل رباطه ولا تحذر أن يكون فيه حشرة أو قذر.

[74]) الحيوان 7/162

[75]) الأغاني: 5/156

[76]) الأمالي: القالي 2/22

[77]) ديوان المتوكل الليثي: 110

[78]) ديوان أبي دهبل: 56

[79]) شعر محمد بن بشير الخارجي: 122

[80]) الأغاني: 19/9

[81]) شعراء أمويون: 327

[82]) ديوان الفرزدق: 411 الروق: رواق البيت. المظلة: الخيمة. الضناك: الشديدة الضفنة: الحمقاء أي لم يظهر سوء خلق نوار إلا في التعامل معها.

[83]) الخزانة 8/503 الخفق: الاضطراب. المنيف: العالي، البكر: الفتى من الإبل

            الأظعان: ج ظعينة المرأة في الهودج. السقب: ولد الناقة. الزفوف المسرع. الطراق: الطارق الذي يأتي ليلاً. تقر: تسكن. الشفوف: ج شف وهو الثوب الرقيق. والكسيرة قطعة الخبز الخِرْق: الكريم.

            العِلج: الصلب الشديد، العليف: المسمن بالعلف.

[84]) المصدر السابق: 8/506

[85]) العقد الفريد 6/83

[86]) سورة النساء: آية (3)

[87]) الأغاني 11/86

[88]) الكامل 1/312

[89]) العقد الفريد 6/130

[90]) العقد الفريد: 6/128

[91]) الأخبار الموفقيات: 191

[92]) الأغاني: 15/122

[93]) ديوان جرير: 457

[94]) ديوان يزيد بن مفرغ: ق14 الأزل: الضيق والشدة.

[95]) ديوان الأحوص: ص35

[96]) سورة الروم: الآية 20

[97]) ديوان جرير: 862

[98]) ديوان الفرزدق: 364

[99]) ديوان الوليد بن يزيد: 32

[100]) العقد الفريد 3/281 لمجهول وفي البيت الثاني إقواء.

[101]) ديوان الخوارج: 60

[102]) الأغاني: 19/108.

[103]) مروج الذهب 3/99

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244