المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
جـ-البنت:

جـ-البنت:

لم نزل في رحاب الحديث عن المرأة في الأسرة العربية ولذا لا بد لنا من التعريج على "البنت" لنجلو صورتها، ونبيّن مكانتها فيها.

فهل سيتاح لنا أن نراها في لوحات الشعر الأموي، أم أنها محجوبة مخبأة ممنوعة على الناظرين؟ وهل سنستطيع الكشف عن عزها ونعيمها وتربيتها، وهي ما تزال صبية صغيرة في كنف والديها؟ وهل سنقوى على معرفة أحلامها ومشاعرها وهي تنمو وتتحول إلى النضج والكمال، وهي في أحرج مرحلة من عمرها أعني هذه المرحلة التي يطلق عليها علماء النفس "سن المراهقة"؟

لن أبحث إذاً في وضع الفتاة العربية كما قدمها الشعر في رأي والدها وحسب بل سأتناول وضعها وهي تغادر سن الطفولة وتتلبس شخصية الأنثى الناضجة في هذه المرحلة المعقدة من عمر الفتاة، التي تطمح فيها إلى الحياة بعيون مشبعة بالرغبة ومشعّة بالحيوية وحب الانطلاق، وبقلب مشبوب عامر بالأماني وروح هائمة بالهمسات.

ولكنها ترى نفسها في إطار الأسرة لا تستطيع الإفلات والانطلاق وراء الحلم، وفي الوقت ذاته ترفض الطوق الذي يقيّد تطلعاتها، فإذا هي تلوذ بعالم الشعر حيث يعوضها الشعراء عن خيبتها، ويعيرونها أحلامهم وخيالاتهم، ويصورون لها عوالم مسحورة من العشق والسعادة والغرام.

وللحديث عن المرأة البنت رهافة ونعومة آسرة، وله أشجان إذا شئتم وأحزان كثيرة، أما أشجان هذا الحديث فتأتي من رواسب متراكمة في ذهن العربي عامة من كراهية مولد البنت، وما تعانيه الأم التي تلد إناثاً وتحرم الذكور، فتلقى البنت جفوة ونفوراً وهي ما تزال طفلاً يدرج، مع ما جاء به الإسلام من إنصاف لها، واسترداد لحقها الضائع في الحياة، وسَعْي لتثبيت رجلها على أرض مكينة من الحقوق والقوانين.

وأمّا رهافته فمن البنت ذاتها وهي تنعم بحب والديها وترفل بالسعادة والفرح، فقد استقرت الذات العربية، واطمأنّت إلى تعاليم القرآن الكريم وما أكدّه من ضرورة النهوض بوضع المرأة وأخذت الأسرة، أو بعض الأسر ممن أنعم الله عليها بنور العقل وحكمة المنطق، تعبر عن عاطفتها الطبيعية نحو البنات، وتقدم لهن أسباب الراحة والنعيم والمحبة والرعاية والحنان.

ويقدم لنا الشعر الأموي صوراً شعرية يظهر فيها قلب الأب وقد كاد ينفطر قلقاً وتوتراً وجزعاً على بناته ممّا يخبئه لهن الدهر لو أن المنية وافته وهن صغيرات ضعيفات يتضورن جوعاً، فلا يلاقين من أقاربهن إلا الإهانة والنفور، ولا يلقين من الدهر إلا الجوع والعري وانقلاب الحال، ولذا ليس عجباً أن يزداد تشبثاً بالحياة لا رغبة فيها فحسب، بل رعاية لهن، وإشفاقاً عليهن.

إنها عاطفة الأبوة التي تدفع عنا رمضاء الحياة وريحها السموم، وتظلّلنا بظل القلب الواجف وجفن العين الدامعة، يقول أحدهم مصوراً هذا الموقف النفسي العامر بالمشاعر والأحاسيس الناعمة المرهفة:

بناتي إنهنَّ من الضعافِ

 

لقد زادَ الحياةَ إليّ حُباً

وأن يَشربْنَ رَنْقَاً بعد صافِ

 

أُحاذرُ أنْ يَذُقْنَ البؤسَ بعدي

فتنبو العينُ عن كُرُمٍ عجافِ

 

وأن يعرينَ إن كسيَ الجواري

إلى جلفٍ من الأعمامِ جافِ[1])

 

وأن يَضطرَّهُنّ الدهرُ بعدي

ومع ما عرف عن الفرزدق من غلظة القلب وقسوته، فإنه يصوّر ابنته وقد قامت على خدمتها وتربيتها مربيات لا همّ لهن سوى العناية بها، وتلبية مطالبها، والسهر على راحتها. ويختم حديثه عنها بفخره المعهود، فيفخر بتميّزها على أترابها وفضلها عليهن، وبأخلاقها الحميدة وبعدها عن مطامح العشاق والسامرين يقول:

وأَنْ لم يلدْها من زُرارةَ مَعْبَدُ

 

ما ضرّها أنْ لم يَلدْها ابنُ عاصمٍ

يلقِّمنها من كلِّ سُخْنِ ومُبْرِدِ

 

ربيبةُ دأياتٍ ثلاثٍ رَبَبْنَها

وإن أخذتها نعسةٌ لم تُسَهَّد

 

إذا انتهبت أطعمنها وسَقَيْنَها

ولا بيتُها من سامرِ الحيّ موعد[2])

 

وشبَّتْ فلا الأترابُ ترجو لقاءَها

وللبنت في قصيدة مالك بن الريب صورة واضحة المعالم أيضاً، أكثر الشاعر فيها من الإشارة إلى ابنته وحديثها معه وسؤالها له، مبيناً بذلك مشاعر هذه الابنة نحو والدها، وخوفها عليه من الأذى، وحدسها القوي بمستقبلها الحزين الذي ينتظرها بسبب طبيعة حياة والدها، وتنقله الدائم، وتعرضه لأزمات مختلفة:

سفارُك هذا تاركي لا اباليا[3])

 

تقولُ ابنتي لما رأَتْ وَشْكَ رحلتي

ويخاطبها مستشعراً يتمها في دموعها، مصوراً كيف تحز قلبه بهذه الدموع حزّاً، وسائلاً الله تعالى أن يدفع عنه ريب الزمان، فيعود إليها، يقول:

بدخيلِ الهمومِ قلباً كئياً

 

ولقد قلتُ لا بنتي وهيَ تبكي

من لوعةِ الفراقِ غروبا

 

وهي تذري من الدموعِ على الخديّنِ

ن به أو يدعنَ فيه نُدوبا

 

عبراتٍ يكدْنَ يجرحنَ ما جُزْ

ويلاقي في غير أهلٍ شَعوبا

 

حذرَ الحتفِ أن يُصيبَ أباها

طالما حزَّ دمعُكنَّ القلوبا

 

اسكتي قد حززتِ بالدمعِ قلبي

ريبَ ما تحذرينَ حتى أؤوبا[4])

 

فعسى اللهُ أن يدافعَ عني

فإذا غابت الأم ندبت الفتاة نفسها لرعاية والدها، والتفكير فيما يعتريه، وحاولت أن تخفف من وطأة الحياة عليه. وها هي ذي ابنة الراعي النميري قلقة مضطربة محزونة تسأل والدها عن قلقه وهمومه، وترقبه بعين عطوف رحيم، وتنكر ما تراه من ضجره وسهده. يقول على لسانها:

أقذى بعينكَ أم أردتَ رحيلا

 

ما بالُ دَفِّكَ بالفراشِ مذيلا

ذاتَ العشاءِ وليليَ الموصولا

 

لما رأَتْ أرقي وطولَ تلدُّدي

أبداً إذا عَرتِ الشؤونُ سؤولا

 

قالت خليدةُ ما عراكَ ولم تكنْ

همّانِ باتا جَنْبَةً ودخيلا[5])

 

أَخُليد إن أباكِ باتَ وسادَهُ

وصور هؤلاء الشعراء خوفهم على بناتهم في الحرب، وفخروا بحمايتهن وحماية أمهاتهن، وتباهوا بعدم تركهن لمن يعبث بهن، على نحو ما نرى في شعر يزيد بن مفرّغ الحميري، في قصيدة يهجو فيها عبيد الله بن زياد ويفخر بنفسه وحمايته لنسائه، ويؤكد أنه لا يتركهن للفرار عجزاً عن حمايتهن:

ولم يقلْ لابَنتيْه استعرضا البينا

 

وقد يُقْتَلُ المرءُ لم يُسْلمْ حليلَتَهُ

قد استجارَ لها إذْ هُمْ يُجارُونا[6])

 

ولم يَذَرْ أُمَّهُ في الدارِ والهةً

وقد يُغلَبُ الشاعر على أمره، فلا يستطيع حماية بناته، ولا دفع الخطر عنهن، فلا يملك إلا أن يذكر ما كان من أمرهن كما فعل العديل بن الفرخ عندما قدم عامل للحجاج في طلب العديل فلم يقدر عليه، فاستاق إبله، وأحرق بيته، وسلب امرأته وبناته وأخذ حليهن، فقال العديل يستعرض كرامة بناته ونعمتهن ويذكر ما كن يلبسن من أنواع الزينة والحلي:

سواراً ولا طوقاً على النحرِ مُذهَباً

 

سَلبْتَ بناتي حَليَهُنَّ فلم تَدَع

تعطل بالبيضِ الأوانسِ ربربا

 

وما عزَّ في الآذانِ حتى كأنما

قسامةَ عشقٍ أو بناناً مخضّباً

 

عواطلُ إلا أن تَرى بخدودِها

براديّ غِيْلٍ ماؤهُ قد تصبّبا

 

فككتَ البرينَ عن خدالٍ كأنها

ترى سمطهَا بين الجمانِ مثقَّبا[7])

 

من الدرِّ والياقوتِ عن كلِّ حُرَّةٍ

ويمكن أن أحمّل الأبيات معنى الدعاية والإعلان عن نعمة بناته ترغيباً فيهن.

وقد يغلو الأب في حرصه على مستقبل بناته، ويتشدّد في اصطفاء من يرضى بهم أزواجاً لهن، فيجلب لهن الشر من حيث أراد الخير على نحو ما نعرف من أمر نصيب الشاعر الأسود الذي أورث بناته لونه الأسود، وكان يحبهن حباً شديداً، ويربأ بهن عن العجم ولا يرغب فيهن عن العرب، فبقين عانسات، وصرن مثلاً للبنت يضن بها أبوها فلا يرضى من يخطبها ولا يرغب فيها من يرضاه لها وكان يقول فيهن:

لقلتُ بنفسيَ النَّشَأُ الصغارُ

 

ولولا أنُ يُقالَ صَبَا نُصيبٌ

إذا ظُلِمَتْ فليس لها انتصارُ[8])

 

بنفسيَ كلُّ مهضومٍ حشاها

ويكاد يكون أبو النجم العجلي نسيج وحده في حديثه عن ابنته، وفي وصاياه لها، وما أظنه إلا ساخراً فكهاً طريفاً قاصداً إلى الضحك والإثارة فيما قال، فهو يرسم لابنته صورة تمتزج فيها عاطفة الأبوة بروح الدعابة والمرح، فنراه يسخر من ابنته وهو تارة يهزأ من شكلها وتارة يوصيها بعض الوصايا التي تضمن لها حياة سعيدة إذا ما تزوجت. وشكلها على رأي والدها:

كأنَّ ظلاّمةَ أختَ شيبانْ

يتيمةٌ ووالداها حَيَّان

العنقُ منها عُطل والأذنان

والرأسُ قَمْلٌ كلُّه وصئبان

وليس في الرِجْلينِ إلا خيطان

وقُصّة قد شيَّطَتْها النيران[9])

وأما وصيته الفريدة فهي:

أوصيكِ يا بّنتي فإني ذاهبُ

أوصيكِ أنْ تَحمدَك القرائبُ

والجارُ والضيف الكريمُ الساغبُ

لا يرجعُ المسكينُ وهو خائبُ

ولا تني أظفارُكِ السلاهبُ

منهنَّ في وجهِ الحماةِ كاتبُ

والزوج إنَّ الزوجَ بئسَ الصاحب[10])

فأبو النجم -كما نرى- لا يكتفي بأن تظفرا بنته وجه حماتها، ولكنه يسرف في وصيته فيوصيها -وهي من هي فتنة وجمالاً!! بزوجها شرّ وصاة، ويراه "بئس الصاحب" ولست أدري من الذي ظفر بهذا الجمال، ودفع مهره الغالي.

وفي وصية أخرى يكرر على مسامع ابنته ضرورة سب الحماة والابتعاد عنها، وينبهها على وجوب ضربها بحجر ملء كفها، ويحدد لها أماكن الضرب على جبينها ومرفقيها، وتخفي الأرجوزة ضمن دعابتها الطريفة وضعاً اجتماعياً معروفاً في المجتمع العربي في عصوره المختلفة، فما أكثر ما تندّر العامة -وفي التندّر مقادير من الواقع- بعلاقة المرأة بحماتها يقول موصياً ابنته:

سُبّي الحماةَ وابهتي عليها

ثم اقرعي بالوَدِّ مِرْفقيها

وأوجعي بالفهر ركبتيها

وركبتيها واقرعي كعبيها

ومرفقيها واضربي جنبيها

وظاهري النذّر لها عليها

لا تخبري الدهرَ به ابنتيها

وأَغلقي كفَّيك في صُدغيها[11])

أما الصمة القشيري فيتناول صورة الفتاة من جانب آخر، فيظهر شدة حاجة الفتاة الصغيرة إلى والديها، بسبب ضعفها وعاطفتها التي تجعلها أكثر تعلقاً بأهلها، وذلك عندما أراد أن يصف وجده وشغفه بمحبوبته فلم يهتد لمشبه أقرب إلى حالته من صورة الفتاة التي يفارقها أهلها فتبدو حيرتها وضعفها وحاجتها، كذلك كان تعلقه بمحبوبته:

على والديها فارقاها فَجنُتِ[12])

 

ووجدي بطيا وَجْدُ بكرٍ غريرةٍ

ولكن هذه الطفلة قد شبت الآن وأصبحت جويرية، فهل كانت حاجتها إلى الأسرة ورعاية الأهل كبيرة كما تصورها الصمة منذ قليل وكيف تصرفت بأمور قلبها وأحلامها بعيداً عن الأسرة وحصارها؟

إن الواقع الشعري يشير إلى أن هذه الفتاة لم تبتعد عن الأسرة وإشرافها التربوي المباشر إلا فيما ندر، إذ كانت دائماً محاطة بعيداً عن الأسرة) بمجموعة من الأتراب والنساء الصديقات أو الجارات، وتكاد صورتها منفردة لا تبدو إلا كحلم في لوحة طيف أو خيال طارئ. وكانت الإشارة إلى الخوف من الأهل والوشاة والرقابة تتضمن تأكيد مسؤولية الأسرة والأهل في حماية الفتاة ورعايتها، والاستمرار في مراقبتها خشية الانزلاق إلى مواطن الشبهات، ومهاوي الخطر والخطيئة.

ويرسم الشعراء صورتين لهذه الفتاة الشابة، فهي مغامرة جريئة، تتحدى وتخطط وتحتال وتنفذ ما تريد، كما تبدو في بيئة المدن الحجازية، وهي خجولة خائفة مترددة لا تستطيع التحرك بعيداً عن عيون أسرتها إلا بشق الأنفس، كما تبدو في بيئة البادية.

ألم تكن عزة بنتاً غريرة عندما علقها كثّير وهام في حبها، في اعترافه هو:

وما قُلّدَتْ إلا التميمَ المنظّما[13])

 

وعُلّقْتُها وَسْطَ الجواري غريرةً

ونراه ينتظر ويتابع نموها، وملاحظته لكل ذلك في قوله من القصيدة ذاتها:

وعادتْ تُرى مُنهنَّ أبهى وأفخما

 

إلى أَنْ دَعَتْ بالدِّرع قبلَ لِداتِها

وتكاد صورة عزة البنت لا تفارق خيال كثّير الذي يسترسل بوصف شبابها وملابسها وأخلاقها، يبين كيف أسرعت إلى الاكتمال والأنوثة قبل رفيقاتها:

على حينِ أنْ شَبَّتْ وبانَ نهودُها

 

نظرتُ إليها نظرةً وَهْيَ عاتقٌ

مجُوبٍ ولمّا يَلْبَسِ الدِّرعَ رِيدُها[14])

 

وقد دَرّعوها وَهْيَ ذاتُ مؤصدٍ

ورقابة الأهل وتدخلاتهم في مصير بناتهم منتشرة على امتداد صفحات الشعر العذري والحضري على اختلاف البيئتين اجتماعياً وحضارياً ومادياً.

فهذه ليلى تحجب عن قيس ويحول أمره إلى السلطان بشكاية من والدها، فيأمر السلطان بهدر دمه إن هو زارها استجابة لرغبة أسرتها في حصاره ومنعه:

عليّ يميناً جاهداً لا أَزورُها

 

ألا حُجِبَتْ ليلى وآلى أَميرُها

أبي وأبوها خُشِّنتْ لي صُدورها

 

وأَوعدَني فيها رجالٌ أَبرُّهُمْ

وأنّ فؤادي عند ليلى أَسيرُها[15])

 

على غير شيءٍ غيرَ أَنّي أُحِبّها

ويشير في قصيدة أخرى إلى موقف الأهل ونصائحهم لأبنائهم، وتوجيههم لهؤلاء الأبناء إلى الاختيار الصحيح، واتقاء المشاكل، والرضا بما قدر عليهم وكتب:

بشيءٍ ولا أهلي يريدونها ليا

 

أرى أهلَ ليلى لا يريدونني لها

وبالشوقِ والإبعاد منها قضى ليا[16])

 

قضى اللهُ بالمعروفِ منها لغيرنا

وتظهر بثينة في شعر جميل مرتبكة خائفة محاصرة بالأهل والأقارب، ونراه من أجل إرضائها والحفاظ عليها يتجشم أموراً ما كان يرضاها، كما يسرد لنا قائمة بالمحاذير التي يخشاها وتخشاها هي معه، بل هي تطلب ذلك منه مداراة لوضعها وسمعة أسرتها:

وظاهِرْ بِبُغْضٍ إنّ ذلك أَسترُ

 

وأَعْرِضْ إذا لاقيتَ عيناً تخافُها

يزِدْ في الذي قد قلتَ واشٍ مُكَثّر

 

فإنّك إن عرّضتَ فينا مقالةً

يعزُّ علينا نشرُهُ حينَ يُنْشَرُ

 

وينْشُرُ سراً في الصديق وغيرهِ

عليك عيونَ الكاشحينَ وأحذَرُ

 

ولكنني، أَهلي فِداؤك أَتّقي

يخافُ ويتقي عرضَهُ المتفكّرُ[17])

 

وأخشى بَني عمّي عليكَ وإنما

ويكثر جميل من مداراة الناس وإظهار غير ما في قلبه حرصاً على حبيبته وشرفها.

وأشد من يخافهم أسرتها وأقاربها، فإذا التقيا فإنما يلتقيان على حذر وخوف:

من الدهرِ إلاّ خائفاً أو على رَحْلِ

 

أرانيَ لا ألقى بثينةَ مرةً

وربما حرمها وهو المحب، ونأى عنها وقلبه معلّق بها، فإذا غفلت العيون عنهما عادا إلى ما يحبان:

ويُغْفَلُ عنّا مرةً فنعودُ[18])

 

فأصرمها خوفاً كأني مجانبٌ

وسبب ذلك أن أهلها غُيرٌ يودون قتله:

غيارى وكلٌّ مزمعونَ على قتلي[19])

 

ولو أنّ ألفاً دونَ بثَنة كلُّهُمْ

وهو ما لاقاه قيس في حب ليلى من أهلها وأقاربها، وتهديدهم له ووعيدهم خشية عليها وحرصاً على سمعتها:

هوى كلِّ نفسٍ أينَ حلَّ حبيبُها[20])

 

أما تختشي من أُسْدِنا فأجبتُهُمْ

ومع كره أهلها له فإنهم يدارونه أحياناً مثلما يقول:

ومثل سيوفِ الهندِ حينَ أَغيبُ[21])

 

إذا ما رأوْني أظهروا لي مودّةً

وفي حرصه عليها وخوفه يقول:

بذكركِ والممشى إليكِ قريبُ

 

أُبَعِّدُ عنكِ النفسَ والنفسُ صَبَّةٌ

وأُكرِمُكُمْ أنْ يَستريبَ مُريبُ[22])

 

مخافة أن يسعى الوشاةُ بظنَّة

وحال كثّير ليس أفضل من حال أصحابه في علاقته بأهل عزة، ولكنه يداريهم إكراماً لها:

وإن أظهروا غشاً نصحتُ لهم جهدي

 

وإنّي لأرعى قومَها من جَلالها

صديقاً ولم أحمِلْ على قومِها حقدي[23])

 

ولو حاربوا قومي لكنتُ لقومِها

وكان لأسر الشعراء أنفسهم مواقف واضحة من علاقة أبنائهم بهؤلاء الفتيات وكانوا يتدخلون لوضع حد لتلك العلاقة، على نحو ما يعلن قيس ليلى:

أبي وابنُ عمي وابنُ خالي وخاليا[24])

 

لقد لامني في حبِّ ليلى أقاربي

حتى إن قومه غضبوا عليه وأنكروا علاقته بها:

بعيد الرضا واني الصدودِ كظيمُ[25])

 

وأنتِ التي أغضبتٍ قومي فكلُّهُمْ

كان هذا هو وضع الفتاة في بيئة البادية المحافظة، وقد لاحظ الباحثون هذه الروح المحافظة وعللّوها، فربط الدكتور يوسف خليف بين هذه الروح والتاريخ الاجتماعي للبادية، فقد كانت هذه البادية تعيش في عزلة نسبية عن التيارات الحضرية المتدفقة في مدن الحجاز، وكانت تحيا حياة شبيهة بحياة الجاهلية في اعتمادها على الرعي وتتبع مساقط الغيث ومنابت الكلأ، وفي أعرافها وعاداتها وتقاليدها، وقد ورثت عن الجاهلية النظرة إلى المرأة ثم عزّز الإسلام هذه النظرة، ولهذه الأسباب مجتمعة كان هذا المجتمع محافظاً شديد المحافظة[26])

أما صورة الفتاة في بيئة المدن الحجازية، فكانت تختلف عن صورة أختها البدوية بعض الاختلاف، فهي مثلها واقعة تحت رقابة الأسرة ورقابة المجتمع، ولكنها رقابة أخف وَطْأ، من رقابة المجتمع البدوي، فنحن نرى هذه الفتاة في شعر المدن الحجازية تعشق وتدافع عن عشقها وتراسل وتحتج وتعتب، ولكن كما قلت ظلت رقابة المجتمع بارزة، فهي في معظم الأحيان خارج نطاق الأهل لكنها محاطة بمجموعة من الصديقات فكأنهن يقمن بهذه الرقابة من وراءَ وراء.

وقد كان شاعر الحجاز الأول عمر بن أبي ربيعة حريصاً- على الرغم مما قيل في غزله -وفي كثير من قصصه الغرامية على هذا اللون من الرقابة، وقلّما نرى صاحبته وحدها، بل هي في مجموعة من صديقاتها:

باً حِساناً نواعماً كالصُّوارِ

 

ذكّرتني الديارُ نُعْماً وأترا

معَ خَودٍ خريدة مِعطارِ[27])

 

آنساتٍ مثلَ التماثيلِ لُعْساً

ويقول مصوّراً الموقف ذاته:

قطُفٍ فيهن أَنْسٌ وَخَفَرْ

 

للّتي قالَت لأترابٍ لها

نيرّ النبتِ تغشَّاه الزّهر[28])

 

إذْ تَمَشّينَ بجوِّ مُوْنقٍ

وأنا أعلم أن هؤلاء الصديقات ربما تبادلن الأحاديث عن عمر نفسه ولكن ذلك لا ينفي أنهن وهن مجتمعات أقرب إلى التصون، وأبعد عن الشبهات في نظر المجتمع. ويصور أماني هؤلاء الفتيات وهن يخططن لزيارة أحبابهن:

خرجنَ إلى عاشقٍ زُوَّرَا

 

ومشي ثلاثٍ إلى زائرٍ

نرى ليلنا دائماً أَشهُرا[29])

 

سمونَ يَقُلْنَ ألا ليتنا

وهو منظر مألوف في لوحات عمر الشعرية[30]) بل نحن نرى عمر أحياناً يصور حبيبته محاطة بالحراس والرقباء وقد ضربوا لها القباب الحمر، وأحاطوها من كل جانب.

وليس يخفي ما في هذا التصور الشاعري من الخيال، ولكنه موصول بالواقع بعض الوصل، فقد كان عمر حريصاً على أن تكون حبيبته من سراة الناس وأشرافهم، بعيدة عن السوقية والتبذل، وكان حريصاً أيضاً على أن يخلع على حبه روح البداوة ومثالية الصحراء، لأنه يعيش في مجتمع لا يزال نبض البداوة يجري في عروقه على الرغم من التحضر الذي أصاب هذا المجتمع يقول:

وأُحيطَتْ حولها الحُجُرُ

 

ضربوا حُمْرَ القبابِ لها

نوّمٌ من طولِ ما سهروا

 

حولَها حُرّاسُ ذي شرفٍ

ذاك إلاّ أَنّهم سمروا[31])

 

أَشبهوا القتلى وما قُتِلوا

وربما ألح عمر على إظهار شدة الحراسة، ليفخر بالمغامرة الناجحة وليتباهى بأنه استطاع الوصول إلى هذه المحبوبة على الرغم مما يحيط بها من الحراس والخطر.

وكثيراً ما أشار إلى غيرة الأهل على ابنتهم وهي غيرة تقترن بالسخط والغضب وروح الخصومة يقول:

لها كلّما لاقيتُها يتنمَّرُ

 

إذا زرتُ نعماً لم يزلْ ذو قرابةٍ

يسرُّ ليَ الشحناءَ والبغضَ يُظِهرُ[32])

 

عزيزٌ عليهِ أَنْ أُلمّ ببيتها

وفي قصته "ليلة ذي دوران" يصور هذا الحصار الاجتماعي الذي يحيط بنعم، ويحرص على تحقيق المغامرة بالوصول إليها وتخطي جميع الصعاب[33]) وقد تحتال هذه الفتاة على ما هي فيه من الحصار، فتراسله طلباً للقاء، ولا تنسى أن تحذره الأعين التي تريدها:

واحذرْ وقيتَ وأَمرُ الحازم الحذرُ[34])

 

دَسّتْ إليّ رسولاً لا تكنْ فَرِقاً

والتحذير الأخطر من أهلها وأقاربها:

همُ العدوّ بظهرِ الغيبِ قد نذروا

 

إنّي سمعتُ رجالاً من ذوي رحمي

واللهُ جارُكَ مما أجمعَ النَّفَرُ

 

أنْ يقتلوكَ وقاكَ القتلَ قادرُهُ

ولم يكن عمر بدعاً في أمر الرسول والزيارة، فها هو ذا الأحوص يزعم أيضاً أن صاحبته قد سعت إليه برفقة صواحبها تريد لقاءه، فإذا هو يتغزل بهن جميعاً:

حور العيون نواعمٌ زُهْرُ[35])

 

خمس دسسن إليّ في لطفٍ

ولا تنسى التي تريده منهن أن تحذره العيون والرقباء، بل هي لا تكتفي بالتحذير، وإنما تسيّر أمامها من يحرسها، ويبعد الأخطار عنها:

بلِقا إذا نجمُ الثرّيا حلّقا

 

من عاشِقَيْنِ تراسلا وتواعدا

رصَدَاً فمزَّقَ عنهما ما مزَّقا[36])

 

بَعَثَا أمامَهما مخافةَ رقبةٍ

وليست تختلف صاحبة العرجي عن صواحب الأحوص وعمر، فهي محاطة بمجموعة من صديقاتها يدبرن معاً المجالس البهيجة، ويحتطن من الرقباء والوشاة:

ثقْفَاً إذا أسقط النسَّاءَةُ الوَهِمُ

 

حوْرٌ بعثنَ رسولاً في ملاطفةٍ

أحراسُنا افْتَضحْنا إن همُ عَلِمُوا[37])

 

إليَّ أنْ إيْتِنْا هُدءاً إذا غَفَلَتْ

وكان لهن ما أردن وتم اللقاء وسررن به، وأمضين وقتاً حلواً برفقته وعندما حلّ الفراق قال:

إلاّ البنانُ وإلا الأعينُ السجمُ[38])

 

وَدَّعتُهنَّ ولا شيءٌ يُراجعُني

ومع هذا التحرر والتفلت الجزئي من قيد الأسرة، وما نالته المرأة من ذلك التحرر والتحضر في حياتها عامة، فإن الأسرة لم تكفّ عن مراقبة بناتها، والتضييق عليهن. غير أننا نلحظ بعض المصالحة النفسية بين الفتاة وأسرتها أحياناً، فصاحبة العرجي تصرّح له بما كان منها، فقد أعلمت أهلها بما تريد منه وما يريد منها:

قبل هذا على الذي قد هويتا[39])

 

ثم قالت قد كنتُ آذنتُ أهلي

ولكن هذه المصالحة كانت بحدود ضيقة على ما يبدو، فما يزال أهل الفتاة غضباباً عليه يترقبونه:

لكلِّ أمرٍ سببُ

 

يا صاحِ هذا العجبُ

فيمَ تراهم عتبوا

 

أهلُ سُليمى غضبوا

ولا لدينا قُصبوا[40])

 

لم نأتِ سخطاً لهمُ

ولم تكن حاله خيراً من حالها فهو في اضطراب وقلق، يعصي أهله وذويه، ولا يسمع نصيحتهم في حبها:

داني القرابةِ أو وعيدِ أَعادي[41])

 

كم قد عصيتُ إليكِ من مُتَنصِّحٍ

ومعاناة الأحوص لا تخرج عن هذه المعاناة ولا يبتعد حاله عن حال العشاق جميعاً فيما يكون بين أسرة الفتاة وبينه من الخصام وسوء التفاهم، وكذلك بينه وبين أهله بسببها مما يؤدي إلى توتر العلاقة بين الأسرتين والأقارب جميعهم:

أقاربُها في وصلها وأقاربُهْ[42])

 

خليلانِ باحا بالهوى فتشاحنتْ

وبلغ حرصهم على الفتيات وأخلاقهن أنهم خافوا عليهن شعر عمر بن أبي ربيعة لأن فيه سحراً يمس قلوبهن وقد يكون سبباً في انحرافهن. ومما نقل عن هشام بن عروة أنه قال:

"لا ترووا فتياتكم شعر عمر أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطاً"[43])

وكان ابن جريج أكثر دماثة في تحذيره عندما قال: "ما دخل على العواتق في حجالهن شيء أضر عليهن من شعر عمر"[44]). وتحفل مصادر الأدب -ولا سيما الأغاني- بهذه الأخبار التي أكتفي منها بهذا الخبر ورد عن ظبية مولاة فاطمة بنت عمرو بن مصعب أنها قالت:

مررت بعبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه، ومعي دفتر ودعاني فجئته، وكان سألني ما هذا معك، فقلت شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ويحك تدخلين على النساء بشعر عمر، وإن لشعره لموقعا في القلوب ومدخلاً لطيفاً لو كان شعر يسحر لكان هو فارجعي به"[45]).

وقد لاحظ الباحثون ما عرفته بيئة المدن الحجازية من التحرر، وبالغ به بعضهم حتى أوشك أن يجعل من القرن الثاني الهجري صورة من عصرنا الراهن، وحاول هؤلاء وأولئك تعليل هذا التحرر فربطوا بينه وبين التاريخ الاجتماعي لتلك المدن، فقد تدفقت فيها تيارات حضرية شتى، فقد ظلت تتدفق عليها أفواج السبايا والجواري الأجنبيات طوال زمن الفتوح الإسلامية وكن من أجناس شتى، فحملن معهن مواهبهن وتقاليد أقوامهن وعاداتهن، وكانت الأموال تتدفق على هذه المدن طوال عصر الرسول ص وعصر الخلفاء الراشدين، بل إن الأمويين أنفسهم كانوا حريصين على أن تصل أموالهم إلى أهل هذه المدن، وانصرف أهلها إلى التجارة بعد أن حيل بينهم وبين السياسة، ينمّون ثراءهم التليد الذي ورثوه عن آبائهم تجار العصر الجاهلي بثرائهم الطارف- على حد تعبير الدكتور يوسف خليف-[46]). وارتفعت موجة اللهو والغناء في هذه المدن، وكثرت دور السماع فيها، فغرقت في الترف إلى آذانها على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف-[47]) ولن نستغرب إذا صحّ بعض هذا لا كله أن تظفر المرأة في مدن الحجاز ببعض الحرية.

وكثر دوران المعاني التي رأيناها في غزل البادية والمدن، في شعر الشعراء الآخرين في البيئات المختلفة، فنرى في شعر جرير ازورار قوم صاحبته وضغنهم عليه:

على ضِغْنٍ لقومِكِ وازورارِ[48])

 

وما زالَ الفؤادُ إليكِ صَبّاً

كما نراه يخشى زيارتها من كثرة العيون والرقباء:

مصانعةً لأهِلك وارتقابا[49])

 

ونرهبُ أن نزورَكُمُ عيوناً

ولم يستفد من مصانعته لهم فقد آلوا عليها ألا تكلمه:

جهْمُ المحيّا وفي أشبالِهِ غَضَفُ

 

إنّ الزيارةَ لا تُرجى ودونَهُمُ

من غير سوءٍ ولا من ريبةٍ حلفوا[50])

 

آلوا عليها يميناً لا تُكَلِّمُنا

ويحاول اسماعيل بن يسار أن يبرر لصاحبته عدم زيارته لها، فلا يرى سبباً سوى تجهم أهلها وغلظة تعاملهم معه فيقول لها:

أبدوا لزورِكِ غِلظةً وتَجَهُّما[51])

 

منعَ الزيارةَ أنَّ أهلَكِ كلَّهم

ويتساءل مستنكراً ما الذي يضرهم لو أنه زارها وحيّاها فيقول في القصيدة ذاتها:

بِفناءِ بيتِكِ أو أَلمَّ فسلَّما

 

ما ضَرّ أَهلَكِ لو تَطوَّفَ عاشقٌ

وتبدو الأسرة الكبيرة مجتمعة إلى جانب الأب والأخ فيظهر دور الخال والعم في تشديد الحصار والتضييق على هذه الفتاة التي يحاول اسماعيل بن يسار زيارتها لكنه لا يفلح في ذلك على ما يعترف:

أخوك والخالُ معاً والعمُ[52])

 

ودونَ ما حاولتُ إذا زرتُكُمْ

ويصرح يزيد بن الطثرية أنه يطيل الصدّ عنها حذراً عليها من العيون التي ترقب الأخطاء، والآذان التي تصغي إلى الأسرار فلا تتأنى في بثها وإذاعتها:

أحاذِرُ أسماعاً علينا وأَعينا[53])

 

برغمي أطيلُ الصدَّ عنها إذا بدت

وحتى عندما ينجح في رؤيتها كانت دائماً مراقبة محروسة "وليس يرى إلا عليه رقيب"[54]) وتبدو هي نفسها عالمة بما يدور حولها في أسرتها وما يحيكون ضده فتبعث إليه تحذرّه وتدعوه للتسلح ضدهم يقول:

همُ الحربُ فاستبطنْ سلاحَ المقاتلِ[55])

 

دَسّتْ رسولاً أَنّ حوليَ عُصبةً

لكنه لم ينجح في الفوز بها على الرغم من تسلحه وتحذيرها له، فها هو يعترف بأنها أضحت بعيدة "وحالت أعاد دونها وحروب"[56])

ويحكي القطامي قصته مع مجموعة من العذارى اللواتي جئن لزيارته تحت جناح الظلام، ويقص عجلاً بعض ما حاوله معهن من تنازع ومعابثة، ويذكر حذرهن وتخوفهن قائلاً:

منَ الليلِ قد نازعتُهنّ ثيابا

 

وسرب عذارى بين حيَيّن موهنا

عيونَ يقاظى فيهمُ وكلابا

 

وقلنا لنا أهلٌ قريبٌ فنتقي

من الليلِ دون الكاشحينَ حِجابا[57])

 

دَبيبَ القطا حتى اجتعلن نحيزةٌ

وطفح كيل الأهل وتدخلهم في حب أبي دهبل الجمحي، وتكثّروا عليه القول، ففاضت نفسه بوصفهم والدعاء عليهم فتمنى لو سقطوا في لجّة بحر هائج لأنهم أضرموا نار الفرقة بينهما يقول في ذلك:

بأجمعهم في لُجَّةِ البحرِ لجّجوا

 

فليتَ كوانيناً من أهلي وأهِلها

علينا وشبُّوا نارَ صرمٍ تَأَجَّجُ[58])

 

هم منعونا ما نحبُّ وأوقدوا

ويبدو شديد الاستغراب لما هما فيه من جفاء وصدود، بل إنه يستعظم أن يكونا ببلدة واحدة ولا يستطيعا الكلام بسبب ما فرض عليهما من حصار ورقابة:

كلانا بها ثاوٍ ولا نتكلَّمُ[59])

 

أليس عظيماً أن نكون ببلدةٍ

وبعد، فلعلّ الصفحات السابقة كشفت لنا عن صورة المرأة في الأسرة العربية زمن الأمويين كما رسمها شعراء ذلك العصر. فقد رأيناها أمّاً ترعى أبناءها وتسهر على تنشئتهم وإعدادهم للحياة إعداداً طيباً يبعث الفخر والاعتزاز في النفس، ورأيناها زوجاً أثيرة لدى زوجها، تدبر شؤون بيته وتحاوره في شؤون حياته ورزقه على ما قد يكون في هذا الحوار من المخالفة والشجار، وهي -في أحوالها كلها- تحبه وتحرص عليه، يرمضها الشوق إذا ابتعد، ويُزهيها الحب إذا حضر، تستمع إليه وهو يستعرض مفاخره ومناقبه أمامها فتكون له خير مرآة يرى صورته فيها، وتستبد بها الغيرة حين ترى الجواري ينازعنها زوجها فلا تزداد إلا ارتباطاً به وحرصاً عليه، ورأيناها طفلاً يدرج في كنف والديه ثم جويرية في أول الصبّا تملؤها الأحلام، وتزدهيها الأماني، ويطير بها الحب إلى عوالم سحرّية ملونة، فتشكو ما هي فيه من رقابة وحصار، وتطمح إلى أن تتخفف من كل قيد، وتتحرر من كل وصاية، وهي في ذلك كله ريحانة قلب والدها وأمها، وموطن شرف أهلها.

 



[1]) ديوان الخوارج: 13 والشعر لعيسى بن فاتك

[2]) ديوان الفرزدق: 141 وفي البيت الثاني والثالث إقواء. ابن عاصم: قيس بن عاصم المنقري أحد أمراء العرب الموصوفين بالحلم والشجاعة وكان شاعراً. معبد بن زرارة: فارس جاهلي رئيس بني تميم كان واسع الثروة. الدأيات: أراد هنا من أشرفن على تربية ابنته، السامر: المحدث ليلاً أراد أنها ممنعة لا يزورها أحد.

[3]) شعراء أمويون: 43

[4]) المصدر السابق 15

[5]) شعر الراعي النميري: 124 دفك: جنبك، مذل المريض مذلاً: فهو مذل إذا لم يتقارّ من الضجر تلدد تلفت وتحيرّ. خليدة: ابنته ليلى الموصول: الطويل، جنبة ودخيلا: أرادهمّا داخل القلب وآخر قريباً من ذلك كالضيف إذا حلّ بالقوم فأدخلوه فهو دخيل وإن حلّ بفنائهم فهو جنبةٌ

[6]) ديوان يزيد بن مفرغ :52.

[7]) شعراء أمويون: 294

[8]) ثمار القلوب: 222

[9]) ديوان أبي النجم العجلي 223 ظلامة: اسم ابنته، العاطل: التي لا حلي لها. القصُة: مقدمة الرأس وهي صورة يفاكه بها هشام بن عبد الملك.

[10]) المصدر السابق 66 السلاهب: الطوال

[11]) ديوان أبي النجم: 230

[12]) شعر الصمة القشيري: ق9

[13]) ديوان كثير: 134

[14]) المصدر السابق: 200 العاتق الجارية أول ما تدرك ولم تتزوج، درعوها: ألبسوها الدرع وهو ثوب تلبسه الجارية الصغيرة في بيتها، المؤصد: من الأصدة وهي قميص صغير للفتاة الصغيرة. مجوب: مقوّر الجيب. الريد: الترب أو القرين.

[15]) ديوان قيس بن الملوح: 146.

[16]) المصدر السابق: 306.

[17]) ديوان جميل: 67

[18]) المصدر السابق: 27

[19]) المصدر السابق: 72

[20]) ديوان مجنون ليلى: 72

[21]) المصدر السابق: 53

[22]) المصدر السابق: 51

[23]) ديوان كثير: 446

[24]) ديوان مجنون ليلى: 306

[25]) المصدر السابق: 247

[26]) في الشعر الأموي: دراسة في البيئات 173

[27]) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 134

[28]) المصدر السابق: 150

[29]) ديوان عمر: 174

[30]) ويتكرر ذلك في صفحات الديوان: 161-162-170-173-179-183-184-187-202-248

[31])المصدر السابق:  160

[32])المصدر السابق: ق1

[33]) ديوان عمر: 95-96-97-98-99-100-101

[34]) المصدر السابق: 113

[35]) ديوان الأحوص: 113

[36]) المصدر السابق: 162

[37]) ديوان العرجي: 3

[38]) المصدر السابق: 7

[39]) المصدر السابق: 159

[40]) المصدر السابق: 100 قصبوا: عيبوا.

[41]) المصدر السابق: 96 ويذكر ظلم أهلها له في ص78-36-5

[42]) ديوان الأحوص: 76

[43]) الأغاني: 1/35/

[44]) المصدر السابق: /35/

[45]) المصدر السابق: 1/37

[46]) في الشعر الأموي: 144-145

[47]) الشعر والغناء في المدينة ومكة: 80-94-172-187

[48]) ديوان جرير: 622

[49])المصدر السابق: 649

[50]) المصدر السابق: 168

[51]) ديوان اسماعيل بن يسار: 53

[52]) المصدر السابق: 51

[53]) ديوان يزيد بن الطثرية: 109

[54]) المصدر السابق: 49

[55]) المصدر السابق: 102

[56])المصدر السابق: 49

[57]) ديوان القطامي: 159. اجتعلن: جعلن. النحيزة: هنا ظلمة الليل.

[58]) ديوان أبي دهبل: 54 الكوانين: الثقلاء من الناس، وقيل الكانون الذي يجلس حتى يتحصى الأخبار والأحاديث لنقلها.

[59]) المصدر السابق: 113

            ثاوٍ: مقيم.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244