|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:26 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل الثالث
المرأة والمجتمع في الشعر الأموي
إن الحديث عن المرأة والمجتمع حديث متعدد المداخل، متشعب
الدروب، ولذا لابد قبل الشروع فيه من أن أخطّ له خطّة لعلها تكون عاصمة لي من
التكرار والتداخل. وأعتقد أن طبيعة التطور الاجتماعي في العصر الأموي تسمح
بتقسيم الحديث إلى قسمين، أتحدّث في الأول منهما عن المرأة في المجتمع الحضري،
وأتحدث في الثاني منهما عن المرأة في المجتمع البدوي، واضعة نصب عيني أن همّي
الأول هو الشعر الذي يكشف عن هاتين الصورتين للمرأة. أ- المرأة في المجتمع الحضري:
أجمعت الدراسات الأدبية والتاريخية التي تناولت العصر الأموي
على الإشارة إلى ما أصاب المجتمع في العصر الأموي من تطور، أدى إلى تغير في النفس
العربية والسلوك الشخصي للأفراد في هذا العصر، فقد دفع الترف والثراء إلى البحث عن
اللهو والمتعة في مجالات الحياة المختلفة. ولم تكن الفتوح الإسلامية الواسعة
مصدراً لتدفق الأموال الطائلة وحدها على العرب، بل كانت أيضاً مصدراً لتدفق عناصر
بشرية كثيرة ملأت الدور والمنازل، وحملت هذه العناصر الوافدة معها عاداتها وتقاليد
شعوبها وثقافتها، وفرضت ذوقها على أصحاب الدور التي احتضنتها، فكانت الهوة الكبيرة
بين العرب وبساطتهم وبين هؤلاء وما يتمتعون به من رقي وتحضر، ولاسيما من ينتمي
منهم إلى الحضارتين الفارسية والرومية، وقد وجد العرب في هاتين الحضارتين منهلاً
غزيراً لأفانين الفخامة والأبهة ولكل من يريد الاستمتاع بحياته، ولم يبخل هؤلاء
القادمون إلى الأرض العربية ببسط حضارتهم على أصحاب المال والثراء والسيادة. لقد
حدث شيء في التاريخ غريب قلّما يحدث فقد كان هؤلاء العرب المسلمون أقلّ حضارة
ورقياً من الأمم التي فتحوا بلادها، ونشروا دينهم ولغتهم وثقافتهم فيها[1]). ولذا كانت العلاقة الحضارية بين الطرفين علاقة حوار شاق
وطويل على الرغم مما يظهر من سيطرة العنصر العربي على مقاليد الحكم، وتصريف شؤونه،
وتوجيه الحركة الاجتماعية وجهة عربية إسلامية. وحقاً لقد تقبلت تلك الشعوب رسالة
السماء التي حملها العرب إليها، ولكن القانون الذي يحكم حوار الحضارات في مثل هذه
الحال حكم حوار الحضارة العربية الإسلامية والحضارات الأخرى أيضاً، ولم تظهر نتائج
هذا الحوار فجأة، ولم تكن سريعة لأن الحوار كان شاقاً وطويلاً وهادئاً وعميقاً كما
ذكرت منذ قليل، بل انتظرت عقوداً طويلة ريثما تنضج، ولم يتمّ لها النضج إلا في
أواخر العصر الأموي ومطلع العصر العباسي. بيد أننا نستطيع أن نلمح بدايات هذه
النتائج وإرهاصاتها المبكّرة منذ العصر الأموي في المدن الحجازية ومراكز الحضارة
الأخرى كالكوفة والبصرة وغيرهما من مواطن التحضر التي شهدت حواراً أواتصالاً
مبكّراً بين العرب وأولئك الوافدين من الشعوب الأخرى. ولعل العنصر الأول الذي استرعى أنظار الباحثين، ولفتها لفتاً
قوياً في هذا الحوار أو الاتصال هو العنصر الأنثوي، فإذا هم جميعاً يطيلون النظر
إليه، ويتأملونه ويبنون عليه الأحكام. ولم يخطئ هؤلاء الباحثون فيما فعلوا أو
قدّروا، فقد كانت "المرأة" أبرز عناصر هذا الحوار، وأقربها إلى
الناظرين. وكان بين أولئك الوافدين على المجتمع العربي نساء جميلات
فاتنات يحلمن بالسعادة والعيش الخفيض بما يملكن من جمال يعدهن بالسعادة والحياة
العزيزة بالإضافة إلى فرضهن الجمال والظرف على السادة الأثرياء، فكان فيهن من تعرف
الغناء والموسيقى مما ساعد على استمالة القلوب الشابة الثرية الباحثة عن اللذاذة
والترف والنعيم، وعلت موجة الغناء والموسيقى في بعض المدن العربية حتى غلبت على كل
نشاط آخر وأصبح الشعر يعد للغناء والألحان[2]). وكان الشعر الذي
تناول المرأة عشقاً وغراماً وفتنة أنسب الشعر وأفضله للألحان والغناء. وكان الغناء
أبرز معالم الترف والثراء في العصر الأموي، فقد شغل مدن الحجاز، فأقبلت عليه
تنميّه وتطوره فنهضت "المدينة في هذا العصر بفن الغناء نهضة واسعة وشاركتها
في ذلك مكة، ولا نغلو إذا قلنا إن البلدتين جميعاً لم تبقيا إلا قليلاً للعصور
التالية كي تضيفه إلى نظريته التي استحدثتاها، وقد أقبل أهل المدينة على هذا
الغناء إقبالاً شديداً يشترك في ذلك عامتهم وخاصتهم وعبّادهم وزهادهم
وقضاتهم"[3]). وقد اشتهر بالمدينة العديد من المغنين أمثال طويس وسائب خاثر
ومعبد، ولم يقتصر الأمر على المغنين بل كانت شهرة المغنيات أكثر اتساعاً في قصور
الخلفاء ودور رجال الحكم والسياسة مثل جميلة وعزة الميلاء وسلاّمة وحبابة. مما
يؤكد مكانة المرأة في المجتمع الأموي، فقد كان لها مشاركة فاعلة في الأخذ من اللهو
والترف والسماع والطرب، كما كانت مادة الشعر الغنائي يصف مشاعرها أو مشاعر الشعراء
نحوها وتغنيهم بحبها وموقعها العام في قلوبهم وفي المجتمع. في هذا الخضم المائج بالمغنيين والمغنيات، ومايدور فيه من
لهو وقصف وثراء ونعيم، كانت المرأة في صميم المجتمع والشعر، وقد رأيت أن أنظر
إليها كما يصوّرها شعر هذا العصر وأخباره، فوجدتها في طبقتين اجتماعيتين: طبقة المغنيات وهن من الموالي، وطبقة النساء الثريات وهن من
الأسر العريقة الراقية، وكان لهن الحظ الأكبر في الأخذ من الحضارة والتقدم، وغلبت
على أخبارهن أخبار العشق والغرام والتحرر. ولا غرابة في ذلك فقد كان العصر عصر
المرأة العربية الحرة، الكريمة النجار ذات الحسب والنسب الرفيع والثراء العريض.
وعلى رأس هذه الطبقة أميرات البيت الأموي الحاكم اللواتي تملأ أخبار قلوبهن دواوين
الشعراء، وتستفيض في أخبار القصاص. تفيض كتب التاريخ الأدبي بأخبار المغنيات، ومن أشهر هؤلاء
المغنيات: حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، وفي حكايتها تبرز زوجة
الخليفة وهي تطلب وساطة المغنية الجارية في تسيير أمورها عند زوجها، وتعمل على
إلغاء قلبها وغيرتها، بل إنها تتكلف المال الكثير من أجل إهدائها إليه. إنها الإشارة الكبرى لما أصاب نفس المرأة العربية وتفكيرها
بسبب الحضارة والرفاه والطموح إلى أن يكون الحكم لولدها من بعد أبيه، وتقص صاحبة
الدر المنثور طرفاً من أخبارها، تقول: "حبابة مولدة مدنية كانت صبيحة الوجه
مليحة النادرة، خفيفة الروح، شجية الغناء، وكان يزيد مغرماً بالنساء شديد الكلف
بهن، فهام بها وانقطع إليها ليله ونهاره تاركاً بين يديها أَزِمَّة دينة ودنياه،
فكانت تعزل من تشاء، وتولي من تشاء، وتحول بينه وبين الصوم والصلاة، وكان يقول
فيها:
ويهتم صاحب "تزيين الأسواق" بها، فيقص أخبارها في
شيء من التفصيل، فقد كان- فيما ذكر- سبب شراء حبابة أن يزيد قد حج أيام أخيه
سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار. وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد.
فردها يزيد، فاشتراها رجل من أهل مصر. فلما أفضت الخلافة إلى يزيد، قالت له امرأته سعدة: هل بقي من
الدنيا شيء تتمناهْ قال: حبابة، فأرسلت مولى لها في طلبها من المدينة، فقيل له هي
بمصر، فمضى إليها، فقيل بإفريقية، فمضى حتى اجتمع بمولاها فاشتراها منه بمئة ألف
درهم بعد امتناعه من بيعها[5]). فلما وصلت إلى سعدة ألبستها وصيغتها وطيبتها وأتت بها يزيدَ،
فأجلستها من وراء الستر، وقالت يا أمير المؤمنين هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة. وقامت
وتركتها عنده، فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وكانت عاهدت سعدة ألا تدع لها حاجة عند
الخليفة إلا قضتها، وأن يجعل الخلافة لولدها ففعلت[6]). جميلة: كانت تابعة لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهي أصل
في الغناء عظيم، تعلمت على سائب خاثر، وكانت لها دار تقام فيها حفلات غنائية كبرى
يشارك فيها عدد من المغنين والمغنيات، ويزورها فيها الأشراف والشعراء، وزارها عبد
الله بن جعفر مرة في بيتها مع صحبه لسماعها، فكانت شديدة الفرح والدهشة بمقدمه
قائلة له: "يا سيدي وسيد آبائي ومولاي كيف نشطت إلى أن تنقل قدميك إلى
أمتك"؟ قال: ياجميلة قد علمت ما آليت على نفسك ألا تغني أحداً، إلا في منزلك
وأحببت الاستماع"[7]).
وكانت قد آلت على نفسها ألا تغني إلا في دارها التي قصدها فيها الناس. كما كان لها آراء شائعة في الشعر الذي تغنيه وبعض الأحكام
على غناء المغنين الذين يجتمعون للغناء في دارها[8]). وكانت تقرب الأحوص منها، وكان هو معجباً بها. ومما قاله
فيها:
كما غنت بأشعار عمر بن أبي ربيعة وكانت تكرمه وتقدره، على
عكس العرجي الذي لم تغن بشعره لكثرة عبثه، إلا أنه أرسل إليها بعض الأبيات طالباً
السماح والعفو فغنت في شعره فيما بعد[10]). سلامة القس: كانت سلامة شجية الصوت، أخذت الغناء عن معبد
وابن عائشة وجميلة. شغف بها أحد عباد المدينة عبد الرحمن من بني جشم بن معاوية،
وكان حبه لها تمثلاً لأفكاره ومبادئه واعتقاداته الزاهدة. فقد قالت له يوماً: أنا
والله أحبك، فقال وأنا والله أحبك، قالت وأحب أن أضع فمي على فمك، قال: وأنا والله
أحب ذلك، قالت: فما يمنعك، إن الموضع لخالٍ، قال: إني سمعت الله عز وجل يقول:
الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)[11]) وأنا أكره أن تكون
خلّة مابيني وبينك عداوة. ثم قام وانصرف وهو يقول:
وكان الأحوص معجباً بها أيضاً، وله فيها غزل تغنيه بصوتها
ومما غنته من قول الأحوص:
وذكرت صاحبة "الدر المنثور" أن يزيد بن عبد الملك
اشتراها بثلاثة آلاف دينار ومر القس يوماً بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف، فرآه
مولاها وعرّفه عليها، فشغف بها وكان شاباً جميلاً فأحبته[14]). ولست أحب أن أستكثر من نقل أخبار هؤلاء المغنيات، فهي مبثوثة
في هذه المظان التي ذكرتها وفي غيرها، وإنما أردت من حديثي عن بعضهن أن أبيّن
المكانة التي ظفرن بها في هذا المجتمع، فقد كلف بهن الخلفاء، والزهاد الفقهاء،
ورغب في سماعهن أبناء الأسرة الهاشمية دون أن ينكر عليهم المجتمع هذه العلاقة التي
استمدت منها هؤلاء المغنيات شرعية المهنة التي يؤدينها، وهيأ لهن ذلك فرض أصواتهن
عبر أثير المجتمع الأموي. وقد استمّر المغنون والمغنيات "يضربون في الصباح
والمساء على أوتارهم، وهذا الشباب المتعطل من حولهم فتياتٍ وفتياناً يجتمع بهم
ويستمع إليهم"[15])
ونتج عن هذه الأجواء المسحورة نوع من الحرية في حياة الإنسان العربي، يستوي في هذه
التجربة الرجل والمرأة معاً. وسجّل للمرأة في العصر الأموي صفحات دالة على النشاط
الاجتماعي. ولاسيما نساء الطبقة الراقية بما توافر لهن من أسباب الترف والإحساس
العارم بالكمال والمتعة، فبحثن عن أسباب أكثر إثارة للحرية الاجتماعية، فبعثن إلى
الشعراء يذكرنهم بأنفسهن، وتنافسن في إظهار نعيمهن الاجتماعي وتحررهن بين أيدي
الشعراء أو في مواسم الحج. فكان هذا التحرر من مظاهر الحضارة الاجتماعية التي وصل إليها
المجتمع والمرأة بشكل خاص، لأنها لم تكن تتمتع بهذا سابقاً، فأقبلت المرأة تعب من
هذه الحضارة ولكن دون الإفلات التام من قبضة القيم والعادات التي نشأت عليها. ولست أعلم لما أنا مضطرة لهذا التسويغ الأخلاقي للمرأة، ككل
الباحثين الذي تناولوا قضايا التحرر الاجتماعي والتطور في العصر الأموي، إذ كانوا
يشفعون كلامهم بمثل هذه العبارات لم ينحل المجتمع، لم تتخل المرأة، لم يكن
المجتمع ماجناً، جلسات بريئة إلى آخر هذه العبارات). والحقيقة التي أراها هي أن المرأة في هذا العصر، قد عبرت عما
في المجتمع بكامله من تطور وانسجام بين الحياة الجديدة والسلوك العام للأفراد، من
غير أن ينسى الجميع التعاليم الإسلامية التي كانت قد استقرت في النفوس، وكان
المعيار الأخلاقي العام هو الذي يسير عليه الجميع، مع استثناء الأسرة الحاكمة، كما
يرى الدكتور طه حسين، يقول: "رضي الفقهاء قليلاً أو كثيراً عن ظرف ابن أبي ربيعة،
وعبث العرجي، ومجون ابن أبي عتيق، ولكنهم أنكروا لهو يزيد بن معاوية، وسخطوا على
عبث يزيد بن عبد الملك، وكفروا الوليد بن يزيد، ومصدر ذلك أن شباب الحجاز كانوا
يلهون بمقدار، وكانت مكانته الدينية
والاجتماعية، وخوفه من رقابة الخلفاء يعصمانه من مجاوزة الحدود، أما شباب بني أمية
فلم يكد يعرف اللهو حتى اندفع فيه إلى غير حد لا يخشى مراقبة ولا يحفل
بسلطان"[16]). ولو مضينا نتتبع التيار الإسلامي وأثره في القصائد الأموية،
ولاسيما قصائد الغزل، لوصلنا إلى اقتناع ببراءة هؤلاء الناس نساءً كانوا أم
رجالاً. وهذا هو الذي سأتناوله بالحديث في بعض الفصول القادمة. لقد سايرت المرأة العربية في العصر الأموي مجتمعها بكل ما
يموج به من حضارة وتأثيرات ثقافية بما أتيح لها من تحرر رفع من مستواها العقلي
والنفسي، وحثها على المشاركة الاجتماعية والثقافية، فكان اشتراكها الاجتماعي لهذا
العصر عن طريق الشعر والشعراء، فتقربت إلى الشعراء مستمعة وراوية، وتقربوا إليها مادة
خصبة لأشعارهم، وفي ذلك يكون التوازن. واشتركت في هذا نساء الحجاز الشريفات أونساء الطبقة العليا
في الحجاز والعراق وكذلك أميرات البيت الأموي في دمشق. وبين هذه البيئات تجاوب
الصدى في أشعار غزلية خلدت هؤلاء النسوة في أذهان محبي الأدب والشعر على مر
العصور. فكثر الحب في العصر الأموي وساير نشاطات المجتمع الأخرى،
واشتهرت سيدات قرشيات مثل سكينة وعائشة، وهند بنت النعمان، وهند بنت أسماء وسواهن
كثيرات. وشغل الحب الرجال: الحكام ونساء هؤلاء الحكام كلاً على
طريقته، ولم يجد الرجل -أية كانت مكانته- حرجاً من الخوض في هذا الحب مع الخائضين. بل إن الحجاج الذي عرف بشدته، لم يكن بعيداً عن هذا الجو
المسحور، وله أقوال في العشق والغرام والنساء. منها قوله "عندي أربع نسوة،
هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة، وأم الجلاس بنت عبد الرحمن بن أسيد، وأمة
الله بنت عبد الرحمن بن جرير بن عبد الملك البجلي.. وأما ليلتي عند هند بنت أسماء
فليلة ملك بين الملوك، وأما ليلتي عند أم الجلاس فليلة أعرابي مع أعراب في حديثهم
وأشعارهم، وأما ليلتي عند أمة الله، فليلة عالم بين العلماء والفقهاء"[17]). أما سكينة بنت الحسين "فقد تهيأ لها أن تختار أسلوبها
في الحياة متحررة من النفاق الاجتماعي، دون أن ينال ذلك من مهابتها، أو يلقي عليها
ظلاً من التهاون فيما يجب لمثلها من تصون وعزة، لقد تمردت على المجتمع وسخرت
بأوضاعه وأكاذيبه. وربما كان من مظاهر هذا التمرد ظهورها في المجتمع الأدبي على
نحو لم تألفه أختها وبنات عمها، ولكنها ظلت مع هذا الظهور بنت النبي صلى الله عليه
وسلم، ولم تنس لحظة ولا نسي المجتمع أنها سكينة بنت الحسين"[18]). وأفرد لها صاحب الأغاني عدة أخبار، فكان يرى أنها تجالس
الأجلة من قريش، ويجتمع إليها الشعراء، وتصغي إلى المغنين، وتسيطر على المجتمع
الأدبي[19]).
دون أن تتخلى عن اعتزازها بشرفها العالي. وأحكامها النقدية التي تدل على ثقافتها
ورهافة ذوقها الفني منثورة في كتب الأخبار والنقد والأمالي. فعندما سمعت ""قول الفرزدق":
قالت: فما دعاك إلى إفشاء سرها وسرك، هلاّ سترت عليك وعليها! وعندما سمعت قول جرير:
قالت: أولا أخذت بيدها، وقلت لها مايقال لمثلها، أنت عفيف
وفيك ضعف. وعندما سمعت قول كثّير:
قالت: ملحت وشكلت. وسمعت قول نصيب:
فقالت: ربيتنا صغاراً ومدحتنا كبارا[20]) وروت قول الحارث بن خالد المخزومي:
ثم سألت أحسن عندكم ماقال: قالوا نعم، فقالت: وماحسنه؟ فوالله لو طافت الإبل سبعاً لجهدت أحشاؤها![21]) ومن أخبار ظرفها وطرافتها ماكان يدور بينها وبين أشعب وبينها
وبين أزواجها. فيروي صاحب الأغاني أيضاً: "كان زيد بن عمرو بن عثمان قد تزوج
سكينة بنت الحسين رضي الله عنه، فعتب عليها يوماً، وخرج إلى مال له. فذكر أشعب أن سكينة دعته وقالت: ابن عثمان خرج عاتباً عليّ:
فاعلم لي حيلة. قال: لا أستطيع أن أذهب إليه الساعة. فقالت: أنا أعطيك
ثلاثين ديناراً فأعطتني إياها، فأتيته ليلاً، فدخلت الدار، وقلت له: أرسلتني سكينة
لأعلم خبرك. فتسامرا وغناه ليطربه وينسيه. وقال له: لو أصبت مافي نفسي لك حلتي
هذه، وقد اشتريتها بثلاث مئة دينار، فغنيته من شعر عمر:
فأعطاه الحلة ورجع إلى سكينة فقص عليها القصة. فقالت أين
الحلة قال أشعب: هذه. فقالت ساخرة: أنت تريد أن تلبس حلة ابن عثمان، لا والله.
فقال: قد أعطانيها. قالت: اشتريتها منك فبعتها إياها بثلاث مئة دينار"[22])أما
عائشة بنت طلحة، فكانت سيدة قريش الجميلة الذائعة الصيت، تزوجها مصعب بن الزبير،
وكانت لا تستر وجهها من أحد، أرسل إليها مصعب عزة الميلاء- وكانت من أظرف الناس
وأعلمهم بأمور النساء[23])-.
يريد منها أن تنظر إلى عائشة، وتصفها له فجاءته بعد أن أتمت المهمة وقالت: "أما والله ما رأيت مثلها مقبلة ومدبرة، محطوطة المتنين
عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقية الثغر وصفحة الوجه، فرعاء الشعر، لفّاء
الفخذين، ممتلئة الصدر، خميصة البطن، ذات عكن ضخمة السرة، مسرولة الساق، يرتج
مابين أعلاها إلى قدميها. وفيها عيبان: أما أحدهما: فيواريه الخمار، وأما الآخر
فيواريه الخف عظم القدم والأذن"[24]). وكانت تلتقي عزة الميلاء، وتسمع الغناء منها في مجالس تعدها
لها خاصة، وتدعو إليها نسوة من صديقاتها القرشيات يسمعن غناء عزة في دار عائشة. وقد تناول الشعراء عائشة مادة خصبة لأشعارهم لما تتمتع به من
جمال فائق، وحرية متميزة، ومنافسة شديدة مع سكينة التي أصبحت ضرة لها تنافسها على
قلب مصعب، الرجل المميز في أحداث الحياة، وحياة هاتين السيدتين. ومن أهم الشعراء الذين تناولوا عائشة مادة لأشعارهِم، عمر بن
أبي ربيعة، وكان رآها تطوف بالبيت، فقال:
وكان عمر لقي عائشة وهي تسير على بغلة لها فقال لها: قفي
أسمعك ما قلت فيك، قالت أوقد قلت يافاسق؟ قال نعم فأنشدها:
وكل ما قاله فيها غزل رقيق، ينم على إعجابه بمثال المرأة
القرشية المتكامل. وكذلك الحارث بن خالد المخزومي، الذي كان أسير هواها، يشبب
بها ويرسل إليها أشعاره، ويتوسل إليها رجاء التحدث معها، وهو من أخّر الصلاة لتتم
طوافها: فقد حجت يوم كان الحارث والياً على مكة، فأرسلت إليه: أخِّر الصلاة حتى
أفرغ من طوافي. فأمر المؤذنين، فأخر الصلاة حتى فرغت من طوافها، ثم أقيمت الصلاة،
فصلى بالناس، فأنكر الناس فعله، وأعظموه، فعزله عبد الملك بن مروان، فكتب إليه:
والله لو لم تقض طوافها إلى الفجر لما كبّرت[27]). إنه استهتار
مابعده استهتار من أجل هذه الفاتنة. وكانت على رغم تمنعها عليه، تستملحه وتحب شعره فيها، وتعرف
مكانتها في قلبه، وتغزل فيها بأشعار كثيرة. لكنها عندما مات زوجها عمر بن عبد الله
التيمي، وكانت قبله عند مصعب، قيل للحارث: ما يمنعك الآن منها؟ قال: لايتحدث والله
رجال من قريش أن نسيبي بها كان لشيء من الباطل[28]). وهل يؤخر الصلاة من أجل فتاة كانت مادة لنسيبه فقط!!
أم أنها غير هذا؟ وكان يكني عنها في أشعاره باسم جاريتها بسرة أو بشرة فيقول:
أما أخبارها مع زوجها مصعب فكانت مادة شديدة الثراء للقصاص
والرواة، يتدخلون في أعمق أسرارها الزوجية معه، ويتحدثون بها، وينقلون عن مصعب
أحداثاً وحكايات، منها أن الشعبي قال: "دخلت المسجد باكراً وإذا بمصعب ابن
الزبير والناس حوله، فدنوت منه، وطلب مني أن أتبعه إذا نهض، فتبعته إذ توجه إلى
دار موسى بن طلحة، وطلب مني الدخول فدخلت، فإذا حجلةٌ[30]). فطرحت لي وسادة
فجلست عليها، ورُفع سجف القبة فإذا أجمل وجه رأيته قط، فقال: يا شعبي هل تعرف هذه؟
قلت: نعم، هذه سيدة نساء العالمين عائشة بنت طلحة، ثم خرجت، فلما كان العشي التقيت
بمصعب في المجسد، فقال لي: أتدري لما أدخلناك؟ قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت. ثم التفت إلى عبد الله بن أبي
فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوباً، فما انصرف أحد بمثل ماانصرفت
به، بعشرة آلاف درهم والثياب، ونظري إلى عائشة"[31]). ولكن أيعقل أن يبحث هذا الرجل العظيم القدر، والمكانة
السياسية والاجتماعية، عمن يعلن عن بضاعته، إنه أشبه بعقد دعائي، جرى بين مصعب
والشعبي. إنه يطلب منه أن يتحدث عن جمال زوجته عائشة بنت طلحة، ويذكر ذلك للناس،
مع أن عائشة لم تكن بحاجة إلى إعلان عنها بواسطة الشعبي، وهي التي كان سافرة يراها
الناس كافة. فهل شغل مصعب بالمرأة إلى حد أنه بعث لمن ينظر إليها ويتحدث
بما رأى، ويعطيه جائزة مقابل إعلانه. هل أخطئ إذا ظننت أن على الباحث أن يتردد في
قبول هذه الأخبار؟ وكانت أيضاً هند بنت أسماء بن خارجة الفزازي زوجة الحجاج،
تحاول تقليد سكينة وعائشة، وكانت تدفع جريراً إلى الغزل فيها، وكانت قد طلبت من
زوجها الاستماع إلى جرير، فأذن لها، وشارك في المجلس، وجرير لايعلم، إذ استنشدته
من رواء حجاب، فقالت له: يا بن الخطفي أنشدني ما شببت به في النساء. قالت يا عدو
الله وأين قولك طرقتك صائدة القلوب.... قال: ما قلت هذا، ولكني أنا الذي أقول:
قالت: دع عنك هذا، فأين قولك:
قال لها: ماقلت هذا، ولكني الذي أقول:
قالت: دع عنك هذا، فأين قولك:
فقال: باطلٌ أصلحك الله، ولكني الذي أقول:
فقال الحجاج: يا عدو الله، تحرض على النساء، فقال: لا والذي
أكرمك أيها الأمير ما فطنت لهذا، وما علمت بمكانك فأقلني جعلني الله فداك، قال: قد
فعلت، فأمرت له هند بجارية وكسوة"[32]) ويمكن أن نضيف إلى هذه الأسماء، السيدات اللواتي اشتهرن في
غزل عمر بن أبي ربيعة، وأهمهن الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث. وكانت صلتها
بالمغنين عظيمة وكذلك بعمر[33])فقد
شغف بها، وقصة غرامهما تملأ صفحات عدة من الأغاني والديوان. وفيها يقول:
والسيدة الأخرى، كان زينب بنت موسى الجمحية، التي اقترن بها،
وكانت من سيدات قريش النبيلات، جميلة برزة، تعلق بها عمر وأرسل إليها قائلاً:
وكانت زينب كالثريا، مترفة غاية الترف، كادت تذهب بعقله
ونفسه فلحقها إلى المدينة يبثها أشعاره، ومشاعره ويقول:
وكانت كغيرها من النساء في ديوان عمر تعبر عما أصاب المجتمع
من تحضر وتحرر فتبدو ولها من الترف والدلال والزهو ما لم يكن لغيرها من النساء
فيما سلف من الزمن. ثم ماذا عن قلوب أميرات البيت الأموي الحاكم، فهل كن بمنأى
عن الشعر والشعراء وقصص الحب والغرام؟ إن أول من شهرت أخبارها عاتكة بنت معاوية، مؤسس الدولة
الأموية. إنه معاوية الذي فاقت أخبار دهائه وحزمه وسياسته كل شيء آخر، ولكن ابنته
لم تكن بمنجاة من العشق والغرام، وفارس هذه الأميرة قرشيٌ من أجمل الناس وأحسنهم،
كما تقول الرواية، وتصف اللقاء بينهما على النحو التالي: "حجت عاتكة بنت
معاوية، فبينا هي جالسة ذات يوم وقد اشتد الحر، وانقطع الطريق، إذ أمرت جواريها،
فرفعن الستر وهي جالسة مجلسها، وعليها شفوف لها، تنظر إلى الطريق، إذ مر بها أبو
دهبل، وكان من أجمل الناس وأحسنهم، فوقف طويلاً ينظر إليها، وإلى جمالها، وهي
غافلة عنه، فلما فطنت له سترت وجهها، وأمرت بطرح الستر، فقال فيها:
وعندما سمعت عاتكة الأبيات تغنى وتشتهر، ضحكت وأعجبتها وبعثت
إليه بكسوة وجرت الرسائل بينهما، حتى علم معاوية وقرأ الأشعار التي أرسلها إليها.
فأراد يزيد أن يرسل له أحد عماله بمكة فيقتله، فحذره معاوية من فعلته، ولجأ إلى
أسلوب آخر، فكان يصله دائماً بأموال، ويأخذ عليه العهود، على أن يترك أمر ابنته
عاتكة. ولكن جهوده تذهب سدىً، حتى اضطر معاوية أخيراً أن يذهب إلى مكة بحجة أن
يحج، ويتفق مع أبي دهبل على تزويجه
إحدى بنات عمه[38]).
وقال فيها أيضاً:
ويصف مرة أخرى موقف أبيها منه:
وظل يردد نغمات حبه وأشواق قلبه، وكأنه عارف بأنها مسرورة
تريد منه المزيد. ولمَ لا؟ أليست أنثى، وكلهن يحببن الثناء والإعجاب بهن- على رأي
الشعراء- فهو يخاطبها متولهاً بحبها، متدلهاً بجمالها ومكانتها:
وتشير الأخبار إلى أنهن أحببن ذلك من الشعراء، بل سعين إليه
سعياً، فعندما حجت أم محمد بنت مروان بن الحكم، وقضت نسكها، أتت عمر بن أبي ربيعة،
وقد أخفت بيتها في نسوة فحدّثها ملياً، فلما انصرفت أتبعها رسولاً عرف موضعها،
وسأل عنها حتى أثبتها، فعادت إليه بعد ذلك، فأخبرها بمعرفته إياها، فقالت نشدتك الله
ألا تشهرني بشعرك، وكأنها تحرضه بهذه العبارة على قول الشعر فيها وبعثت إليه ألف
دينار، فقبلها وابتاع لها حللاً وطيباً، فأهداه إليها، فردته، فقال لها: والله لئن
لم تقبليه لأنهبنه، فيكون مشهوراً، فقبلته ورحلت[42]). ومما قاله فيها:
ولما قدمت فاطمة بنت عبد الملك، مكة وجعل عمر يدور حولها،
ويقول فيها الشعر، لكنه لم يذكر اسمها خوفاً من عبد الملك والحجاج[44])،
فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول:
ويقول فيها أيضاً:
وكان للمرأة خارج قصور الطبقة العليا، سجل حافل دونه شعراء
الحجاز، وأكدوا فيه ارتباط الحياة بالمرأة والحب معاً، فبينت أشعارهم الحاجة إلى
المرأة من أجل الحياة المتكاملة، فأحبوا المرأة وأحبوا الحياة. وأقبلوا عليهما
معاً يحققون بهما ضرباً من التكامل النفسي، وينشغلو عن الأمور المهّمة التي حيل
بينهم وبينها، وتسربت من بين أيديهم بسبب السياسة الأموية التي أبعدتهم عن الأعمال
الأساسية في الدولة الجديدة، بعد أن كانوا ركيزة الحياة الدينية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية، فأصبحوا فارغين إلاّ من طلب لذاذات العيش ولاسيما الحب
والمرأة. وتميزت بعض النساء بالقوة والثقافة والعقل، فكن يقابلن
الرجال، ويتحادثن معهم في أمور الثقافة والأدب والفن، ونلحظ أن غالبية النساء كن
واثقات بأنفسهن وثقافتهن، وكن يعملن على تدعيم تلك الثقة بلقاء الشعراء والتحادث
معهم، فنطالع أخبار "امرأة برزة جزلة، كانت تقيم ندوة ثقافية في دارها، يجتمع
إليها الرجال. وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، وكانت توصيه
بحفظ ماكان بينهما وكتمانه، فضمن لها ذلك، فوقفت عليه زوجته، فدست إليها امرأة
داهية من عجائز أهلها خربت ماكان بينهما، وكانت السبب في امتناعها عن مجلسها
واحتجابها ومنع كل من كان يجالسها من المصير إليها[46]). وذلك لأنه خان
ثقتها به، بعد أن انطلت عليها حيلة العجوز. وكذلك كانت كثيرة كفيلة عبيد الله بن قيس الرقيات في أزمته
الشديدة. ولم تكن خرقاء صاحبة ذي الرمة بأقل من هؤلاء مكانة ومهابة
وثقافة. وأصبحت المرأة هي التي تبرز للشعراء، وتطالب بوصفها، كما حدث
مع المتوكل الليثي: عندما أتاه غلام له، قال له بالباب امرأة تدعوك، فخرج إليها،
وسفرت عن وجهها فإذا الشمس طالعة -كما يقول الخبر، وعندما سألها عن حاجتها قالت: بلغني أنك شاعر،
فأحببت أن تشبب بي في شعرك، فكرر طرفه في وجهها ثم قال:
وخبر عمر بن أبي ربيعة مع النسوة اللواتي تبالهن بعرفانه بعد
أن خططن للقائه أشهر من أن يقص[48])،
وفي أخبار نصيب أيضاً مايؤكد حديثنا عن تطور المرأة في المجتمع الأموي وتحضرها،
وأخذها من ثقافة عصرها، وعرضها لذلك بفخر إذا لزم الأمر فعندما أتى نصيب مكة
"أتى المسجد الحرام ليلاً، فبينما هو كذلك، إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريباً
منه، وجعلن يتحدثن ويتذاكرن الشعر والشعراء، وإذا هن من أفصح النساء وآدبهن، فقالت
إحداهن: قاتل الله جميلاً حيث يقول:
فقالت الأخرى: بل قاتل الله كثيّر عزة حيث يقول:
فقالت الأخرى: قاتل الله ابن الزانية نصيباً حيث يقول:
فقام نصيب إليهن فسلم عليهن، فرددن السلام، وأنشدهن قصيدته
التي منها:
فقلن له: نسألك بالله وبحق هذه البنية من أنت؟ قال: أنا ابن
المظلومة المقذوفة بغير جرم نصيب، فقمن واعتذرن إليه. وقالت: إنما حملني الاستحسان لقولك. فضحك وجلس إليهن فحادثهن إلى أن
انصرفن"[49]). وكذلك نلتقي ليلى صاحبة المجنون هي ورفيقاتها يتحدثن إليه،
وكان أكرمهن ونحر لهن ناقته، وظل يحدثهن بقية يومه، فبينما هو كذلك، إذ طلع عليهن
فتى عليه بردة من برود الأعراب، فلما رأينه أقبلن عليه، وتركن المجنون، فغضب وخرج
من عندهن[50]).وكانت
العرب ترى غير منكر أن يتحدث الفتيان إلى الفتيات[51]). ولعل موقف الجارية التي حزنت على النساء بعد وفاة عمر بن أبي
ربيعة، خير شاهد على ماوصلت إليه المرأة في العصر الأموي، فهي تندب حظها وحظ
النساء من بعد عمر بن أبي ربيعة، وتقول وهي تبكي: من لمكة وشعابها وأباطحها ونزهها
ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن؟ فقيل لها: خفّضي عليك، فقد نشأ فتى من ولد عثمان يأخذ
مأخذه، ويسلك مسلكه، فضحكت وقالت: الحمد لله الذي لم يضيع حرمه[52]). وكان شعراء الحجاز قد عبروا عن ذلك بتعدد حكايات الغرام،
وكثرة النساء والأسماء في أشعارهم، والتركيز على صورة المرأة التي تبادلهم الحب،
وتتصرف بأمور قلبها وعشقها، فترسل طالبة اللقاء، أو تدبر معرضة من غير حساب لقلب
من ينتظر، وتعاتب وترضى وتصرم وتتودد. فصوروها بكل أحوالها النفسية، راضية وساخطة،
عاشقة وكارهة. وأكثر من جسد ذلك في شعره عمر بن أبي ربيعة، وحديث الرسل في شعره له
دلالات حضارية مهمة، إذ ظهرت طائفة من هؤلاء الوسطاء الذين يقربون بين المرأة والرجل،
ويتميزون بالذكاء والفطنة واللسان الرقيق، فيذللون الصعاب، ويرققون النفوس، وينتهي
على أيديهم كل خصام إلى ما يرتضون ويتمنون. يقول في ذلك:
وتكررت الإشارة إلى رسائلها في شعره، كأن يقول:
ويقول أيضاً:
ويشير إلى وعيها بالخطر المحدق بها وإصرارها في الوقت ذاته
على لقائه، فتبدو لائمة غضبى، لأنه لم يعلمها بموعده المباغت، لكنها لا تلبث أن
تسترضيه قائلة:
لقد كان الحب في شعر عمر عاطفة مشتركة
بين الرجل والمرأة، وإعجاباً متبادلاً، يفصح كلاهما لصاحبه عما يعانيه من حرارة
الحب وحرقة الوجد. يقول:
وفي شعره نقرأ أفكار النساء ومايدور في أذهانهن في حالات
الحب، وكيف يظهر بعضهن العون لبعضهن من أجل إتمام متطلبات القلب والأشواق:
ويكرر عمر تعاونها مع رفيقاتها من أجل تحقيق ماتبغي في عدد
من القصائد[59]). وكثر في شعر عمر تصوير النساء وهن مقبلات عليه، وهو بذلك
يشوش صورة المرأة في البيئة الحجازية، التي كانت في حقيقة أمرها وحياتها، مراقبة
مراقبة شديدة ولاسيما من الأسرة، وبدت مرات كثيرة، لاتستطيع الحركة إلا ضمن
الأسرة، أو مع مجموعة بديلة للأسرة تحل محلها في الرقابة كما بينت سابقاً. لكن نساء الحجاز في شعر عمر يحتلن على الرقابة ويتساعدن
وينجحن في تحقيق بعض اللقاءات الخارجية في متنزهات ورياض الحجاز:
ويقول في أخرى تحتال للظفر برؤيته من غير أن يشعر بها حتى
لايصرمها:
وبدت النساء في شعره خائفات مذعورات على قلوبهن ومشاعرهن
لأنه كثير التقلب والملل لا يكاد يحب واحدة حتى ينظر إلى أخرى، وتستجيب الأخرى
بسرعة، فعبّر عما تحس به هؤلاء النسوة من جزع خشية فراقه لهن، وكلهن يعرفن علّته:
وهو لاينسى هذه التي رجته أن يؤجل رحيله:
وتلك التي لاحظت ازوراره عنها:
والانطباع العام عن النساء في شعر عمر أنهن مغرقات في الحب
والخيال، عتابهن كثير ورضاهن عزيز حيناً وأحياناً يسير:
وقوله أيضاً:
ويقول في محاولته إرضاءها:
ورغم قسمه
المعظم لها بحبه لها، فإنها
تصدّ عنه وتتجهم:
فلم يكن إذاً تحرر المرأة في الحجاز وماحصلت عليه من
امتيازات الخروج والظهور وسماع الأشعار والغناء، مظهر انحراف سلوكي واجتماعي، بل
كان وسيلة للتعبير عن الروح
الحضارية والذوق المترف الذي وصلت إليه المرأة والمجتمع، فجاء الشعراء وأضافوا إلى
هذا النموذج أي المرأة المتحررة المتذوقة- أطيافاً من موهبتهم الفنية وصورهم
الشعرية، فكانت وسيلة متعة فنية. ومما يتعلق بهذا القول، انتظار الشعراء لمواسم الحج، وبحثهم
عن النموذج النسوي، مما زاد في قصص
الغرام والتجارب الفنية الجديدة، وأدى إلى اشتهار أفواج أخرى من النساء. كانت مواسم الحج تتيح للشعراء رؤية النساء من مختلف الأمصار
الإسلامية، وكان الشعراء يرون في هذه المواسم عنصراً شعرياً يلفت النظر بل يصدم
الإحساس الديني ويثيره، فأكثروا في أشعارهم من ذكر المناسك وأيام الحج ومواقعه
واستغلوا ذلك كله أطيب استغلال. كان العرجي يصور النساء الحواج وهن مشغولات عن
فريضتهن بحديثه ومراقبته، ووصف ما تغير من صورة شبابه المشرق الجميل:
فهن في رأيه قد جئن للحج لغاية غير التي يظهرن، وقد وقف على
سرائر نفوسهن وكشفها. ويراهن العرجي مرة أخرى في الأماكن المقدسة يؤدين شعائر
الحج، فيراقبهن عن كثب، ويصور مايدور في ذهنه حيالهن:
وكان الحارث بن خالد المخزومي يرى
النساء في الحج أو العمرة، عند الطواف أو في منى، فإذا ما أدين الفرائض، ورحلن،
بقي الحارث يستعيد الذكرى ويتأمل المواضع، وكان مرة يقف على جمرة العقبة عندما رأى
أم بكر وهي ترمي الجمرة، فرأى أحسن الناس وجهاً، وكان يرى وجهها بسبب الإحرام، فسأل
عنها، وأرسل إليها، أن تأذن له في الحديث، فأذنت له وكان يأتيها ويتحدث إليها، حتى
انقضت أيام الحج، وعندما أرادت الخروج إلى بلدها قال فيها:
وكثر في شعر عمر بن أبي ربيعة أيضاً مشهد النساء وهن يؤدين
المناسك، ففي نعم يقول:
ويذكر أنه رآها بالمحصب من منىً:
ويصف مواكب النساء وهن يتهادين في عرفات:
ويؤكد أنه لايلقاها إلا في موسم الحج:
في النّفرِ أو في ليلةِ التحصيبِ عند حصابِها[74]). ويذكر تحية إحدى النساء إليه، والحجيج يهمون بالنزول من
عرفات لإكمال مناسكهم:
[1]) حدث مثل ذلك في الحروب
الصليبية مثلاً، فقد كان الأوروبيون أقلّ تحضراً من العرب الذين غزوهم، فأثر العرب
تأثيراً قوياً في ثقافتهم على نحو ماهو معروف وحدث مثل ذلك أيضاً، فقد كان التتار الذين
غزوا الدولة العباسية أقل تحضراً، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن التتار والصليبيين لم
يستطيعوا البقاء في الأرض العربية كما فعل العرب بالبلاد التي فتحوها. [26]) المصدر السابق: 1/81 وفي
الديوان ص469.
|