|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:27 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
هيئــــة المـــــرأة
وأخلاقهـــــا فــــي الشـــــعر
الأمـــوي
لقد كرم الإسلام الإنسان رجلاً كان أو امرأة، وأضفى على
المرأة وقاراً وحشمة، ورفع من مستواها الأخلاقي، وغرس الفضيلة في نفسها، وحض على
مراعاتها كل من يتعامل معها. وقد تحدث القرآن الكريم عن المرأة في أكثر من عشر سور
كالبقرة والمائدة والنور والأحزاب والمجادلة والممتحنة والتحريم ومريم، بل إن سورتين
من سوره تعرفان بسورتي النساء النساء الكبرى والصغرى وهي الطلاق). وقد أدى هذا التركيز على "المرأة" وهذه العناية
الشاملة بشؤونها جميعاً إلى رسوخ الموقف الإسلامي منها في نفوس الناس عامة، وفي
نفسها هي أيضاً، فقد تمثلت تعاليم الإسلام الأخلاقية التي تحض على الفضيلة والشرف
والطهارة، وتصونها في أسرتها ومجتمعها. ونتيجة
لتعاليم الإسلام وأخلاقياته السامية كان أي تجاوز في مفهوم الشعراء للحرية
والتحرر يؤدي إلى عقاب السلطة السياسية. ولعلي لا أخطئ إذا ظننت أن الشعراء
العذريين قد فاقوا غيرهم في استيعاب الروح الإسلامية، وتمثل تعاليم الإسلام في
التعامل مع المرأة فأبرزوا أخلاق المرأة المسلمة، وأفاضوا في الحديث عنها. ولست
أعني بهذا أن شعراء مدن الحجاز ابتعدوا عن تمثل موقف الدين الإسلامي من المرأة
وأخلاقها بل أعني أن عاملاً آخر هو العامل الحضاري امتزج بالعامل الديني، وأدى هذا
الامتزاج إلى ظهور مفهوم جديد أو نظرة جديدة إلى المرأة في مدن الحجاز أو عند هذه
الطائفة من شعراء تلك المدن. وليست هذه النظرة الجديدة مناقضة لنظرة العذريين بل
هي مختلفة عنها ومغايرة لها فقد ظل فيها أثر الدين واضحاً أو قريباً من الوضوح
وكيف لايكون الأمر كذلك وقد نشأ هؤلاء في ظلال الإسلام، وثقفوا تعاليمه، وعاشوا في
أجواء تردّ عليهم ذكريات الأيام الغابرة التي كانت تعبق بأحداث الدعوة الإسلامية
الأولى. وضمن هذا التحول الاجتماعي الكبير في العلاقة بين الرجل
والمرأة في المجتمع الأموي راح الشعراء ينظرون إلى المرأة، ويحسبون الحسبة الطويلة
في تصويرها وتناولها، فتراوحت معانيهم بين المعاني الأخلاقية الموروثة والسائدة في
المجتمع، والتي جاء الإسلام فأكدها من حياء وإباء وعفة وبعد عن الفحش ومواطن
الريبة. وابتعد الشعراء قليلاً عن العكوف في معبد الجسد، وانصرفوا إلى تصوير مشاعرهم
وأحاسيسهم بعيداً عن محاور الفتنة
والإغراء. على نحو مالاحظ د.وهب رومية عندما تحدث عن المقدمات الغزلية في العصر
الأموي فرآها "تفصح عن ذوق حضاري جديد يغاير الذوق الإحيائي القديم، ويفترق
عنه، فنحن لانجد في هذه المقدمة سوى اليسير من الحديث عن مفاتن الجسد، فكأن الحضارة كفت الرغبة الجامحة في
النفوس عن الصهيل، وهذبت الأحاسيس والمشاعر، فراح الشعراء يصورون وجدهم الشديد،
ومايستشعرونه من الأشواق والمواجع، ومايعتريهم من مرارة اليأس، وما يزدهيهم من
بروق الأحلام والأماني، وصار الغزل حديثاً عن العواطف والأحاسيس ومعاني الحب بعد
أن كان عكوفاً في معبد الجسد"[1]). لقد التفت الشعراء إلى أخلاق محبوباتهم، وصوروها كما أحبوا
أن يروهن ضمن أخلاقيات المجتمع السائدة، فبدت النساء حييات على قدر كبير من العقل
والحصانة والتمنع، وأبرز من ألح على إظهار هذه المعاني الشعراء العذريون، فعزة في رأي
كثيّر صخرة في صلابتها، لا تكلف نفسها عناء غرامه ومواصلته، بل تبدو مفطورة على
البخل والصدود والملل:
ولايكف عن إظهار إعجابه بأخلاقها الكريمة، فيظهرها عارفة
بقدر نفسها، تتصرف بحكمة وذكاء، وتجسد في تصرفاتها عقلية الأنثى المتمنعة:
ومهما بخلت وتمنعت فإنها لاتزيده، إلا تعلقاً وهياماً، فنفسه
موكلة بحب هذه البخيلة التي لاتمكنه من نفسها اعتزازاً بقيمها وأخلاقها:
ولا يستطيع مجنون ليلى أن يخرج على منظومة القيم السائدة في
الإعجاب بأخلاق المرأة الحيية البخيل، التي تخشى على سمعتها أقوال الوشاة، وتثور
أشد ثورة إذا ما سمعت كلمة تتناولها. يقول:
كما أنها تعرف كيف تحافظ على نفسها، وتحتاط لسمعتها، فهي لا تشاهد خارج بيتها حتى في أهم
المناسبات التي يترك للفتيات فيها الخروج والتجمع أمام الآخرين فتزداد أخلاقها في
عينيه تسامياً ورفعة:
ويدور جميل في الدائرة ذاتها، فيثني على بخل بثينة وتمنعها،
ويرضى منها أعذارها وإخلافها وعوده، بل يرضى بكل مايصدر عنها حتى لو استدار العالم
دون أن يراها:
واعتنى الشعراء التقليديون بالصفات الأخلاقية والنفسية
للنساء، وذكروا صفاتهن الحميدة المحببة، فكأن هذه الصفات ميراث عام تحرص النساء
جميعاً على أن يكون لهن نصيب منه، فهن حييات لا يتحدثن إلا قليلاً، وإن هن تحدثن
فأصواتهن لاتكاد تسمع، وهن يخفضن من أبصارهن، وينأين بأنفسهن عن مواطن الريبة.
وكان الفرزدق في مقدماته الغزلية "معنياً بمحاسن المرأة النفسية يصورها
تصويراً فيه رقة ورهافة ودقة حس، فقد يقف على دخيلة نفس الأنثى ويصورها فإذا هي تقول شيئاً، وتضمر آخر، وإذ
هي تبذل الآماني الكاذبة لتختبل العقول، وإذا هو معلق بها. وقد يتحدث عما يحب من
النساء فيصدر عن موقف جمالي يغاير القديم"[8]). وأعلن عن ذلك بقوله:
ويعود الفرزدق فيؤكد مايحب من النساء الشريفات، اللواتي يأنس
عند أزواجهن، ويحتفظن بحيائهن بين أيديهم، ويثني على حديثهن المهموس فيقول:
ويبدو شديد الإعجاب بكلامهن القليل وصوتهن الخفيض:
وتكررت في معانية القيم الإسلامية التي سيطرت على الذوق
العام ورسخّت الفضيلة والأخلاق الكريمة: يقول:
ونلمح المرأة في شعر جرير عفيفة عاقلة حريصة على سمعتها
ووضعها الاجتماعي، متصونة تبتعد عن كل مايريب أو يجلب لها العار والمذمة، واحتلت
هذا الصفات المرتبة الأولى في منظومة القيم الأخلاقية عنده: يقول في ذلك:
ويصور سلوكها فإذا هي خفيضة الصوت، لاتفشي سر أحد، وتنأى
بنفسها عن كل ما يثير الشبهات، أو يجعلها عرضة لأحاديث الآخرين:
ولاينسى أن يشير إلى حشمتها وتدينها، مما يزيد في وقارها
ورزانتها:
ويعجب أيضاً بهدوئها، وحسن معاشرتها لجيرانها، وابتعادها عن
مصاحبة الأشرار ممن ينقلون الأحاديث ويثرثرون:
ويكرر المعنى ذاته في بيت آخر، فيقول:
ويضيف أنها "من نسوة زانهن الدل والخفر"[18]). ويصور جرير جانباً آخر من أخلاق المرأة ونفسيتها، فإذا هي-
على الرغم من وقار الحصانة وجمال العفة، وحسن الأحدوثة -تنطوي على المكر والغدر
وحب الخديعة، وتضمر الحقد لمن تريد الابتعاد عنه.
ويذكر أيضاً إخلافهن الوعد ومماطلتهن، وسرعة استغنائهن عمن
ترك الصبا:
ثم يؤكد نظريته أو رأيه في النساء، ومافطرن عليه من التقلب
والإخلاف والاستغناء يقول:
وأحب الأخطل في المرأة التمنع والدلال أيضاً، فأشار إلى
أنها:
والتفت إلى ضحكتها فقال:
وبيّن نفسية المرأة وأشار إلى تلعبها بذكاء وخفة بعقول
الرجال، وصدودها عنهم عندما ترغب في ذلك بسهولة ويسر، فبدت كأنها من الجن بسبب
ماتملكه من فنون التخفي والسحر والأساليب التي تتبعها لاصطياد من تريد اصطياده،
وإيقاعه في شباكها:
ويكرر الأخطل معرفته بنفسية المرأة واعوجاجها عندما ترغب عن
الرجل وسهولة غدرها، وقلة دوام وصالها خاصة إذا ماطرأ طارئ عليه، وانقلب الزمن به،
فإنها أقسى من الزمن نفسه:
ويشير إلى معرفته بأخلاقها التي تدل على بعض مافي نفسها من
حب الغدر والتقلب:
وفي تتبعنا لقيم المرأة الأخلاقية في أشعار طائفة أخرى من
الشعراء الذين اختلفت اهتماماتهم الشعرية بين مدح وهجاء وفخر وأغراض أخرى أقلها
أهمية بالنسبة إليهم المرأة وما يتعلق بها من غزل وحب، رأينا الصفات الأخلاقية السائدة في أشعارهم هي ذاتها التي تداولها
معظم الشعراء على اختلاف بيّن في الانتباه لهذا الجانب الأخلاقي والنفسي أو ذاك،
ماخلا بعض الأبيات المتفرقة التي يستعرض فيها الشعراء خبرتهم بنفسية الأنثى، حتى
تكاد هذه الصورة -صورة نفسية الأنثى- أن تكون هي الأخرى قاعدة أو تقليداً شعرياً
لابد للشعراء من تسجيله للتدليل على حنكتهم ومهارتهم العقلية. فهذا القطامي يرنو إلى المرأة فيراها متقلبة متلونة كأنها من
الجن لا يعرف لها حقيقة، يقول:
ويظهرها أيضاً كاذبة كثيرة القسم لتسويغ أخطائها أو
لتعميتها:
ويؤكد معرفته بالنساء عامة، ويدعو عليهن دعاء المقهور
المغلوب على أمره، إذ لا يراهنّ إلا وهن يخلفن الوعود:
ويشير في عدد من الأبيات إلى بخلها وتمنعها وإخلافها الوعود،
فيقول:
ويكرر إعجابه بهذه الصفة أيضاً، ويضمنها معرفته ببعض أمورها
النفسية كالخيانة والكذب:
ويذكر إخلافها الوعد وماناله من ذلك إلا التعب وتحصيل الهموم
والمشاكل:
ويبدو القطامي مصراً على إلصاق هذه المعايب النفسية بها،
فيؤكد إخلافها لوعده وبخلها، بل بخلهن جميعاً، الذي يبدو هدفاً لهن جميعاً:
أما المتوكل الليثي فكان على كثرة توقفه عند وصف المرأة الجمالي، قد التفت إلى بعض الدقائق
النفسية للمرأة التي يتغزل بها، فجاءت أوصافه نمطية تقليدية فيها الحياء والعفة
والبخل والتمنع وإخلاف الوعد. وفيها أيضاً تصوير لنفسية المرأة وما يداخلها من
تلعّب بقلبه وقلوب الرجال عامة بما تملك من أساليب ملتوية، وكأن الشعراء أرادوا
بالإلحاح على هذه المعاني ووصف المرأة اللعوب الذكية بها أن يؤكدوا حكمة الشعوب
ورأيها السلبي في المرأة. إن المتوكل يعلن عن معرفته بدخائل نفوس النساء، وما يمتلكن
من تكبر وخيلاء وكذب، ويظهر حبهن لتعذيب الآخرين إذا ما قررن القطيعة:
كما أنهن كظلال متنقلة لايستقر المرء منهن على حال:
وكان عدم خروج المرأة من منزلها أمراً محموداً يعجب به
المجتمع عامة، ويقدره تقديراً عالياً، لما يضفي عليها من الصون والابتعاد عن كل ما
يثير يقول:
وأعجب منها أيضاً بالعفاف والبخل فهي لا تبادله شيئاً سوى
البخل والاعتذار:
و لاينسى أن يذكرنا بإخلافها وعودها، وتسويفها لكل مطالبه:
كما أنها تعاف كل من يريد بحديثه معها التلعب والكذب، ولا
تغفل عما يريد وهو بذلك يدلّ على عقلها وفطنتها وحصافتها يقول:
وتبعث الطمأنينة في نفس من يعاشرها، لا تجلب له الهم أو
الحيرة والشك بسبب ما تتمتع به من فضيلة وأخلاق كريمة.
وتعرف كيف تصون سمعتها وتدرأ عن نفسها مخاطر من يتصيدون
أخبار الآخرين وينشرونها بين الناس فتبدو نافرة حذرة:
ويضيف المرار الفقعسي إلى أخلاق المرأة قبساً آخر من الإسلام
وتعاليمه، فيذكر تمسكها بدينها الذي يردعها عن الفاحشة والرذيلة:
كما أنها لا تؤذي جيرانها، ولا تزعج أحداً بصوتها خارج دارها
في شعر الشمردل اليربوعي:
وبدت في شعر النابغة الشيباني كما في أشعار معاصريه متمنعة
بخيلاً، بعيدة كأنها النجم المحلق من بعيد:
وصوّر التواء نفسيتها، واستشهد على ذلك بصرمها المباغت
ودلالها الآسر، وصلابة رأيها وعنادها، فقال:
وقد فتن الشعراء أيضاً بتصوير حديث النساء وكلامهن الذي يدل
على الأخلاق الحميدة والتصون والهدوء والرزانة. فأشار غير واحد من الشعراء إلى ذلك
فمحمد بن بشير الخارجي يقول:
وعدي بن الرقاع يلتفت إلى حديثهن فيقول:
وفي هاشميات الكميت نقرأ قوله: وحديثُهُن إذا التقينَ تهانفُ البِيضِ الغرائر[48]) وفي شعره إشارة أخرى إلى حديثهن:
ويقول عمرو بن لجأ التميمي في حديثهن:
وأشار عروة بن أذينة إلى حديثها فقال:
وقال أيضاً:
ويقول ابن ميادة في المعنى ذاته:
وفتن كثير عزة بحديث محبوبته وأشار إلى عذوبته غير مرة، منها
قوله:
ويقول في حديثها أيضاً:
ويكرر إعجابه بحديثها:
أما في شعر المدن الحجازية فقد اختلفت صورة المرأة المثالية
التي مررنا بها في الصفحات السابقة، وبدأت تتحول وتدخل منعطفاً جديداً بسبب مؤثرات
كثيرة تداخلت في البيئة والمجتمع الحجازي، وأصبحت المرأة جريئة متحررة تعيش فراغاً
يدفعها للبحث عما تشغل نفسها به وتحقق لها ذلك بالاستجابة لحياة المجتمع الجديد
بمغامرات وحب وغزل، تقلبت فيه على أحوالها المختلفة، وجاء عمر بن أبي ربيعة فتلقف
هذه الحالة وراح يستكثر من وصفها مضفياً عليها من خياله ورغبته أبعاداً جديدة. فكانت المرأة في شعره متناقضة متغيرة الأحوال، بقدر ما تظهر
جريئة تبدو خاضعة، وبقدر ذكائها تبدو عفوية بسيطة، وبقدر قسوتها يبدو لينها، وبقدر
تلّعبها يستطيع عمر أن يخضعها ويتلعب بها، تلبي حاجته، وتصبح عرضة لأهوائه، وتخاف
أن تلتقيه، وتحتال لذلك اللقاء بدهاء وخفة، كما كانت مبالغة في التعبير عن حبها،
ثرثارة كثيرة الكلام والحيل، ويكثر هو من التعبير عن نفسيتها الملتوية التي تنطوي
على المكر والخبث، فتحقق كل ما ترغب فيه بأقل الخسائر الممكنة، فيكشف عن ذلك
المكر، ويصور ما تنطوي عليه أعماقها من مشاعر وأهواء متضاربة، ويصغي إلى ما يدور
بينها وبين رفيقاتها من أحاديث وحيل من أجل إرضاء الحبيب الهاجر، يقول:
وفي مواقف حوارية أخرى مع قريباتها - أخواتها أو صديقاتها- تتم
الحيلة، وتنجح المؤامرة، وتنال ما تريده بأقل الخسائر الممكنة، إنها صورة المرأة
في شعر عمر بكل ما تنطوي عليه نفسها من خوف وحذر، وتدلل وتمنع، ومكر واحتيال،
ورغبة في المغامرة، وجرأة عليها، وحضّ عليها بطريقة أنثوية خاصة كما نرى في قصيدته
"أمن آل نُعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ" فقد قصّ الشاعر بأسلوب فني بديع ما كان
من أمره "ليلة ذي دوران" حتى دخل خباء نعم، ثم أمضى ليلته القصيرة
بصحبتها دون أن يشعر بمرور الوقت. فلّما ارتفع صوت الحيّ، وعلت ضوضاؤهم، ولاحت
تباشير الصباح أدركا أنهما في مأزق، وقد أبدع عمر في تصوير هذا الموقف من القصة
الذي يطلق عليه النقاد اسم "الذروة" وصور تصويراً نفسياً عميقاً نفسية
الرجل ونفسية المرأة في مثل هذه المواقف. والذي يهمنا هنا هو أن نتبين صفات الأنثى
كما نراها في هذا الموقف الحرج. فقد ألقت عليه - أول الأمر- مسؤولية التصرف للخروج
مما هما فيه مصطنعة في ذلك شخصية المرأة التي تشعر حبيبها بأنها ضعيفة لا تملك
لشؤونها تصريفاً، وبأنه الرجل السيد الذي تعتمد عليه وحده في مواقف الخطر: قالَتْ: أَشِرُ كيفَ تأْمُرُ؟ ولكنها لم تلبث أن فنّدت رأيه، وبينت عُواره. فليست المواجهة
من طبيعة الأنثى في مثل هذه المواقف لأن المواجهة -في أحسن أحوالها- ستجلب لها
الفضيحة. إنه الحذر الذي فطرت عليه، والمكر والاحتيال اللذان عرفت بهما حواء
الخالدة!! وتأتي بعدئذ لحظة "التنوير" أو بداية الحل - كما يسميها نقاد
القصة- فتعرض عليه أن تستعين بأختيها لعلهما تريان لها حلاً. وتتكشف نفسية المرأة
ههنا بدهائها ومكرها وخشيتها من الفضيحة لا من الزيارة نفسها، فتعرض الأختان عليها
خطة ذكية ماكرة، وتطمئنانها فالخطب أيسر مما تظن. وليس على عمر إلاّ أن يرتدي ثياب
إحداهما، ثم يخرج برفقة حبيبته وأختيها متنكراً بثياب امرأة!! ألم أقل إنه الحذر
والمكر والدهاء والفطنة الأنثوية الخاصة، وهو الاحتيال والجرأة وتهوين ما ليس
يهون!! فقد استطاعت بخبث المرأة أن تنجو من الفضيحة، وأن تخرج من مواطن الخطر
محتفظة بوقارها وحشمتها أمام الآخرين!! يقول:
وقد ضرب المثل بترس عمر أو مجنه، وطارت شهرته في الآفاق،
وينبغي أن نلاحظ أن تعليق هؤلاء الفتيات على عمر ومسلكه ليس ردعاً له، ولا إنكاراً
أو ما يشبه الإنكار، بل هو، في حقيقته، استثارة لفتوته، وإعجاب بها، واعتراف صريح
أو كالصريح بهذا الإعجاب. وقد أشار الدكتور شكري فيصل إلى مقدرة عمر بن أبي ربيعة في
الكشف عن نفسية المرأة وأخلاقها الملتوية عندما قال: "كشف عمر عن نفسية الأنثى
التي تعرف كيف تداور الأمر، وكيف تتجنب أزماتها الشداد وتعرف كيف تتقي المجتمع،
وتقطع الطريق على الكاشح فتنصرف عن العنف إلى الحيلة"[59]) وقد استغلت الحيلة إلى أبعد مدى في مواقفها مع عمر، وفازت
مرات كثيرة باللقاء الحذر بعد أن احتالت على الرقابة والمجتمع بأساليبها المختلفة.
وكان عمر برأي بعض الباحثين يعنى بوصف المرأة نفسها، ووصف
أحاسيسها، وكأن غايته من ديوانه أن يصف المرأة وصفاً نفسياً[61])فها
هي ذي تبدو والغيرة تنهش قلبها عندما علمت أنه قد تزوج واحدة أخرى، لكنها كتمت
غيظها، وتظاهرت بعدم الاهتمام، وأخفت ما تعاني من غضب وقلق، ثم ضاق صدرها بناره، فأفضت
بما فيه لصديقات لها هن موطن للسّر وأهل للتسارّ، يقول:
ويصف ما يعتري نفوس النساء من إحساس بالحسد تجاه من تفوقهن
جمالاً، وما يدور في نفس هذه الجميلة من الرغبة في انتراع اعتراف صديقاتها بأنها
أجمل منهن، ورغبتها في إظهار تفوقها عليهن، وإدلالها بهذا الجمال، وبتغزل عمر بها.
فهو يصورها تسأل رفيقاتها عن مدى صدقه في تصوير حسنها، ولكنهن بخبثهن المعهود ومكرهن
يلتوين بالجواب، ويصطنعن الضحك، ويجبن إجابة ماكرة لا تحقق لها ما أرادت، ومتى
كانت المرأة تقرّ لغيرها بأنها أجمل منها؟ وليس يخفى ما في هذه الإجابة من شوك
الحسد وإن بدا ملّفعاً بالسخرية والهزء
و لايملّ عمر ولا يضجر من الحديث عن احتيال النساء للقائه،
وتعلقهن به، وفوزهن بما يخططن له بظرف وذكاء، فيروي لنا كيف عملن للقائه على جهل
منه، ثم يكشف عن حيلتهن الظريفة بقوله:
ويضع على لسان صاحبته خطة أخرى تلقنها لصديقاتها بحذر وذكاء،
وتحمل خطتها لوماً وعتاباً له بسبب هجره لها، ولكنه يرد عليهن بمثل ذكائهن وأكثر:
ونصادف في ديوانه كثيراً من الحيل والخطط للفوز بلقائه، ولست
أشك في أن عمر كان يقصد بها الكشف عن نفسية المرأة وما فطرت عليه من المكر والخبث
في تجاوزها كل الأخطار التي تعترضها واحتفاظها- على الرغم من كل ما تبذل لإرضائه
خلال اللقاء - بإطار من العفة والاحتشام:
وأَوْصي غلاماً بالوقوف بجانب الستار خَفيَّا شخصه يتسمَّعِ:
كانت هذه مشاهد يسيرة، وغيرها كثير من شعر عمر، تصور المرأة
في بيئة المدن الحجازية لهذا العصر، فتبدو -كما رأينا- مضطربة محتالة، ذكية ومحبة،
تضحي بأثمن ما تملك عندما تكون عاشقة، وتدبر الصعب بأقل الخسائر، ولكنها رغم كل
ذلك، حسب رأي الدكتور شوقي ضيف "ظلت تحتفظ بحجاب من الوقار كانت فيه لا تضيق
بما يقال فيها من غزل، بل لعلها كانت تحب فيه أن يحظى بغير قليل من الحرارة، وعلى
هذا النحو كان الناس رجالاً ونساء في مكة والمدينة على شعر الغزل. وأخذ الشعراء
يخضعون ملكاتهم وعواطفهم له"[67]) ولكن عمر "استمر في طلب المرأة، والالحاح عليها، وبلغ
من تيه عمر في ذلك أن رأيناه يصورها متهالكة عليه تتضرع إليه وتستعطفه"[68]) وكان عمر يراهُنَّ صواحب غدر لا يؤَتمْنَّ على شيء مع أنه
قليل التصريح برأيه السلبي فيهن كيلا يخسر مودتهن، ولكننا نقع على هذا الرأي في
بعض شعره، يقول:
وفي زحام آراء عمر بالمرأة، واهتمامه بالكشف عن التوائها
وغدرها وحيلها وبراعتها، لم ينس أن يشير إلى بعض ما تتمتع به من أخلاق حميدة،
وسيرة عفيفة مما تعارف عليه المجتمع بشكل عام، فبدا معجباً بأخلاقها، يعجبه منها
أنها:
ويشير إلى خلقها النبيل، وعقلها الراجح في قوله:
ويقول في أخلاقها أيضاً:
يذكر أنهما عندما يجتمعان يهجران كل فاحشة:
ونجح عمر كما هو واضح في الدخول بين النساء، واستراق السمع
إلى أحاديثهن، ونقل أمنياتهن في الحب واللقاء وسجل تصريحاتهن برغبات كثيرة فكشف عن
أنفسهن اللعوب، وأخلاقهن المعوجة التي تبدو في تصرفاتهن، وشقائهن في حب من يهملهن،
وخضوعهن وانكسارهن في من يتنكر لهن. ولخص هذه المعاني عبيد الله بن قيس الرقيات في
قوله:
هذا ولم يكتفِ الشعراء بتصوير أخلاق المرأة ورصد نفسيتها، بل
يتوقف بعضهم ليصور أخلاقه في التعامل معها، فعلاقة الرجل بالزوجات والجارات قضية
لها أبعادها العميقة في مجتمع البادية خاصة، وتمثل أخلاق الفروسية العربية يفضي
بنا إلى تخيل علاقة الجوار النبيلة الضاربة في جذور المجتمع العربي. ومن أغنيات
الشعراء بهذه المثل الرفيعة نقرأ قول العجاج:
ومن أبناء البادية أيضاً من أنشد هذه الأنشودة الأخلاقية
الكريمة، فنسمع عقيل بن علّفة يقول:
ويقول كثير في هذه المعاني الأخلاقية:
ولا نعدم في أشعار الحجازيين مثل هذه المعاني السامية التي
تمثل الفضيلة والقيم الإسلامية التي نبتت في أرض الحجاز فنرى الأحوص يتسامى مع هذه
المرأة التي تحاوره في موقف أخلاقي شديد الحساسية، وهنا نلاحظ انقلاباً في صورة
المرأة الأخلاقية في شعر شعراء مدن الحجاز لكن الأحوص يزجرها مستعرضاً مكارم
أخلاقه ويبين لها أنه لا يخالف تعاليم دينه الصريحة في هذا المقام، يقول:
وأجد نفسي هنا في منعطف حساس جداً، وهو تبين علاقة الشعراء
مع المرأة المتزوجة، وإعلانهم عن هذا الموقف في أشعارهم، مما قد يخلخل بعض القيم
الأخلاقية التي تتبعناها منذ بداية هذا الفصل. فنشاهد المرأة خارج دائرة الأسرة والزوج والمجتمع تبحث عن
إرواء الرغبة والمتعة بطريقة ملتوية. لكنها صورة قليلة تناولها عدد من الشعراء
الذين عرفوا بالتهتك والاستهتار وقد تكون صورة متخيلة لا مرأة تثير رغبة جامحة في
نفس الشاعر، فيعوض عن خيبته بالتخيل، ويثبت أمنياته في أشعاره التي تفارق الواقع،
وتفترض ما يحب الشاعر أن يكون. بيد أنني أستطيع أن أقول أيضاً: إنه لا بد من وجود مستويات
أخلاقية مختلفة في المجتمع، ومن غير المعقول أن تكون كل النساء من مستوى أخلاقي
واحد، وأن يكنّ جميعهن عفيفات طاهرات الذيل. كما أنه من غير المعقول أن يتحلى جميع
الشعراء بالقيمة الأخلاقية ذاتها، هذه الثغرة التي كانت في المجتمع لهذا العصر هي
التي استغلها بعض الشعراء المتهورين، وتجاوزوا ما فرضه المجتمع من القيم والقواعد
الأخلاقية. وهي أيضاً صورة أخرى للمرأة لا علاقة لها بصورة المرأة في
الحجاز التي دخلت مسارب أخرى مفارقة لمساربها النمطية كما رأينا عند شعراء الحجاز.
فهذا ابن ميادة يعلن عن الثغرة التي قد تضع المرأة في هذا
الموقف، إنه -كما يقول- نفورها من الزوج، وعدم قدرتها على التخلص من رابطة الأسرة،
فيجد الشاعر فرصة للفوز بهذه المرأة التي لا تمنع راحة لامس كما يقول:
ولكنه يعود في موقف آخر لالتزام أخلاق المجتمع، والتمسك
بمثله، فتراه يتباهى بعفته وأخلاقه عندما يقول:
ثم يتكرر هذا الموقف عينه مع العرجي، فيشجع سيدة متزوجة على
لقائه عندما يغيب زوجها، فيقول متسائلاً:
لكنه سرعان ما يعود إلى رشده، وينهي نفسه عن العلاقة مع
المرأة المتزوجة في قوله:
وللفرزدق قصص ومغامرات متعددة مع نساء متزوجات يحكي فيها
أخلاق هذه المرأة التي تأتيه متخفية في الظلام، وينتهي اللقاء إلى ما يريد كل
منهما ويحكي ما دار بينه وبين هذه المرأة المتزوجة من رجل ثري كريم من أهل الشرف
ويصف مكانتها من قلب زوجها وإيثاره لها على نسائه جميعهن ويشير الفرزدق بذكر
مكانتها لدى زوجها إلى روح هذه المغامرة وما يمكن أن تحمله له من الشر والخطر
أيضاً إلى فتكه وتهتكه يقول:
وكثرت الإشارة إلى النساء المتزوجات، وإلى علاقتهن المزدوجة
بأزواجهن وعشاقهن في أشعار العذريين. فكانت قضية نفسية أخلاقية عميقة الأثر في
نفوس الشعراء العذريين، فتناولوا أزواج محبوباتهم بصور شتى. وقد سجلوا بذلك بعض
التعابير الأخلاقية السائدة في المجتمع في مثل هذه الحالات. وعلى الرغم من قوة الشعور الديني لدى هؤلاء الشعراء فإنهم لم
يستطيعوا التفلت من هذه المشكلة المعقدة، فظلّوا يتأرجحون بين أمنيتهم في الحظوة
بمحبوباتهم والفوز بهن، وبين الواقع المر الذي يعرفونه عنهن وهن بين أيدي أزواجهن.
وممن رشحت نفسه بتسجيل هذه المفارقة، مجنون ليلى عندما زفر
باستفهام مرير يوجهه إلى زوج ليلى ويعرف الجواب عنه مقدماً، لكنه يود لو يسمع غير
ما يقع في نفسه موقع اليقين:
فقال زوجها: اللهم إذ حلّفتني فنعم، ولم يكن المجنون بحاجة
لسماع هذا الرد. ثم يحاول إغاظة زوجها مدافعاً عن كرامة عشقه قائلاً:
وليس يخفى ما في هذين البيتين من رغبة حارقة تتحول إلى حرمان
مرير، فيلجأ إلى الشعر يعوض خيبته، ويقسم الإيمان المغلظة ليؤكد لنفسه ما يقول.
وللآخرين حيقيقة ما يزعم. ولم يقنع المجنون بما صارت إليه ليلى في دار زوجها بل
كان يحاول زيارتها، فيضطر زوجها للدفاع عن كرامته بأساليب شتى، فينبري المجنون للدفاع
عنها، والسخرية من زوجها، واستنكاره لأسلوبه في معاملتها:
ويحاول استقراء علاقتها بزوجها، فيدعي أنها لم تنل حقها كما
تناله امرأة كريمة تستحق الحياة الكريمة، بل ابتليت بزوج غبي، لا يحسن التعامل معها، وفي ظني أن في
الصورة رمزية شفافة تفصح عن حال المجتمع العربي في عصر الشاعر:
ويختتم موقفه الأخلاقي برغبة قد تكون - إذا ما تحققت- حلاً
لما يعانيه بسبب زواجها، فيتمنى قائلاً:
ولم يكن حال كثير أفضل من حال المجنون، وله مع زوج عزة مواقف
تُحكى، يقول في أحد هذه المواقف:
ولا يكتفي زوجها بشتمها له، بل يتطاول عليها، ويضربها أيضاً
كلما رآه قريباً من ديارها:
ويبرر لنفسه تعلقها به، ويستفز زوجها، فيتهمه بالعجز والكبر
عندما يقول:
ولكنه لا ينسى أن يذكر موقفه الأخلاقي منها وهي متزوجة،
فينقل رغبة أهله في الابتعاد عنها، ويذكر نصيحتهم له بتركها لأنها متزوجة، وموقف
أهله منها يمثل موقف المجتمع عامة من العلاقة بالمرأة المتزوجة يقول:
ولا يرعوي جميل ولا يهتم بكون حبيبته امرأة متزوجة، بل يغامر
ويندفع ويبيت في خبائها، وفي بيتها زوج كأنه ليث الغاب، يقول:
وتلاقي بثينة مصير ليلى وعزة ذاته، فينتقم زوجها منها عندما
يراه في ديارها، ولكنه ما إن يغفل عنهما حتى يعود النعيم بينهما إلى حاله. وهي
صورة لا تعبر عن واقع جميل في علاقته مع بثينة إذا ما تذكرنا النشأة الأخلاقية
والرقابة الشديدة لكل منهما:
وتدافع المرأة عن أخلاقها وفضيلتها على لسان ليلى الأخيلية
كما يظهر في أخبارها مع حبيبها توبة بن الحمير. ويروى أن الحجاج قال لليلى:
"إن شبابك قد ذهب، واضمحل أمرك وأمر توبة، فأقسم عليك إلا صدقتني، هل كان
بينكما ريبة قط... أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قال لي ليلة وقد خلونا
كلمة ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له:
ونراها تدعو له دعوة رقيقة تضمنها مشاعر حبها له، وتظهر
تعلقها به، وترفض بأسلوب لطيف ما تفصح عنه عيناه من رغبة جامحة، إلا أنها حاجة لا
ينالها على ما تذكر:
ولم يكن توبة يرى في زيارته لها حرجاً أو ذنباً، يقول:
وتكشف رغبة ذي الرمة عن الموقف الأخلاقي من حبيبته وزوجها،
عندما يقول:
ويكرر هذه الرغبة في دعائه عليه:
وقبل أن أختم الحديث عن أخلاق المرأة أحب أن أسجل ثلاث
ملاحظات على هذا الحديث. فقد تبين لي -وهذه هي الملاحظة الأولى- أن هذه الأخلاق التي
ذكرها الشعراء، وأعادوا القول فيها يمكن ردّها إلى ثلاثة مصادر هي: منظومة القيم
الجاهلية، أو بعبارة أدق- ما استصفاه الإسلام من تلك المنظومة، ونقحّه وهذبه،
ووجّهه وجهة إسلامية خالصة كالبخل وغض الطرف والحياء والصرم والخشية من القيل
والقال وغير ذلك. ومنظومة القيم الإسلامية التي جاء بها الدين الحنيف، ودعا المرأة
إلى التحلي بها صوناً لها ولأسرتها، وهي كنز من القيم الخلقية الرفيعة كالتدين
والطهر والعفاف والحشمة وسواها كثير. ومجموعة من القيم الإنسانية العامة التي
ترافق المرأة في كل زمن وأرض، وأعني بها الأخلاق المتصلة بطبيعة الأنثى أية كانت
هذه الأنثى كالدلال، والمماطلة، وتضخم الإحساس بالذات، والمكر واللجوء إلى الحيلة
بدلاً من المواجهة وما يشبه هذه الطبائع أو الأخلاق وقد أظهر لي تتبعي لأخلاق
المرأة في الشعر الأموي أن مسالك الشعراء قد اختلفت في الحديث عن هذه الأخلاق وهذه
هي الملاحظة الثانية، فقد سار معظم الشعراء على سنة واحدة، فأنابوا أنفسهم في
الحديث عن المرأة، فهم الذين يقررون صفاتها تقريراً دون أن يقرنوا هذه الصفات
بأحداث الحياة اليومية، ودون أن يسمحوا لتلك المرأة بإبداء رأيها، أو بالتعبير عن
حقيقتها، فبدت صامتة خرساء أو كالخرساء، ولكن عمر بن أبي ربيعة فارق هذا النهج،
فأنطق المرأة، ووضعها في مواقف مختلفة، وترك لها حرية التعبير عن نفسها، فأسرفت في
الحديث عن هذه النفس حتى بدت ثرثارة تبوح بأسرارها كلها فلا تكاد تبقي منها سراً
في موطن السر، وهذه هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرأة في الشعر العربي ثرثارة
لا تكفّ عن الحديث. ومما يلفت النظر في هذا الحديث أنه -في معظمه- لم يكن حديثاً
عن الأخلاق الموروثة أو المستجدة، بل كان تصويراً لنفسية الأنثى الخالدة، وطبائعها
التي فطرها الله عليها كالغيرة والمكر والمماطلة، واللجوء إلى الحيلة والدهاء،
واصطناع الحياء، والإحساس بالخوف، وحسد كل من هي أجمل منها أو من طار صيتها بجمال
أو سواه، وسوى ذلك من الطبائع المركوزة في نفس الأنثى مما جعل شعر عمر أقرب إلى
"أدب الطبائع". وتتصل
الملاحظة الثالثة بهذا الاعوجاج الذي رأيناه أحياناً قليلة في أخلاق المرأة
وسلوكها، أو في مزاعم الشعراء، وهو اعوجاج يكشف - على ندرته- عن واقع فردي
واجتماعي في آن واحد، فقد أنكر المجتمع هذا الاعوجاج، ولم يسرف الشعراء في الحديث
عنه كيلا يصطدموا بهذا المجتمع الذي يفرض عليهم ثقافته وأعرافه وتقاليده. [2]) ديوان كثير: 95، أعرضت: صدت.
الصم: الصماء: الصخرة الصلبة. العصم: الوعول في ذراعيها بياض صفوح: معرضة هاجرة.
الوصل: البخل الشديد لاتجود بغيره. [12]) المصدر السابق: 383. موانع
الأسرار: أي لايتزوجن إلا الكفؤ. المشفشف: المرتعد السيء الظن ويكرر صفتها في ص339 "خرجت إليك ولم تكن خراجة". [34]) ديوان المتوكل الليثي: 153
أثبنك: جازينك. الخال: الكبر والخيلاء. أزمعن: عزمن وثبتن. الصرم: القطيعة. [41])المصدر السابق: 233 النوار:
الظبية النافرة، الحابل: الذي ينصب حباله للصيد. وللمتوكل إشارات كثيرة إلى أخلاق
المرأة ونفسيتها مبثوتة في ديوانه منها:
ص119- ص 137-ص163- ص174- ص232. [83])ديوان الفرزدق: 187 الحليلة:
الزوجة، حليلة ذي ألفين: أي هي امرأة شريفة، زوجها كريم يعطي ألفين وهو عطاء أهل
الشرف. الذين يعلمونه: أي نهاهم عنها ما يعلمونه من كرامته لها. رجاها:
جانبها، ضرائره: نساؤه، لم ترمها: لم تفارقها المختل:
مكان الصياد الذي يخادع به الذكي:
المسك. دارين قرية بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند. نقعت:
أي رويت ظمأها، اللبانة: الحاجة. [90]) المصدر السابق: 145 قذاف:
بعيد أي هي زوجة رجل يتحرى الأماكن النائية خوفاً عليها، المخبطة: القضيب أي إنه
يضر بها. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||