المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثاني

الفصل الثاني

جمال المرأة في الشعر الأموي

اعتمدت الصورة الجسدية للمرأة في الشعر الأموي اعتماداً كبيراً على الموروث الجاهلي، الذي كان قد أسهب في وصف المرأة الجسد، على أنها شكل في الطبيعة يعبر عن الجمال، فاستهل الشعراء قصائدهم، وفي أذهانهم هذا المثال الآخاذ الذي يخشون عليه العبث أو التجاوز، فأعجب به شعراء العصر الأموي وقلّدوا تقليداً كبيراً شعراء العصر الجاهلي في هذا الجانب من موضوعاتهم.

واستقرت صورة المرأة موضوعاً للشعر عند طائفة من الشعراء، فجعلها بعضهم موضوعاً كاملاً للقصيدة، وفي هذا  بعض الانحراف عن الأسلوب الموروث، كما في شعر الحجاز الحضاري وشعر الحب العذري، بينما استمرت مقدمة للقصيدة في شعر الغزل التقليدي إحياء للمنوذج  السائد في القصيدة الجاهلية.

ومن يتتبع بعض النماذج الوصفية التي تناولت المرأة في الأصول الجاهلية يلاحظ غزارة المعاني الجاهلية في النموذج الأموي، فقد قلد الشعراء أمرأ القيس تقليداً واسعاً، ودارت أوصافه وتشبيهاته في دواوين معظم الشعراء الأمويين المشهورين منهم و المغمورين على حد سواء. وكان النقاد قد قدموا امرأ القيس على طبقته كلها لأمور منها أنه ابتدع بعض الأوصاف في غزله "فشبه النساء بالظباء والبيض"[1]) وأشهر صورة بل أقدم صورة وصلت إلينا، وتناولت وصف المرأة كانت في معلقته، وقد شملت أوصافاً كثيرة، وبدت متعددة الألوان والأجزاء والتفاصيل، واعتمدت على البيئة المحيطة به في تقريب الشكل الجمالي، وإبرازه بأحسن صورة، وأصبحت هذه اللوحة مورداً عذباً للشعراء لابد لهم من وروده، والاستمداد منه من أجل التشبث بشيء من الأصولية، والاستناد المطمئن إلى الموروث الثقافي، وتبدأ الصورة بالكلمات الألوان كما يلي:

ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ

 

مهفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مفاضةٍ

غذاها نميرُ الماء غيرُ المحلَّلِ

 

كبكرِ مُقَاناةِ البياضِ بصُفرةٍ

بناظرة من وحشِ وجرةَ مُطْفلِ

 

تصدُّ وتُبدي عن أسيل وتتّقي

إذا هي نصَّتهُ ولا بمُعطَّلِ

 

وجيد كجيد الرئم ليس بفاحشٍ

أثيتْ كقنو النخلةِ المتعثكلِ

 

وفرعٍ يزينُ المتنَ أسودَ فاحمٍ

تضلُّ المدارى في مثّنى ومُرْسَلِ

 

غدائرهُ مسْتَشزراتٌ إلى العلا

وساق كأنبوب السقيّ المذلّل

 

وكشح لطيفٍ كالجديلِ مُخصّرِ

نؤومُ الضحى لم تنتطقْ عن تفضُّلِ

 

وتضحي فتيتُ المسكِ فوقَ فراشها

أساريعُ ظبي أو مساويكُ إسْحِلِ

 

وتعطو برخصِ غير شثنٍ كأنّهُ

منارةُ مُمْسَى راهبٍ متبتّل

 

تضيءُ الظلامَ بالعشاءِ كأنَّها

إذا ما اسبكرَّتْ بين درْعٍ ومِجْوَلِ[2])

 

إلى مثلها يرنو الحليمُ صبابةً

وأضحت النماذج الجمالية متشابهة، بل إن النموذج واحد، وصوره متعددة. واستقر الجمال في "الوجوه النيرة، والمحاسن الرائعة المعجبة، والصور المليحة الأنيقة، وحسن الخلق،ووسامة التصوير، واعتدال التركيب، واستقامة التدوير، وسبوطة الشعر وجزالة الفروع، وجعودة الغدائر، واسترسالها على المتون كالأشطان، ونجل العيون وحور الأحداق، وبرج المقل، وكثافة نسيج الأهداب، وخلوصها من المره، وانغماسها في الكحل، وأسالة الخدود، وبهجة الصفحات كأن الماء يقطر منها، وامتزاج أحمرها بأبيضها، وتورد الوجنات بصبغة الخجل، وتصوب مائها بصفرة الوجل، وتقويس الحواجب، وتردد الأجفان بين الدلال والتفتير والغنج والتكسير، ولعس الشفاه، وصغر تقطيع الأفواه، وأشر الثنايا، وشنب اللثات، وبرد الريق، وعذوبة المذاق، وسلامة النكهة، ورخامة الصوت، ودلال الحديث، واندماج الخصور، ورقة الأوساط، وعبالة الأكفال، وامتلاء المأزر، وخدالة السوق، وشطانه الأبدان، وري العظام، واكتناز القصب، ودماثة الأكعب، وغموض المرافق وغوصها في ري المعاصم، والمأكمة الرابية والعجيزة الوثيرة".[3])

واستمرت العناية بهذه التفاصيل والجزئيات في وصف المرأة، فتناولوها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها بالدهشة والإعجاب والافتتان. وفتن الجميع بالمرأة التي توصف بـ "الهِرْكَوْلَة اللّفاء، الممكورة الجيداء، التي يشفي السقيم كلامها، ويُبري الوصب إلمامُها، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها صبرت، الفاترة الطرف، الطفلة الكف، العميمة الردف"[4]).

وتمتدّ الأوصاف فكأن الكاتب يريد استغراق ملامح الجمال كلها "الفتانة العينين، الأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرداح الوركين، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام، الجماء العظام، الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللثام"[5]).

ويتقدم الزمن إلى عهد عبد الملك بن مروان الذي يروقه أن توصف النساء له، فينصحونه بقولهم: "خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخدين، ضخمة الذارعين، رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين، لمياء الشفتين، بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق، مكسرة البطن"[6])وكان المطلوب في أذواقهم جميعاً النموذج الأنثوي الممتلئ، لأنه يتضمن رموزاً كثيرة منها الرفاهية والغنى، وعدم استهلاك الجسد أو الصحة في العمل، وكذلك الإثارة وإشباع الغرائز وكان هذا الوصف صورة من الجمال الذي يحلم به الشاعر ‎، ويجعل منه إطار الحياة التي يحبها، إذ كانت المرأة ممثلاً للحياة في نفسه، فقد كان إطارها الخارجي يمثل صورة الحياة المنشودة التي يحلم بها كل إنسان"[7])

فنجد عمر بن أبي ربيعة ينحت صورة للجمال تفتن الناظرين إليها بحسنها الباهر، ولكنه لم يستطع أن يتجاوز موروثه الجاهلي في خطوطه وألوانه:

هضيمُ الحشا حُسّانةُ المتحسَّر

 

صريع هوىً ناءَتْ بهِ شاهقيةٌ

وثيرة ما تحت اعتقادِ المؤزَّر

 

قطوفٌ ألوفٌ للحجالِ غريرةٌ

أثيتْ كقنو النخلةِ المتكور

 

سبتهُ بوَحفٍ في العقاصِ مُرَجَّل

متى يره راءٍ يهلّ ويُسْحَرِ

 

وخد أسيل كالوذيلةِ ناعمٍ

مكحَّلةٍ تبغي مراداً لجؤذُرِ

 

وعيْنَي مهاةٍ في الخميلة مطفلٍ

له أشرٌ كالأقحوان المنوَّر

 

وتبسِمُ عن غرٍّ شتيت نباته

سوائلٌ من ذي جَمّةٍ مُتحيرِ

 

وتخطو على بَرد يتّين غذاهما

ثقالٌ متى تنهض إلى الشيء تَفْتُرِ[8])

 

من البيضِ مكسالُ الضحى بُختريّةٌ

وفي تركيز الشعراء على الجانب الجمالي الشكلي تضمين مهم يبرر تعلقهم بالمرأة، ويبين سبب هيامهم وفيض عواطفهم الانسانية الطبيعية التي تدل على توازن النفس البشرية، على نحو ما نرى في قول المجنون الذي يخص عواطفه ببعض القول، ويخصّ جمالها الحسي ببعضه، وهو -في الموطنين- يقول قولاً طيباً، ويكشف عن هذا التوازن يقول:

وزِدتَ على مالمْ يكنْ بلغَ الهجرُ

 

أيا هجرَ ليلى قد بلغتَ بيَ المدى

فلما انقضى ما بيننا سَكَنَ الدهرُ

 

عجبتُ لسعيِ الدهرِ بيني وبينها

ويا سلوة الأيامِ موعدُك الحشرُ

 

فيا حُبَّها زِدني جوى كلَّ ليلةٍ

لها كنيةُ عمروٌ وليس لها عمرو

 

أَبى القلبُ إلاّ حبَّها عامريةً

وينبتُ في أطرافها الورَقُ الخُضرُ

 

تكادُ يدي تندى إذا ما لمستُها

به تُكْشَفُ البلوى ويُسْتنزَلُ القطرُ

 

ووجهٌ لهُ ديباجةٌ قُرَشيَّةٌ

كما اهتزّ غصنُ البانِ والفننُ النَّضْرُ[9])

 

ويهتزُّ من تحتِ الثيابِ قوامُها

ولاريب في أن تعلق الشاعر بحبيبته وجمالها يكشف عن فيض إحساس عارم بالحياة واللذة والمتعة، وممارسة كل بهجة تبشر بحياة أرق وأحلى كما في تعبير ذي الرمة الآتي:

كأَنَّها ظبيةٌ أفضى بها لَبَبُ

 

بّراقةُ الجيدِ واللباتِ واضحةٌ

عنها الوشاحُ وتمَّ الجسمُ والقصبُ

 

عجزاءُ ممكورةٌ خُمصانةٌ قلقٌ

فوق الحشية يوماً زانَها السَلَبُ

 

زينُ الثياب وإن أثوابُها استُلبَتْ

ملساء ليس بها خالٌ ولا ندب

 

تُريكَ سَنَّة وجهٍ غيرَ مُقرفةٍ

والبيتُ فوقهما بالليلِ محتجِبُ[10])

 

إذا أخو لَذّةِ الدنيا تَبَطَّنها

وكانت الصورة في اعتقادي ذهنية متخيلة، إذ ليس من المعقول أن تكون كل النساء على صفة واحدة، وقدر واحد من الجمال، ولكنه خيال الشاعر الذي يشكله على قدر قالبه المرسوم، وها هو ذا نصيب الشاعر ويؤكد وظيفة الخيال في إسباغ صفات الحسن والجمال على من يحب، وذلك عندما "طلب منه عبد الملك بن مروان أن ينشده فأنشده:

طيَّ الحمائلِ لا جافٍ ولا فقر

 

ومضمر الكشحِ يطويه الضجيعُ به

يلوى ولو كان سبعاً حين يأتزر

 

وذي روادفَ لا يلقى الإزار بها

فقال له عبد الملك: من هذه يانصيب، قال: بنت عم لي نوبية لو رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك"[11]).

 

 

فهل هي وظيفة الفن إذاً الذي يحلم دائماً بتحسين الواقع المعاش، ورفعه إلى المستوى الأفضل والأقرب إلى ذائقة الشاعر الفنان؟ فهذه التي لا يشرب الماء من يدها بسبب سوادها وقبحها جعلها خيال الشاعر أجمل الجميلات، أهي المصالحة التي يفرضها الفن؟ أم هي صورة الجمال المثالية كما كان يحلم بها الشاعر الفنان منذ اشتعلت نار الغزل العربي أول مرة؟ ويبتدع الشعراء العذريون نموذج الجمال الأسمى، هؤلاء الذين حرموا متعة الجسد، وراحوا يعوضون متعتهم الضائعة بمتعة الإبداع الفني، فوصفوا المرأة وصفاً غريزياً يتشهون فيه جسدها، ويشبعون رغباتهم المكبوتة عن طريق الشعر، ففي شعر المجنون تلوح الرغبة الجامحة في قوله:

كالخيزرانةِ لا نَمَلُّ عناقها

 

إن الشفاء عناقُ كلّ خريدةٍ

من عاجةٍ حَكَتِ الثديُّ حقاقَها

 

بيضٌ تُشبَّهُ بالحقاقِ ثُديُّها

إني أُحِبّ من الخصورِ دقاقها

 

زانتْ روادفها دِقاقُ خصورها

ما كنتُ زائرَها ولا طَرّاقَها[12])

 

إنَّ التي طرق الرّحالَ خيالُها

ويحاول جميل إرواء غريزته عن طريق جسد المرأة الذي يصوره تصويراً شديد الإثارة، عامراً بالفتنة. فالمرأة في شعره ممثلة بثينة الحبيبة تأتي على هيئة طيف عطر يطرقه ليلاً، وقد نام الصحب، ومضى الليل إلا أقله، فيتأمّلُه تأمّل المستعذب المحروم، ويثبت النظر على بعض مواطن الفتنة، وينشر ملء المكان روائح الأقحوان والخزامى وندى الطل، ويضم هذا الشذا كله إلى حبيبته، فكأنه يريد بذلك كله أن يحقق ضرباً من الإشباع العاطفي بمخاطبة الحواس شعرياً يقول:

لنا وسوادُ الليلِ قد كادَ يجلحُ

 

وقامَتْ تراءى بعدما نامَ صُحبتي

ندى الطلِّ إلاّ أَنه هوَ أملحُ

 

بذي أُشرٍ كالأُحوانِ يَزينُهُ

بعيدَ الكرى أو فأرَ مِسْكٍ تُذبّحُ

 

كأَنَّ خزامى عالجٍ في ثيابِها

على رَمْلةٍ من عالجٍ مُتَبطِّحُ

 

كأَنَّ الذي يبتُّزها من ثيابِها

مآكمُها والريحُ في المرِط أَفضحُ[13])

 

إذا ضرَبتْها الريحُ في المِرط أجفلَتْ

ويعلن ابن ميادة عن رغبة جامحة تفرغ عاطفته المكبوتة، وتعبر عن حرمانه عدداً من الفضائل التي يحلم بتعويضها، فيحاول تعويضها عن طريق المرأة، وهو المولى الذي يرى غيره يحصل على المتع واللذات بسهولة ويسر) فيحلم الشاعر بالمرأة التي سيقبض من متعها قبضاً، يأخذ منها عنوة كل ما حُرمه، على أن الشائع في أقوالهم في مثل هذه المواقف، الملامسة والمس الرقيق، يقول:

بمهضومةِ الكشحينِ ذاتِ شوى عَبْلِ

 

وهل أَجمعنَّ الدهرَ كفيَّ جمعةً

من الطيّباتِ حينَ يَرْكُضْنَ بالحَجْلِ

 

محَلْلَّةٍ لي لا حراماً أَتيتُها

كما مالَ دِعْصٌ في ذرى عُقَدِ الرملِ[14])

 

تميلُ إذا مالَ الضجيجُ بعطفِها

فهل هو يؤكد ما ذهب إليه الدكتور عبد القادر القط عندما قال: "كان الوصف المادي لمظاهر الجمال انعكاساً لأوضاع اجتماعية".[15])

ولماذا لا يعوضون عن الواقع الذي قد لا يرضي بصورة بهيجة تشيع الفرح، وتمكن من اللذة في بعض جوانب الحياة؟.

ولكن هل ينطبق هذا القول على وصف الوليد بن يزيد؟ وعن أي واقع عبر عندما وصف المرأة الجميلة؟ إن الوصف الجمالي قليل في ديوانه إذا ما قيس بالمقطوعات التي تعبر عن العواطف الإنسانية المجردة، ومع ذلك فإن هذا القليل قد تكون له دلالة ما، يقول:

بعَلنداةٍ عَلاتِ

 

سلّ همَّ النفسِ عنها

بِخفَافٍ مُدْمَجات

 

تتّقي الأرضَ وتُهْوى

كسَرُوا سنَّ قناتي

 

ذاك أمْ ما بالُ قومي

كقرودٍ خاسئاتِ

 

واستخفوا بي وصاروا

هائماً بالفتياتِ

 

أصبح اليومَ وليدٌ

يقٌ وكأسٌ بالفلاةِ[16])

 

عنده راحٌ وإبْرِ

وأعتقد أن التعويض الذي قصده بهروبه إلى المتعة واللذة في المرأة والخمر كان بديلاً عن رفض المجتمع لسيرته القاصفة وسلوكه الغريب!!

ويعترف لاحقاً أنه أشبع نفسه من لذات الحياة، واقتنصها على رغم أعدائه، وأي لذة أفضل مما تحققه رفقة الكواعب الجميلات اللواتي أنسينه إخفاقه في كل شيء إلا من الحياة المترعة باللذائد والنعم:

شيبٌ على رغم العدى لذّاتي

 

ولقد قضيتُ وإنْ تَجَلَّلً لِمّتي

ومراكبٍ للصّيدِ والنَّشوات[17])

 

من كاعباتٍ كالُّدمى ونواصِفٍ

ولما كانت المرأة مجالاً رحباً للحبور والسعادة رأينا الشعراء يتمسكون بها، ويصرون على التعبير عن متعهم التي يحصلون عليها بسبب جمالها وإثارتها، فالمتوكل الليثي يجسد جمال المرأة في عدد من قصائده، وفي كل مرة يكون احتفاله بمحاسنها كأنه يراها أول مرة فتمتعه بها لا ينتهي، كما أن جمالها متوهج دائماً:

مسَراً من تذكّرِها هُياما

 

فلستُ بزائلٍ ما دمتُ حياً

ومنَّتْكَ المُنى عاماً فعاما

 

تُرجيها وقد شطّت نواها

ينوءُ بها إذا قامَتْ قِياما

 

خَدَلّجةٌ لها كَفَلٌ وبوصٌ

على تثقيلِ أَسفلِها انهضاما

 

مُحضّرةٌ تُرَى في الكشحِ منها

وأخلاقٌ تَشِينُ بها اللئاما

 

لها بشرٌ نقيُّ اللونِ صافٍ

تهَلّلَ في الدُّجنّة ثم داما

 

إذا ابتسمتْ تلألأ ضوءُ برقٍ

تداعى كأَنَّ مُلْتَبداً هياما

 

وإن مالَ الضجيعُ فدِعْصُ رملٍ

غمامةَ صَيّفٍ ولَجتْ غماما

 

وإن قامت تأمّلَ مَنْ رآها

تصانُ فلا ترُى إلا لماما

 

وإن جلست فدميةُ بيتِ عيدٍ

تعرجَ ساعة ثم استقاما[18])

 

إذا تمشي تقول دبيبَ سيلٍ

وهي صورة حركية يسجل الشاعر فيها قيامها ومشيتها وجلوسها، ويرصد كل ما يصدر عنها، وكأنه يريد الإلمام بكل جوانب الصورة، فكانت أجمل الأوضاع لأجمل النساء.

ويستدير مرة أخرى إلى وصف الجسد الفتّان الذي يخلب العقول بحسنه ويربط بين جمالها وأثرها النفسي في من يراها، ويصوّر مواطن الفتنة فيها. يقول:

غذبٍ إذا شرعَ الضجيعُ زُلالِ

 

تسبي الرجالَ بذي غُروب باردٍ

في السهلِ بين دكادِك ورمالِ

 

كالأُقحوانِ يَرِفُّ عن غِبِّ النّدى

ريَّا العظامِ دَميثةٍ مِكسال

 

وإذا خلوتَ بها خلوتَ بحرَّةٍ

في كلِّ ليلة قَّرةٍ وشمالِ

 

نِعْمَ الضجيعُ إذا النجومُ تَغوَّرَتْ

تقرو دوافعَ روضةٍ محْلاِلِ

 

تصبي الحليمَ بعينِ أحورَ شادنٍ

صلتِ الجبينِ وفاحمٍ ميَّالِ

 

وبواضحِ الذِّفرى أسيلِ خدُّهُ

وروادفٍ تحتَ النطاقِ ثِقَالِ[19])

 

وبمعْصَمٍ عَبْلٍ وكفٍّ طَفْلةٍ

ويظهر تأنيه وعنايته في تناولها، ومس كل جزء منها. ولكنه كان في معظم أوصافه يكرر نموذج الجمال السائد، ويعود للقول فيها، كما في قوله:

من المُرْجَحنّاتِ الثقَالِ حَصانِ

 

فهاجَ الهوى والشوقَ لي ذكرُ حُرَّةٍ

على متنِ خُمصْانّيةِ سلسانِ

 

شموسٌ وِشاحاها إذا ابْتُز ثوبُها

مهاةُ كُنَاسٍ من نِعاجِ قطانِ

 

رقود الضحى ريّا العظامِ كأنّها

عليها رقيبا مَربأٍ حَذِرَانِ

 

شديدةُ إشراقِ التراقي أسيلةٌ

عليها ردافا لؤلؤٍ وَجُمانِ

 

سبَتْني بجِيْدٍ لم يُعَطَّلْ وَلبَّةٍ

بأيدي النساءِ الماشطات مثاني[20])

 

وأسحمَ مَجاجِ الدِّهانِ كأنَّهُ

ولم يستطع الشعراء التقليديون الإفلات من نموذج الوصف الجمالي السائد، وكان الأخطل أكثرهم تقليداً وعبودية للقديم، ويخلو وصفه من فسحة الخيال، فيمزج إعجابه بشكلها الخارجي مع ملامحها النفسية الأخلاقية. يقول:

لا يرتدينَ على عَيبٍ ولا وَصَبِ

 

وقد عهدتُ بها بِيْضاً منعَّمةً

أعرافُ دكداكةٍ مُنْهالةِ الكُثُبِ

 

يمشينَ مَشْي الهجانِ الأُدْم يُوعِثُها

زانتْ معاطِلَها بالدرِّ والذهبِ

 

من كلِّ بيضاءَ مِكسالٍ برهرهةٍ

هيفاءُ رعبوبةٌ ممكورةٌ القَصَبِ

 

حوراءُ عجزاءُ لم تُقْذَفْ بفاحشةٍ

منها ارتشافُ رُضابِ الغَرْبِ ذي الحَبَبِ[21])

 

يسقي الضجيج لديها بعد رَقدتِها

ويتكرر الوصف الحسي الذي ينم على خيال غريزي في دواوين بعض الشعراء، وكل يعبر عن خيبة ما في حياته ترتد في خياله شهوة لابد أن تروى. فهذا العرجي، يؤكد شدة استمتاعه بمجموعة من النساء المحصنات، ويصرح في وصفهن بأنهن من المحصنات الحرائر. وأعتقد أنها ردة فعل نفسية لما كان يعاني منه في مجتمعه، فلم لا ينتقم من هذا المجتمع الذي أخذه بالشدة مرة وبالإهمال مرة أخرى؟ لماذا لا ينتقم منه بالتمتع بنسائه المصونات المحصنات؟ يقول في ذلك.

لهونَ وهُنَّ المحصناتُ الخرائدُ

 

بِحُوْرٍ كأمثالِ الدّمى قُطُفِ الخطا

لهُنَّ به عينٌ سوى الصبحِ ذائد

 

أَمِنَّ العيونَ الرامقاتِ ولم يكن

أخو سَقَمٍ تحنو عليه العوائِد

 

فبتُ صريعاً بينهَّن كأنّني

كخوطِ الأَبالم تَهْصَرِ العودَ عاضدُ

 

أَطفنَ بمعسولِ الدُّعابةِ سادرِ

طرْبنَ لأعلى هدرِهِ وهو سامدُ

 

كما طاف أبكارٌ هجانٌ بمصعبٍ

جبائرها غُصَّتْ بهنَّ المعاضِدُ

 

وسَّدْنَني جُمَّ المرافقِ زانَها

كما ضمَّ مولوداً إلى النحّرِ والدُ[22])

 

يفدِّيَنَني طوراً ويضممْن تارةٍ

ويذكر مرة أخرى أنه تمتع بثغورهن جميعاً، وقضى معهن أمتع أوقاته، ولم ينس أن ينعت جمالهن الحسي المألوف، فأي تمثل للخيبة أكثر من هذا الذي هو فيه؟ يقول:

أنا الذي أنتِ مِنْ أعدائه زعموا

 

قالت كلابةُ: مَنْ هذا؟ فقلتُ لها:

هلا تلّبثْتَ حتى تَدْخُلَ الظُّلَمُ

 

قالَتْ: رضيتُ ولكنْ جئتَ في قمرٍ

إذا رأته إناثُ الخيل تنتحمُ

 

خلَّتْ سبيلي كما خلّيتُ ذا عُذرٍ

منْ زَينها الحلْيُ والحَنّاءُ والكَتَمُ

 

حتى أَويتُ إلى بيضٍ ترائُبها

أصناف شتّى فطابَ الطعمُ والنَّسَمُ

 

فبتُ أُسقى بأكواسٍ أُعَلُّ بها

أعجازُهُنّ من الأقطان تَنْقَصِمُ

 

تكادُ مارُمْنَ نهضاً للقيام معاً

كما تخونُ عكومَ الُمُثعِلِ الخضِمُ[23])

 

يخونُها فوقَها مهضومةٌ صُوَيتْ

وكان يرى أن جمالها لا يقاوم، فهو يسحر عقول الرجال، ويأخذ بقلوبهم لما يفيض عنها من عذوبة وأنوثة وإثارة، وهو في ذلك كله ينعت محاسنها الجسدية دون أن يفارق المعايير السائدة قيد أنملة، يقول:

كما يرود قطوف المشي محسور

 

ترود فيه قطوف مشيها أصلاً

منها الازار وما في الحجل ممكور

 

غرثى الوشاح وراب ما أحاط بها

إذ في الكثير من النسوان تذكير

 

بهنانة خلقت أنثى مؤنثة

يأوي إلى كنه بالليل مقرور

 

نعم اللحاف بليل بادر شبم

وقد دنا من نجومُ الليلِ تغويرُ[24])

 

في طيبِ رّيا وريقٍ حينَ تطرقُها

ولم تكن هذه الأوصاف أو هذه المشاهد التي تحدث الشعراء فيها عن فوزهم بالمتعة مع من يحبون لتثير غضاضة في المجتمع الحجازي، إلا في حالات يخرج فيها الشاعر عن تقاليد الصون والأعراف، فيؤخذ بالشدة كما حدث للعرجي والأحوص.

لقد صقلت الحضارة الناس، وهذبت أذواقهم، ورفعت من مستواهم الثقافي، فنظروا إلى أقوال الشعراء هذه- مع وجوب الإشارة إلى قلتها- على أنها تجارب خيالية قصد بها الشاعر إلى امتاع مستمعيه، وإثارة إعجابهم وشد أسماعهم في أغلب الأحيان.

والحق أن تجارب المجاهرة بالرذيلة، والغوص في ذكر التفاصيل الجنسية تكاد تغيب عن معظم الشعر الغزلي في العصر الأموي، لأنه كان وسيلة تعويض وألهية يشغل بها الشاعر نفسه وفراغه، وقد تكون إسقاطاً لوضعه النفسي والاجتماعي لكن من غير انحدار أخلاقي نحو المحرمات على حد تعبير الدكتور يوسف خليف عندما قال: "فالمسألة تدور حول الإعجاب البريء، واللذة الحسية المجردة من نوازع الجنس وغرائز النوع، وهو إعجاب يدفع صاحبه إلى محاولة دائبة للظفر بالمرأة الجميلة"[25])

وكان هؤلاء الشعراء يصدون في سلوكهم عن تأثير عاملي الدين والدنيا في نفوسهم كما ذكرت في غير هذا الموضع، بالإضافة إلى تأثرهم بما يسود مجتمعهم من سياسات وأساليب معيشة انعكست في تصوراتهم وأفكارهم فكان الحب عندهم تعويضاً والمرأة ملاذاً. لقد رأوا في حبها النعيم، وفي جمال جسدها اللذة المفقودة، وخارج مشاهد التشهّي والفوز باللذة التي مضت، أكثر الشعراء من التركيز على مظاهر الجمال في القد واللون والوجه وما يحتويه من خدود وعيون وشفاه إلى كل التفاصيل الأخرى.

ورأوها بعين المحب، فخلعوا عليها أحسن الصفات التي سنلم بها فيما يلي:

عبروا عن ترف المرأة التي يصفونها، وأشاروا إلى ما تنعم به من ألوان التحضر والرقي بالتغني ببشرتها الرقيقة الناعمة التي قد تتجرح وتدمى من كل ما يلامسها مهما كان حجمه ونعومته. وتراوحت صورة البشرة الناعمة في قالب واحد يكاد لا يتغير عند عدد من الشعراء الأمويين، فهي عند عمر بن أبي ربيعة:

لكان دبيب الذر في الجسم يكلم[26])

 

منعمة لودبَّ ذَرّ بجسمها

ويبالغ في الصورة ذاتها مرة أخرى فيجعل صغار النمل تجرح جلدها من فوق ثوبها:

لأثر الذر فوق الثوب في البشر[27])

 

لو دبّ ذَرٌ رويداً فوق قرقرها

وأعجب عمر بهذه الصورة على ما يبدو فلم يستطع الخروج من إطارها، فألمّ بها مرة ثالثة:

لأبان من أثارهن حدورُ[28])

 

لو دّبّ ذرٌّ فوق ضاحي جلدِها

كما صوروها بيضاء اللون تشوبها صفرة لأنها لا تخرج من البيت للعمل، فهي مترفة مخدومة منعمة كما يحلو لعمر أن يراها:

غذاها سرورٌ دائمٌ ونعيمُ[29])

 

مبتَّلةٌ صفراءُ مهضومةُ الحشا

ويكرر هذا المعنى ويشير إلى بعض سلوكها وأخلاقها:

ولم تكنْ تألفُ الخوخاتِ والسدرا[30])

 

بيضاءَ آنسةٍ للخِدر آلفةٍ

ولم يكن عمر وحده الذي أعجب بلون النساء هذا، بل كذلك كان الأحوص الذي يقول:

نضا عرقُ منها على اللونِ عَسْجَدَا[31])

 

وعهدي بها صفراءَ رُوداً كأنما

ويشير هدبة بن الخشرم إلى لون محبوبته فيقول:

فهل للصِّبا إذ جاوزَ الهمَّ موقفُ[32])

 

من البيضِ لا يسلي الهمومَ طلابُها

ويشير ابن ميادة إلى لونها الأصفر المحبب وبعض محاسنها الأخرى فيقول:

وليس من السّودِ القصارِ الحوائلِ[33])

 

من الصفرِ لا ورهاءِ سمجٍ دلالُها

ويمتزج البياض بالصفرة في بشرة المرأة التي يخصها العرجي بهذا الوصف:

في ناصعِ اللونِ تحتِ الرّيط كاللَّبَنِ[34])

 

من كلِّ صفراءَ مثلِ الريم خرِعبَةٍ

ويستلمح ذو الرمة صاحبة اللون الأبيض المشرق الذي يمتزج مع مجموعة ألوان أخرى في وجهها كالسواد في عينيها، والسمرة في شفتيها، فيقول فيها:

ذواتِ الشفاهِ الحُوِّ والأعينِ الكُحْلِ[35])

 

من المشرقاتِ البيضِ في غير مرهةٍ

وأركان الجمال في أشعارهم متعددة وواضحة تعدد أجزاء الجسد، فقد لفت رأس المرأة بما فيه من أعضاء الحواس المختلفة اهتمامهم وقلوبهم، فتوقفوا طويلاً يتأملونه، ووزعوا اهتماماتهم بين العيون والفم والخدود والضفائر.

وسحرتهم العيون فأطالوا الوقوف في محرابها يؤدون لها طقوس السحر والتقديس أو ما يكاد يكون كذلك في هذا المجتمع الذي تكون عيون النساء فيه اختصاراً للوجود كله، وجود المرأة في عينيها، إذ بهما تطل على العالم، وفيهما بريق الاتصال مع من حولها، وفيهما ومض الحب والدلال، وفيهما اختصار لجسدها المخبأ وراء حجاب كثيف. إنهما بوح الجسد والروح، بل هما السحر ذاته، كما في قول ذي الرمة:

هيَ السحرُ أو أَدهى التباساً وأعلقُ[36])

 

وعين كعينِ الرئم فيها مَلاحُةٌ

بل لهما أثر الخمرة في العقول:

فعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ[37])

 

وعينانِ قال اللهُ كونا فكانتا

وأكثر من تشبيه عيونها بعيون البقر الوحشي في اتساعها وشدة سوادها:

ألفين ضالاً ناعماً وغرقدا[38])

 

وأعين العينِ بأعلى خوّداً

ويكرر المزج بين جمال عيونها وجمال طبيعة المكان من حوله، ويخص البقر الوحشي بالمقارنة في قوله:

ترببها بأسنُمةَ الجميمُ[39])

 

كأنَّ عيونَهنَّ عيونُ عِيْنٍ

ويخص عيون خرقاء بهذه الصفات الرائعة فيقول:

مستودعٌ خَمَرَ الوعساءِ مرخوم[40])

 

كأَنّها أمُ ساجي الطرفِ أخدرَها

وتتمتع حبيبة العرجي بَحَورٍ محبب في عينيها، وهذه الصفات من أهم الصفات الحسن والجمال في العيون التي يشتد لون سوادها مع شدة لون بياضها، فيختلط بريق اللونين ويزيد من السحر والتأثير:

كالبدرِ قد قارن بالأسْعُدِ[41])

 

وفيهنَّ حوراءُ لها صورةٌ

وبهما أصابت حبة فؤاده لا بقوس ولا سهم ولا نبل، فيشهد لعينيها الفتنة والدهاء في قوله:

ولم ترمِ مِن قلبي قلوبَ الزوائل

 

رُضيّا رَمَتْ قلبي فلم تشوِ إذْ رَمَتْ

ولا نَبْلُ أَدهى من عيونِ العقائلِ[42])

 

بعينَي مهاةٍ لا بقوسٍ وأَسهمٍ

وكانت عيناها هدية من إحدى الظباء الفتية النضرة التي لا تقاوم على ما يرى العرجي:

يقرو الخمائلَ حينَ تمَّ شبابُهُ

 

وكأنَ أحورَ من ظباءِ تبالةٍ

نحوي بما لا يُستطاعُ ثوابُهُ[43])

 

أهدى لعمرةَ مُقلتيه إذْ رمَتْ

ولم يستطع الخروج من دائرة هذا التشبيه، وبقي يلح عليه كلما ذكر جمال عينيها:

فنَناً تنعَّمَ نبتُهُ نَضْرُ[44])

 

نظرتْ بمُقلةِ مغزلٍ علقَتْ

ويتحدث الأخطل عن العين النجلاء التي يقتل حسنها، يقول:

نجلٍ يُمِتنَ العاشقينَ حِسانِ[45])

 

ينظرنَ من خللِ الستورِ بأَعيُنِ

واعتنى الشعراء كثيراً بجزئيات الفم وما يحتويه من شفاه ولثات وأسنان وريق وعذوبة وطيب نكهة، وكان كل ذلك معرض حديث وصور في ديوان عمر بن أبي ربيعة، يجمع فيه صوراً لأفواه كل الجميلات اللواتي عرفهن، وأثنى على أفواههن بمجموعة هذه الصفات التي سنستعرضها، يقول في ثغر هذه الفاتنة:

عذبِ المقبَّلِ مصقولٍ لَهُ أشَرُ

 

تَنْكَلُّ عن واضحِ الأنيابِ متَّسقٍ

ثلجٌ بصهباءَ ممّا عتقتْ جَدَرُ[46])

 

كالمسكِ شيبَ بذوبِ النحل يخلطُهُ

وتسيطر نكهة الخمر وأثرها على صفته لريقتها التي يسقي منها أطيب الشراب:

شهد مشار ومسك خالص ذفِر

 

فبتُ أُسقى عتيقَ الخمرِ خالطَهُ

قرَنْفُلُ فوتَ رقراقٍ له أشرُ

 

وعنبر الهند والكافور خالطه

إذا تمايلَ عنه البرد والخَصَرُ[47])

 

فبتُ أَلثمُها طوراً ويمنُعني

ويسترسل في صفة ريقها العذب، ويعدد أنواع الطيب الممزوجة التي تشبه نكهتها:

مفَلّجِ النّبتِ رفّافٍ له أَشَرُ

 

تغترُّ عن ذي غروبٍ طَعْمُهُ عَسَلُ

خمرُ ببيسانَ أو ما عَتَقَتْ جدَرُ

 

كأن فاها إذا ما جئت طارقَها

من ماءِ أزهرَ لم يُخلطْ به كدرُ

 

شُجَّتْ بماءِ سحاب زَلَّ عن رَصَفٍ

والزنجبيل وَرَنْدٌ هاجَهُ السَّحَرُ[48])

 

والعنبرُ الأكلفُ المسحوقُ خالَطَه

ويبقى عمر تحت تأثير هذه الصورة، فيكرر أركانها المكونة من العنبر والقرنفل والزنجبيل والعسل والخمر المعتقة في صفة ريقها، وطيب نكهتها، وتمتعه بكل ذلك:

لو كانَ في غَلَسِ الظلامِ أنارا

 

تشفي الضجيعَ بباردٍ ذي رونقٍ

والزنجبيلَ وخِلطَ ذاكَ عقارا

 

فسقَتْكَ بشرةُ عنبراً وقرنْفُلاً

غصَبَ الأميرُ تبيعَهُ المشتارا

 

والذوْبَ من عَسَلِ الشّراةِ كأنّما

ومدامة قد عتقت أعصارا

 

وكأن نُطْفةَ باردٍ وطبرزداً

طرقتْ ولا تدري بذاك غِرارا

 

تجري على أنياب بشرة كلما

لذّ المقبّل بارداً مخمارا[49])

 

يُروى به الظمآنُ حين يشوفُهُ

ويزعم - كما زعم أسلافه الجاهليون- أن ريقتها طيبة المذاق، جميلة النشر بعد النوم حين تتغير طعوم الأفواه وروائحها!! بل إن فاها جرت عليه سلافة الخمر وذوب الشهد والزنجبيل وقارورة المسك. يقول:

تجرى عليه سُلافة الخمر

 

وكأَنَّ فاها بعدما رقَدتْ

بالزنجبيلِ وفارةِ التجْرِ[50])

 

شرقاً بذَوبِ الشهد يخلطُهُ

ويكرر هذا الزعم، ويجعل ريقتها هذه المرة مسكاً وماء بارداً شديد البرودة، يقول:

يسْقَ بمسكٍ وباردٍ خَصرِ[51])

 

منْ يُسْق بعدَ المنامِ رِيْقَتَها

ويسبيه جمال الأسنان وتفليجها، فيلفتنا إلى نظافتها وثرائها وعنايتها بهذه الأسنان، فهي تجلوها بمسواكها فتزيدها بياضاً فكأنها الأقحوان غبّ مطر جلاه وزيّنه وحسّنه: يقول

كأنها أقحوانٌ شافهُ مطرُ[52])

 

تجلو بمسواكِها غُرّاً مفلَّجةً

ومن أجزاء الوجه التي توقفوا عندها على عجل كانت الأنوف الشماء في وجوه حسناواتهم. فالنابغة الشيباني يحدد شكل الأنف الجميل الذي أعجب به فيقول:

مرض العيونِ ولم يعلَقْ بها مَرَضٌ   شمُّ الأنوفِ فلا غِلْظٌ ولا فَطَسُ[53])

فالأنوف المرتفعة الدقيقة التي ليست غليظة هي التي أعجبت الشعراء. ويعود النابغة الشيباني إلى وصف الأنف مع أجزاء أخرى من جسدها الجميل، فيقول:

وأوجُهُها قد دَقَ منها المناخِرُ[54])

 

من الهيْف قد رقَّت جلوداً تصونُها

ويعجب عمر بن أبي ربيعة بتقويس أنفها، ونعومته، وحسن ارتفاعه، فيقول:

زانَها ذاكَ وعرْنينٌ أشمْ[55])

 

وطريٍّ حسنٍ تقويسُهُ

ويتأمل ذو الرمة أنف صاحبته، فيذكر جماله، ويشير إلى أنها دهنته بالعطور عندما ثنت النقاب على طرفه، فيقول:

شماءَ مارنُها بالمسكِ مَرثومُ[56])

 

تثني النقابَ على عرنينِ أَرنبةٍ

ويكرر ذو الرمة أنها كانت تعطر أنفها، وتطليه بأنواع مختلفة من الطيوب:

بالمسك والعنبرِ الهنديِّ مُختضبُ[57])

 

سافَتْ بطيِّبةِ العرنينِ مارِنُها

وكان عمرو بن أحمر الباهلي قد أشار إلى حاجبيها وذكر امتدادهما، وجمال تقوسهما كأنهما رسما بالقلم رسما:

أجادَهُ الكاتبُ خطّاً بالقلمْ[58])

 

وحاجب كالنونِ فيه بسطةٌ

ونقل الشعراء نظرهم في وجوه حبيباتهم فشبهوها بالشمس والقمر في بهائها وحسنها، بل إن بياضها وإشراق وجهها ينزّل المطر ويخطف بصر كل من ينظر إليها، كما في قول عمر بن أبي ربيعة:

وجهاً يُضيءُ بياضهُ الأستارا

 

وجَلَتْ عشيَّةَ بطنِ مكّةَ إذْ بَدَتْ

حسبٌ أَغرُّ إذا تُريدُ فَخارا

 

كالشمس تُعجِبُ من رأى ويَزينُها

وبمثل وجهك أستقي الأمطارا

 

سُقيتْ بوجِهكِ كلُّ أرضٍ جُبْتُها

وصفاءَ خَدِّيها العتيق لحارا

 

لو يبصر الثقف البصير جبينها

وجمالَ وجهكِ يَخْطَفُ الأبصارا[59])

 

وأرى جمالَكِ فوق كلِّ جميلةٍ

وتأمل وجه واحدة أخرى فرآها تشبه البدر، وتبهر من ينظر إليها:

ريان مثلَ فجاءةِ البدرِ[60])

 

وجَلَتْ أسيلاً يومَ ذي خُشُبٍ

وثالثة تشبه الشمس أيضاً في سطوعها وبهائها:

أو مُزنةً أدنى بها القَطْرُ[61])

 

وكأنَّ ضوءَ الشمسِ تحتَ قناعِها

ولا يكاد ينفك عن إحدى هاتين الصورتين- صورة الشمس وصورة القمر- في وصفه لجمال وجهها، فهو يبدي فيهما ويعيد لكأن الطاقة الفنية لكليتهما لا تعرف النفاد.

يقول في رابعة:

يعْشى بسُنّةِ وجهها البدرُ

 

لأسيلةِ الخدّين واضحةٍ

وعندما كشفت عن وجهها تريد أن ينظر إليها، ويتأمل حسنها لم يجد أجمل من تشبيهه الآنف الذكر:

خلْتُهُ إذا أسفَرتْ قمرا[62])

 

فأرتني مُسْفرِاً حسناً

وللشعر أيضاً أسطورته الخرافية في السحر والإثارة، وإلاّ فما معنى هذا الحجاب الكثيف الذي يغطي الشعر ويحجبه عن كل العيون؟ وما هذه الحرمة التي تعظم ظهور الشعر وانكشافه، وتذهل الرجل عن كل مصائبه ليداري عن صاحبته انكشاف شعرها، كما حدث مع الخليفة عثمان بن عفان على ما يروي صاحب الأغاني "فعندما دخلوا دار عثمان لقتله نشرت نائلة شعرها، فقال لها عثمان خذي خمارك، فلعمري لدخولهم علي أعظم من حرمة شَعْرك"[63])

واستخدم الشعر أيضاً في تثبيت حادثة كان لها أثرها العميق في الأحداث السياسية في العصر الأموي وذلك عندما "ادعى معاوية قرابة زياد بن أبيه، بعد أن كان المغيرة بن شعبة أشار عليه بذلك. وكان زياد عزم على قبول الدعوى، وأخذ برأي ابن شعبة. أرسلت جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها معاوية فأتاها، فأذنت له، وكشفت عن شَعرها بين يديه وقالت أنت أخي"[64])

وهام الشعراء بالشعر الأسود الطويل، وتاهت عيونهم بانسداله وظلاله على الجسد الجميل، وأثار عندهم أعذب الأحلام، وعثروا في طياته على بعض ما يريدون من ملاذهم المفقود.

فيتحدث العجاج عن هذه المرأة التي سبته بشعرها الفاحم المسرح الجميل بقوله:

بفاحم يُعْكَفُ أو منشور

 

غراء تسبي نظرَ النّظورِ

في خُششاوَى حُرَّةِ التحرير[65])

 

كالكرمِ إذ نادى من الكافور

ويؤكد أن شعرها الجميل يسبي الرجال بطوله وكثافته وتسريحته:

قامتْ تُريك وارداً مُنْصارا

 

وإذْ سُليمى تستبي الأغرارا

ومرجَحِنَّا كالنّقا مرمارا[66])

 

وحْفاً وفَعْماً يملأُ السّوارا

ويبرز أيضاً عناية صاحبته بشعرها، وقيامها على دهنه وغسله باستمرار:

وبشرٍ مع البياضِ أَلعسا[67])

 

بفاحمِ دوي حتى اعْلَنْكسا

ويشير القطامي إلى عناية صاحبته بشعرها الأسود ودهنه، ويعد ذلك دليل ترف وثراء ونعمة:

رجْلٍ تُعَلُّ أصولُهُ الأدهانا[68])

 

وترى النعيمَ على مفارقِ فاحمٍ

ويثني النابغة الشيباني على شعرها المرسل والأسود الطويل في قوله:

ومنسجُرٌ على المتنين سود[69])

 

لها وجهٌ كصحنِ البدرِ فخمٌ

ويلتفت العديل بن الفرخ إلى شعرها الفاحم الجعد الذي يعجبه، فيقول:

وذاتِ الثنايا الغُرِّ والفاحمِ الجعْدِ[70])

 

ألا ياسلمى ذات الدماليجِ والعقدِ

ويغرم العرجي بشعرها الكثيف الأسود الذي يشبه ركام العنب في قوله:

مثل ركامِ العِنَب المُدمَجِ[71])

 

تريكَ وَحْفاً فوق جيدٍ لها

وهو طويل مسترسلُ يغطي عنقها أيضاً:

رِجلاً يَشّفُ لناظرٍ جلبابُه[72])

 

تدني على اللِّيتين أسحمَ وارداً

وإذا ما أسدلته على كتفيها فكأنه الأفاعي السوداء:

إذا سُدلتْ فوق المتونِ الأَساودُ[73])

 

تَعلُّ قروناً في الهواءِ كأنّها

ويظهر ثراء صاحبة عمرو تفننها في زينة شعرها، تسريحاته المختلفة بين مضفر ومرسل وغيرهما:

حَسَنُ الغدائرِ حالِكٌ مضفورُ[74])

 

ولها أثيث كالكروم مُذيّلٌ

ويؤكد أن شعرها الجميل قد سبا فؤاده فهو في ذهول وافتتان، ولا يقوى على النسيان يقول:

فؤاديَ منها ذو غدائرَ فاحمِ[75])

 

فأنى سلُوُ القلبِ عنها وقد سبَا

فإذا فرغ هؤلاء الشعراء من الحديث عن وجوه حبيباتهم وشعورهن بعد أن قالوا فيها أطيب النشيد صاروا إلى أجزاء أخرى أكثر إثارة وفتنة. وسرعان ما انحدرت عين الشاعر لتتأمل جيد صاحبته، فاسترسل في صفة عنقها الطويل الجميل الأبيض المزين، كما رآه ذو الرمة:

كأنها ظبيةٌ أفضى بها لَبَبُ[76])

 

بّراقة الجيدِ واللبّات واضحةٌ

ويشبه جيدها الطويل بجيد ظبية أفزعت فمدت عنقها تستطلع الآمان من حولها في قوله:

ووجهٌ كقرنِ الشمسِ ريّانُ مشرِقُ[77])

 

لها جِيدُ أمٍّ الخشفِ ريعَتْ فأتلعت

ويذكر أيضاً أن أعناق الفتيات الجميلات اللواتي يشبهن الغزلان السارحة يصبن بها من يراهن فيصرعنه بحسنهن:

فلاةٍ فكنَّ القتل أو شَبَهَ القتلِ[78])

 

وشَفَّفنَ عن أجيادِ غِزلانِ رَملَةٍ

ويدور عمر بن أبي ربيعة في الدائرة نفسها عندما يصف جيد صاحبته فلا يجد سوى جيد الغزال يمكن أن يضاهي جمال جيدها، لكنه يضيف إليه الزينة فيقول:

مثلُ جِيد الغزالِ يعلوهُ نَظْمُ[79])

 

سلَبَ القلبَ دَلُّها وَنَقِيٌّ

ويعود سبب جمال جيدها إلى أنه هدية من ظبي فتي جميل كما يقول:

وأَهْدتْ لها العينَ القتولَ بَغُومُ[80])

 

منعمة أَهدى لها الجيدَ شادِنٌ

ويكني عن طول جيدها بقوله:

أبوها وإما عبد شمس وهاشم[81])

 

بعيدة مهوى القرطِ إما لنوفل

ويحاول ابن قيس الرقيات أن يصف جيدها، فلا يفتح الله عليه إلا بمثل أوصاف السابقين فيقول:

يرتعي بالذنائب[82])

 

وجيد ريم مكحّلٍ

وفي شعر جميل بن معمر نقرأ الصفة ذاتها تقريباً، ولكنه يحدد أنها غزالة بيضاء جميلة ذات ولد، فيقول:

أغنَّ لم يتبّعها مثْلهُ وَلَدُ[83])

 

وجيد أدماءَ تحنوه إلى رشأٍ

ويذكر المجنون أعناق النساء الجميلات، فيشبههن بأعناق الغزلان أيضاً في قوله:

وأعيُنها من أعيُنِ البقر النّجل[84])

 

وأعناقُها أعناقُ غِزلان رمْلةٍ

ولا يزيد على هذا التشبيه عروة بن أذينة في قوله:

في حُسْنِ مبتسمٍ منها وعرنينِ[85])

 

للظبية البكر عيناها وتَلْعَتُها

ويلحق عمرو بن أحمر الباهلي بالسابقين في صفة جيدها عندها يقول:

لبَّ بأرضٍ لم تَوَطّأها الغنم[86])

 

وجيد أدماءَ وعينَيْ جُؤذُر

وكذلك يفعل هدبة بن الخشرم عندما يقول:

ـجآذرٍ وارتجَّتْ بهنَّ الروادفُ[87])

 

خرجن بأعناقِ الظباء وأَعينِ الـ

ويفلت كثير من قبضة هذه الصورة، فيشبه جيدها البراق بالسيف الصقيل المتلألئ في قوله:

إذا انتصفَتْ للرَّوعِ هِزَّةُ مُنصُلِ[88])

 

وأتلعَ بّراقٍ كأنَّ اهتزازَهُ

وتردد الشعراء الأمويون كثيراً في تناول نهدي المرأة ووصفها، فمنهم من تجاهل وصفهما ومنهم من لمحهما على عجل، فلم يستغرق وصف النهود خيالهم وعنايتهم كما استغرقتهم أجزاء الجسد الأخرى، فكان كثّير يلاحظ نهود ثدييها، ويترقب نموها واكتمال أنوثتها على عجل عندما قال:

وليداً ولمّا يسْتبنْ لي نهودُها[89])

 

فتلك التي أصفيتُها بمودَّتي

أما المجنون فكان أكثر تريثاً في وصف نهودها حيث يقول:

من عاجةٍ حَكَتِ الثديُّ حقاقَها[90])

 

بيض تُشَبَّهُ بالحقاقِ ثديُّها

ويمر النابغة الشيباني بذكرهما مروراً سريعاً في قوله:

وثُديٍّ ونحورِ[91])

 

وبأعناقِ حِسَانٍ

ويطيب للأخطل أن يشبه نهود النساء بنواعم الرمان، يقول:

ونواهدٌ كنواعمِ الرُّمانِ[92])

 

ونحورُهُن دياسُقٌ من فضّةٍ

واستقرت عيون الشعراء على الخصور الضامرة التي تجعل الأوشحة قلقة حيرى لا تعرف أين تستقر، وشكلت عبارة "غرثى الوشاح" لوحة تعبيرية عامة لجمال الخصور تشي بمضامين نفسية كثيرة لدى الشعراء، فالعرجي يستمد من ايحاء هذا التعبير ويقول:

منها الإزارُ وما في الحِجْلِ ممكورُ[93])

 

غرثى الوشاحِ ورَابٍ ما أحاط بها

وتبدو في شعر الحارث بن خالد المخزومي:

رؤد الشبابِ غلا بها عظم[94])

 

خمصانة قلقٌ موشّحها

ويكرر وصفه مرة ثانية بقوله:

ريانُّ من أردافِها المرط[95])

 

غرثانُ سمطُ وشاحها قلقٌ

وهي من ليونتها وضمور خصرها يكاد الحارث يطويها في يديه كما يطوي حمالة سيفه:

طيَّ الحمالةِ لا جافٍ ولا فقر[96])

 

ومضّمر الكشح يطويه الضجيعُ لَهُ

ولا يخرج الشمردل اليربوعي عن هذه الصفة عندما يريد وصف خصرها بقوله:

إلا تضوَّعَ منها العنبرُ العبقُ[97])

 

غرثى الوشاح صموت الحِجل ما انصرفتْ

ويعجب المجنون بالخصور النحيلة الرقيقة ويعبر عن هذا بقوله:

إني أُحبُّ من الخصورِ دقاقَها[98])

 

زانتْ روادفَها دقاقُ خصورِها

ويشير الصمة القشيري أيضاً إلى خصرها الدقيق في قوله:

كمتنةِ مصقولٍ من الهند سُلّتِ[99])

 

وخصران دّقا في اعتدالٍ وفتْنةٍ

وهي "غرثى حيث تعتقد الحقابا" في شعر عمرو بن لجأ التميمي[100]) وعند عمر بن أبي ربيعة "غرثان موشحها"[101])كما أنها "لطيفة الخصر"[102])وهي عند النابغة الشيباني "وشاحها قلق"[103])

ويبدو حديث الشعراء عن "الخصور الدقيقة" مرتبطاً بحديثهم عن "البطون الضامرة"، ودالاً عليها، فقد أكثروا من الإشارة إلى البطون الخمصانة الهضيمة الضامرة. ولم تقع عين واحد منهم إلا على البطون المخطوفة من شدة ضمورها وخمصها، أو الخصور الهيفاء، فجمالها الباهر عند عمر بن أبي ربيعة يأتي من كونها:

تكادُ من ثِقَلِ الأردَافِ تنبترُ[104])

 

هيفاء لفّاء مصقول عوارضُها

ويعجب مرة أخرى بهضيم الحشا في قوله: "هضيم الحشا حسانة المتحسَّر"[105])

ويعجب بوصف الأعشى لإحدى صواحبه، ويكرر صفته بألفاظها ذاتها تقريباً في قوله:

"هيفاء قباء مصقول عوارضها"[106])

وتمتعت صاحبة العرجي أيضاً بضمور عجيب، وبدت كالمهاة الرشيقة:

لم يَغْذها من معيشة رَنَقُ[107])

 

خمصانة كالمهاةِ آسنة

ويلم مرة أخرى بجمال بطنها الهضيم في قوله:

إذا ما مشت لم تمشِ إلا تَمَيّلاً[108])

 

أسيلة مجرى الدمعِ مهضومة الحشى

وكان الحديث عن ضمور الخصور وخمص البطون موظفاً توظيفاً جمالياً آخر قصد منه إبراز الأرداف الممتلئة، موطن الجمال ومكمن الإثارة في أشعار الشعراء، فقد أجمعوا على أن المرأة الجميلة يجب أن تتمتع بأرداف ضخمة مرتجة كأنها الكثبان الصغيرة المتراكمة حتى بدت الصورة قاعدة عامة أومعياراً جمالياً ثابتاً من خرج عليه فقد خرج على الذوق الأصيل والمعايير الجمالية السائدة، يقول ذو الرمة في وصف أردافها، ويشبهها بالتلة الصغيرة من الرمل:

على دِعصةٍ عزاءَ من عُجَمِ الرّمل[109])

 

أناة كأنَّ المرطَ حين تلوثُهُ

وتفصح الصورة ذاتها عن ذوق "ذي الرمة" فيبدو شديد الإعجاب بالمرأة التي استوفت العناصر الجمالية، فهي هضيمة الحشا، ضامرة الخصر، ضخمة العجيزة ممتلئة العظام:

عنها الوشاح وتمَّ الجسمُ والقَصَبُ[110])

 

عجزاء ممكورة خمصانة قلق

ويبدو عمر بن أبي ربيعة مقيداً بذوق عصره، وبما فرضه تراثه من خطوط الجمال العامة، فإذا هو كالآخرين يرى صاحبته غادة خمصانة ريّا الأرداف، فيتأملها بعين المعجب المتلبّث حيث يقول:

ريَّا الروادفِ لذّةً مِبشارا

 

إني رأيتُك غادةً خُمصانةً

مثل السبيكة بضّة معطارا[111])

 

محطوطةَ المتنينِ أكمِلَ خَلْقُها

وكان قد تأملها عندما رحلت، فعلقت بذهنه صورة مؤخرتها الضخمة، فقال فيها:

كأنها تحت سجفِ القُبَّةِ القمرُ[112])

 

بانَوا بِهرُكولةٍ فَعْمٍ مؤزَّرها

ورأى عجيزتها في مشهد آخر كأنها قمة الجبل، بسبب ضخامتها وامتلائها:

والبوصُ منها كالْقَوْرِ مُنْعَفِرُ[113])

 

قبّاء إِن أقبلتْ مُبَتَّلةٌ

وكانت أعجاز النساء الضخمة تميل سيرهن، فتبرز صدورهن الجميلة، وأعناقهن الطويلة في قول العرجي:

فتسمو بأعناقٍ لها وصدورِ[114])

 

نهضن بأعجازٍ ثقالٍ تميلها

ويشير عروة بن أذينة إلى عجيزتها المرتفعة التي تعجبه بامتلائها وضخامتها، يقول:

بيضاءُ تَفْصِمُ كظةً خلخالُها[115])

 

وعجيزةٌ نفجٌ وساقٌ خدلةٌ

كما أن هذه العجيزة الضخمة تجعل حركة صاحبته ثقيلة متأنية في قوله:

كأنها الغُرُّ في أنقاءِ معرونِ[116])

 

تنوء منها إذا قامت بمردفةٍ

وفي مقابل هذا الإعجاب الشديد بالمرأة الممتلئة الضخمة الأوراك والأرداف، كانت المرأة الرسحاء مجال سخرية وهجاء. والمرأة الرسحاء هي المرأة التي تكون عجيزتها غير بادية أو ظاهرة لنحافتها وضعفها. وكانوا يعييرون النساء بالتدليس، وهو تغطية هذا العيب بارتداء بعض الملابس التي قد تساعد على إخفائه، وقد أشار جرير إلى ذلك بقوله:

من رصْعِ تيم يُنَطَّقْنَ البوَاسِينا[117])

 

مالت كميلِ النقا ليست إذا جليتْ

أي أنها لا تحتاج إلى أن تدلس جسمها بما يخفي عيوبها، لأنها خلقت جميلة مكتملة، فالمرغوب فيها في رأي جرير من كانت عجيزتها مثل الكثيب الذي تزيده الريح ارتفاعاً بما تجلبه له من الرمال فيبدو أكثر ارتجاجاً وثقلاً.

فالريح تجبرُ متْنَهُ وتميلُ[118])

 

كنقا الكثيبِ تهيَّلَتْ أعطافُهُ

وكانت الريح عامل إثارة شعرية وجمالية، فعندما تهب تلتصق الملابس بالأجساد الجميلة، فتفخر الممتلئة المكتنزة، وتخزى الهزيلة. يقول جميل بن معمر:

مآكُمها والريحُ في المرطِ أَفضحُ[119])

 

إذا ضربتها الريحُ في المرطِ أجفلتْ

ويؤكد كثيّر المعنى بقوله:

على متنِها ذا الطرَّتينِ المنمنما[120])

 

من الهيف لا تخزى إذا الريحُ ألصقَتْ

وقد أسرف الشعراء حقاً في تصوير الأرداف والحديث عنها، وهم - على اختلافهم وكثرة أحاديثهم- يصدرون عن ذوق جمالي واحد لا يتغّير[121])

وتأمل الشعراء ساقي المرأة، وغرقوا في مواصفات الجمال والفتنة، وفصلوا في أجزاء الساق من أخمص القدم إلى أعلى الساق، واستكثروا من الصور، وكانت النتيجة الإجماع على جمال السوق الممتلئة البيضاء الغضة التي تشبه الغصون النضرة الخضراء، مع الإشارة إلى ما يحيط بالساق من حلي وزينة.

فلنبدأ من القدم كما بدأ عمر بن أبي ربيعة، فهو ينظر إلى قدميها، ويعجب بكعب رجلها الدقيق الناعم:

حين تمشي والكعبُ غيرُ نبيلِ[122])

 

زانَ ما تحت كعبِها قدماها

فالكعب إذاً يجب أن يكون دقيقاً غير ضخم ولا ممتلئ بعكس أجزاء الساق الأخرى، فعندما نرتفع قليلاً إلى موضع الخلخال يحسن الامتلاء دائماً، فجمال الأرجل أيضاً موزع إلى جزئيات تتراوح بين الضمور والامتلاء، كما في كل أجزاء الجسد الأخرى، يقول عمر أيضاً في موضع الخلخال:

فمشبع نشب منها ومنكسر[123])

 

ممكورة الساقِ مقصوم خلاخلُها

ويعجب عبيد الله بن قيس الرقيات في ساقي صاحبته اكتنازُهما باللحم في موضع الخلخال:

ساقانِ مارَ عليهما اللحمُ[124])

 

تخطو بخلخالينِ حشوهما

ويستملح العجاج هذه الصفة، فيقول:

ريَّان لا عَشٍّ ولا مهبَّل[125])

 

بقصبٍ فعمِ العظام خدلٍ

ويتأمل الصمة القشيري صاحبته، فتستقر عيناه على فخديها اللفاوين كأنهما ناقة تحتال بهما وتتمايل:

وساقٌ إذا قامتْ عليها اتمهلّتِ[126])

 

لها فَخذا بخُتْيَّة بختّريةٍ

ويشير الحارث بن خالد إلى فخديها اللفاوين أيضاً في قوله:

عجزاء ليس لعظمها حجمُ[127])

 

لفّاء مملوء مخلخلُها

ويشير جرير أيضاً إلى عظامها الممتلئة النضرة التي أخرست خلاخلها في قوله:

خلاخيلُ سلمى المصْمتاتُ وسورُها[128])

 

لها قصبٌ ريَّانُ قد شجيتْ بهِ

ويعلن العرجي إعجابه بساقها الريّا الممتلئة في قوله:

كالغصنِ قد مالَ ولم يخضدِ[129])

 

ممكورة الساقين رعبوبة

وظفرت الأيدي باهتمامهم، واتفقوا كما في وصف الأرجل على جمال الأيدي الممتلئة البيضاء، والأنامل الغضة المزينة بالخضاب الأحمر القاني، فنقرأ في شعر لأبي دهبل وصفه للمعاصم الريا التي تشبه النبات في طراوتها ونضارتها وجمالها:

قدر النباتِ فلا طولٌ ولا قِصَرُ[130])

 

خود مبتلّة ريّا معاصمُها

ويشير الفرزدق إلى معصمها الريان النضر في قوله:

على معصمٍ ريّانَ لم يتخدَّدِ[131])

 

إذا شئتُ غناني من العاجِ قاصفٌ

أما العرجي فيذكر مفاصلها الممتلئة التي لا تظهر عظمها:

جبائرُها غُصّتْ بهنَّ المعاضّدُ[132])

 

يُوسّدنَني جُمَّ المرافق زانَها

ويشير ابن ميادة إلى مرافقها الممتلئة في قوله: "في مرفقيها إذا ما عونقت ججم"[133]) ويذكر عمر بن أبي ربيعة بنانها الغض في قوله:

أسيلٌ مقلّدُه أحورُ[134])

 

إذا كاعبان ورخْصُ البنانِ

وسجّل الشعراء أيضاً حركة الأيدي، وميّزوا وظيفتها في التعبير عن الحب عندما تستخدمها النساء في بعض المواقف التي يكون الكلام فيها غير مباح، فتصبح حركة اليد أبلغ من الكلام والعيون، كما حدث مع المجنون في قوله:

أخافُ عيوناً أنْ تهبَّ نِياما[135])

 

وعَضَّتْ على إبهامها ثم أَومأَتْ

ويسترجع العرجي مشهد وداع فيقول:

إلا البنانُ وإلا الأعينُ السُّجُمُ[136])

 

ودَّعْتُهنَّ ولا شيءٌ يراجعُني

ويشير أبو دهبل إلى مثل هذا بقوله:

وقالت لِتْربَيْها عليَّ توقَّفا[137])

 

أشارَتُ بمدراها وإيايَ حاولت

ويصور عمر بن أبي ربيعة صاحبته، وقد فجأها بالدخول إلى خبائها فخافت:

وأنتَ امرؤٌ ميسورُ أَمِركَ أَعسرُ[138])

 

وقالَتْ وعضّتْ بالبنانِ فضحتني

وكانت أكف النساء وسيلة اصطياد أيضاً كما رآها النابغة الشيباني:

منها خضيبٌ ومنها غيرُ مخضوبِ[139])

 

تُبدي أَكُفَّاً تصيدُ العاشقينَ بها

وكان ليدها مع عدي بن الرقاع وظيفة أخرى عندما قال:

لي جاعلاً يسرى يديَّ وِسادَها[140])

 

فلقد ثنيتُ يدَ الفتاةِ وسادةً

أما العديل بن الفرخ فلم يكن ليدها من وظيفة عنده سوى التحية ساعة الفراق:

بصاحبه يومَ الفراقِ ضنينُ[141])

 

تراجعن بالأيدي السلامَ وكلّنا

ويؤكد يزيد بن الطثرية أن أناملها الغضة تشفيه مما هو فيه عندما قال:

على كَبدي كانتْ شِفاءً أَناملهْ[142])

 

بنفسيَ مَنْ لو مرَّ بردُ بنانِهِ

ولكن هذا الاستغراق في الجزئيات أو التفصيلات لا يحول دون النظرة الشاملة وتأمّل القامة الطويلة الممتدة. فعندما حاول ذو الرمة تأملها، رآها طويلة الظهر ممشوقة القوام في قوله:

هضيمُ الحشا رأْدُ الوشاحينِ أَصفرُ[143])

 

وبين ملاثِ المرطِ والطوقِ نفنفٌ

وقسم قامتها إلى قسمين وقال فيها:

ونصفاً نقاً يرتجُّ أو يتمرمرُ[144])

 

ترى خلفها نصفاً قناةً قويمةً

ويراها الأحوص طويلة ممشوقة، كلها حيوية ونشاط:

رقراقة لم يُبْلِها الدّهرُ[145])

 

سيفانة أَشَرُ الشبابِ بها

أو مجدولة القامة غير مترهلة كأنها الحبل المفتول:

جرى لحمُهُ من دون أن يتخدَّدا

 

مهفهفة الأعلى وأسفلُ خَلْقِها

عنانُ صناعٍ مدمج الفتلِ مُحْصَدا[146])

 

من المدمجات اللحمِ جدلاً كأنَّها

وكانت كالرمح الممشوق في شعر جميل:

وما تحته منها نقا يَتَقَصَّفُ[147])

 

قناة من المرَّانِ ما فوق حَقوِها

ويلاحظ قارئ هذا الشعر أن الصورة العامة للقامة لم تسلم، فما أكثر ما قسمها الشعراء إلى أجزاء من أجل إشباع الإحساس والتعبير عنها بأحسن الصفات.

فالمجنون يرى قامتها الرشيقة، لكنه يجزئ هذه القامة إلى مجموعة أجزاء، ويقول في كل جزء منها:

مرجرجة السفلى مهفهفة الخصر[148])

 

هلالية الأعلى مطلّخةُ الذرا

وشطر عمر بن أبي ربيعة قامتها شطرين في قوله:

غذاها سرورٌ دائمٌ ونعيمُ

 

مبتّلة صفراء مهضومة الحشا

ونصفٌ كثيبٌ لبَّدَتْهُ سجومُ[149])

 

قدِ اعتدلَتْ فالنِّصفُ من غُصنِ بانةٍ

وينظر العرجي إلى قامتها، فيراها كالغصن النضر الندي:

إذا حَّركتهُ الريحُ بالماءِ أَخضلا[150])

 

كخوطةِ بانٍ بَلَّهُ صوبُ ديمةٍ

ثم عاد، ففصل أعلاها عن أسفلها في قوله:

بٍ ما تواري النقب[151])

 

كالغصنِ أعلاه ورا

ويرنوا إليها هدبة بن الخشرم، فإذا هي:

هيامٍ وما ضَّم الوشاحانِ أَهيفُ[152])

 

رداح كأن المرطَ منها برملةٍ

ولا يكاد يختلف الطرماح عن هدبة، وهو يتأملها مقبلة مدبرة، يقول:

فَرؤدُ الأعالي شختهُ المتوشّحِ[153])

 

إذا أَدبرت أثّتْ وإن هيَ أقبلت

وبدت تهتز من تحت الثياب كأنها الغصن النضر في شعر المجنون:

كما اهتزَّ غصنُ البانِ والفنَنُ النَّضْرُ[154])

 

ويهتزُّ من تحتِ الثياب قوامُها

لكنه يجزئ المشهد في موقف آخر، فيقول:

وعى السرَّ منهنَّ الغمامُ اللوامعُ[155])

 

عراضِ المطا قُبِّ البطونِ كأنما

لقد اكتملت صورة الجسد المثال. سوّاها هؤلاء الشعراء بأيديهم، وبرّؤوها من كل نقص أو عُوار، وما زالوا يعيدون النظر فيها، وينقّونها من الشوائب حتى استوت في أحسن تقويم، قطفقوا يطوفون بها عن قرب وعن بعد، ثم لم يلبثوا أن أضافوا إليها بعض الإضافات لتزداد بهاءً وإشراقاً. لقد أضافوا إلى هذا الجمال الأصيل ما جعل الصورة حية نابضة. تحدثوا عن المشية المتبخترة عند النساء، وأشاروا إلى الكسل المحبب المتضمن للدلال والغنج، والذي يقتضي منهن النوم حتى ساعة متأخرة من النهار، ثم أحاطوا الصورة بذكر من يقوم على خدمة المرأة من أتباع وخدم وجوار، وبذلك اكتملت الصورة الساحرة التي سيطرت على ذوق الشاعر العربي حتى فترة متأخرة من عصورنا الأدبية. وهم حتى في هذه الإضافات الحضارية كانوا يكرون موروثهم الثقافي، ويحلّونه في أشعارهم.

ووجد الشعراء في مشية النساء مجالاً رحباً للخيال الذي يرصد المرأة وهي بعيدة عن مرمى النظر، فأكثروا من وصف مشية النساء كثرة مدهشة إذا ما قيست بوصف جمال الجسد، بل أستطيع أن أقول: إن متابعة الشعراء لأسراب النساء وهن يمشين فاقت رصدهم لمفاتنها الجمالية. ولم يقلّ الحديث عن كسلهن ونعمتهن ورفاهيتهن عن الحديث عن مشيتهن وتصويرها.  حقاً كان شعراء الجاهلية يتحدّثون عن هذه الأمور جميعاً ويصفونها منذ امرئ القيس، ولكن هذا الحديث أو التصوير كان قليلاً جداً، إذا ما قيس بحديث شعراء العصر الأموي. ولعل سبب ذلك فيما أعتقد -يرجع إلى النقلة الحضارية التي شهدها هذا العصر، فأنا أعتقد أن خط التطور الحضاري بدأ ينزاح في نفس الشاعر الأموي، ينزاح قليلاً عن خط الموروث الثقافي، ويؤكد إعجاب الشعراء بالنموذج الحضري المترف للمرأة. إذ لا يمكن أن نحظى بصورة امرأة فقيرة، عاملة، متعبة، إلا في صورة هجاء، ولا يمكن أن تكون كل النساء في المجتمع الأموي أو أي مجتمع على حظ واحد من الترف والنعمة والثراء، ولا أن تكون كل النساء على قدر واحد من الجمال والسحر. فهل هي الرؤية الفنية التي تنزاح عن الواقع وتفترض هذا الجمال الآسر والدلال الفتّان؟ هل هو الشعر الذي يفترض ويقترح ما يجب أن يكون؟ والشعراء إذ يصفون مشية النساء المتبخترة المتمهلة يحركون الجسد الجميل الذي صنعوه بكلماتهم الملونة، فيتكامل جمال الصورة وجمال الحركة، ويتعانقان في انسجام بديع، ويكوّنان هذا المشهد الخلاّب. فهن في تمايلهن يشبهن العيدان الطرية الناعمة التي تهزها الريح بلطف ورعاية في قول جرير:

هزَّ الجنوبِ نواعمَ العِيدانِ[156])

 

وإذا مشينَ مشينَ غيرَ جوادفٍ

ويرصد الفرزدق حركتها المتأرجحة المتثاقلة في تثنٍ آخاذ لا يخلو من تكاسل وفتور:

وتمشي العشيَّ الخيزلى رخوةَ اليدِ[157])

 

حوارية تمشي الضحى مُرْجحنَّةً

ويقرن الأخطل مشيتها بمشية النوق المتبخترة عندما تسمع هدير الفحل ينادي عزيزتها، فتزيد من تيهها وتمُّيلها لعلمها أنها تقع من نفسه الموقع الذي تريد:

عند الأصيلِ هَديرُ المصعبِ القطمِ[158])

 

يمشين مشي الهجانِ الأُدمِ روَّحَها

ويضيف إلى المشهد ذاته بعض مكونات الصحراء، فتعرقل مشية هذه الإبل بالرمال المنهارة من الكثبات المنتشرة في المكان حولها:

أعرافُ دكداكةٍ منهالةِ الكثبِ[159])

 

يمشينَ مشيَ الهِجانِ الأُدمِ يُوعثُها

ويحوّر العرجي المشهد السابق بعض التحوير، ويزيد فيه، فيزيده رقة وجمالاً، فيشبه مشي النساء بمشي البقر في الرياض المعشبة الساحرة، في قوله:

من نبتهٍ غرِدِ الضحاءِ ذبابُة[160])

 

يمشينَ مشيَ العْينِ في متأنِّفٍ

ويوفق العرجي في صورة أخرى ترصد مشية النساء وتمايلهن مثل المها المذعورة الخائفة، وفي استخدامه للفعل "يمرن" اختصار للصورة الحركية بكل أبعادها:

إذا تخافُ عليها موضعَ الثُكَنِ[161])

 

يَمُرْنَ مورَ المها تُزْجي جآذرَها

ويستغرق مشهد المشي خيال العرجي مرات متعددة، ويقلّب فكره وموروثه، فلا يستطيع الابتعاد كثيراً عما درج عليه الشعراء في مثل هذه المواقف، من ربط صورهم بمكونات البيئة البدوية الصحراوية بحيوانها ورمالها، فهو يصور تهاديهن كتهادي بقر الوحش في الرمال.

يقول:

على هُضْمِ أكبادٍ وَلُطفِ خصورِ

 

فلما استوت أقدامُهُنّ ولم تكَدْ

بأجرعَ مُوْليِّ الدماثِ مطيرِ[162])

 

تهادي نعاجِ الرّملِ مرَّتْ سواكناً

ويصف مشيتهن عندما جئن إليه متثاقلات متكاسلات كأنما هنَّ قطيع الخيل الذي اشتبك بقطيع من الماعز، وحاذر كل على نفسه الضرر في محاولته التخلص من الاشتباك، يقول:

بها الأعجازُ من ثقلٍ ينونا

 

فجئن وما يكدنُ إذا ارجحنَّتْ

كمشي الخيل بالمعْزَى وجينا[163])

 

على خُرسٍ خلاخِلُها خدالٍ

ويبالغ العرجي في وصف تمهلها وتأنيها وتقارب خطوها في مشيتها، وينفي أن يربكها أو يعجّل خطوها أي أمر مهما بلغت أهميته، وجلّ شأنه. يقول:

سوى خذفةٍ أو قدرِها لم تَقدّم[164])

 

قطوف الخطا لو تُنْحل الخُلْدَ إن مشت

وحاول جرير أن يحوّر صورة الخيل بعض التحوير، لكنه ظل مشدوداً إلى ما هو سائد فشبه مشيتها بصغير الخيل الذي لم ينتعل بعد، ولم يزل لا يقوى على النهوض بقوائمه الضعيفة:

كما انآدَ من خيلٍ وجٍ غيرُ مُنْعَلِ[165])

 

إذا ما مشت لم تنتهزْ وتأوَّدَتْ

وصنع المجنون مثل ما صنع جرير، قال: "كواعب تمشي مشية الخيل في الوحل"[166])

وهي في فتورها وضعفها تشبه ضعيف الحيوان الذي لم يشتد بعد في تشبيه لعمر بن أبي ربيعة:

وتشكو مراراً من قوائِمها فتْرا[167])

 

وظلت تهادى ثم تمشي تأوُّداً

واستطاع كثّير الخروج من دائرة الحيوان إلى الماء، وكان لمشهد المشي في ذهنه بعد أخر، عندما شبه مشيتها المتثاقلة بتدافع السيل إذا تلقاه الوادي عند منعطفه:

كما بهر الجزع سيلاً ثقيلاً[168])

 

وتمشي الهوينا إذا أقبلت

ومشيتها في صورة العجاج أيضاً كأنها تدافع المياه في الجدول الرقراق المنساب في استرخاء وهدوء. يقول:

تدافعَ الجدولِ إثرَ الجدولِ[169])

 

في صَلبٍ لَدْنٍ ومشيٍ هوجلِ

وألم  بالصورة نفسها عمر بن أبي ربيعة وقال:

هوناً تدافعَ سيل الزُّلِ إذْ مارا[170])

 

قامت تهادى وأترابٌ لها معها

وترتبط صورة مشية المرأة في خيال الشاعر ومشاعره بصورة الأقدام وهي تدوس الوحل، كما عند الكميت:

ينقلن أرجلهُنَّ بالأَوحالِ[171])

 

وإذا أردنَ زيارةً فكأنما

وقريب من الماء والوحل تشبيه عمر لمشيتها بأغصان النباتات المتمايلة الطرية، لكنه سرعان ما يعود إلى حظيرة الحيوان الصحراوي فيقول:

وَهيَ كمثلِ العسلوجِ في الشّجرِ

 

تمشي الهوينا إذا مشت فُضُلاً

يمشينَ هَوْناً كمشيةِ البقرِ[172])

 

بيضاً حِساناً خرائداً قُطُفاً

ويقع عروة بن أذينة على صورة طريفة فيها من الحسن والبهاء والحركة العذبة الليّنة شيء كثير يقول:

على قصبِ قد ضاقَ عنهُ خلاخِلُهْ

 

فقمن بطيئاً مشيُهنَّ تأوّداً

أعاليَ مِنْهُ وارجحنَّتْ أسافلُهْ[173])

 

كما هزّتِ المرَّانَ ريحٌ فَحَرَّكَتْ

ولأعشى همدان صورة حسيّة نفسية تلفت النظر. فيقول:

مثلَ النزيفِ ينوءُ ثُمَّتَ يضعفُ[174])

 

وإذا تنوءُ إلى القيام تدافعتْ

ويهتدي عمرو بن لجأ بحسه الدقيق إلى صورة غريبة مبتكرة تتجمع فيها مشاعر نفسية متناقضة لتمنحها هذه الغرابة الآسرة. فمن مشاعر الدلال والترف، ومشاعر الإعياء وقسوة الصحراء، يشكل هذا الشاعر صورته الفريدة، فإذا هؤلاء النساء بدلالهن وترفهن وإحساسهن العميق بزهو الصبا يتثاقلن ويتباطأن في مشيهن كأنهن سرب قطا يدّب فوق الرمال دبيباً، فكأنما أنهك أجنحته الطيران، وألجأه إلى ما هو فيه. يقول:

دبيبَ القطا في الرملِ يُحسَبْنَ لُغَّبا[175])

 

قصار الخطا تمشي الهوينا إذا مشت

وينبغي أن نتذكر أن الموروث الجاهلي كان مصدراً لبعض هذه الصور، ولا سيما صورة البقر الوحشي التي نراها في شعر قيس بن الخطيم، وصورة الإنسان الذي يطأ الوحل في سيره، التي نراها في معلّقة الأعشى "كما يمشي الوجي الوحل".

وتوقف الشعراء طويلاً يصورون كسل المرأة وفتورها ونعمتها، مما يدل على ما أصابه المجتمع من التحضر والترف، فقد استراحت النفوس، وتطلعت إلى المتعة والجمال، ولم تكن المرأة تجد ما يضطّرها إلى العمل وكسب الرزق، بل لم تكن مضطرة للقيام والمشي بمفردها على رأي الشعراء، بل كانت منعمة مدللة، تقوم الجواري على خدمتها وتدبير أمورها، وتفرغت هي للعناية بنفسها ومراقبة جمالها ومتابعة أخبار قلبها.

لقد أعجب الشعراء بالمرأة الكسول وفتورها وغنجها، فأسرفوا في الحديث عنها وفي تصويرها، وهم بذلك يقصرون أوصافهم على المرأة العربية تحديداً، لأنها وحدها التي استمتعت بهذه الصفات، وكانت سيدة أرستقراطية مخدومة مرفهة.

وعلى أية حال فإن نموذج المرأة الأرستقراطية هو النموذج الأنثوي الذي تغنى به الشعراء عامة. فيتحدث عمر بن أبي ربيعة عن مجموعة من النساء ويزعم أنهن من أسر كريمة عريقة، لم يعشن حياة الشظف والشقاء، بل رزقهن الله بسطة في الرزق والنعيم. يقول:

ولكنْ بالغضارةِ والنعيمِ[176])

 

عقائل لم يعشنَ بعيشِ بؤسٍ

وهذا الثراء الذي توافر لها جعلها كسولاً متثاقلة فاترة محببة لديه:

ثقالٌ متى تنهضْ إلى الشيء تفتُرِ[177])

 

من البيضِ مكسالُ الضحى بختريةٌ

ويردّد هذا المعنى في مواقف أخرى، فكأنه عالق بشباك امرئ القيس الذي أعجب بالمرأة الكسول، التي تنام الضحى "نؤوم الضحى"، وتفتر، فلا تقوم إلى أي عمل. يقول:

ونؤومُ الضحى وحَقّ كسول[178])

 

ربعةٌ أو فويقَ ذاك قليلاً

ويشير عمر إلى من يحيط بها من جوقات الخدم، والنساء المعنيات بشأنها، فلا يدعنها تبذل أي جهد، بل يسارعن للتخفيف عنها، والقيام بكل ما تريد:

من شدة البُهرِ هذا الجهد فاتئدا

 

لم تبلغِ البابَ حتى قال نسوتُها

صَبٌّ بسلمى إذا ما أُقعدت قعدا[179])

 

أَقعدْنها وبنا ما قال ذو حَسَبٍ

وكانت بينهن كأنها الصنم تؤدى له طقوس العبادة، على ما يراها عمر في قوله:

أحور المقلةِ كالريمِ الأَغَنْ

 

وغضيض الطرفِ مكسال الضحى

مثلما حَفَّ النصارى بالوثَنْ[180])

 

مرَّ بي في نَفَرٍ يحففُنْنَهُ

ولم يكن واليها وكفيلها بعيداً عن الاهتمام بها، فقد كفاها كل ما يهمها، فليست تضطر لإجهاد نفسها بأي شيء. يقول:

فليست لشيءٍ آخرَ الليلِ تسهرُ[181])

 

ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يُهمُّها

ويبدو عمر شديد الإعجاب بما توافر لها من النعيم والثراء منذ نعومة أظفارها، فهي فتاة منعمة قد اعتادت الرفاه والدلال، ولم يشقها البؤس أو الهوان مرة:

ولم يُخْلَطْ بنعمتهنَّ هونُ[182])

 

نواعم لم يخالِطْهُنَّ بؤسٌ

كما أنها خفيفة