|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:28 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل الثاني
جمال المرأة في الشعر الأموي
اعتمدت الصورة الجسدية للمرأة في الشعر الأموي اعتماداً
كبيراً على الموروث الجاهلي، الذي كان قد أسهب في وصف المرأة الجسد، على أنها شكل
في الطبيعة يعبر عن الجمال، فاستهل الشعراء قصائدهم، وفي أذهانهم هذا المثال
الآخاذ الذي يخشون عليه العبث أو التجاوز، فأعجب به شعراء العصر الأموي وقلّدوا
تقليداً كبيراً شعراء العصر الجاهلي في هذا الجانب من موضوعاتهم. واستقرت صورة المرأة موضوعاً للشعر عند طائفة من الشعراء،
فجعلها بعضهم موضوعاً كاملاً للقصيدة، وفي هذا بعض الانحراف عن الأسلوب الموروث، كما في شعر الحجاز الحضاري
وشعر الحب العذري، بينما استمرت مقدمة للقصيدة في شعر الغزل التقليدي إحياء
للمنوذج السائد في القصيدة
الجاهلية. ومن يتتبع بعض النماذج الوصفية التي تناولت المرأة في الأصول
الجاهلية يلاحظ غزارة المعاني الجاهلية في النموذج الأموي، فقد قلد الشعراء أمرأ
القيس تقليداً واسعاً، ودارت أوصافه وتشبيهاته في دواوين معظم الشعراء الأمويين
المشهورين منهم و المغمورين على حد سواء. وكان النقاد قد قدموا امرأ القيس على
طبقته كلها لأمور منها أنه ابتدع بعض الأوصاف في غزله "فشبه النساء بالظباء
والبيض"[1]) وأشهر صورة بل أقدم صورة وصلت إلينا، وتناولت
وصف المرأة كانت في معلقته، وقد شملت أوصافاً كثيرة، وبدت متعددة الألوان والأجزاء
والتفاصيل، واعتمدت على البيئة المحيطة به في تقريب الشكل الجمالي، وإبرازه بأحسن
صورة، وأصبحت هذه اللوحة مورداً عذباً للشعراء لابد لهم من وروده، والاستمداد منه
من أجل التشبث بشيء من الأصولية، والاستناد المطمئن إلى الموروث الثقافي، وتبدأ
الصورة بالكلمات الألوان كما يلي:
وأضحت النماذج الجمالية متشابهة، بل إن النموذج واحد، وصوره
متعددة. واستقر الجمال في "الوجوه النيرة، والمحاسن الرائعة المعجبة، والصور
المليحة الأنيقة، وحسن الخلق،ووسامة التصوير، واعتدال التركيب، واستقامة التدوير،
وسبوطة الشعر وجزالة الفروع، وجعودة الغدائر، واسترسالها على المتون كالأشطان،
ونجل العيون وحور الأحداق، وبرج المقل، وكثافة نسيج الأهداب، وخلوصها من المره، وانغماسها
في الكحل، وأسالة الخدود، وبهجة الصفحات كأن الماء يقطر منها، وامتزاج أحمرها
بأبيضها، وتورد الوجنات بصبغة الخجل، وتصوب مائها بصفرة الوجل، وتقويس الحواجب،
وتردد الأجفان بين الدلال والتفتير والغنج والتكسير، ولعس الشفاه، وصغر تقطيع
الأفواه، وأشر الثنايا، وشنب اللثات، وبرد الريق، وعذوبة المذاق، وسلامة النكهة،
ورخامة الصوت، ودلال الحديث، واندماج الخصور، ورقة الأوساط، وعبالة الأكفال،
وامتلاء المأزر، وخدالة السوق، وشطانه الأبدان، وري العظام، واكتناز القصب، ودماثة
الأكعب، وغموض المرافق وغوصها في ري المعاصم، والمأكمة الرابية والعجيزة
الوثيرة".[3]) واستمرت العناية بهذه التفاصيل والجزئيات في وصف المرأة،
فتناولوها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها بالدهشة والإعجاب والافتتان. وفتن الجميع
بالمرأة التي توصف بـ "الهِرْكَوْلَة اللّفاء، الممكورة الجيداء، التي يشفي
السقيم كلامها، ويُبري الوصب إلمامُها، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها
صبرت، الفاترة الطرف، الطفلة الكف، العميمة الردف"[4]).
وتمتدّ الأوصاف فكأن الكاتب يريد استغراق ملامح الجمال كلها
"الفتانة العينين، الأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرداح الوركين، الشاكرة
للقليل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام، الجماء العظام، الكريمة الأخوال
والأعمام، العذبة اللثام"[5]).
ويتقدم الزمن إلى عهد عبد الملك بن مروان الذي يروقه أن توصف
النساء له، فينصحونه بقولهم: "خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء
الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخدين، ضخمة الذارعين، رخصة
الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين، لمياء
الشفتين، بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق،
مكسرة البطن"[6])وكان المطلوب
في أذواقهم جميعاً النموذج الأنثوي الممتلئ، لأنه يتضمن رموزاً كثيرة منها
الرفاهية والغنى، وعدم استهلاك الجسد أو الصحة في العمل، وكذلك الإثارة وإشباع
الغرائز وكان هذا الوصف صورة من الجمال الذي يحلم به الشاعر ، ويجعل منه إطار
الحياة التي يحبها، إذ كانت المرأة ممثلاً للحياة في نفسه، فقد كان إطارها الخارجي
يمثل صورة الحياة المنشودة التي يحلم بها كل إنسان"[7]) فنجد عمر بن أبي ربيعة ينحت صورة للجمال تفتن الناظرين إليها
بحسنها الباهر، ولكنه لم يستطع أن يتجاوز موروثه الجاهلي في خطوطه وألوانه:
وفي تركيز الشعراء على الجانب الجمالي الشكلي تضمين مهم يبرر
تعلقهم بالمرأة، ويبين سبب هيامهم وفيض عواطفهم الانسانية الطبيعية التي تدل على
توازن النفس البشرية، على نحو ما نرى في قول المجنون الذي يخص عواطفه ببعض القول،
ويخصّ جمالها الحسي ببعضه، وهو -في الموطنين- يقول قولاً طيباً، ويكشف عن هذا
التوازن يقول:
ولاريب في أن تعلق الشاعر بحبيبته وجمالها يكشف عن فيض إحساس
عارم بالحياة واللذة والمتعة، وممارسة كل بهجة تبشر بحياة أرق وأحلى كما في تعبير
ذي الرمة الآتي:
وكانت الصورة في اعتقادي ذهنية متخيلة، إذ ليس من المعقول أن
تكون كل النساء على صفة واحدة، وقدر واحد من الجمال، ولكنه خيال الشاعر الذي يشكله
على قدر قالبه المرسوم، وها هو ذا نصيب الشاعر ويؤكد وظيفة الخيال في إسباغ صفات
الحسن والجمال على من يحب، وذلك عندما "طلب منه عبد الملك بن مروان أن ينشده
فأنشده:
فقال له عبد الملك: من هذه يانصيب، قال: بنت عم لي نوبية لو
رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه
عيناك"[11]). فهل هي وظيفة الفن إذاً الذي يحلم دائماً بتحسين الواقع
المعاش، ورفعه إلى المستوى الأفضل والأقرب إلى ذائقة الشاعر الفنان؟ فهذه التي لا
يشرب الماء من يدها بسبب سوادها وقبحها جعلها خيال الشاعر أجمل الجميلات، أهي
المصالحة التي يفرضها الفن؟ أم هي صورة الجمال المثالية كما كان يحلم بها الشاعر
الفنان منذ اشتعلت نار الغزل العربي أول مرة؟ ويبتدع الشعراء العذريون نموذج
الجمال الأسمى، هؤلاء الذين حرموا متعة الجسد، وراحوا يعوضون متعتهم الضائعة بمتعة
الإبداع الفني، فوصفوا المرأة وصفاً غريزياً يتشهون فيه جسدها، ويشبعون رغباتهم
المكبوتة عن طريق الشعر، ففي شعر المجنون تلوح الرغبة الجامحة في قوله:
ويحاول جميل إرواء غريزته عن طريق جسد المرأة الذي يصوره
تصويراً شديد الإثارة، عامراً بالفتنة. فالمرأة في شعره ممثلة بثينة الحبيبة تأتي
على هيئة طيف عطر يطرقه ليلاً، وقد نام الصحب، ومضى الليل إلا أقله، فيتأمّلُه
تأمّل المستعذب المحروم، ويثبت النظر على بعض مواطن الفتنة، وينشر ملء المكان
روائح الأقحوان والخزامى وندى الطل، ويضم هذا الشذا كله إلى حبيبته، فكأنه يريد
بذلك كله أن يحقق ضرباً من الإشباع العاطفي بمخاطبة الحواس شعرياً يقول:
ويعلن ابن ميادة عن رغبة جامحة تفرغ عاطفته المكبوتة، وتعبر
عن حرمانه عدداً من الفضائل التي يحلم بتعويضها، فيحاول تعويضها عن طريق المرأة،
وهو المولى الذي يرى غيره يحصل على المتع واللذات بسهولة ويسر) فيحلم الشاعر
بالمرأة التي سيقبض من متعها قبضاً، يأخذ منها عنوة كل ما حُرمه، على أن الشائع في
أقوالهم في مثل هذه المواقف، الملامسة والمس الرقيق، يقول:
فهل هو يؤكد ما ذهب إليه الدكتور عبد القادر القط عندما قال:
"كان الوصف المادي لمظاهر الجمال انعكاساً لأوضاع اجتماعية".[15]) ولماذا لا يعوضون عن الواقع الذي قد لا يرضي بصورة بهيجة
تشيع الفرح، وتمكن من اللذة في بعض جوانب الحياة؟. ولكن هل ينطبق هذا القول على وصف الوليد بن يزيد؟ وعن أي
واقع عبر عندما وصف المرأة الجميلة؟ إن الوصف الجمالي قليل في ديوانه إذا ما قيس
بالمقطوعات التي تعبر عن العواطف الإنسانية المجردة، ومع ذلك فإن هذا القليل قد
تكون له دلالة ما، يقول:
وأعتقد أن التعويض الذي قصده بهروبه إلى المتعة واللذة في
المرأة والخمر كان بديلاً عن رفض المجتمع لسيرته القاصفة وسلوكه الغريب!! ويعترف لاحقاً أنه أشبع نفسه من لذات الحياة، واقتنصها على
رغم أعدائه، وأي لذة أفضل مما تحققه رفقة الكواعب الجميلات اللواتي أنسينه إخفاقه
في كل شيء إلا من الحياة المترعة باللذائد والنعم:
ولما كانت المرأة مجالاً رحباً للحبور والسعادة رأينا
الشعراء يتمسكون بها، ويصرون على التعبير عن متعهم التي يحصلون عليها بسبب جمالها
وإثارتها، فالمتوكل الليثي يجسد جمال المرأة في عدد من قصائده، وفي كل مرة يكون
احتفاله بمحاسنها كأنه يراها أول مرة فتمتعه بها لا ينتهي، كما أن جمالها متوهج
دائماً:
وهي صورة حركية يسجل الشاعر فيها قيامها ومشيتها وجلوسها،
ويرصد كل ما يصدر عنها، وكأنه يريد الإلمام بكل جوانب الصورة، فكانت أجمل الأوضاع
لأجمل النساء. ويستدير مرة أخرى إلى وصف الجسد الفتّان الذي يخلب العقول
بحسنه ويربط بين جمالها وأثرها النفسي في من يراها، ويصوّر مواطن الفتنة فيها.
يقول:
ويظهر تأنيه وعنايته في تناولها، ومس كل جزء منها. ولكنه كان
في معظم أوصافه يكرر نموذج الجمال السائد، ويعود للقول فيها، كما في قوله:
ولم يستطع الشعراء التقليديون الإفلات من نموذج الوصف
الجمالي السائد، وكان الأخطل أكثرهم تقليداً وعبودية للقديم، ويخلو وصفه من فسحة
الخيال، فيمزج إعجابه بشكلها الخارجي مع ملامحها النفسية الأخلاقية. يقول:
ويتكرر الوصف الحسي الذي ينم على خيال غريزي في دواوين بعض
الشعراء، وكل يعبر عن خيبة ما في حياته ترتد في خياله شهوة لابد أن تروى. فهذا
العرجي، يؤكد شدة استمتاعه بمجموعة من النساء المحصنات، ويصرح في وصفهن بأنهن من
المحصنات الحرائر. وأعتقد أنها ردة فعل نفسية لما كان يعاني منه في مجتمعه، فلم لا
ينتقم من هذا المجتمع الذي أخذه بالشدة مرة وبالإهمال مرة أخرى؟ لماذا لا ينتقم
منه بالتمتع بنسائه المصونات المحصنات؟ يقول في ذلك.
ويذكر مرة أخرى أنه تمتع بثغورهن جميعاً، وقضى معهن أمتع
أوقاته، ولم ينس أن ينعت جمالهن الحسي المألوف، فأي تمثل للخيبة أكثر من هذا الذي
هو فيه؟ يقول:
وكان يرى أن جمالها لا يقاوم، فهو يسحر عقول الرجال، ويأخذ
بقلوبهم لما يفيض عنها من عذوبة وأنوثة وإثارة، وهو في ذلك كله ينعت محاسنها
الجسدية دون أن يفارق المعايير السائدة قيد أنملة، يقول:
ولم تكن هذه الأوصاف أو هذه المشاهد التي تحدث الشعراء فيها
عن فوزهم بالمتعة مع من يحبون لتثير غضاضة في المجتمع الحجازي، إلا في حالات يخرج
فيها الشاعر عن تقاليد الصون والأعراف، فيؤخذ بالشدة كما حدث للعرجي والأحوص. لقد صقلت الحضارة الناس، وهذبت أذواقهم، ورفعت من مستواهم
الثقافي، فنظروا إلى أقوال الشعراء هذه- مع وجوب الإشارة إلى قلتها- على أنها
تجارب خيالية قصد بها الشاعر إلى امتاع مستمعيه، وإثارة إعجابهم وشد أسماعهم في
أغلب الأحيان. والحق أن تجارب المجاهرة بالرذيلة، والغوص في ذكر التفاصيل
الجنسية تكاد تغيب عن معظم الشعر الغزلي في العصر الأموي، لأنه كان وسيلة تعويض
وألهية يشغل بها الشاعر نفسه وفراغه، وقد تكون إسقاطاً لوضعه النفسي والاجتماعي
لكن من غير انحدار أخلاقي نحو المحرمات على حد تعبير الدكتور يوسف خليف عندما قال:
"فالمسألة تدور حول الإعجاب البريء، واللذة الحسية المجردة من نوازع الجنس
وغرائز النوع، وهو إعجاب يدفع صاحبه إلى محاولة دائبة للظفر بالمرأة الجميلة"[25]) وكان هؤلاء الشعراء يصدون في سلوكهم عن تأثير عاملي الدين
والدنيا في نفوسهم كما ذكرت في غير هذا الموضع، بالإضافة إلى تأثرهم بما يسود
مجتمعهم من سياسات وأساليب معيشة انعكست في تصوراتهم وأفكارهم فكان الحب عندهم
تعويضاً والمرأة ملاذاً. لقد رأوا في حبها النعيم، وفي جمال جسدها اللذة المفقودة،
وخارج مشاهد التشهّي والفوز باللذة التي مضت، أكثر الشعراء من التركيز على مظاهر
الجمال في القد واللون والوجه وما يحتويه من خدود وعيون وشفاه إلى كل التفاصيل
الأخرى. ورأوها بعين المحب، فخلعوا عليها أحسن الصفات التي سنلم بها
فيما يلي: عبروا عن ترف المرأة التي يصفونها، وأشاروا إلى ما تنعم به
من ألوان التحضر والرقي بالتغني ببشرتها الرقيقة الناعمة التي قد تتجرح وتدمى من
كل ما يلامسها مهما كان حجمه ونعومته. وتراوحت صورة البشرة الناعمة في قالب واحد
يكاد لا يتغير عند عدد من الشعراء الأمويين، فهي عند عمر بن أبي ربيعة:
ويبالغ في الصورة ذاتها مرة أخرى فيجعل صغار النمل تجرح
جلدها من فوق ثوبها:
وأعجب عمر بهذه الصورة على ما يبدو فلم يستطع الخروج من
إطارها، فألمّ بها مرة ثالثة:
كما صوروها بيضاء اللون تشوبها صفرة لأنها لا تخرج من البيت
للعمل، فهي مترفة مخدومة منعمة كما يحلو لعمر أن يراها:
ويكرر هذا المعنى ويشير إلى بعض سلوكها وأخلاقها:
ولم يكن عمر وحده الذي أعجب بلون النساء هذا، بل كذلك كان
الأحوص الذي يقول:
ويشير هدبة بن الخشرم إلى لون محبوبته فيقول:
ويشير ابن ميادة إلى لونها الأصفر المحبب وبعض محاسنها
الأخرى فيقول:
ويمتزج البياض بالصفرة في بشرة المرأة التي يخصها العرجي
بهذا الوصف:
ويستلمح ذو الرمة صاحبة اللون الأبيض المشرق الذي يمتزج مع
مجموعة ألوان أخرى في وجهها كالسواد في عينيها، والسمرة في شفتيها، فيقول فيها:
وأركان الجمال في أشعارهم متعددة وواضحة تعدد أجزاء الجسد،
فقد لفت رأس المرأة بما فيه من أعضاء الحواس المختلفة اهتمامهم وقلوبهم، فتوقفوا
طويلاً يتأملونه، ووزعوا اهتماماتهم بين العيون والفم والخدود والضفائر. وسحرتهم العيون فأطالوا الوقوف في محرابها يؤدون لها طقوس
السحر والتقديس أو ما يكاد يكون كذلك في هذا المجتمع الذي تكون عيون النساء فيه
اختصاراً للوجود كله، وجود المرأة في عينيها، إذ بهما تطل على العالم، وفيهما بريق
الاتصال مع من حولها، وفيهما ومض الحب والدلال، وفيهما اختصار لجسدها المخبأ وراء
حجاب كثيف. إنهما بوح الجسد والروح، بل هما السحر ذاته، كما في قول ذي الرمة:
بل لهما أثر الخمرة في العقول:
وأكثر من تشبيه عيونها بعيون البقر الوحشي في اتساعها وشدة
سوادها:
ويكرر المزج بين جمال عيونها وجمال طبيعة المكان من حوله،
ويخص البقر الوحشي بالمقارنة في قوله:
ويخص عيون خرقاء بهذه الصفات الرائعة فيقول:
وتتمتع حبيبة العرجي بَحَورٍ محبب في عينيها، وهذه الصفات من
أهم الصفات الحسن والجمال في العيون التي يشتد لون سوادها مع شدة لون بياضها،
فيختلط بريق اللونين ويزيد من السحر والتأثير:
وبهما أصابت حبة فؤاده لا بقوس ولا سهم ولا نبل، فيشهد
لعينيها الفتنة والدهاء في قوله:
وكانت عيناها هدية من إحدى الظباء الفتية النضرة التي لا
تقاوم على ما يرى العرجي:
ولم يستطع الخروج من دائرة هذا التشبيه، وبقي يلح عليه كلما
ذكر جمال عينيها:
ويتحدث الأخطل عن العين النجلاء التي يقتل حسنها، يقول:
واعتنى الشعراء كثيراً بجزئيات الفم وما يحتويه من شفاه
ولثات وأسنان وريق وعذوبة وطيب نكهة، وكان كل ذلك معرض حديث وصور في ديوان عمر بن
أبي ربيعة، يجمع فيه صوراً لأفواه كل الجميلات اللواتي عرفهن، وأثنى على أفواههن
بمجموعة هذه الصفات التي سنستعرضها، يقول في ثغر هذه الفاتنة:
وتسيطر نكهة الخمر وأثرها على صفته لريقتها التي يسقي منها
أطيب الشراب:
ويسترسل في صفة ريقها العذب، ويعدد أنواع الطيب الممزوجة
التي تشبه نكهتها:
ويبقى عمر تحت تأثير هذه الصورة، فيكرر أركانها المكونة من
العنبر والقرنفل والزنجبيل والعسل والخمر المعتقة في صفة ريقها، وطيب نكهتها،
وتمتعه بكل ذلك:
ويزعم - كما زعم أسلافه الجاهليون- أن ريقتها طيبة المذاق،
جميلة النشر بعد النوم حين تتغير طعوم الأفواه وروائحها!! بل إن فاها جرت عليه
سلافة الخمر وذوب الشهد والزنجبيل وقارورة المسك. يقول:
ويكرر هذا الزعم، ويجعل ريقتها هذه المرة مسكاً وماء بارداً
شديد البرودة، يقول:
ويسبيه جمال الأسنان وتفليجها، فيلفتنا إلى نظافتها وثرائها
وعنايتها بهذه الأسنان، فهي تجلوها بمسواكها فتزيدها بياضاً فكأنها الأقحوان غبّ
مطر جلاه وزيّنه وحسّنه: يقول
ومن أجزاء الوجه التي توقفوا عندها على عجل كانت الأنوف
الشماء في وجوه حسناواتهم. فالنابغة الشيباني يحدد شكل الأنف الجميل الذي أعجب به
فيقول: مرض
العيونِ ولم يعلَقْ بها مَرَضٌ شمُّ
الأنوفِ فلا غِلْظٌ ولا فَطَسُ[53]) فالأنوف المرتفعة الدقيقة التي ليست غليظة هي التي أعجبت
الشعراء. ويعود النابغة الشيباني إلى وصف الأنف مع أجزاء أخرى من جسدها الجميل،
فيقول:
ويعجب عمر بن أبي ربيعة بتقويس أنفها، ونعومته، وحسن
ارتفاعه، فيقول:
ويتأمل ذو الرمة أنف صاحبته، فيذكر جماله، ويشير إلى أنها
دهنته بالعطور عندما ثنت النقاب على طرفه، فيقول:
ويكرر ذو الرمة أنها كانت تعطر أنفها، وتطليه بأنواع مختلفة
من الطيوب:
وكان عمرو بن أحمر الباهلي قد أشار إلى حاجبيها وذكر
امتدادهما، وجمال تقوسهما كأنهما رسما بالقلم رسما:
ونقل الشعراء نظرهم في وجوه حبيباتهم فشبهوها بالشمس والقمر
في بهائها وحسنها، بل إن بياضها وإشراق وجهها ينزّل المطر ويخطف بصر كل من ينظر
إليها، كما في قول عمر بن أبي ربيعة:
وتأمل وجه واحدة أخرى فرآها تشبه البدر، وتبهر من ينظر
إليها:
وثالثة تشبه الشمس أيضاً في سطوعها وبهائها:
ولا يكاد ينفك عن إحدى هاتين الصورتين- صورة الشمس وصورة
القمر- في وصفه لجمال وجهها، فهو يبدي فيهما ويعيد لكأن الطاقة الفنية لكليتهما لا
تعرف النفاد. يقول في رابعة:
وعندما كشفت عن وجهها تريد أن ينظر إليها، ويتأمل حسنها لم
يجد أجمل من تشبيهه الآنف الذكر:
وللشعر أيضاً أسطورته الخرافية في السحر والإثارة، وإلاّ فما
معنى هذا الحجاب الكثيف الذي يغطي الشعر ويحجبه عن كل العيون؟ وما هذه الحرمة التي
تعظم ظهور الشعر وانكشافه، وتذهل الرجل عن كل مصائبه ليداري عن صاحبته انكشاف
شعرها، كما حدث مع الخليفة عثمان بن عفان على ما يروي صاحب الأغاني "فعندما دخلوا
دار عثمان لقتله نشرت نائلة شعرها، فقال لها عثمان خذي خمارك، فلعمري لدخولهم علي
أعظم من حرمة شَعْرك"[63]) واستخدم الشعر أيضاً في تثبيت حادثة كان لها أثرها العميق في
الأحداث السياسية في العصر الأموي وذلك عندما "ادعى معاوية قرابة زياد بن
أبيه، بعد أن كان المغيرة بن شعبة أشار عليه بذلك. وكان زياد عزم على قبول الدعوى،
وأخذ برأي ابن شعبة. أرسلت جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها معاوية فأتاها،
فأذنت له، وكشفت عن شَعرها بين يديه وقالت أنت أخي"[64]) وهام الشعراء بالشعر الأسود الطويل، وتاهت عيونهم بانسداله
وظلاله على الجسد الجميل، وأثار عندهم أعذب الأحلام، وعثروا في طياته على بعض ما
يريدون من ملاذهم المفقود. فيتحدث العجاج عن هذه المرأة التي سبته بشعرها الفاحم المسرح
الجميل بقوله:
ويؤكد أن شعرها الجميل يسبي الرجال بطوله وكثافته وتسريحته:
ويبرز أيضاً عناية صاحبته بشعرها، وقيامها على دهنه وغسله
باستمرار:
ويشير القطامي إلى عناية صاحبته بشعرها الأسود ودهنه، ويعد
ذلك دليل ترف وثراء ونعمة:
ويثني النابغة الشيباني على شعرها المرسل والأسود الطويل في
قوله:
ويلتفت العديل بن الفرخ إلى شعرها الفاحم الجعد الذي يعجبه،
فيقول:
ويغرم العرجي بشعرها الكثيف الأسود الذي يشبه ركام العنب في
قوله:
وهو طويل مسترسلُ يغطي عنقها أيضاً:
وإذا ما أسدلته على كتفيها فكأنه الأفاعي السوداء:
ويظهر ثراء صاحبة عمرو تفننها في زينة شعرها، تسريحاته
المختلفة بين مضفر ومرسل وغيرهما:
ويؤكد أن شعرها الجميل قد سبا فؤاده فهو في ذهول وافتتان،
ولا يقوى على النسيان يقول:
فإذا فرغ هؤلاء الشعراء من الحديث عن وجوه حبيباتهم وشعورهن
بعد أن قالوا فيها أطيب النشيد صاروا إلى أجزاء أخرى أكثر إثارة وفتنة. وسرعان ما
انحدرت عين الشاعر لتتأمل جيد صاحبته، فاسترسل في صفة عنقها الطويل الجميل الأبيض
المزين، كما رآه ذو الرمة:
ويشبه جيدها الطويل بجيد ظبية أفزعت فمدت عنقها تستطلع
الآمان من حولها في قوله:
ويذكر أيضاً أن أعناق الفتيات الجميلات اللواتي يشبهن
الغزلان السارحة يصبن بها من يراهن فيصرعنه بحسنهن:
ويدور عمر بن أبي ربيعة في الدائرة نفسها عندما يصف جيد
صاحبته فلا يجد سوى جيد الغزال يمكن أن يضاهي جمال جيدها، لكنه يضيف إليه الزينة
فيقول:
ويعود سبب جمال جيدها إلى أنه هدية من ظبي فتي جميل كما
يقول:
ويكني عن طول جيدها بقوله:
ويحاول ابن قيس الرقيات أن يصف جيدها، فلا يفتح الله عليه
إلا بمثل أوصاف السابقين فيقول:
وفي شعر جميل بن معمر نقرأ الصفة ذاتها تقريباً، ولكنه يحدد
أنها غزالة بيضاء جميلة ذات ولد، فيقول:
ويذكر المجنون أعناق النساء الجميلات، فيشبههن بأعناق
الغزلان أيضاً في قوله:
ولا يزيد على هذا التشبيه عروة بن أذينة في قوله:
ويلحق عمرو بن أحمر الباهلي بالسابقين في صفة جيدها عندها
يقول:
وكذلك يفعل هدبة بن الخشرم عندما يقول:
ويفلت كثير من قبضة هذه الصورة، فيشبه جيدها البراق بالسيف
الصقيل المتلألئ في قوله:
وتردد الشعراء الأمويون كثيراً في تناول نهدي المرأة ووصفها،
فمنهم من تجاهل وصفهما ومنهم من لمحهما على عجل، فلم يستغرق وصف النهود خيالهم
وعنايتهم كما استغرقتهم أجزاء الجسد الأخرى، فكان كثّير يلاحظ نهود ثدييها، ويترقب
نموها واكتمال أنوثتها على عجل عندما قال:
أما المجنون فكان أكثر تريثاً في وصف نهودها حيث يقول:
ويمر النابغة الشيباني بذكرهما مروراً سريعاً في قوله:
ويطيب للأخطل أن يشبه نهود النساء بنواعم الرمان، يقول:
واستقرت عيون الشعراء على الخصور الضامرة التي تجعل الأوشحة
قلقة حيرى لا تعرف أين تستقر، وشكلت عبارة "غرثى الوشاح" لوحة تعبيرية
عامة لجمال الخصور تشي بمضامين نفسية كثيرة لدى الشعراء، فالعرجي يستمد من ايحاء
هذا التعبير ويقول:
وتبدو في شعر الحارث بن خالد المخزومي:
ويكرر وصفه مرة ثانية بقوله:
وهي من ليونتها وضمور خصرها يكاد الحارث يطويها في يديه كما
يطوي حمالة سيفه:
ولا يخرج الشمردل اليربوعي عن هذه الصفة عندما يريد وصف
خصرها بقوله:
ويعجب المجنون بالخصور النحيلة الرقيقة ويعبر عن هذا بقوله:
ويشير الصمة القشيري أيضاً إلى خصرها الدقيق في قوله:
وهي "غرثى حيث تعتقد الحقابا" في شعر عمرو بن لجأ
التميمي[100]) وعند عمر
بن أبي ربيعة "غرثان موشحها"[101])كما
أنها "لطيفة الخصر"[102])وهي
عند النابغة الشيباني "وشاحها قلق"[103]) ويبدو حديث الشعراء عن "الخصور الدقيقة" مرتبطاً
بحديثهم عن "البطون الضامرة"، ودالاً عليها، فقد أكثروا من الإشارة إلى
البطون الخمصانة الهضيمة الضامرة. ولم تقع عين واحد منهم إلا على البطون المخطوفة
من شدة ضمورها وخمصها، أو الخصور الهيفاء، فجمالها الباهر عند عمر بن أبي ربيعة
يأتي من كونها:
ويعجب مرة أخرى بهضيم الحشا في قوله: "هضيم الحشا حسانة
المتحسَّر"[105]) ويعجب بوصف الأعشى لإحدى صواحبه، ويكرر صفته بألفاظها ذاتها
تقريباً في قوله: "هيفاء قباء مصقول عوارضها"[106]) وتمتعت صاحبة العرجي أيضاً بضمور عجيب، وبدت كالمهاة
الرشيقة:
ويلم مرة أخرى بجمال بطنها الهضيم في قوله:
وكان الحديث عن ضمور الخصور وخمص البطون موظفاً توظيفاً
جمالياً آخر قصد منه إبراز الأرداف الممتلئة، موطن الجمال ومكمن الإثارة في أشعار
الشعراء، فقد أجمعوا على أن المرأة الجميلة يجب أن تتمتع بأرداف ضخمة مرتجة كأنها
الكثبان الصغيرة المتراكمة حتى بدت الصورة قاعدة عامة أومعياراً جمالياً ثابتاً من
خرج عليه فقد خرج على الذوق الأصيل والمعايير الجمالية السائدة، يقول ذو الرمة في
وصف أردافها، ويشبهها بالتلة الصغيرة من الرمل:
وتفصح الصورة ذاتها عن ذوق "ذي الرمة" فيبدو شديد
الإعجاب بالمرأة التي استوفت العناصر الجمالية، فهي هضيمة الحشا، ضامرة الخصر،
ضخمة العجيزة ممتلئة العظام:
ويبدو عمر بن أبي ربيعة مقيداً بذوق عصره، وبما فرضه تراثه
من خطوط الجمال العامة، فإذا هو كالآخرين يرى صاحبته غادة خمصانة ريّا الأرداف،
فيتأملها بعين المعجب المتلبّث حيث يقول:
وكان قد تأملها عندما رحلت، فعلقت بذهنه صورة مؤخرتها
الضخمة، فقال فيها:
ورأى عجيزتها في مشهد آخر كأنها قمة الجبل، بسبب ضخامتها
وامتلائها:
وكانت أعجاز النساء الضخمة تميل سيرهن، فتبرز صدورهن
الجميلة، وأعناقهن الطويلة في قول العرجي:
ويشير عروة بن أذينة إلى عجيزتها المرتفعة التي تعجبه
بامتلائها وضخامتها، يقول:
كما أن هذه العجيزة الضخمة تجعل حركة صاحبته ثقيلة متأنية في
قوله:
وفي مقابل هذا الإعجاب الشديد بالمرأة الممتلئة الضخمة
الأوراك والأرداف، كانت المرأة الرسحاء مجال سخرية وهجاء. والمرأة الرسحاء هي
المرأة التي تكون عجيزتها غير بادية أو ظاهرة لنحافتها وضعفها. وكانوا يعييرون
النساء بالتدليس، وهو تغطية هذا العيب بارتداء بعض الملابس التي قد تساعد على
إخفائه، وقد أشار جرير إلى ذلك بقوله:
أي أنها لا تحتاج إلى أن تدلس جسمها بما يخفي عيوبها، لأنها
خلقت جميلة مكتملة، فالمرغوب فيها في رأي جرير من كانت عجيزتها مثل الكثيب الذي
تزيده الريح ارتفاعاً بما تجلبه له من الرمال فيبدو أكثر ارتجاجاً وثقلاً.
وكانت الريح عامل إثارة شعرية وجمالية، فعندما تهب تلتصق
الملابس بالأجساد الجميلة، فتفخر الممتلئة المكتنزة، وتخزى الهزيلة. يقول جميل بن
معمر:
ويؤكد كثيّر المعنى بقوله:
وقد أسرف الشعراء حقاً في تصوير الأرداف والحديث عنها، وهم -
على اختلافهم وكثرة أحاديثهم- يصدرون عن ذوق جمالي واحد لا يتغّير[121]) وتأمل الشعراء ساقي المرأة، وغرقوا في مواصفات الجمال
والفتنة، وفصلوا في أجزاء الساق من أخمص القدم إلى أعلى الساق، واستكثروا من
الصور، وكانت النتيجة الإجماع على جمال السوق الممتلئة البيضاء الغضة التي تشبه
الغصون النضرة الخضراء، مع الإشارة إلى ما يحيط بالساق من حلي وزينة. فلنبدأ من القدم كما بدأ عمر بن أبي ربيعة، فهو ينظر إلى
قدميها، ويعجب بكعب رجلها الدقيق الناعم:
فالكعب إذاً يجب أن يكون دقيقاً غير ضخم ولا ممتلئ بعكس
أجزاء الساق الأخرى، فعندما نرتفع قليلاً إلى موضع الخلخال يحسن الامتلاء دائماً،
فجمال الأرجل أيضاً موزع إلى جزئيات تتراوح بين الضمور والامتلاء، كما في كل أجزاء
الجسد الأخرى، يقول عمر أيضاً في موضع الخلخال:
ويعجب عبيد الله بن قيس الرقيات في ساقي صاحبته اكتنازُهما
باللحم في موضع الخلخال:
ويستملح العجاج هذه الصفة، فيقول:
ويتأمل الصمة القشيري صاحبته، فتستقر عيناه على فخديها
اللفاوين كأنهما ناقة تحتال بهما وتتمايل:
ويشير الحارث بن خالد إلى فخديها اللفاوين أيضاً في قوله:
ويشير جرير أيضاً إلى عظامها الممتلئة النضرة التي أخرست
خلاخلها في قوله:
ويعلن العرجي إعجابه بساقها الريّا الممتلئة في قوله:
وظفرت الأيدي باهتمامهم، واتفقوا كما في وصف الأرجل على جمال
الأيدي الممتلئة البيضاء، والأنامل الغضة المزينة بالخضاب الأحمر القاني، فنقرأ في
شعر لأبي دهبل وصفه للمعاصم الريا التي تشبه النبات في طراوتها ونضارتها وجمالها:
ويشير الفرزدق إلى معصمها الريان النضر في قوله:
أما العرجي فيذكر مفاصلها الممتلئة التي لا تظهر عظمها:
ويشير ابن ميادة إلى مرافقها الممتلئة في قوله: "في
مرفقيها إذا ما عونقت ججم"[133])
ويذكر عمر بن أبي ربيعة بنانها الغض في قوله:
وسجّل الشعراء أيضاً حركة الأيدي، وميّزوا وظيفتها في
التعبير عن الحب عندما تستخدمها النساء في بعض المواقف التي يكون الكلام فيها غير
مباح، فتصبح حركة اليد أبلغ من الكلام والعيون، كما حدث مع المجنون في قوله:
ويسترجع العرجي مشهد وداع فيقول:
ويشير أبو دهبل إلى مثل هذا بقوله:
ويصور عمر بن أبي ربيعة صاحبته، وقد فجأها بالدخول إلى
خبائها فخافت:
وكانت أكف النساء وسيلة اصطياد أيضاً كما رآها النابغة
الشيباني:
وكان ليدها مع عدي بن الرقاع وظيفة أخرى عندما قال:
أما العديل بن الفرخ فلم يكن ليدها من وظيفة عنده سوى التحية
ساعة الفراق:
ويؤكد يزيد بن الطثرية أن أناملها الغضة تشفيه مما هو فيه
عندما قال:
ولكن هذا الاستغراق في الجزئيات أو التفصيلات لا يحول دون
النظرة الشاملة وتأمّل القامة الطويلة الممتدة. فعندما حاول ذو الرمة تأملها، رآها
طويلة الظهر ممشوقة القوام في قوله:
وقسم قامتها إلى قسمين وقال فيها:
ويراها الأحوص طويلة ممشوقة، كلها حيوية ونشاط:
أو مجدولة القامة غير مترهلة كأنها الحبل المفتول:
وكانت كالرمح الممشوق في شعر جميل:
ويلاحظ قارئ هذا الشعر أن الصورة العامة للقامة لم تسلم، فما
أكثر ما قسمها الشعراء إلى أجزاء من أجل إشباع الإحساس والتعبير عنها بأحسن
الصفات. فالمجنون يرى قامتها الرشيقة، لكنه يجزئ هذه القامة إلى
مجموعة أجزاء، ويقول في كل جزء منها:
وشطر عمر بن أبي ربيعة قامتها شطرين في قوله:
وينظر العرجي إلى قامتها، فيراها كالغصن النضر الندي:
ثم عاد، ففصل أعلاها عن أسفلها في قوله:
ويرنوا إليها هدبة بن الخشرم، فإذا هي:
ولا يكاد يختلف الطرماح عن هدبة، وهو يتأملها مقبلة مدبرة،
يقول:
وبدت تهتز من تحت الثياب كأنها الغصن النضر في شعر المجنون:
لكنه يجزئ المشهد في موقف آخر، فيقول:
لقد اكتملت صورة الجسد المثال. سوّاها هؤلاء الشعراء
بأيديهم، وبرّؤوها من كل نقص أو عُوار، وما زالوا يعيدون النظر فيها، وينقّونها من
الشوائب حتى استوت في أحسن تقويم، قطفقوا يطوفون بها عن قرب وعن بعد، ثم لم يلبثوا
أن أضافوا إليها بعض الإضافات لتزداد بهاءً وإشراقاً. لقد أضافوا إلى هذا الجمال
الأصيل ما جعل الصورة حية نابضة. تحدثوا عن المشية المتبخترة عند النساء، وأشاروا
إلى الكسل المحبب المتضمن للدلال والغنج، والذي يقتضي منهن النوم حتى ساعة متأخرة
من النهار، ثم أحاطوا الصورة بذكر من يقوم على خدمة المرأة من أتباع وخدم وجوار،
وبذلك اكتملت الصورة الساحرة التي سيطرت على ذوق الشاعر العربي حتى فترة متأخرة من
عصورنا الأدبية. وهم حتى في هذه الإضافات الحضارية كانوا يكرون موروثهم الثقافي،
ويحلّونه في أشعارهم. ووجد الشعراء في مشية النساء مجالاً رحباً للخيال الذي يرصد
المرأة وهي بعيدة عن مرمى النظر، فأكثروا من وصف مشية النساء كثرة مدهشة إذا ما
قيست بوصف جمال الجسد، بل أستطيع أن أقول: إن متابعة الشعراء لأسراب النساء وهن
يمشين فاقت رصدهم لمفاتنها الجمالية. ولم يقلّ الحديث عن كسلهن ونعمتهن ورفاهيتهن
عن الحديث عن مشيتهن وتصويرها. حقاً
كان شعراء الجاهلية يتحدّثون عن هذه الأمور جميعاً ويصفونها منذ امرئ القيس، ولكن
هذا الحديث أو التصوير كان قليلاً جداً، إذا ما قيس بحديث شعراء العصر الأموي.
ولعل سبب ذلك فيما أعتقد -يرجع إلى النقلة الحضارية التي شهدها هذا العصر، فأنا
أعتقد أن خط التطور الحضاري بدأ ينزاح في نفس الشاعر الأموي، ينزاح قليلاً عن خط
الموروث الثقافي، ويؤكد إعجاب الشعراء بالنموذج الحضري المترف للمرأة. إذ لا يمكن
أن نحظى بصورة امرأة فقيرة، عاملة، متعبة، إلا في صورة هجاء، ولا يمكن أن تكون كل
النساء في المجتمع الأموي أو أي مجتمع على حظ واحد من الترف والنعمة والثراء، ولا
أن تكون كل النساء على قدر واحد من الجمال والسحر. فهل هي الرؤية الفنية التي
تنزاح عن الواقع وتفترض هذا الجمال الآسر والدلال الفتّان؟ هل هو الشعر الذي يفترض
ويقترح ما يجب أن يكون؟ والشعراء إذ يصفون مشية النساء المتبخترة المتمهلة يحركون
الجسد الجميل الذي صنعوه بكلماتهم الملونة، فيتكامل جمال الصورة وجمال الحركة،
ويتعانقان في انسجام بديع، ويكوّنان هذا المشهد الخلاّب. فهن في تمايلهن يشبهن
العيدان الطرية الناعمة التي تهزها الريح بلطف ورعاية في قول جرير:
ويرصد الفرزدق حركتها المتأرجحة المتثاقلة في تثنٍ آخاذ لا
يخلو من تكاسل وفتور:
ويقرن الأخطل مشيتها بمشية النوق المتبخترة عندما تسمع هدير
الفحل ينادي عزيزتها، فتزيد من تيهها وتمُّيلها لعلمها أنها تقع من نفسه الموقع
الذي تريد:
ويضيف إلى المشهد ذاته بعض مكونات الصحراء، فتعرقل مشية هذه
الإبل بالرمال المنهارة من الكثبات المنتشرة في المكان حولها:
ويحوّر العرجي المشهد السابق بعض التحوير، ويزيد فيه، فيزيده
رقة وجمالاً، فيشبه مشي النساء بمشي البقر في الرياض المعشبة الساحرة، في قوله:
ويوفق العرجي في صورة أخرى ترصد مشية النساء وتمايلهن مثل
المها المذعورة الخائفة، وفي استخدامه للفعل "يمرن" اختصار للصورة
الحركية بكل أبعادها:
ويستغرق مشهد المشي خيال العرجي مرات متعددة، ويقلّب فكره
وموروثه، فلا يستطيع الابتعاد كثيراً عما درج عليه الشعراء في مثل هذه المواقف، من
ربط صورهم بمكونات البيئة البدوية الصحراوية بحيوانها ورمالها، فهو يصور تهاديهن
كتهادي بقر الوحش في الرمال. يقول:
ويصف مشيتهن عندما جئن إليه متثاقلات متكاسلات كأنما هنَّ
قطيع الخيل الذي اشتبك بقطيع من الماعز، وحاذر كل على نفسه الضرر في محاولته
التخلص من الاشتباك، يقول:
ويبالغ العرجي في وصف تمهلها وتأنيها وتقارب خطوها في
مشيتها، وينفي أن يربكها أو يعجّل خطوها أي أمر مهما بلغت أهميته، وجلّ شأنه.
يقول:
وحاول جرير أن يحوّر صورة الخيل بعض التحوير، لكنه ظل
مشدوداً إلى ما هو سائد فشبه مشيتها بصغير الخيل الذي لم ينتعل بعد، ولم يزل لا
يقوى على النهوض بقوائمه الضعيفة:
وصنع المجنون مثل ما صنع جرير، قال: "كواعب تمشي مشية
الخيل في الوحل"[166]) وهي في فتورها وضعفها تشبه ضعيف الحيوان الذي لم يشتد بعد في
تشبيه لعمر بن أبي ربيعة:
واستطاع كثّير الخروج من دائرة الحيوان إلى الماء، وكان
لمشهد المشي في ذهنه بعد أخر، عندما شبه مشيتها المتثاقلة بتدافع السيل إذا تلقاه
الوادي عند منعطفه:
ومشيتها في صورة العجاج أيضاً كأنها تدافع المياه في الجدول
الرقراق المنساب في استرخاء وهدوء. يقول:
وألم بالصورة
نفسها عمر بن أبي ربيعة وقال:
وترتبط صورة مشية المرأة في خيال الشاعر ومشاعره بصورة
الأقدام وهي تدوس الوحل، كما عند الكميت:
وقريب من الماء والوحل تشبيه عمر لمشيتها بأغصان النباتات
المتمايلة الطرية، لكنه سرعان ما يعود إلى حظيرة الحيوان الصحراوي فيقول:
ويقع عروة بن أذينة على صورة طريفة فيها من الحسن والبهاء
والحركة العذبة الليّنة شيء كثير يقول:
ولأعشى همدان صورة حسيّة نفسية تلفت النظر. فيقول:
ويهتدي عمرو بن لجأ بحسه الدقيق إلى صورة غريبة مبتكرة تتجمع
فيها مشاعر نفسية متناقضة لتمنحها هذه الغرابة الآسرة. فمن مشاعر الدلال والترف،
ومشاعر الإعياء وقسوة الصحراء، يشكل هذا الشاعر صورته الفريدة، فإذا هؤلاء النساء
بدلالهن وترفهن وإحساسهن العميق بزهو الصبا يتثاقلن ويتباطأن في مشيهن كأنهن سرب
قطا يدّب فوق الرمال دبيباً، فكأنما أنهك أجنحته الطيران، وألجأه إلى ما هو فيه. يقول:
وينبغي أن نتذكر أن الموروث الجاهلي كان مصدراً لبعض هذه
الصور، ولا سيما صورة البقر الوحشي التي نراها في شعر قيس بن الخطيم، وصورة
الإنسان الذي يطأ الوحل في سيره، التي نراها في معلّقة الأعشى "كما يمشي
الوجي الوحل". وتوقف الشعراء طويلاً يصورون كسل المرأة وفتورها ونعمتها،
مما يدل على ما أصابه المجتمع من التحضر والترف، فقد استراحت النفوس، وتطلعت إلى
المتعة والجمال، ولم تكن المرأة تجد ما يضطّرها إلى العمل وكسب الرزق، بل لم تكن
مضطرة للقيام والمشي بمفردها على رأي الشعراء، بل كانت منعمة مدللة، تقوم الجواري
على خدمتها وتدبير أمورها، وتفرغت هي للعناية بنفسها ومراقبة جمالها ومتابعة أخبار
قلبها. لقد أعجب الشعراء بالمرأة الكسول وفتورها وغنجها، فأسرفوا في
الحديث عنها وفي تصويرها، وهم بذلك يقصرون أوصافهم على المرأة العربية تحديداً،
لأنها وحدها التي استمتعت بهذه الصفات، وكانت سيدة أرستقراطية مخدومة مرفهة. وعلى أية حال فإن نموذج المرأة الأرستقراطية هو النموذج
الأنثوي الذي تغنى به الشعراء عامة. فيتحدث عمر بن أبي ربيعة عن مجموعة من النساء
ويزعم أنهن من أسر كريمة عريقة، لم يعشن حياة الشظف والشقاء، بل رزقهن الله بسطة
في الرزق والنعيم. يقول:
وهذا الثراء الذي توافر لها جعلها كسولاً متثاقلة فاترة
محببة لديه:
ويردّد هذا المعنى في مواقف أخرى، فكأنه عالق بشباك امرئ
القيس الذي أعجب بالمرأة الكسول، التي تنام الضحى "نؤوم الضحى"، وتفتر،
فلا تقوم إلى أي عمل. يقول:
ويشير عمر إلى من يحيط بها من جوقات الخدم، والنساء المعنيات
بشأنها، فلا يدعنها تبذل أي جهد، بل يسارعن للتخفيف عنها، والقيام بكل ما تريد:
وكانت بينهن كأنها الصنم تؤدى له طقوس العبادة، على ما يراها
عمر في قوله:
ولم يكن واليها وكفيلها بعيداً عن الاهتمام بها، فقد كفاها
كل ما يهمها، فليست تضطر لإجهاد نفسها بأي شيء. يقول:
ويبدو عمر شديد الإعجاب بما توافر لها من النعيم والثراء منذ
نعومة أظفارها، فهي فتاة منعمة قد اعتادت الرفاه والدلال، ولم يشقها البؤس أو
الهوان مرة:
كما أنها خفيفة |