المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثالث

الفصل الثالث

هيئة المرأة في الشعر الأموي

تحدثت في الفصلين السابقين عن أخلاق المرأة وجمالها الطبيعي، وأودّ في هذا الفصل أن أستكمل رسم صورتها، ولذا فإنني سأتحدث عن هيئتها وحسنها المجلوب من ملابس وحلي وعطور.

ظهر أن أكثر من تمثل الترف والنعيم في الأسرة والمجتمع الأموي كان المرأة. لأنها تعكس في أخلاقها وجمالها وزيّها مستوى الحضارة في زمنها.

وقد لفتت المرأة أنظار الباحثين كما لفتت أنظار الشعراء وقلوبهم، ومضى بعضهم يوازن بينها وبين الرجل موازنة لا تخلو من روح الدعابة، وإن أخذت مظهر الجد، فالمرأة في رأي الجاحظ أرفع حالاً من الرجل في أمور منها:

"أنها التي تخطب وتراد وتعشق وتطلب وهي التي تفدى وتحمى، ويذكر أن عنبسة بن سعيد قال للحجاج بن يوسف: أيفدي الأمير أهله؟ قال: إن تعدونني إلا شيطاناً والله لربما رأيتني أقبل رجل إحداهن"[1])

ويرى الجاحظ أن "عامة اكتساب الرجال وانفاقهم وهمتهم وتصنعم وتحسينهم لما يملكون إنما مصروف إلى النساء، والأسباب المتعلقة بالنساء، ولو لم يكن إلا التنمص والتطيب والتطوس والتعرس والتخضب، والذي يعد لها من الطيب والصبّغ والحلي والكساء والفرش والآنية، ولو لم يكن له إلا الاهتمام بحفظها وحراستها وخوف العار من جنايتها والجناية عليها لكان في ذلك المؤونة العظيمة والمشقة الشديدة"[2])

وغاب عن الجاحظ ذكر ما تفعله المرأة من أجل أن تنال إعجاب الرجل وتحوز رضاه وذلك بحرصها على التجمل بوسائل الزينة المختلفة من مجوهرات تضعها في صدرها ويديها ورجليها وعلى خصرها وفي خُمُرها، أو التفنن في ملابسها، والمبالغة في ألوانها وأنواعها، وكذلك في عطورها وبخورها وفي تعقيص شعرها، وفي حديثها ودلالها. ويروي الأزرقي في أخبار مكة "أنهم كانوا فيما مضى إذا بلغت الجارية ما تبلغ النساء، ألبسها أهلها أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وجعلوا عليها حلْياً، إن كان لهم، ثم أدخلوها المسجد الحرام مكشوفة الوجه بارزته، حتى تطوف بالبيت والناس ينظرون إليها ويبدونها أبصارهم، فيقولون من هذه حتى يعرفوها، فإذا قضت طوافها خرجت كذلك ينظر إليها الناس لكي يرغب في نكاحها إن كانت حرة وشرائها إن كانت مولدة مملوكة، فإذا صارت إلى منزلها خدرت في خدرها، فلم يرها أحد حتى تخرج إلى زوجها"[3])

وكان الزمن في العهد الأموي زمن المال والحضارة بما أتيح للمدن العربية من الثراء، وبما توافد عليها من عناصر أجنبية أدت إلى تحضرها وترفها، فبات أهلها ينعمون بألوان الطعام المختلفة، رافلين نساء ورجالاً في الثياب الحريرية، وأنواع الطيب والعطور، وبالغ النساء خاصة في اتخاذ صنوف الحلي والجواهر.[4]) "وأصبح نفر من أهلها يأكلون ويشربون في صحاف الذهب والفضة، ونفر يلبسون مقطعات الخز والسندس والديباج والحلل الموشاة على كل لون، والطيب وأنواع العطور تفوح منهم، وبالغ النساء في ذلك كله"[5])

واشتهر في هذا المجتمع المترفِ الحديث عن النساء وأزيائهن وحليهن وعطورهن. إذ طالما كانت ملابس المرأة وكسوتها دليل نعيم وثراء، مما ينعكس على مستوى الأسرة والقبيلة عامة، ويدفع الأثرياء إلى الإصهار إليها مما يزيد في قوتها.

وليست هذه الأمور جديدة على المجتمع، فقد تحدرت من العصر الجاهلي، وكانت تستخدم لتأكيد عزة المرأة وثرائها ونعيمها، والإعلان عن مستوى القبيلة بين القبائل الأخرى.

ولكن الجديد في الحديث هو تكثيف الصورة لتصبح ظاهرة عامة في الشعر الأموي.

إذ يكاد لا يخلو بيت شعر يتضمن وصف المرأة في شكلها وجمالها من الإشارة إلى بعض زينتها للتدليل على ترفها وتحضرها، فكانت تعد عارضة الجاه بما تلبس وتتحلى وتتعطر. وسأفصل فيما يلي القول في الملابس والحلي والعطور، كما ظهرت في الشعر الأموي.

الملابس:

عندما حاولت فتح خزانة المرأة العربية في العصر الأموي، من خلال الآثار الشعرية، وجدتها زاخرة بأنواع مختلفة من الملابس التي كانت أهم زينة تزينت بها، وأضافت إليها من ذوقها وفنونها أشياء كثيرة، فاختلفت الألوان والأقمشة، وتعددت الأسماء. وأعتقد أن الثوب العربي الذي يخص المرأة منذ العصر الجاهلي كان يراعي طبيعة البيئة الصحراوية في مراكز الاستقرار السكاني، وما يتبع طبيعة المناخ الصحراوي من حرارة عالية ورمال متطايرة وغبار. مما أدى إلى تكيف الملابس مع جو الصحراء.

فكانت طويلة تغطى بأردية واقية، مع غطاء للرأس يقي من حرارة الشمس المرتفعة، وبقيت ملابس المرأة قريبة مما رسمه الإسلام، واستمرت تؤكد الالتزام الاجتماعي، وتعبر عن مكانة المرأة الحرة، وتفرق بينها وبين الإماء، وكان من ضمن ما أكده الإسلام مراعاة بعض القواعد العامة في اللباس بالنسبة للمرأة خاصة، كمراعاة الحشمة والستر، للحفاظ على الحياء الذي يعد من أهم أركان الأخلاق العامة، وحتى لا تصبح مشاهدة المرأة سبباً للرذيلة واستنفار الغريزة.

وجاء في التنزيل الكريم ضرورة مراعاة الملابس الطويلة التي تغطي الصدر وكل ما يثير الغريزة في قوله تعال: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"[6])كما طالب نساء المؤمنين بضرب الخمار الذي يغطي الصدر في قوله تعال: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن"[7])وكان الخمار منتشراً بين النساء بسبب ظروف البيئة الصحراوية، وكان أول سبب لارتدائه اتقاء حرارة الشمس فيما أظن، ولكن عندما تطور المجتمع، وأصبحت النظرة إلى المرأة فيها الكثير من التشهي والرغبة فرض فرضاً أخلاقياً. ثم برزت مشكلة الحجاب، وتشير الأخبار إلى أن بعض النساء كن سافرات مثل عائشة بنت طلحة التي رفضت طلب زوجها مصعب بستر وجهها، وقالت له: "إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفوا فضله، فما كنت لأستره". وشاع أن النساء كن يسفرن في بعض المناسبات كالحزن والفجيعة، وكذلك في الحروب وفي الطواف بالكعبة أيضاً. وللحجاب أنواع وأسماء منها:

1- الخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه الرقيق والكثيف، ومن ألوانه الأصفر أو المصبوغ بالزعفران ومنه الأخضر.[8])

2- النصيف ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها يسمى نصيفاً لأنه نصف بينها وبين الناس فحجز أبصارهم عنها"

3- البرقع: تلبسه نساء الأعراب، وهو من اللباس الذي يضفي على الوجه. وليس بين نساء الحضر من تلبسه، وقد تبرقع به الدواب.

4- النقاب: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة، فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللغام. وكان النقاب شائعاً في العهد النبوي، وربما كان بين الحضر أكثر شيوعاً من البرقع الذي اختصت به نساء الأعراب، وكان يستهجن لبسه في بعض المواقف، إذ لا تقبل شهادة امرأة متنقبة، كما جاء نهي الرسول الكريم النساء في الإحرام من التنقب[9])وكانت هذه الأنواع جميعاً معروفة منذ العصر الجاهلي، واستمرت في العصور اللاحقة فقد لُقّب "المثقِّب العبدي" بهذا اللقب لقوله:

وثقبّنَ الوصاوصَ للعيونِ

 

علونَ بكلّةٍ وسدلنَ أخرى

و "للنابغة الذيباني" قصيدة مشهورة في "المتجردة" زوج النعمان، وفيها قوله:

فتناولتْهُ واتقتنا باليدِ

 

سقطَ النصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطهُ

ولحسان بن ثابت قصيدة يصور فيها خيل المسلمين، فيقول:

"تُلطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النساءُ".

والشعر الأموي حافل بذكر أنواع الحجاب، فقد صور الشعراء محبوباتهم في حالات الحجاب والسفور كما سنرى، فهذا عمر بن أبي ربيعة يقول في إحداهن:

ـهر و ألقت عنها لدي الخمارا[10])

 

واشتكت شدةَ الإزار من البـ

ويرد في شعره ذكر الخمار، عندما يصف النساء الجميلات اللواتي يغطين وجوههن خوفاً من عيون الآخرين:

مثلِ المصابيحِ زانَها الخُمُرُ[11])

 

يُدْنينَ من خَشيةِ العيونِ على

ويذكر النصيف في قوله:

جميلٍ إذا سَفَرتْ عنه حُرّ[12])

 

وَتُدني النصيفَ على واضحٍ

ويرد أيضاً ذكر القناع في قوله:

أو مُزْنةً أدنى بها القطْرُ[13])

 

وكأنَّ ضوءَ الشمسِ تحت قناعِها

ويمكن أن نستشف من شعره أن بعضهن كن سافرات والبعض الآخر منهن مختمرات، ولكنني أظن أن من كان يراها سافرة لم تكن إلا زوجة أو مغنية أو امرأة مجهولة تؤدي نسكها حيث لا يفضل غطاء الوجه. ولكن خيال عمر الفني كان يجنح به فتبدو أشعاره مفارقة للحقيقة الواقعة على نحو ما نرى ونسمع في حواره مع إحداهن وهو يحاول كشف قناعها، يقول:

تغذو بسقطِ صريمةٍ طِفْلا

 

ما ظبيةٌ من وحشِ ذي بقرٍ

وأَردتُ كشفَ قناعِها مَهْلاً[14])

 

بألذَّ منها إذْ تقولُ لنا

ويصور بعضهن سافرات في قوله:

مع المسكِ مُغْتنِماتُ الطَّفلْ[15])

 

سوافرَ قد زانهنَّ العبيرُ

وعندما نظر إلى وجهها السافر بدت في عينيه كأنها القمر:

خِلتُه إذ أسفرتْ قمرا[16])

 

فأرتني مُسفراً حسناً

ويصورها العرجي سافرة ومتنقبة، ويبدي إعجابه بها في حالتيها جميعاً، يقول:

بالبرقِ عنه وجلّى طُخْيةَ الدُّجُن[17])

 

سوافر مثل صيفيّ الغمامِ جلا

وإذا سَفَرتِ فأنتِ كالشمسِ[18])

 

كالبدر صورتُها إذا انتقَبت

ويذكر الأحوص ما رآه من جمالها عندما سفرت لتقوم بعمل ما، ولعله رآها تؤدي نسكها، عندما قال:

وجهاً أغرَّ كأنهُ البدرُ[19])

 

سفَرتْ وما سفرت لمعرفةٍ

وأكد ذو الرمة جمال صاحبته في حالتي السفور والانتقاب، فهي سافرة تبهج العين، وهي تحرج العين عندما تنتقب، فتحار في جمالها:

وتحرج العينُ فيها حينَ تنتقِبُ[20])

 

تزدادُ للعينِ إبهاجاً إذا سفرَتْ

وبدت ليلى في شعر المجنون كأنها الشمس تحت الغيوم بسبب الخمار الذي لم يظهر منه سوى حاجبها، يقول:

بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ[21])

 

تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحت غمامةٍ

ويذكر خمارها الحريري الذي غطى شعرها المجعد:

ولا ثَتْ بسبّ القزِّذا غُدُرٍ جَعْدا[22])

 

وتهتزُّ ليلى العامريّةُ فوقها

ويثني جرير على جمال صاحبته عندما سفرت أمامه، فقال:

ويُرضي العينَ مرجعُها اللثاما[23])

 

إذا سفرت فمسفرُها جميلٌ

كما أنها تزداد حشمة وأسراً لقلوب العاشقين في حالة سفورها في رأيه:

إذا سفرَتْ عن واضحِ اللونِ أزهرا[24])

 

لياليَ تسبي القلبَ من غير ريبةٍ

ويصورالفرزدق صاحبته فيراها وقد ضربت خمارها كالشمس، يقول:

وجَعْدٌ تَثنى في الكثيب غدائرهُ[25])

 

دعتني إليها الشمسُ تحتَ خمارِها

أما في شعر الأخطل فقد كانت "تسارق الطرفَ من دون الحجاب"[26])

كما أنها لاينال سفورها:

وكانت حَصاناً لا يُنالُ سُفورُها[27])

 

إذا أعرضت بيضاء قال لها: اسفري

وهي أملح الناس عيناً عندما تنتقب في شعر ابن ميادة:

وأملحَ الناسِ عيناً حينَ تنتقِبُ[28])

 

يا أطيبَ الناسِ ريقاً عندَ هجعتِها

وأما القطامي فيشير إلى أنها كانت سافرة:

عليَّ وهفّافَ الغَروب عذابا[29])

 

تناولت منها مُسْفراً أقبلت به

وصور الشعراء ملابس المرأة الأموية، فإذا نحن أمام معرض زاخر بالألوان البهيجة، والأشكال الراقية، والأنواع الفاخرة، وكانت تتكون في الغالب "من سروال فضفاض، وقميص مشقوق من الرقبة عليه رداء قصير يلبس عادة في البرد، وإذا خرجت المرأة من بيتها ترتدي الحبرة، وهي من برود اليمن، وهي ملاءة طويلة تغطي جسمها"[30])ومن أشهر أسماء الملابس الخاصة بالنساء:

1- البرد: وهو من الأكسية غير المخيطة، وقد يصنع من الحرير، وبه خطوط عريضة كالأضلاع ويُعرف بالسيراء، وهو خاص بالنساء.

2- العصب: ضرب من الثياب يأتي من اليمن غالباً.

3- الدرع: ثوب تجوب المرأة وسطه، وتجعل له يدين وتخيطه.

4- الغلالة: ضرب من اللباس تحتاجه المرأة كما يحتاجه المحارب، وهو ثوب يلبس تحت الثياب"[31])

هذه هي الملابس الضرورية التي يحتاجها المرء أثناء خروجه أمام الناس أو في بيته أيام الرسول الكريم والعهد الإسلامي الأول. أما في العصر الأموي فيطلعنا الشعر على لائحة ملأى بأسماء الملابس، وأنواعها، وأقمشتها الراقية التي تجلب من أبعد البلدان، لتليق بالنساء المتحضرات اللواتي قلدن الأميرات الفارسيات وغيرهن فيما جلبنه، أو ساعدن على انتشاره في البيئة العربية زمن بني أمية.

فكان الحرير أشهر ملابسهن يتموّج فوق أجساد الأميرات في البيت الأموي، وعارضات الجاه والثروة في الحجاز، وعلى زوجات الحكام والولاة في الأقاليم الأخرى، مع ملاحظة أن هذه الطبقة الثرية هي الطبقة التي دار جلّ الغزل الأموي في دائرتها. وكم شقي التجار في سبيل الحصول على الحرير لإرضاء ذوق المرأة العربية في هذا العصر ففي ديوان شاعر واحد مثل عمر بن أبي ربيعة يرد ذكر الحرير مرات متعددة ولا نجد حديثاً عن ملابس  النساء، وأناقة مظهرهن إلا كان الحرير مصدر تلك الأناقة، وذاك الترتيب والفخامة، فبدت كل نساء عمر يرتدين الخز والقز والعصب والدمقس للتدليل على المكانة التي يتمتعن بها.

وتكاد هيئة المرأة التي يرسمها عمر تبدو كأنها في معرض للأقمشة الحريرية بألوانها البديعة المزركشة، فنكاد نشعر البهجة التي يضفيها هذا الوصف على النساء، فيزيد من بهائهن، وفخامة مظهرهن، ونسمعه يصف مجموعة من النساء مفصلاً القول في أنواع أثوابهن الحريرية المختلفة:

وفي العتيقِ من الدّيباجِ والقصبِ[32])

 

يَرْفُلْنَ في مطْرفاتِ السوسِ آونةً

ويصف أيضاً ملابسهن الطويلة جداً، حتى يمكنهن أن يطأن عليها. وهي إشارة أخرى إلى الترف والنعيم المبالغ فيه، فطول ملابس المرأة حتى تصل إلى الأرض وتجرها خلفها: آية ثراء ما بعده ثراء. ولكننا نجد هؤلاء النسوة يستخدمن طول ملابسهن لغرض آخر أقل نزاهة كما يصرح عمر قائلاً:

وناعمَ العُصْبِ كيلا يُعرفَ الأثرُ[33])

 

يسحبْنَ خلفي ذيولَ الخزِّ آونةً

ويؤكد وظيفة ملابسهن الطويلة مرة أخرى عندما يصور مشية النساء على الرمال، فتقوم الملابس بمحو أثارهما في الرمال الحاضنة:

يَعْرِفَ آثارَهُنّ مُقْتفرُ[34])

 

يمشينَ في الخزِّ والمراحلِ أَنْ

وتلذذ عمر في الإكثار من هذه الصورة حتى لكأن مجموعة النساء المرافقات لصاحبته مالهن من عمل سوى القيام بهذه المهمة، يقول:

بأكسية الخزِّ أن تُقْفَرا[35])

 

وقمن يُعَفيّن أثارَنا

لقد أهان عمر الحرير وغيره من أفخر الثياب عندما جعلها، في أغلب الأحيان، تقوم بهذه الوظيفة يقول:

ومروطاً وهناً على الآثارِ[36])

 

فنهضنا نمشي نُعفّي بروداً

ونستطيع التعرف في شعره على أعمار بعض الفتيات من خلال ما يرتدين، فهذه الصغيرة التي كان يحسبها مغفلة لم تزل في مئزر لأنها لم تبلغ بعد أن تلبس الدرع الذي أصبح عنوان أنوثة الفتيات يقول:

مغفَّلَةٌ في مئزرٍ لم تَدَرَّعِ[37])

 

فقالت فتاة كنت أحْسِبُ أنها

ويشير أيضاً إلى أختي صاحبته اللتين لبستا برغم صغر سنهما الحرير الأخضر المزركش بألوان ورسوم شتى. وقد استرعت ملابسهن انتباهه وهو على ما هو فيه من ترقب وخوف وحذر في أحداث الرائية:

كساءانِ من خَزٍّ دمقسٌ وأخضرُ

 

فقامت إليها حُرّتانِ عليهما

ودرعي وهذا البُرْدَ إن كانَ يحَذرُ[38])

 

فقالت لها الصغرى سأُعْطيه مُطرفي

وهو لكثرة ما أشار إلى ما يرتدين يبدو -بلغة عصرنا- مندوب مبيعات خاصة بملابس النساء الحريرية، فكأنه يروّج لبضاعته بين النساء، لا يحول بينه وبين هذا الترويج أمر، فهو في ظلمة الليل المكفهّر يعدّد أنواع هذه الثياب، يقول:

كواعبَ في ريطٍ وعَصْبٍ مُسهَّمِ[39])

 

فلمّا اكفهّر الليلُ قالت لُخرَّدٍ

أما هي فقد:

فهيَ كالشمسِ من خلالِ السحابِ[40])

 

شَفَّ عنها مُحَقّقٌ جَنَدِيٌّ

وبدت مرة أخرى في أحلى حللها من الثياب اليمنية الجميلة:

وعليه الخزُّ والقزُّ ووشيُ الحبرات[41])

وربما ظهرت في ثياب العصب كأنها دينار[42])

وقبل أن نغادر المدن الحجازية، وعروض أزياء نسائها، لابد من الوقوف عند شعرائها الآخرين، لنشاهد معهم عروضهم الباقية. ففي نماذج عبيد الله بن قيس الرقيات، وفي نماذج العرجي، لم تتغير هيئة المرأة كثيراً عما شاهدناه عند عمر، بل تكاد تكون النموذج ذاته. إنها المرأة المترفة الثرية التي تختال في ملابس الحرير بأنواعه المتعددة الفاخرة. فامرأة عبيد الله تبدو وقد استهلكت الكثير من الأقمشة الحريرية إدلالاً بثرائها العريض، وبجسمها المكتنز، فعجز عنها المطرف الذي سعته سبعة أذرع، وآخر قد لفق طرفاه:

والإزار المفوّفُ المِلْفَافُ[43])

 

يَعْجِزُ المِطْرَفُ السباعيُّ عنها

وهي أيضاً:

ز على حَقْوِ بادنٍ مِكسال[44])

 

تعقد المئزرَ السُّخامَ من الخـ

وبلغ من شدة ثراء هذه السيدة وترفها أنها كانت تتقي الشمس بستائر من الحرير جلبت لها من العراق، فأي رفاه أكثر من هذا؟ يقول:

ز العراق والأستار[45])

 

تتقي بالحرير من وَهج الشمس وخـ

أما العرجي فيذكر أن ملابسها قد جلبت من بلاد فارس التي تصنع فيها الثياب المعصفرة:

بالزعفرانِ صباغُها والعُصْفُرِ[46])

 

مستشعرين ملاحفاً هرويّةً

وصاحبته ترتدي الملابس الفضفاضة من الحرير والخز:

وأَدْنَتْ على الخدّينِ بُرْدَاً مُهَلْهَلا[47])

 

أماطت كساءَ الخزِّ عن حُرِّ وجهها

ويصف ألوان ملابس مجموعة أخرى من النساء ونقوشها:

كساءان من خزٍ بنقش وأخضر[48])

 

ولا تُظْهِرا بُرْد يكما وعليكما

ويصور عروة بن أذينة مجموعة من النساء وقد خرجن على رقبة من القوم، ثم يصف ملابسهن المُزهية كزهر الرياض، وقد زادتهن بهجة وبهاءً، يقول:

خروجَ السحابِ لأمطارِها

 

خرجنَ إلينا على رقبةٍ

ضِ أشرقَ زاهرُ نوارها[49])

 

بزيّ جميلِ كزهرِ الرّيا

ولم يكن عمر وأصحابه من شعراء الحجاز وحدهم الذين اهتموا بوصف ملابس النساء، وذكر أنواعها وأسمائها، والإشارة إلى جودتها، بل شركهم في ذلك عدد كبير من الشعراء اهتموا بهذا الجانب من هيئة المرأة، وأحبوا استكمال صورتها الجمالية. وبعيداً عن ترف الحجاز ورفاهية ذوق شعرائه نجد الفرزدق معنياً بملابس النساء، بل هو لم يكن أقل عناية بوصف ملابس المرأة التي يحب من شعراء المدن الحجازية. ولم تكن امرأة الفرزدق أقل فخامة وبهاءً أو أقل احتفاءً بالثياب الحريرية الفضفاضة الطويلة التي تجر على الأرض من نساء تلك المدن.

فنحن نرى زوجته حدراء ترتدي الحرير والخز فور استيقاظها، لأنها غير مضطرة للعمل، بل تحافظ على مظهرها وأناقتها فور نهوضها.

دعَتْ وعليها دِرْعُ خزِّ ومُطْرَفُ[50])

 

إذا انتبهت حدراءُ من نومةِ الضحى

ويصف أيضاً ملابس نومها التي حيكت لها من الحرير الخالص، الغالي الثمن:

بالعُودِ في مِفْضَلِ الخزّيّةِ الغالي[51])

 

لا توقدُ النارَ إلا أن تثقِّبَها

ويميزها عن النساء العاملات اللواتي يرتدين الملاءات المخططة، بملابسها الأنيقة من البرود الرقيقة والمجاسد الحريرية.

حواليَّ في بُرْدٍ رقيق ومُجْسَدِ

 

وقامت تخشيني زياداً وأجفلت

يَرُحْنَ خفافاً في المُلاءِ المعضّدِ[52])

 

وليست من اللائي العدانُ مقيظُها

إنه يصف ثياب النساء من حوله، ويذكر البلدان التي أنتجت هذه الثياب الفاخرة، ويبالغ في جودة أنواع الأقمشة التي يرتدينها. ولم يكتف الفرزدق بتصوير ملابس المرأة الخارجية التي كانت من الحرير، بل يمدّ عنقه إلى ملابسهن الداخلية، فإذا هي كما يزعم من خزّ العراق الرقيق المخطط يقول:

مشاعرُ من خزّ العراقِ المفوّفِ[53])

 

لبسن الفِرَنْدَ الخسروانيّ دونه

وهن أيضاً يتنقلن في الديباج والحرير كأنهن النوق المسمّنة التي لا ترسل للمراعي من شدة إيثارهم لها، بل يقدمون لها الطعام بأنفسهم:

معاً مثل أبكارِ الهجانِ العلائفِ[54])

 

إذا رُحْنَ في الدّيباجِ والخزُّ فوقهُ

 

ويسمّى أنواع ملابسهن، ويصف هذه الملابس السابغة حتى إنهن ليطأنها من سبوغها، فيخشين عليها أن تتعفر بالتراب، يقول:

يُضيءُ سناها سابريّاً مُزعْفَرَا

 

تراخى بهنَّ الليلُ يتبعنَ فاركاً

مخافةَ سهلِ الأرضِ أن يتعفَّرا[55])

 

تَنعَّلْنَ أطرافَ الرّياطِ وواءَلَتْ

ويرى أن ملابس النساء الفضفاضة تضرم في نفسه نار الإغراء والإثارة:

إذا تفتَّلْنَّ من تحت الجلابيب[56])

 

فقلت إنّ الحواريات مَعْطبةٌ

المرأة في شعر الفرزدق إذاً ثرية متحضرة، كثيرة العناية بملابسها وزينتها، يدخل الحرير في ملابسها الخارجية التي تظهر بها أمام الآخرين، ولا تكتفي بذلك بل إن ملابسها الداخلية، وملابس نومها من الحرير الخالص النقي، فأي رفاه هذا وأي ثراء؟.. ويصور جرير امرأته وهي ترفل بثوبها الحريري المخطط الذي يهان تحت قدميها، إذ لا يليق بها أن تطأ على الأرض ما لم تكن مفروشة بالحرير، ويفخر بذلك ويتباهى:

على الأرض إلا نيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ[57])

 

من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ

ويشير مرة أخرى إلى نقوش ثوبها ورسومه الجميلة، يقول:

إذا اتَّزرَتْ به عَقِداً ركاما[58])

 

كأنّ المِرْطَ ذا الأنيار يُكسى

واهتم الشعراء البدو بوصف ملابس النساء، وصوروا هيئة المرأة الأنيقة المترفة، فالعجاج يراها في ربطة حريرية طويلة فضفاضة جلبت لها من العراق:

 

وميسنانياً لها مميّسا

 

خوداً تخالُ ريطَها المدمقسا

 

ألبس دعصاً بين ظهري أوعسا[59])

 

كما أنها تطأ على الحرير من شدة رفاهيتها وثرائها: "ركاضةٌ للبُرْدِ والمرُحّل"[60])

ويزعم المجنون أن الحرير العادي لا يلائم نساء البادية في الحجاز، فهو على رقته يدمي جلودهن، ولذا كن يرتدين بدلاً منه أرق أنواع الحرير ليكون خليقاً بجلودهن الناعمة البضة:

يُكسيّنَ من حُللِ الحرير رقاقَها[61])

 

يُدمي الحريرُ جلودَهُنّ وإنما

وزها جسم ليلى وازداد حسناً بهذه الثياب الجميلة المشرقة، فتمنى لو أنه بعض ثيابها:

فيا ليتني لو كنتُ بعضَ بُرودِها[62])

 

زها جسمُ ليلى في الثيابِ تنعُّماً

وهن أيضاً يتقين الشمس الحارة بأنواع فاخرة من الأقمشة الحريرية والمخملية، على حد زعم جميل:

بأكسيةِ الدّيباجِ والخزِّذي الخَمْلِ[63])

 

إذا حميَتْ شمسُ النهار اتّقينَها

وزعم "كثير" أن ملابس النساء اللواتي يتحدث عنهن من أرقى أنواع الأقمشة وأغلاها ثمناً، فهي تجلب لهن من اليمن، يقول:

خصوراً فوقَ أعجازِ ثقالِ[64])

 

كسونَ الرّيْطَ ذا الهُدْبِ اليماني

ويخص ثوب عزة ببعض التفصيل، فيبدو ثوبها مطرزاً برسوم مختلفة تزيد جمال جسدها الممتلئ.

على متنِها ذا الطُرّتين المنمنما[65])

 

من الهِيفِ لا تَخزى إذا الريحُ أَلصقَتْ

ويتذكر درعها الذي أظهر أنوثتها المبكرة، ونضجها المثير:

وعادت تُرى منهنَّ أبهى وأفخما[66])

 

إلى أن دَعَتْ بالدرعِ قبلَ لِداتها

ويصور درعها مرة أخرى، وقد ضاق عنها، وجار عليها بسبب امتلاء جسدها:

وأتعبتِ الحِجْلينِ حتى تقصَّما[67])

 

وغال فضولَ الدرعِ ذي العرضِ خَلْقُها

وأجمع الشعراء على اختلاف مشاربهم على أن ملابس النساء في البيئات العربية المختلفة قد كانت من أفخر الأقمشة التي يتصدرها الحرير والقز والديباج، والذي يجلب لهن من أماكن مختلفة من العالم من الهند والعراق وفارس وسواها. وتحولت المرأة إلى إعلان مرئي في العصر الأموي تصور مدى النعيم والدعة والتحضر في حياتها. وتحول مفهوم اللباس من ستر العورة، وطلب الراحة في الحركة وفي أثناء العمل ليصبح فائض رفاهية، وإرضاء تذوق، وإهلاك أموال، من أجل مسايرة الحضارة، والعبّ منها حتى تجاوزوا كل حدّ.

فنراهن في شعر المتوكل الليثي يتخذن للأمسيات ملابس خاصة من الحرير الذي يحاك على هيئة طويلة، فيضفو تحت أقدامهن:

مروطَ الخزّ والنقبَ النّعالا[68])

 

نواعم يَتخّذْنَ لكل مُمْسَى

ويبدو يزيد بن مفرغ الحميري شديد الدهشة بأثوابهن الموشاة من الحرير والكتان الفاخر:

وملاءٌ من أعتقِ الكتّان[69])

 

وبرودٌ مدّنراتٌ وقزٍّ

ويرقب أعشى همدان إحداهن منصرفة تتلوى في مجاسدها الرقيقة الفاتنة تحت المئزر:

رقاقُ المجاسدِ والمئزر[70])

 

إذا انصرفتْ وتلوّتْ بها

ويلحظ عمرو بن لجأ التميمي مجاسد النساء الظاعنات وبرودهن الطويلة الجميلة:

بين الحمولِ تجرُّها وَبُرودا[71])

 

غرُّ المحاجرِ قد لبسن مجاسداً

وترحل صاحبة محمد بن بشير وهي ترتدي البرود الرقيقة التي تزيدها حسناً وبهاءً:

م الحسن تحت رقاق تلك الأبرد[72])

 

ماذا إذا برزت غداة رحيلها

ويذكر العديل بن الفرخ النساء الأنيقات في ملابس الخز والديباج، التي جيء بها من بلاد غريبة:

عليهن خزٌّ فريد العجم[73])

 

فقد أستبي البيضَ مثلَ الدُّمى

وكان الأخطل قليل العناية بوصف ملابس النساء، فلا يكاد ثوبها الأبيض الرقيق يشد انتباهه حتى يتخلص منه إلى وصف جمالها:

تبينت لا جيداً قصيراً ولا عُطْلا[74])

 

إذا السابريُّ الحرُّ أخلصَ لونَها

ولا بد أن نسأل بعد هذه الجولة في معارض الحرير الأثرية التي حفظها الشعر الأموي أهي الرؤية الفنية التي اقترحها الشعر في تصوره لما يجب أن تكون عليه المرأة من ترتيب وأناقة ورفاهية، لتستطيع أن تكون ملاذاً حقيقياً للرجل ينعم بين يديها ويسترخي في حلم جميل بعيداً عن متاعب الحياة ومشاكلها؟ أم أنها حقيقة جميع النساء في البيئة العربية كما رأيناهن في الشعر، في ملابس فاخرة تؤكد الرقي والنعيم والترف في المجتمع العربي زمن الأمويين؟

لقد كانت المرأة في رأي جميع الشعراء، في البيئات العربية المختلفة ترفل في ملابس حريرية فضفاضة طويلة تجرها تحت أقدامها. وقد وُظّف ذلك للإعلان عن الجاه والملك الواسع، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم القوة والمنعة في القبيلة والمجتمع. ولما كان الشاعر الوسيلة الإعلامية في مجتمعه كان لا بد من أن يشير إلى هذه الأمور ويعلن عنها تدفعه إلى ذلك رغبة في الحديث عن المرأة أو رغبة في إعلاء شأن القبيلة.

ولما كانت الملابس حاجة طبيعية لكل إنسان كان لا بد من أن تميز أصحاب الثراء بفخامتها ورقيها لإبراز وضعهم الاجتماعي، وكان لا بد أيضاً من أن يضاف إلى الملابس ما يزيد بهجتها وأثرها في القلوب، فكثرت الزينة والإضافات الجمالية عند النساء، وكان على الشعراء ملاحظة كل إضافة من حلي وعطور والإشارة إليها. وهو ما سأتحدث عنه في الصفحات التالية.

الحلي وبعض ضروب الزينة الأخرى:

إن حرص المرأة على الحسن المصطنع أمر يكاد يكون طبيعة مركوزة في نفسها، فهو يزيد في جمالها وبهائها، ويمنحها قدراً من الثقة بالنفس والطمأنينة والرضا. ولذا كان حرص النساء الدائم على التجمل والتزين بوسائل مختلفة أمراً لا يكاد يفارقهن. وكانت وسائل الزينة الشائعة زمن الأمويين هي الكحل والخضاب وتعقيص الشعر وتضفيره.

وكانت النساء تحرص أشد الحرص على التحلي بأجمل المجوهرات من الأحجار الكريمة واللؤلؤ والذهب والفضة مما كان موجوداً في البيئة العربية ومما يجلب إليها من البلدان المختلفة. واختلفت حليها باختلاف أعضاء جسمها التي أرادت تزينها من كاحلها إلى أذنيها، فكانت الخلاخل والأقراط والشنوف والأساور بالإضافة إلى الأحزمة والأوشحة، وبعض ما تزين به الأخمرة من الفضيات والمذهبات والخرزات في موضع الجبين. وكان ترف الدولة وغناها عاملاً مساعداً على توفير أصناف كثيرة من الحلي التي استعملت استعمالات شتى، ففي الخزانة خبر عن حماد الراوية أنه قال: "وصلت باب هشام فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب وحيطانها كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب خز حمر، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مبثوث في أواني الذهب يقلبّه بيده فتفوح رائحته، فسلمت عليه فرد السلام، واستدناني فدنوت ، فإذا جاريتان لم أر مثلهما في أذن كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان توقّدان"[75])

وكانت أول عربية تقرطت مارية والدة امرئ القيس، وسار ذكر قرطيها في العرب، وضرب المثل بقيمتهما الثمينة، وقيل إنهما قوّماً بأربعين ألف دينار، وكان فيهما درتان كبيض الحمام[76]) ومن عهد مارية وأقراطها إلى المرأة في العصر الأموي كانت صناديق المجوهرات قد غصت بأنواع كثيرة من اللؤلؤ والياقوت والجواهر الكريمة، وأثقلت النساء ليس في آذانها وحسب بل في أماكن كثيرة من جسمها بأنواع من المجوهرات التي فاقت أقراط مارية. وكانت أقراطها من الدر أيضاً، وشبه في أذنيها كأنه بيض استقر في عش صغير كما رآه النابغة الشيباني:

بَيْضُ كحلاءَ أقرّتْهُ بعُش[77])

 

وكأنّ الدرّ في أخراصِها

واستخدمت في أعلى أذنيها الشنوف، وكانت من الدر أيضاً، ويكرر النابغة الشيباني صورته في وصف شنوفها قائلاً:

كَبْيضِ ضئيلةٍ في جوفِ عُشِ[78])

 

عليها الدرُّ نيطَ لها شنوفاً

ويذكر هدبة بن الخشرم تحليهن بالشنوف المثيرة الجميلة:

خدودٌ ومالت بالفروعِ السوالفُ[79])

 

كشفن شنوفاً عن شنوفٍ وأعرضت

وينتبه ذو الرمة إلى أقراطها، ويصور حركتها واهتزازها على جانبي عنقها الطويل:

تباعدَ الحبلُ منه فَهْوَ يضطربُ[80])

 

والقرط في حرة الذّفرى معلّقُهُ

وفي أقراط صاحبة العرجي ارتفاع وقصر بسبب طول عنقها:

تحت العقودِ وفي القرطين تشميرُ[81])

 

أبصرت وجهاً لها في جيدهِ تلعٌ

 

ويكرر كثير الصورة، فيذكر ارتفاع قرطيها فوق خدها الأسيل:

أسيلٌ إذا ما قُلّد الَحْليَ واضحُ[82])

 

من الشمّ مشرافٌ ينيف بقرطها

ونخفض بصرنا قليلاً عن أقراطها فتقع عيوننا على عنقها وصدرها، ونبهر من كثرة العقود والسلاسل والأحجار المتوهجة البراقة التي تستعملها مع المرجان والخرز واللؤلؤ، فتكاد تضئ الظلام على ما رآها الأخطل:

يُضيءُ الدجى بين الترائب والنحرِ

 

ومتّسقٍ كالنور من كل صِبْغة

تضيءُ دجى الظلماءِ كالقمرِ البدرِ[83])

 

مهاة من اللائي إذا هِيَ زُيّنتْ

وكان الأخطل كثير الاحتفال بحليها وزينتها، وهذا لم نلحظه في وصف ملابس النساء، على عكس الفرزدق الذي احتفى بملابسهن وتصويرها أكثر مما احتفى بحليهن ويتأمل الأخطل حليها المختلفة ويصفها قائلاً:

يزينُ الوجَه في سننِ العقاقِ[84])

 

عليها من سموطِ الدّرِّ عقدٌ

وتبدو في حليها مثل التماثيل المزينة في دور العبادة، وتضفي على حليها من جمالها جمالاً، وتزيدها بهاءً:

كما تَصوّرُ في الدير التماثيلُ[85])

 

حَلْيٌ يَشُبُّ بياضَ النحر واقدُهُ

ونراه ينزع حليها في موقف انفعالي آخر فيقول:

بعد اعتناقٍ وتقبيلٍ وتجريدِ[86])

 

إذْ بتّ أنزِعُ حَلْيَها عبثاً

أما جرير فيكتفي بوصف حلي النساء من بعيد قائلاً:

والدرُّ زانَ عوارضاً ونُحورا[87])

 

حُلَّين بالمرجان فوق ذوائبِ

 

وصاحبة عروة بن أذينة تتحلى بالمرجان والياقوت أيضاً:

تكسو الترائبَ ياقوتاً ومرجانا[88])

 

مُقْنِعةً في اعتدالِ الخلق خرعبةً

وتتحلى صاحبة محمد بن بشير بعقود من الدر أيضاً:

بجيداءَ في ضالٍ بوجرةَ أو سِدْرِ[89])

 

كأنّ سموطَ الدُّرّ منها معلَّقٌ

وزادت صاحبة المتوكل الليثي الياقوت فأصبح عقدها من الدر والياقوت معاً:

وياقوتٌ يُضَمّنُهُ النظاما[90])

 

ونحرٌ زانَهُ دُرٌّ حَليٌّ

واستعملت في زينتها أيضاً، كما يذكر المتوكل، عقداً آخر ترادفت فيه صنوف الجواهر فكان مزدوج النظم فيه لؤلؤ وجمان:

عليها ردافا لؤلؤٍ وجُمانِ[91])

 

سبتني بجيدٍ لم يُعّطلْ ولَبّةٍ

وتنوعت الأحجار في عقد صاحبة أعشى همدان ما بين جوهر وشذر ودرَّ:

به الدر والشذر والجوهر

 

كأنّ مقلّدها إذ بدت

يعنّ لها شادنٌ أَحورُ[92])

 

مقلّدُ أَدماءَ نجديَّةٍ

وقد فصل بين اللؤلؤ والجواهر الأخرى بالذهب، فبدا عقدها في عيني النابغة الشيباني رائع الجمال:

مع الياقوت فصّله الفريد[93])

 

ترى فوق الرقابِ لها سموطاً

ويتأمل العرجي أعناق النساء المزينة بالقلائد المنوعة، ويثني على زينتهن:

إذا ما كَسَتْ لبّاتِهنّ القلائِدُ[94])

 

لهن وأعناق الظباء استعرنها

وتضيء الحلي صدرها فتبدو كالصباح المشرق الجميل:

نجومُ فجرِ ساطعٍ أبلجِ[95])

 

كأنما الحليُ على نحرِها

ويشير ابن قيس الرقيات إلى زينة صاحبته التي اعتنت بها جواريها، فأخرجنها بأجمل زينة:

باج ريماً مع الجواري ربيبا

 

إن في الهودج المحفّف بالدّيـ

ن عليه زبرجداً مثقوبا[96])

 

صنعته أيدي الجواري وعلّقـ

وكان جمالها وحسنها السبب في إشعاع مجوهراتها وتوهجها، وليس العكس كما يزعم الأحوص:

كان للدُّرّ حُسْنُ وجهِك زَينا[97])

 

وإذا الدرُّ زانَ حسنَ وجوهٍ

ولا ينسى الأحوص أن يثني على من صنعوا عقود النساء وزينتهن، ويذكر إجادتهم ومهارتهم الفائقة في صناعتها، ودقتهم الشديدة في إخراجها بأشكال جميلة رائعة فكأنها من توهجها جمر الغضا المتوقد:

نُظّامُه فأجادوا السردَ إذ سردوا

 

يزينُ لبّتها دُرٌّ تكنَّفَهُ

كأنه إذ بدا جمرُ الغضا يَقِدُ[98])

 

درٌّ وشذرٌ وياقوتٌ يفصِّله

وبدا عمر بن أبي ربيعة وكأنه يتلمس عقدها بيديه، فيعدد أحجاره، ويصفها بدقة وتفصيل شديدين: يقول:

شرقٌ به اللبّاتُ والنّحرُ

 

والزعفران على ترائبها

سلْسُ النظامِ كأنه جمرُ

 

وزبرجدٌ ومنَ الجمانِ به

والدرُّ والياقوتُ والشّذْرُ[99])

 

وبدائدُ المرجانِ في قَرَنٍ

ويصور مجموعة أخرى من النساء مزينات بالزبرجد والياقوت، فكأنهن الشهب الساطعة:

ترى عليهن حليَ الدُّرِّ متسقاً              مع الزبرجد والياقوت كالشهب[100])

ويذكر كيف وقع في شراك إحداهن بسبب ما تزين به جيدها من أنواع الجواهر الثمينة، وهو من هو في غرامه بالحضارة والتوق إلى المزيد منها:

دُرٌّ على لبّاتِهِ وشذور[101])

 

إذ تستبيك بجيدِ آدمَ شادنٍ

ويعلن عن انبهاره وتأثره بزينتها مرة أخرى:

غزالاً تحلّى عِقْد دُرٍّ ويارقا[102])

 

تعلّق هذا القلبُ للحبّ معلقا

إنه يلم بشؤون المرأة وزينتها، وكل ما يتعلق بها، ويعرض ما عرفته حياتهم من أسباب الزينة والتجمل، ويبيّن أثر ذلك كله في الجذب والترغيب.[103])

واستخدمت المرأة ضروباً أخرى من الزينة لذراعيها عرفت بالدماليج والأساور ما بين الزند والساعد. فيصور عمر زينة صاحبته التي توسّد ذراعها الذي يزينه دملج وسوار:

معصماً بين دُملجٍ وَسِوارِ[104])

 

بتُ في نعمةٍ وباتَ وسادي

وها هي ذي صاحبته تتباهى أمامه بزينتها، وتعدّد ضروب هذه الزينة فكأنها تريد أن تنتزع إعجابه بها انتزاعاً، إنها نفسية الأنثى التي كان عمر بارعاً في تصويرها:

وبريمِها وسوارِها فالدُّملُجِ[105])

 

فَبَهَتْ بدُرّ حُليّها ووشاحها

ويحمل عبيد الله من قيس الرقيات صاحبته ربة الدملج ما هو فيه من ضنى وشقاء:

خطيئتَهُ ربّةُ الدّملجِ[106])

 

فكدتُ أموتُ وقد حُمّلَتْ

ويناديها العديل بن الفرخ، فيذكر حسنها الطبيعي وحسنها المجلوب معاً، ويقرن نداءه بهذا الدعاء الجميل "ألا يا أسلمي":

وذاتَ الثنايا الغُرّ والفاحمِ الجعدِ[107])

 

ألا يا اسلمي ذاتَ الدماليج والعقدِ

ويرى الخطيم المحرزي في يدها الريّا سواراً ومعضداً:

بحيث ترى منها سواراً ومعضدا[108])

 

كأن من البرديّ ريَّانَ ناعماً

ويعض سوارها يدها من شدة الامتلاء كما يقول أعشى همدان:

على عُكُنٍ خصرها مُضْمَرُ[109])

 

وعضّ السوارُ وجالَ الوشاحُ

وغصت الأساور في يديها أيضاً في صورة للنابغة الشيباني:

وفي الخلاخيلِ خَلْقٌ غيرُ مَعْصوبِ[110])

 

لها معاصمُ غصّ اليارقاتُ بها

ورآها "كثير" بضّة ممتلئة الساعدين لا يستطيع سواراها أن يتقدما إلى الكفين. قال:

لدن جاورا الكفين أن يتقدّما[111])

 

وكظّت سِوارَيْها فلا يألوانِها

أما زينة صاحبة المجنون المكونة من أساور مختلفة الأنواع والأشكال مع حلي أخرى، فقد تبعثرت في الرمال وضاع معظمها، وجرت عليه الصّبا فبددَّته:

يَجدْ يارقاً مُلقىً وقُلْباً معُضدا

 

فَمَنْ يَتَّبِعْ آثارنا في محلّنا

تداعَتْ به كفُّ الصَّبا فتبدَّدا[112])

 

ودُرّاً وياقوتاً أَرَغْنَ التقاطَهُ

واستخدمت النساء في زينة أيديهن أيضاً الحّناء الأحمر، تلوّنّ به رؤوس أصابعهن وأكفهن كما يصور الأخطل:

كدم الذبيحِ بأروحٍ وبنانِ[113])

 

ومرمَّل الحنّاءِ يصبح قانياً

وفي شعر النابغة الشيباني خضبن بعض أصابعهن وتركن بعضها من غير خضاب:

منها خضيبٌ ومنها غيرٌ مخضوبِ[114])

 

تُبدي أكّفاً تصيدُ العاشقينَ بها

وكان بنانها الذي لحظه يزيد بن معاوية عندما تلاقيا ملونا بلون العندم القاني بسبب تخضبه بالحناء:

مخضبّةً تحكي عُصارةَ عَنْدَمِ[115])

 

ولمّا تلاقينا وجدتُ بنانَها

ويشير ذو الرمة إلى الحناء في أطراف أصابعها وإلى لونه القانيء في قوله:

بأطرافها الحناءُ في سَبط طَفْلِ[116])

 

أسيلة مُسْتَنّ الوشاحين قانئ

وهن في شعر الراعي النميري حمر الأنامل أيضاً:

حُمُرُ الأناملِ عينٌ طرفها ساجِ[117])

 

حتى أضاءَ سِراجٌ دونه بَقَرٌ

وهو ما يذكره عبيد الله بن قيس الرقيات في قوله:

حِساناً وأطرافاً مُخَضَّبةٌ مُلْسَا[118])

 

يُكنانِ أبشاراً رقاقاً وأوجُهاً

كما لا يفوت عمر بن أبي ربيعة الإشارة إلى كفها المخضبّ وبنانها الرخص:

عَنَمٌ ومنتفجُ النطاقِ وثيرُ[119])

 

ومَخَضَّبٌ رَخْصُ البنانِ كأنه

والملاحظ هنا أن الشعراء اكتفوا بوصف زينة الأنامل المؤلفة من الحناء وغاب عن وصفهم ذكر الخواتم، التي كانت زينة شائعة في الأصابع، كما تشير بعض الأخبار التاريخية، إذ يقول صاحب الأغاني: "إن سكينة كانت ترمي الجمار فسقطت الحصاة من يدها، فرمت بخاتمها"[120]).

وشغف الشعراء بتصوير العيون الكحيلة، وما تجمل به النساء عيونها من الإثمد الذي يعد أقدم صباغ استخدمته المرأة في تجميل نفسها بالإضافة إلى الخضاب فمهما بلغ أمر المرأة في إهمال زينتها، فإنها لا تظهر من غير كحل ولا خضاب كما يقول العرجي:

ولا خضاب ولا غسل ولا دُهْن[121])

 

شُعثٍ تَعَطّلْنَ لم يعرين من كُحُلٍ

واستملح الشعراء عيون النساء الكحيلة التي تشبه عيون الظباء، واستمدوا من هذا التشبيه أكثر صورهم، فنسمع عمر بن أبي ربيعة يقول:

ظبيٌ تُزينه عُوارضُهُ والعينُ زيّن لَحْظَها كَحَلُهْ[122])

مُكَحَّلةٍ تَبْغي مَراداً لجُؤذُرِ[123])

 

وعَيْنَي مهاةٍ في الخميلة مُطْفِلٍ

وأعاد عبيد الله بن قيس الرقيات القول في هذه الصورة:

يرتعي بالذنائبِ[124])

 

جيد رئمٍ مُكَحّلٍ

ولم يبتعد الخطيم المحرزي عن هذا التشبيه أيضاً عندما قال:

تراعي مهاً أضحى جميعاً وفرّدا[125])

 

لها مقلتا مكحولةٍ أمّ جؤذرٍ

وكذلك فعل الأخطل في صفة كحلها:

كأنها أحورُ العينينِ مكحولُ[126])

 

"غراءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارضها"

وكانت عيناها المكحلة السبب في شقاء كثير وعذابه:

إليها وبعضُ العاشقين قتولُ

 

رأيتُ وعيني قربتني لما أرى

فعفٌ وأمّا طرفُها فجَهولُ[127])

 

عيوناً جلاها الكحلُ أمَّا ضميرُها

ويراها المجنون أبهى من الشمس وأكثر جمالاً، لأن الشمس لا تملك عيونها الفاترة المكحلة:

بمكحولةِ العينينِ في طرفِها فَتْرُ[128])

 

ومن أين للشمسِ المنيرة بالضحى

وهي لا تحتاج إلى استخدام الإثمد، كما يزعم المجنون، لأنها خلقت مكحلة بشكل طبيعي:

سوداءَ ترغب عن سوادِ الإثمدِ[129])

 

وترى مدامعَها تَرقْرَقُ مُقْلَةً

وهو ما يزعمه ابن هرمة في صفة عينيها عندما يقول:

بلا كُحلٍ وَمِنْ كشحٍ هضيمٍ[130])

 

ومن عَينٍ مكحَّلةِ المآقي

وتزينت النساء أيضاً بالخلاخل في أرجلهن، وطالما أغرم الشعراء بتصوير المرأة التي تملأ الخلخال ساقها، فتخرس صوته، وتمنعه من الاهتزاز والاضطراب، وكنا لاحظنا في المبحث الجمالي أن امتلاء الأرجل من أهم صفات الحسن والكمال، وكنى الشعراء عن امتلاء ساقيها بخلخالها الصامت، كما يقول الشمردل اليربوعي:

لأياً تقومُ وبعد اللأي تنتطقُ

 

من كلّ ميّالةٍ خرسٍ خلاخلُها

إلاّ تضوَّعَ منها العنبُر العبقُ[131])

 

غرثى الوشاحِ صموتِ الحجلِ ما انصرفت

ويشير جرير إلى هذا المعنى، فيقول:

وترى السِوار تزينه والمِعْضَدا[132])

 

تُشجي خلاخلُها خِدالٌ فَعْمةٌ

وهو ما رآه أيضاً عمرو بن لجأ التميمي في ساقي صاحبته وذراعيها:

إذا ما أكرها نشبا وهابا[133])

 

ترى الخلخالَ والدّملوجَ منها

ويلتفت "كثيّر" إلى موضع الخلخال، فيقول:

بأسوقِهِنَّ في قصَب خدالِ[134])

 

ويجعلن الخلاخلَ حين تلوى

وينظر عبيد الله بن قيس الرقيات إلى ساقيها فيراهما حشو الخلخال صحة وامتلاءً

ساقانِ مارَ عليهما اللحمُ[135])

 

تخطو بخلخالينِ حشوهما

ويصف ذو الرمة يدي حبيبته وساقيها، فيراها مبّرأة من كل عيب ليس فيها دقة أو اعوجاج، وقد زادها الخلخال والأساور حسناً:

على قصباتٍ لاشخاتٍ ولا عُصْلِ[136])

 

وحليُ الشوى منها إذا حُلّيتْ به

ويكرر إعجابه بامتلائها في موضع الخلخال والأساور:

قناً مالئٌ للعينِ ريّانُ عبهرُ[137])

 

وفي العاجِ منها والدماليجِ والبُرى

وأعجب الشعراء أيضاً بصوت الحلي ورنينها عندما تتحرك المرأة، فكان عامل إثارة إضافياً، يجذب إليها الأسماع والأنظار، وهي إشارة قديمة التفت إليها بعض شعراء الجاهلية[138]) ثم دخلت في نسيج الشعر الأموي، وتعاورها الشعراء، فعندما حاول أبو دهبل الجمحي أن يسجل صوت حليها لم يستطع الابتعاد عن النموذج التراثي، فجاءت صورته شبيهة بصورة الأعشى:

وشارفهن اللؤلؤُ المتشرّجُ

 

كأنّ وساويسَ الحلّي إذا مشت

يَمانّيةٌ هَبَّتْ من الليل سجسجُ[139])

 

تَخشُّشَ بالي عِشْرقٍ زجلَتُ بهِ

وهو ما وقع فيه النابغة الشيباني أيضاً عندما قال:

كما اهتزّ في ريحِ من الصيفِ عشرقُ[140])

 

وللحلي وسواسٌ عليها إذا مشت

ولكن العرجي اكتفى بذكر صوت حليها عندما تتحرك، قال:

ما لم يكن بين أثناءٍ من العكنِ[141])

 

لها وساوسُ تجري في تحركها

وأضاف عبيد الله بن قيس الرقيات إلى صوت حليها أثر ذلك الصوت في حواسه:

يُصّمني صوتُ حَلْيهِا الهزِجِ[142])

 

تهوي يداها بشفِّ زينتها

وتوسع العجاج في وصف صوت حليها، ونوع في الأصوات التي تصدر عنه، فسمع منها الوسوسة، وصوت الأجراس، وصوت الريح التي تداعب الحصاد اليابس، وتطرحة يمنة وشمالاً، يقول:

تسمعُ للحلي إذا ما وَسْوسا

والتّج في أَجيادِها وأَجرسا

زفزفةَ الريحِ الحصادَ اليُبَّسَا[143])

العطور:

كانت العطور ضرباً مهماً من ضروب الزينة، ومظهراً من مظاهر العزّ والثراء والنعيم، فلا غرابة إذا رأيناها تشغف المرأة في العصر الأموي، وتُميل قلبها. ولا غرابة إذا رأينا هذه المرأة تستكثر منها، وتغرق نفسها بقوارير العطور المختلفة التي تركت أثرها في قلوب الكثيرين.

وقد دأب الشعراء على تصوير المرأة معطرة يضوع العبير من أردانها وشَعْرها وفمها، فكأنها روضة متنقلة تنشر حولها أزكى الروائح والطيوب.

وكان عمر بن أبي ربيعة من أبرز الشعراء الذين صوروا المرأة عطرة فواحة، بل مبالغة في عطورها، وفي كل أمورها، وذلك بسبب حضريته وترفه وإطلاعه على كل ما تعرف الحياة الحضرية آنذاك من عطر وزهر ونبات[144]). وها هو ذا يهتدي إلى خباء "نُعم" في ظلمة الليل، تهديه إليه ريّاها الفّواحة التي طالما تنسّمها من قبل، يقول:

لها وهوى النفسِ الذي كادَ يظهرُ[145])

 

فدلّ عليها القلبَ ريَّا عَرَفْتُها

وبها نفسها يهنئ أهل العامرية، لأنها مثال النظافة والجاذبية والإثارة بسبب ما يفوح من عبيرها الذي لا يفارق ذاكرته:

رها اللذيذُ وريّاها الذي أتذكّرُ[146])

 

هنيئاً لأهلِ العامريّة نشـ

ويلذ لعمر أن يستعرض أنواع عطورها، فكأنه يؤكد معرفته بأمور النساء وعطورهن، وما يستخدمن من أساليب الزينة، وهو في الوقت نفسه -يبرز مكانتها وعلو شأنها، ويدل على ثرائها وعيشها الخفيض، فهذه إحداهن تستخدم العنبر المسحوق مع القرنفل:

وقرنْفُلٌ يأتي به النَشْرُ[147])

 

والعنبر المسحوق خالطَه

وهذه أخرى تستخدم المسك مع العنبر:

أردانِها والعنبرُ[148])

 

خَوْدٌ يفوحُ المسك من

وهذه ثالثة تتطيب باليلنجوج والقرنفل والعنبر:

وريحُ اليلنجوج والعنبر[149])

 

يفوحُ القرنْفُلُ من جيبها

وتلك رابعة تستخدم المسك والعنبر والكافور:

من جيبها قد شابَهُ كافورُ[150])

 

وتضّوع المسكُ الذكيُّ وعنبرٌ

وخامسة تبخر نفسها بعود بخور بالإضافة إلى المسك، فيرتاع من ريحها النفاذة ويستيقظ من نومه:

غيرُ ريح المسكِ منها والقُطُرْ[151])

 

لم يَرُعْني بعدَ أخذيَ هجعةً

ولا يكتفي عمر بما أضفاه على حضور المرأة من عبق وعبير، بل يضيف ذلك كله إلى طيفها الجميل الذي زاره، فخاله بائع عطور قد فاحت روائحه معلنة عن نفسها:

حَسبِتُ وَسْطَ رحال القوم عطّارا[152])

 

لما ألمّت بأصحابي وقد هَجَعُوا

وفي زيارة ثانية لطيفها العطر يحدد أسماء معينة من العطور التي تداخلت روائحها واختلطت، وكانت السبب في تعلقه بها:

ونفحة المسكِ والكافورِ إذ ثارا[153])

 

من طيبِ نشرِ التي تامَتْكَ إذ طرقت

وتكررت صفة أخرى في شعر عمر تعبر عن المرأة العطرة كقوله "خريدة معطار" مرات كثيرة[154]).

ويخالف العرجي صاحبه عمر في ذكر طيوب صاحبته وعبيرها، فيؤكد أن طينتها خلقت معطرة، فهي لا تحتاج إلى أن تضيف إلى نفسها أي شيء آخر.

من عنبرٍ خُلِقَتْ من أطيبِ الطينِ[155])

 

وما تَطَيَّتُ إلا أَنَّ طِينتَها

وهي في رأي الأحوص التي تمنح الطيوب طيبها، وتنشر العبير الطبيعي فيها:

أنْ تمسِّيه أينَ مثلُكِ أينا[156])

 

وتزيدينَ أطيبَ الطيبِ طيباً

كما أنها تنضح المسك وريح الخزامى، فتفوح حولها أزكى العطور:

وريحَ الخزامى عرفُه ينضحُ الندا[157])

 

كأن زكيَّ المسكِ منها وقد بدتْ

وتحولت إلى وعاء الطيب نفسه في تشبيه لعبيد الله بن قيس الرقيات. يقول:

عَبَقَ العبيرِ بعاجةِ الحُقّ[158])

 

قرشية عَبِق العبيرُ بها

ويقترب من هذه الصورة الحارث بن خالد المخزومي، فيقول:

عَبَقَ الدِّهانِ بجانبِ الحُقِّ[159])

 

أتْرُجَةٌ عَبِقَ العبيرُ بها

وهي في أكثر الأوقات التي تكون النساء فيها بعيدة عن الزينة والتجمل تكون معطرة فوّاحة في زعم الحارث بن خالد أيضاً:

تحت الثياب إذا صفا النّجمُ[160])

 

وكأنَّ غاليةً تُباشرُها

ويذكر أبو دهبل الجمحي عطور صاحبته، ويعدد بعض أنواعها، فتبدو وقد اختلطت بأنواع أخرى من البخور، فمنها ما تستعمله لنفسها، ومنها ما تستعمله لبيتها:

صلاءً لها على الكانونِ[161])

 

تجعلُ المسكَ واليلنجوجَ والندّ

وتكثر في أشعار العذريين الإشارة إلى طيوب محبوباتهم، وروائحهن العطرة، ويربط هؤلاء العشاق بين عطور هؤلاء الحبيبات ومشاهدة الطبيعة الجميلة من رياض وحدائق مزهرة يبللها الندى، فيزيد من انتشار عبيرها، ويصبح أطيب وأزكى وكان كثيّر مفتوناً بروائح حبيبته، فهي تعطرّ الحيّ الذي تمرّ به، ويدلّ عليها عطرها النّمام، يقول:

ليلى ونمَّ عليها العنبرُ العَبِقُ[162])

 

تأرَّجَ الحيُّ إذْ مَّرتْ بُظعْنِهمُ

وكان يتنسّم عطورها في ريح الصَّبا الندية التي تأتيه كل ليلة:

وتجمعُنا الأحلامُ في كلّ مرقد[163])

 

يجيءُ بريّاها الصّبا كلّ ليلةٍ

ويصفها وقد عطّرت أصداغها، فتضوع منه العبق "وللعبير على أصداغها عبق"[164])

ويذكر طريقة بعض النساء في استخدام العطور، فهن يدلكنها بأيديهن، ويذبنها في الماء ثم يدّهن بها:

ويُشْرِقُ جاديٌّ بهنَّ مفيد[165])

 

يباشرن فأرَ المسكِ في كلّ مهجعٍ

وأكثر ما بدا احتفال كثيّر بعطور عزة في هذه الصورة المطولة التي يعقد فيها مقارنة بين هذه الحديقة المزهرة الندية، الغنية بالأعشاب والنباتات المختلفة، وبين بخور عزة وعطورها. على نحو يذكّرنا تذكيراً قوياً بالأعشى في حديثه عن طيب رائحة "هريرة" في قصيدته المعلّقة، يقول:

يمجُّ الندى جثجاثُها وعرارُها

 

فما روضةٌ بالحَزْنِ طيبةُ الثرى

تلاقت به عطّارةٌ وتجَارُها

 

بمنخرق من بطن واد كأنما

لطيمةُ داري تفتق فارُها

 

أفيد عليها المسكُ حتى كأنها

وقد أُوقدِتْ بالمندلِ الرطبِ نارُها[166])

 

بأطيبَ من أردانِ عَزّة مَوْهناً

أما جميل فلم يتسع في صورته اتساع "كثيّر" بل اكتفى بصورة عذبة متقاربة الأطراف، فزعم أن "أم حسين" في طيبها روضة ذات حنوة وخزامى، هطل عليها مطر الربيع، ففاحت روائحها المثيرة:

حين يدنو الضجيج من عِلَلِهْ

 

يا خليليّ إن أُمّ حسين

جادَ فيها الربيعُ من سَبَلِهْ[167])

 

روضةٌ ذات حنوةٍ وخزامى

ويؤكد اختلاط روائحها بروائح الطبيعة الساحرة، وأكثر ما ينتشر طيبها ويحس به عندما تستيقظ من نومها، فيشعر كأنها وعاء العطر ذاته:

بُعيدَ الكرى أو فأْرَمسكِ تُذَبّحُ[168])

 

كأن خُزامى عالجٍ في ثيابِها

ولم يكن العطر في ثيابها وحسب، بل فاحت العطور وعبق العبير من ذراعيها وأكمامها:

تُغَلُّ به أردانُها والمرافقُ[169])

 

كأنّ فتيتَ المسكِ خالطَ نشرَها

واختلطت روائح الطبيعة ونسائم الصباح العليلة بعطور صاحبة الصمة القشيري أيضاً، فبات يتنفس المسك ممزوجاً بالعنبر والخزامى:

أتتنا بريّاكم فطابَ هُبُوْبُها

 

إذا ما أتتنا الريحُ من نحو أرضكمْ

وريح الخزامى باكرتها جنوبُها[170])

 

أتتنا بريح المسكِ خالطَ عنبراً

ويشير مجنون ليلى إلى أن حبيبته كانت تطيّب شعرها، فتهب منه روائح العنبر مع الورد والريحان إذا حرّك المدرى ضفائره، يقول:

مَجَجْنَ ندى الريحانِ والعنبرَ الوردا[171])

 

إذا حرَك المدرى ضفائَرهُ العلا

وكانت تطيب صدرها أيضاً على نحو ما يظهر في قوله:

كما اشتاقَ إدريسٌ إلى جَنَّةِ الخُلدِ[172])

 

وإني لمشتاقٌ إلى ريح جيبِها

واقترب جرير من معاني العذريين كثيراً، عندما ذكر طيوب المرأة وعطورها، فمزج بين الطبيعة والمرأة قائلاً:

وريحِ الخزامى في دماثِ مُسيّلِ[173])

 

لها مثلُ لونِ البدرِ في ليلةِ الدجى

وكان ينسى همومه إلى جانبها، ويذوق جمال الحياة ولذتها لما تثير في نفسه من الإحساس بالانتعاش والجمال:

هَمّ الضجيعِ فلا دنيا كدنيانا

 

تستافُ بالعنبر الهنديِّ قاطعةً

واستُحِسن للراعي النميري قوله في طيب المرأة:

على روضةٍ ريحانُها قد تخضّدا

 

وما مزنةٌ جادَتْ فأسبلَ ودقُها

عليها طروقاً ثم أضْحَوا بها الغدَا

 

كأن تجارَ الهندِ حلُّوا رِحالَهم

سعادُ إذا نجمُ السِّماكين عَرّدا[174])

 

بأطيبَ من ثوبينِ تأوي إليهما

وكانت هذه الصورة قد تسربت إلى أذهان الأمويين فيما تسرب إليهم من الشعر الجاهلي وتصوراته كما ذكرت، فها هو ذا القطامي أيضاً يقلب النظر فيها، ويحاول إضافة عناصر جديدة إليها، ولكنه -على الرغم مما يفعل- يظلّ مشدوداً إليها بوثاق، يقول:

وذي نَفَلٍ من قُلَّةِ الحّزن عازبِ

 

وما ريحُ روضٍ ذي أقاحٍ وحَنْوةٍ

نطافاً ولّما يأتِ سيلُ المذانبِ

 

سقته سماءٌ ذاتُ ظلٍّ فنقعت

من الليل وَسْنَى جانباً بعد جانب[175])

 

بأطيب من ليلى إذا ما تمايلت

ويشير ابن ميادة إلى رائحة صاحبته الطيبة، فهي تضوع شذا طيباً في كل وقت ويقرنها في طيب عطرها بالرياحين، يقول:

وردّت عليها بالضحى والأصائل[176])

 

ولكنها ريحانةٌ طابَ نَشْرُها

ويؤكد مبالغتها في عطورها، فكأنها وعاء المسك ذاته، أو كأنها تاجر العطور:

من المسكِ أو داريّةً وعِيابَها[177])

 

فبتنا كأنّا بيننا لطميّةً

وتكاد الأنوف ترعف من كثرة ما تعطرت النساء بأنواع الطيب المختلفة في شعر هدبة بن الخشرم:

الأنوفُ إذا استعرضْتهنَّ رواعفُ[178])

 

تَضَمَّخْنَ بالجاديِّ حتى كأنما

ويرى النابغة الجعدي حبيبته معطرّة في أوقاتها وأحوالها جميعاً: نائمة أو مستيقظة، مزينة أو غير مزينة، يقول:

والعلاتِ عند الرقاد والنسم[179])

 

طيّبة النشرِ والبُداهةِ

ويعدد النابغة الشيباني بعض أنواع عطورها تعداداً لا يخلو من المباهاة والإحساس بالرضا:

يخالطُهُ من الهنديِّ عُوْدُ[180])

 

وقد عَبِقَ العبيرُ بها ومِسْكٌ

ويزعم -في رضا عميق وإحساس بالتميّز -أن جلود هؤلاء النساء اللواتي يتحدث عنهن مصفرة ناعمة مُلس من كثرة استعمال الطيوب والعطور. يقول:

فكلُّ أَبشارِها مصفّرةٌ مُلُسُ[181])

 

تكسو الجلودَ عبيراً لونُها شرِقٌ

هذا هو الحسن المصطنع كما تصوره شعراء هذا العصر وصوّروه، وهو حسن لا يكاد ينفكّ عن الجمال الطبيعي أو يفارقه، فهو صنوه وشقيقه. وهؤلاء هم شعراء هذا العصر في المدن حيث يتفيّأ الناس ظلال الحضارة والنعيم والترف، وفي البادية حيث ينهمر الضوء، وتكون القائظة، فتتقلص ظلال الحضارة، ويعز النعيم، وينأى الترف. ولكنهم جميعاً تشابهت مزاعمهم على الرغم من الفروق الاجتماعية الضخمة في الواقع الاجتماعي. فكلهم صوّروا حبيباتهم صوراً تضج بالفتنة، وتتوهج بضروب الزينة من ملابس وحلي وعطور وخضاب وغيرها فكأننا في معرض من معارض الأناقة، أو في مسابقة من مسابقات الجمال؟؟ ولست أريد بهذا القول أن أزعم أن هؤلاء الشعراء تساووا فيما صوّروه وعرضوه، فهذا زعم لا يصحّ ولا يستقيم، فقد استكثر عمر بن أبي ربيعة من ضروب الزينة وكميتها حتى فاق الشعراء جميعاً، ثم تبعه شعراء المدن الآخرون، وجاء بعدهم بقية الشعراء، ولكنني أريد بقولي السابق أن هؤلاء الشعراء تساووا في "فكرة الزينة أو "مفهومها" على الرغم من اختلافهم في كمياتها- بعبارة أدق وأوجز: لقد اتفقوا في مفهوم "الكيف"، واختلفوا في أمر "الكم".

وثمة ملاحظة أخرى على حديث هؤلاء الشعراء، وهي ملاحظة تستحق الاهتمام في نظري، فقد أسرف شعراء الحضر بالحديث عن عطور النساء، واكتفوا بما يضوع من شذاها الزكي، أما الشعراء الآخرون فقد قرنوا الحديث عن هذه العطور، وعن روائح حبيباتهم الزكية بالحديث عن الرياض وحنوتها وأقحوانها وما يصيبها من مطر أو ندى، فكانت روائح تلك الرياض غبّ المطر أو الندى أجمل وأطيب وأكثر دواماً.

وعلى الرغم مما تقدّم فإن الشك ما يزال يخامرني في أمر هؤلاء النساء، فأنا أظن أنّ امرأة تملك كل هذا الملك، وتصدر عن كل هذا الذوق في زينتها وأناقتها وحركتها، إن هي إلا صورة مثالية أراد الشعراء تجسيدها وإضفاءها على الواقع الحياتي ليكون أجمل وأحلى.

فالمرأة التي التقيناها في شعر بعض شعراء البدو كانت ترفل بالحرير، وتطأ ثوبها الطويل وتضمخ بالعطر، وتثقل حركتها بسبب ما تحمل من مجوهرات نفيسة، ويتوافر لها من يقوم على خدمتها وتجميلها وتدليلها. وهي ذاتها التي نراها في شعر الهجاء حافية شقية بائسة تسابق الضوء للقيام بأعمالها، تجمع الدرنات وبعض النباتات التي تصلح للطعام، وتعتني بالماشية وتقوم بحلبها، وتفوح منها أخبث الروائح وأنتنها بسبب إنهاكها في العمل وتعرقها. فهل الواقع المرّ هو الذي جعل الشعراء يعادلونه بصور مخيلة تضفي على وجودهم بعض الراحة والهناء؟ أم أن حب أبناء القبائل ضاع في جوف الزمن، وطوته رمال الصحراء، ولم يبق لنا منه إلاّ حب الأثرياء؟ من يدري؟ ضراوة الواقع -في ظني- هي السبب.

ولكن الأمر يختلف بعض الاختلاف حين نتحدث عن صورة المرأة في شعر المدن الحجازية التي توافر لها النعيم والرفاهية والترف، فإن صورتها في الشعر لا تفارق صورتها في الواقع الاجتماعي مفارقة كبيرة. ولأقل مثل ذلك في الصورة التي رسمها الشعراء لسيدات الأسرة الحاكمة. ولكن ذلك كله لا يعني أننا نجد مطابقة بين الصورة الواقعية والصورة الشعرية للمرأة، فقد تدخل الخيال الفني، ومسّ بناره السحرية الصورة الواقعية، فازدادت ألقاً وتوهّجاً وفتنة، وبدت كل امرأة في شعر هؤلاء الشعراء في زي أميرة ساحرة تمتلك كل ما يبهر العين في ملابسها وحليّها، وكل ما ينعش الروح في عطورها، وما يأسر القلب بدلالها ومرحها، وكل ما يسبي العقول بأخلاقها وجمالها.

وحاولت هي في واقعها بعيداً عن الخيال الفني أن تلفت الرجل العربي إليها، وتجذبه من أحضان الجواري وفنونهن، في وقت أصبحت فيه منسية بين جدران القصور الفسيحة، لا يمكن النظر إليها لأنها تكافئ الشمس منزلة وعلو شأن.

ولما كان الشاعر صوت مجتمعة، حمّل نفسه مسؤولية وضع المرأة العربية وما صارت إليه، وجعل من شعره وسيلة إعلان تجذب الأنظار إليها ويمكن أن تنقذها مما هي فيه.

ولهذا كله يمكن القول: إن صورة المرأة في الشعر الأموي مؤهلة وصالحة لحمل دلالات تجاوز واقعها الفردي، وتتصل بالواقع الاجتماعي، ولا يمكن الكشف عن هذه الدلالات إلا إذا فسّرنا الشعر في ضوء التفسير الحضاري العام للعصر، وهذا ما حاولته في فصل "المرأة والمجتمع" وفي مواطن متفرقة من هذا البحث.

 



[1]) رسالة العشق والنساء: 150.

[2]) الحيوان: 1/110 النمص: نتف الشعر. التنمص والتطوس: التزين. التعرس: التحبب.

[3]) أخبار مكة: 4.

[4]) العصر الإسلامي: 140.

[5]) المرجع السابق: 145.

[6]) سورة الآحزاب: آية 59.

[7]) سورة النور: آية 31.

[8]) حوليات كلية الآداب: اللباس في عصر الرسول 23-35.

[9]) المرجع السابق: اللباس في عصر الرسول 23-35.وهو كما جاء في لسان العرب. الخمار أيضاً، وزاد في تاج العروس أن النصيف هو العمامة وكل ما غطى الرأس فهو نصيف.

[10]) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 140 البهر: أن تغلب النساء في الحسن. الخمار ما تستر به وجهها.

[11]) المصدر السابق: 143.

[12]) المصدر السابق: 176.

[13]) المصدر السابق: 158.

[14]) المصدر السابق: 374.

[15]) المصدر السابق: 373.

[16]) المصدر السابق: 162 ذو بقر: اسم موضع. السقط: الكثيب. طفل: ولد الظبية.

[17]) ديوان العرجي: 39. سوافر: المرأة البرزة.

[18]) المصدر السابق: 149.

[19]) ديوان الأحوص: 113.

[20]) ديوان ذي الرمة: 31.

[21]) ديوان المجنون: 70.

[22]) المصدر السابق: 119 لاثت: لفت وعصبت. السب: الخمار الغدر: الذوائب. الجعد: ضد المسترسل.

[23]) ديوان جرير: 221.

[24]) ديوان جرير: 469.

[25]) ديوان الفرزدق: 279.

[26]) ديوان الأخطل: 307.

[27])المصدر السابق: 714 الحصان العفيفة. أعرضت: امتنعت.

[28]) شعر بن ميادة: 17.

[29]) ديوان القطامي: 159- مسفراً: وجهاً مضيئاً. الهفاف: الثغر الرقيق. الغروب: حد الأسنان.

[30]) الحضارة العربية الإسلامية: 160.

[31]) حوليات كلية الآداب:اللباس في عصر الرسول 51-103.

[32]) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 428 المطرف: الثوب. العتيق: الكريم. الديباج: الحرير.

[33]) ديوان عمر: 116 العصب: نوع من الثياب تلف خيوطه أولاً ثم تحاك.

[34]) المصدر السابق: 143.

[35]) المصدر السابق: 175.

[36])المصدر السابق: 135. نعفي : نطمس.

[37]) المصدر السابق: 184. لم تدرع: صفة لفتاة صغيرة السن.

[38]) المصدر السابق: 99. المطرف: رداء من خزفية أعلام. الدرع: القميص.

[39]) المصدر السابق: 201 الخريدة: اللؤلؤة التي لم تثقب. الريطة: الملاءة. العصب: ثباب مخططه.

[40]) المصدر السابق: 416. محقق جندي: ثوب من الجند في اليمن وهو رقيق لا يخفي شيئاً.

[41]) المصدر السابق: 388. الحبرات: ثباب يمنية.

[42]) المصدر السابق: 120.

[43]) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: 41 المطرف: رداء من خز، السباعي: الذي سعته سبعة أزرع المفوف: الموشى. الملفاف: الذي لفق طرفاه.

[44]) المصدر السابق 112. السخام: اللين. الحقو: معقد الأزار من الكشح.

[45]) المصدر السابق 23

[46]) ديوان العرجي: 178 مستشعرين: لابسين. الملاحف ما يلتحف به. الهروية، نسبة إلى هراة بفارس تصنع فيها الثياب المعصفرة.

[47])المصدر السابق: 74

[48]) المصدر السابق 91

[49]) ديوان عروة بن أذينة 219

[50]) ديوان الفرزدق 383

[51]) المصدر السابق: 421 أي أنها لا توقد النار للطبخ بل للتطيب. المفضل: ثوب النوم. الخزية: المصنوع من الحرير.

[52]) المصدر السابق 139 العدان: موضع، الملاء المعضد: الثوب الواسع المخطط.

[53]) المصدر السابق 384 الفرند الخسرواني: ضرب من الثياب. المشاعر: ما يلي البدن من الملابس المفوف: الرقيق الذي فيه خطوط بيض على الطول.

[54]) ديوان الفرزدق 374 العلائف: الناقة التي لم ترسل للرعي

[55]) المصدر السابق: 252 السابري: ثوب رقيق: الرياط: ثوب يشبه الملحفة. تنعلن: وطئن. واءلت: هربت.

[56]) المصدر السابق 25: الحواريات: الحوارية الحضرية سميت بذلك لبياضها. الجلابيب: القميص الواسع أو الثوب.

[57]) ديوان جرير 945 المرط: الإزار من خز مقلم. مرحل: فيه أعلام ورسوم تشبه الرحل.

[58]) المصدر السابق 776 ذا الأنيار: أراد أنه من ديباج النير: الخطوط إذا اجتمعت ومعناها القصب.

[59]) ديوان العجاج 190 المدمقس: الذي فيه حرير. ميسنانيا: نسبة إلى ميسان بلد في العراق. مميسا: أي طال حتى مال.

[60])المصدر السابق: 223 ألبس دعصاً: يريد كأن ثيابها على دعص الرمل. مرحل: عليها صور الرحل

[61]) ديوان المجنون 213

[62]) المصدر السابق 108

[63]) ديوان جميل 66

[64]) ديوان: كثير 228

[65]) المصدر السابق 331

[66]) المصدر السابق 133

[67]) المصدر السابق 133

[68]) ديوان المتوكل الليثي 155 النقب: ج نقبة ثوب كالإزار يجعل له حجزة مخيطة.

[69]) ديوان يزيد بن مفرغ الحميري 234 ثوب مدنر: وشيه كالدينار. العتق: خيار كل شيء.

[70]) الأغاني 5/150

[71]) شعر عمرو بن لجأ: 68

[72]) شعر محمد بن بشير 57

[73]) شعراء أمويون 313

[74]) ديوان الأخطل 543 السابري: ثوب رقيق، الحر: الأبيض. العطل: العاطل من الحلي.

[75]) الخزانة 9/447.

[76])المصدر السابق: 4/386 خذه ولو بقرطي مارية".

[77]) ديوان النابغة الشيباني 182 الأخراص: الأقراط.

[78]) المصدر السابق 70. نيط: علق. الشنف ما يعلق في أعلى الأذن.

[79]) شعر هدبة 116

[80]) ديوان ذي الرمة 35 حرة الذفرى: موضع مجال القرط.

[81]) ديوان العرجي 105

[82]) ديوان كثير 183 مشراف: طويلة تامة. ينيف: يرتفع. الواضح: النقي.

[83]) ديوان الأخطل 715

[84]) المصدر السابق 78. سننه: مجراه. أراد حيث يجري، عقاق: ج عقيقة من الخرز الأحمر.

[85]) المصدر السابق 56 يشب: يظهر جماله ويزيد حسنه.

[86]) المصدر السابق 554

[87]) نقائض جرير والأخطل 121.

[88]) ديوان عروة بن أذينة 128 خرعبة: ناعمة دقيقة.

[89]) شعر محمد بشير: 70

[90]) ديوان المتوكل الليثي 116

[91])المصدر السابق: 192

[92]) الأغاني 5/149

[93]) ديوان النابغة الشيباني 95. السموط: خيط النظم. الفريد: الشذر يفصل اللؤلؤ عن الجواهر الأخرى.

[94]) ديوان العرجي 120

[95]) المصدر السابق 18 أيلج: مضئ مشرق.

[96]) ديوان عبيد بن قيس الرقيات: 107 الزبرجد: ليس بعربي

[97]) ديوان الأحوص 225

[98])المصدر السابق: 91 تكنفه أحاطوا به يصف دقة عنايتهم به. الشذر: قطع الذهب يفصل بها اللؤلؤ عن الجوهر، الغضا: من أجود الوقود.

[99]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 141

[100]) المصدر السابق 428

[101])المصدر السابق: 25

[102]) المصدر السابق 456، الترائب: عظام الصدر، الجمان: اللؤلؤ.

[103]) ويكرر ذكر عقودها 211-480-158

[104]) المصدر السابق 135، السوار: موضعه في الزند الدملج: في المعصم.

[105])المصدر السابق: 488

[106]) ديوان عبيد الله 61ـ الدملج: حلي يلبس في المعصم.

[107]) شعراء أمويون 295

[108])المصدر السابق: 262

[109]) الأغاني 5/150

[110]) ديوان النابغة الشيباني 166، اليارقات: جمع يارق وهو السوار، فارسي معرب.

[111]) ديوان كثير 134، كظت: ملأت.

[112]) ديوان المجنون 121. اليارق والقلب نوعان من الأساور. أرغن: طلبن.

[113]) نقائض جرير والأخطل 220، الأروح: ج راح وراح ج راحة

[114]) ديوان النابغة الشيباني 165

[115]) ديوان يزيد بن معاوية 48

[116]) ديوان ذي الرمة 142، سبط: طويل يريد الأصابع، طفل: رطب، قانئ: شديد الحمرة، أسيلة مستن الوشاحين: أي حيث تجري الوشاحان.

[117]) شعر الراعي النميري: 33، يعني نساء لأن العرب تكنى عن المرأة بالبقرة والنعجة وعين: ج عيناء وهي الواسعة العين.

[118]) ديوان عبيد الله بن قيس 35

[119]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 125، العنم: ثمر أحمر، منتفج النطاق: أردافها ممتلئة.

[120]) الأغاني 14/172.

[121]) ديوان العرجي39، شعثاء: لم تتعهد شعرها، أي تركن التزين لطول سفرهن تعطلت إذا خلا جيدها من القلائد.

[122]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 366، العوارض: ج عارض صفة الخد، الكحل: أن يكون بالعين شبه الكحل خلقة

[123]) المصدر السابق 104، المهاة: البقرة الوحشية، الخميلة: الشجر الملتف. المراد المكان الذي يذهب فيه ويجيء.

[124]) ديوان عبيد الله بن قيس 28، الذنائب: موضع، الرئم: الظبي.

[125]) شعراء أمويون 263

[126]) ديوان الأخطل 56 الفرعاء: الطولة الشعر، العوارض: الثنايا. مفردها عارض، الأحور: الظبي فيه حور

[127]) ديوان كثير 331

[128]) ديوان المجنون 128

[129]) المصدر السابق 117

[130]) فنان البديع: ابن هرمة 162، الكشح: الخصر، الهضيم: الضامر الرقيق.

[131]) شعراء أمويون 534 الحجل: الخلخال

[132]) ديوان جرير 376، الساق الخدلة، الغليظة، الممتلئة تشجي: تملأ.

[133]) شعر عمرو بن لجأ 48

[134]) ديوان كثيّر: 228 الأسوق ج ساق. الخدل وهو العظيم الممتلئ

[135]) ديوان عبيد الله بن قيس 55

[136]) ديوان ذي الرمة 143: الشوى: اليدان والرجلان، لاشخات: لادقاق، ولا عصل: ولا معوجة، القصبات: العظام التي فيها مخ.

[137])المصدر السابق: 622، العاج: السوار، البرى: الخلاخل، القنا: القامة، ريان: ممتلئ، عبهر: حسنة الخلق عظيمة.

[138]) الأعشى ق6 "تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل"

[139]) ديوان أبي دهبل: 57، العشرق: شجر ناعم تصوت به الريح، سجسج: باردة معتدلة.

[140]) ديوان النابغة الشيباني 43

[141]) ديوان العرجي 40

[142]) ديوان عبيد الله بن قيس 78، تشف: تكشف.

[143]) ديوان العجاج 191- التج: صار له صوت. أجراسا: صوت الأجراس، الزفزفة، صوت الريح في الحصاد إذا هاجت به الريح طرحته وطردته.

[144]) تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام 483

[145]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 96

[146]) المصدر السابق 101

[147]) المصدر السابق 157

[148]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 171

[149]) المصدر السابق 173

[150]) المصدر السابق 130

[151]) المصدر السابق 138 القطر: العود الذي تتبخر به

[152])المصدر السابق: 121

[153]) المصدر السابق 122 تامتك: استعبدتك: نفحة المسك ريحه.

[154]) تتكرر في ص132-134-11-125-187-270-292-350-357-373-390

[155]) ديوان العرجي 14

[156]) ديوان الأحوص 225

[157]) المصدر السابق: 98 الخزامى: عشبة طويلة العيدان صغيرة الورق حمراء الزهر طيبة الريح، العرف: الريح الطيبة كانت أو خبيثة، وأكثر استعماله في الريح الطيبة.

[158]) ديوان عبيد الله بن قيس 31

[159]) ديوان الحارث بن خالد: 76 الحق: وعاء الطيب.

[160]) المصدر السابق 91- الغالية: ضرب من الطيب. تباشرها: تجملها وتحسنها. صفا النجم: مال إلى الغروب.

[161]) ديوان أبي دهبل 70- اليلنجوج: عود البخور، الند، عود يتبخر به، الكانون: الموقد.

[162]) ديوان كثيّر: 466

[163])المصدر السابق: 433

[164]) المصدر السابق 466

[165]) المصدر السابق: 195- الجادي الزعفران، مفيد: اسم مفعول بمعنى فاد أي داف، فادت المرأة الطيب دلكته ليذوب بالماء.

[166]) ديوان كثير: 429 الحزن: الموضع الغليظ، الجثجاث والعرار: نوعان من النباتات طيبا الرائحة، فالجثجاث ريحانة برية من أحرار البقل، والعرار هو البهار البري. منخرق: متسع، يريد موضعاً تنتشر فيه هذه الرائحة. أفيد: دق ونشر، اللطيمة: المسك، الداري: منسوب إلى دارين موضع يرد إليه المسك على ساحل الخليج. تفتق: ذاع وانتشر. فأرة المسك: نافجته بأطيب: متعلق بقوله فما روضة موهناً: بعد هدء الليل. المندل: العود.

[167]) ديوان جمييل 69 حنوة: نبات طيب الرائحة والخزامى أيضاً. السبل: المطر.

[168])المصدر السابق: 93 عالج: موضع كثير الرمال. فأر المسك: وعاء المسك.

[169]) المصدر السابق: 55- تغل: تدخل تحت الثياب. الأردان الأكمال: المرافق: السواعد

[170]) ديوان الصمة 31 المسك والعنبر: نوعان من الطيب. الخزامى: نبت طيب الرائحة.

[171]) ديوان المجنون 119- العلا: العالية: المدرى: المشط: مججن: امتصصن أو نشرن

[172]) المصدر السابق 115

[173]) المصدر السابق: 161- تستاف: أصل السوف الشم

[174]) ديوان الراعي النميري 58

[175]) ديوان القطامي 44- الحنوة نبات طيب الريح. المذانب: المسايل.

[176]) شعر ابن ميادة 86

[177]) المصدر السابق: 22 اللطمية: العنبرة لطمت بالمسك فتنت به. الدراية: نسبة إلى دارين بلدة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند. العياب: وعاء من أدم توضع فيه الثياب.

[178]) ديوان هدبة: 116- الجادي: الزعفران

[179]) ديوان النابغة الجعدي: 150- النشر: النفس والرائحة. البداهة: أول كل شيء. العلات: على كل حال على غير صنعة

[180]) ديوان النابغة الشيباني 95

[181]) المصدر السابق 79

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244