المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الباب الثالث

المرأة في موضوعات الشعر الأموي
ومعانيه وأخيلته

استمرت موضوعات الشعر العربي التقليدية تثبت وجودها وترسخ معالمها في العصر الأموي، مع بعض الإضافات الجديدة التي استمدتها من روح هذا العصر وثقافته وأحداثه، والتي أكثر الباحثون المعاصرون من الحديث عنها حديثاً مقتضباً حيناً ومبسوطاً أكثر الأحيان، وبرزت ظاهرة "التخصص" في الشعر الأموي على نحو ما لاحظ الباحثون، فقد توافرت في كل بيئة من بيئات هذا الشعر الشروط الموضوعية الملائمة لازدهار الموضوع الشعري الذي ازدهر فيها[1]) فازدهر شعر الحب العذري في بادية الحجاز ونجد، وازدهر الغزل الحضري في المدن الحجازية، وكثر المدح في الشام وتدفق عليها من كل صوب، وتطور شعر الهجاء والنقائض تطوراً واضحاً في العراق، وكانت المعارضة السياسية في العراق عاملاً مهماً في ازدهار الشعر السياسي في تلك البيئة، كما كانت عاملاً مهماً في نشاط شعر المدح الذي قيل في الأمويين.

وباختصار: لقد واكب الشعر الأموي حركة المجتمع وعبّر عنها، وشارك في توجيهها في كثير من الأحيان. وإذا كان هذا الشعر قد ارتبط بالحياة هذا الارتباط الوثيق، فقد يكون أمراً مشروعاً أن ننظر فيه لنستجلي صورة المرأة في ذلك العصر، ونتبين حقيقة مكانتها مع ملاحظة المرأة في موضوعات الشعر المختلفة، فأرصد صورتها في الشعر السياسي:

شعر الزبيريين والخوارج والشيعة، ثم أتتبعها في شعر المديح وشعر النقائض وشعر الرثاء وشعر الحب.

1-في الشعر السياسي:

أستطيع أن أقول إن قضية الخلافة تعد عنواناً كبيراً لهذه المرحلة من تاريخنا، فقد انقسم فيها المجتمع شيعاً وأحزاباً متخاصمة متناحرة حول نظرية الحكم في الإسلام، أو حول أحقية كل منها بخلافة المسلمين. وتحوّل كل طرف إلى داعية لنفسه يرى فيها مقومات خاصة يصلح بها لقيادة المسلمين، وينكر على غيره ادعاء هذا الحق.

ولم يقتصر الأمر على الخلاف النظري وما يتبعه من جدل وحوار، بل جاوزه إلى الحرب، فإذا كل حزب يريد أن ينتزع بالقول والفعل أحقيته بالخلافة من الآخرين، وهكذا دارت الرحى فيما بينهم تطحن وتعيد الطحن مراراً وتكراراً، ومادتهم الأساسية الحق الشرعي لكل منهم، فالشيعة يرون أن الخلافة ينبغي أن تكون في أبناء علي من فاطمة حصراً، لمكانة فاطمة من رسول الله ص، ومكانة "علي" منه أيضاً وأسبقيته إلى الإسلام وتصديق الدعوة، ولما عرف به من الشجاعة والبلاء في حرب المشركين، ومن العلم والعدل وغير ذلك.

والزبيريون يرون -لما يمثلونه من قرشية نقية وقرابة من الرسول -أن الخلافة حقاً لقريش وحدها، وأن عاصمة الخلافة هي مدينة رسول الله تحديداً. ويرى الخوارج أن الخلافة يجب أن تكون عامة في المسلمين. أما الحزب الأموي الذي أمسك بزمام الأمر، وصار إلى ما يشتهي فقد مضى يذيع نظريته في الحكم معلناً أن الله تعالى قد اختار الأمويين وخصّهم دون غيرهم بالخلافة وأيّدهم بنصره على أعدائه وأعدائهم. فكيف تبدو المرأة في شعر هذه الأحزاب؟ وما موقف الشعراء منها؟

أ-الحزب الزبيري:

لن أفصل القول في تاريخ هذه الأحزاب وأهدافها السياسية وشعاراتها، ففي كتب التاريخ ما يكفي من ذلك. وإنما الذي يهم من تلك الأحزاب إنما هو آدابها التي كانت وسيلتها المهمة في الإعلان عمّا تمثل وتريد.

ولقد استطاع الشعر برهافته وحساسيته أن يعبّر عن أعمق المشاعر السياسية والأفكار العقلية والجدل الذي علا واستطار.

فعلى الرغم من ضحالة المبدأ في الحزب الزبيري، كان شعر داعيته الأكبر الشاعر عبيد الله بن قيس الرقيات قوياً محرضاً، استطاع أن يخلخل بعض المسلمات العامة في المجتمع، واستطاع أن يجمع لنفسه الأنصار والمؤيدين، لأن الكلمة في شعر عبيد الله تحولت إلى شعار ثوري يحمل الكثير من رموز التعصب القرشي والغضب والبغض للحزب الأموي الذي يمثل السلطة. وقضى عبيد الله بن قيس يوقع على قيثارة شعره أغنية قريش الخالدة منوّها بعزها وفخارها، ومشيداً بآل الزبير، ومهاجماً أعداءهم الأمويين متبعاً التصريح أحياناً وسالكاً طريق الغزل أحياناً أخرى.

 

وقد أثار شعره في مسلكيه الأمويين، وجعله هدفاً أساسياً لهم عليهم أن يسكتوه.

وإذاً، لقد قرّب عبيد الله بن قيس حديثي من الهدف الذي أريده، إذ ربط ربطاً وثيقاً بين السياسة والشعر بل بين السياسة وأهم موضوعات الشعر وأعرقها ألا وهو الغزل. لقد كان الغزل وسيلة ابن الرقيات المهمة للنيل من أعدائه وإنه لأمر حساس بل شديد الخطر أن يتناول شاعر إحدى نساء البيت الحاكم ويشهر بها، إنه تطاول وهجوم لا يقوم بهما إلا من نصّب نفسه لشدائد الأمور أو لمبدأ كبير.

ولم يكن عبيد الله شخصاً عادياً. بل كان الفارس القرشي الذي وضع يده بيد مصعب بن الزبير الفارس القرشي بل النجم القرشي الأكثر أهمية. وفي اعتقادي لو أن مصعباً هو الذي تزعم الحزب الزبيري لكان له شأن آخر، وذلك لما يتمتع به من صفات الفروسية والكرم والجرأة، وهي الصفات التي افتقر إليها عبد الله بن الزبير شقيقه وزعيم هذا الحزب.

هذا التكاتف إذاً بين عبيد الله بن قيس وبين مصعب بن الزبير جعل لعبيد الله حصانة خاصة قوت في نفسه الشعور بالاحتجاج والمعارضة "فكان يخاصم الرجال دون النساء، وكان يتخذ النساء وسيلة إلى ضرب الرجال. كان يريد أن يتملق النساء، وأن يرضيهن عن نفسه، وأن يحبب إليهن هذا الغزل الهجائي الذي كان يسوء أزواجهن وأبناءهن وعصبتهن بوجه عام. وقد وصل ابن قيس الرقيات من هذا الغزل الهجائي إلى كل ما كان يريد، فأحفظ بني أمية عليه أشدّ إحفاظ حتى هدروا دمه"[2])

ولنستمع إليه في سرد قصته مع أم البنين امرأة الوليد بن عبد الملك التي أسرف في تفاصيلها:

س مِنّي ما أُغيِّبُها

 

رأَتْ بي شيبةً في الرأ

وغيرُ الشيبِ يُعْجِبُها

 

فقالَتْ: أَبْنُ قيسٍ ذا؟

وغَضاتٌ صواحِبُها

 

رأَتْني قد مضى منّي

تمامُ الحسنِ أَعْيَبها

 

ومثلكِ قد لهوتُ بها

عدٌ بالبابِ يحجُبُّها

 

لها بعلٌ غَيِورٌ قا

فيُوعِدُها ويضْرِبُها

 

يراني هكذا أَمشي

أفديِّها وأخلُبُها

 

ظلِلتُ على نمارِقها

جةٌ قد كنتُ أطلُبُها

 

فدعْ هذا ولكنْ حا

يقرِّبُها مُقرِّبُها

 

إلى أمّ البنينَ متى

ت هذا حينَ أُعْقَبُها

 

أَتَتْني في المنامِ فقُلـْ

ومالَ عليّ أعْذَبُها

 

فلمّا أَنْ فرِحْتُ بها

نهِلْتُ وبِتُّ أُشْرِبُها

 

شربتُ بريقها حتّى

ن تُعجِبُني وأُعْجِبُها

 

وبتُ ضجِيعَها جَذْلاً

فأُرْضِيَها وأُغْضِبُها

 

أُعَالُجها فتصرعُني

م نسمُرها ونلعُبها[3])

 

فكانت ليلةً في النّو

ولا تخفي الأبيات ما فيها من بريق الغمز واللمز الموجه إلى البيت أو السلطة التي تحتضن هذه المرأة فتقصّر عن صونها وحمايتها حتى باتت عرضة للسان هذا الشاعر وأحلامه، فكانت في خياله مبتذلة غير متصونة، لكنه زمام أمره ظلّ في يده عندما أكد في نهاية القصيدة أن اللقاء كان في حلمه وهو نائم فنال بذلك استحسان هذه المرأة وأغضب حاشيتها، وكان له ما أراد.

وهو يتغزل بسيدة أخرى هي، عاتكة بنت يزيد وزوجة عبد الملك بن مروان، ومما يقول لها:

أثيبي امرأً أمسى بحّبكِ هالكا

 

أعاتِكَ بنتَ العبشّمية عاتكا

كذلِكَ يَقْتُلْنَ الرجالَ كذلكا

 

بَدَتْ ليَ في أترابِها فقتلْنَني

جلَوْنَ لنا فوقَ البِغال السّبائكا

 

نظرنَ إلينا بالوجوهِ كأنّما

سلَكْنَ بنا حيثُ اشتهينَ المسالِكا

 

إذا غَفَلَتْ عنّا العيونُ التي ترى

طبيبانِ منّا عالمانِ بدائكا

 

وقالت لو أنا نستطيعُ لزارَكُمْ

وعهدكَ أضغاناً كِلفْنَ بشانِكا[4])

 

ولكنّ قومي أحدثوا بعدَ عهدِنا

إنه يحمّل هذه المرأة وعياً سياسياً عاماً، فيجعل قومها -باعترافها- مسؤولين عن الأحقاد المشبوبة في الصدور، وعن تحوّل الناس من المودة والتراحم إلى البغضاء، فكأنها رمز عام مشحون بالأسى الذي استقر في أعماق عبيد الله تجاه قريش وما آلت إليه. أو هو "غزل يختنق بالنشيج المرتخالطه مرارة الدمع وتتغلغل فيه مواجع الخيبة فتكسر حدّته إلا قليلاً وهو عابق بالحنين إلى وحدة الجماعة القرشية"[5]).

وكان هذا الأسلوب الشعري قد نضج بين يدي عبيد الله بن قيس بعد أن راضه شعراء آخرون من قريش أيضاً كأبي دهبل الجمحي الذي تغزل بعاتكة بنت معاوية، والعرجي الذي تغزل بجيداء أم محمد بن هشام المخزومي، وكان قد سبقهم جميعاً إليه عبد الرحمن بن حسان عندما شبب برملة بنت معاوية، ولكن الفرق بين هؤلاء السابقين جميعاً وبين عبيد الله أن عبيد الله كان أكثرهم وعياً بغرضه، وأقدرهم على تصريف القول، فقد ظل حريصاً على أن ينال استحسان المرأة التي استخدمها هدفاً في شعره، فكافأته على ذلك عندما حصلت له على العفو والمغفرة، وقادت حياته في منعطف جديد يماشي فيه ركاب الأمويين.

أخلص من ذلك إلى القول: إن للمرأة في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات مذاقاً خاصاً شديد التميز، فقد بدت فيه واعية لما يدور حولها من صراع، وبدت تحمل أسىً شفيفاً ورغبة في انهاء الاقتتال بين أبناء المجتمع العربي، كما أنها -في شعره- تنشط في المجتمع، فتقابل الرجال، وتقول الشعر على نحو ما نرى في حديثه عن "كثيرة" الكريمة النجار، الواثقة من نفسها إلى حد الصلابة. فقد تغزل بها غزلاً يفيض بالحنين "واتخذها رمزاً لأحلامه التي طواها الدهر والأيام وملأها بالحنين إلى وحدة الجماعة القرشية"[6])

فعَيْنُهُ بالدَموع تنسكبُ

 

عادَ له من كثيرةَ الطربُ

لا أَمَمٌ دارُها ولا سَقَبُ

 

كُوفيّةٌ نازحٌ محلَّتُها

يعْلَمُ بَيْني وبَيْنَها سبَبُ

 

واللّه ما إنْ صَبَتْ إلىَّ ولا

قلبِ ولِلْحُبِّ سَوْرَةٌ عَجَبُ[7])

 

إلاّ الذي أوْرَثَتْ كثيرةُ في الـ

وقد روى صاحب الأغاني ما كان من خبر ابن الرقيات وهذه المرأة ما يدلّ على المكانة التي كانت تتبوؤها بعض النساء في ذلك العصر. قال: "قال عبيد الله بن قيس الرقيات، خرجتُ مع مصعب بن الزبير حين بلغه شخوص عبد الملك بن مروان إليه، فلما نزل مصعب بمسكن ورأى معالم الغدر دعاني فأقمت معه، حتى قتل ثم مضيت إلى الكوفة فأول بيت صرت إليه دخلته، فإذا فيه امرأة لها ابنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها فقعدت فيها، فأمرت لي المرأة بما أحتاج إليه من الطعام والشراب والفرش والماء، فأقمت كذلك عندها أكثر من حول، تقيم ما يصلحني وتغدو عليّ في كل صباح فتسألني حاجتي ولا تسألني من أنا ولا أسألها من هي، وأنا في ذلك أسمع الصياح فيّ، فلما طال بي المقام وفقدت الصياح فيّ، وغرضت بمكاني غدت عليّ تسألني بالصباح فعرفتها أنني أحببت الشخوص إلى أهلي، فلما أمسيت وضرب الليل، قالت لي: إذا شئت فنزلت، وقد أعدت لي راحلتين عليهما ما أحتاج إليه، ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة الطريق وجئت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقال لي: سأكتب إلى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، فهي زوجة الوليد، وعبد الملك أرق شيء عليها، فكتب إليها يسألها أن تشفع له إلى عمها، حتى شفع له وأذن له بالدخول عليه[8]).

وقد علّق الدكتور طه حسين على ما كان من موقف النساء من ابن قيس الرقيات وموقفه منهن، فقال "فأدان بحياته لامرأتين أوته إحداهما بالكوفة حين أهدر دمه وشفعت له الأخرى"[9]).

يتضح مما سبق أن المرأة في شعر ابن قيس الرقيات قد جاوزت وجودها الأنثوي الصرف، وارتقت لتكون وسيلة للتعبير عن قضايا سياسية ساخنة، فكانت بذلك أداة شعرية مشحونة بالرموز والدلالات.

ب-الخوارج:

لقد تعصب هذا الحزب للمسلمين جميعاً كما تعصب ضدهم، ونصّب دعاته من أنفسهم حماة الدين الإسلامي ضد كل طامع. وقد اعتمد أصحاب هذا الحزب أساساً على القرآن الكريم، واستمدوا مبادئهم من آياته الطاهرات، فتحولوا إلى فرقة فدائية تناضل في سبيل إعلاء كلمة الدين الإسلامي الحق، وزهدوا في الدنيا وملذاتها وأقبلوا على الموت كما لو أنه الحياة، ورسّخوا عقيدتهم، بحروب طاحنة ضد كل الفئات المسلمة، وكانوا يرون أن الحكومة القائمة في دمشق، والمعارضة في العراق بعيدتان عن الشريعة الإسلامية وتعاليم القرآن الكريم الذي يدعو إلى التقوى والعدالة والمساواة. وتتردد في شعرهم هذه المبادئ الصارمة من زهد في الدنيا وإقبال على الموت وتمجيد للشهادة، فهو مقطعات ثائرة تنبض بالرفض والاحتجاج والدعوة إلى المعارك من أجل حماية الدين وإعلاء كلمة الحق. وفي هذا البركان الثائر تبدو المرأة في وضع خاص ونلمح أثر اللهيب الفكري في وضعها ضمن هذه العقيدة، فهي ذات أثر كبير في حياة الخوارج وأدبهم كما هي متأثرة بأفكارهم وأهوائهم السياسية العامة وهي ذات وجود متميز في الحروب والمعارك التي كانت تخوضها وتصطلي نيرانها وتبلى فيها بلاء حسناً. ويلاحظ ذلك الدكتور عبد القادر القط فيراها "تتخذ في شعر الخوارج وضعاً جديداً يختلف اختلافاً تاماً عن وضعها في الشعر التقليدي حينذاك، فهي ليست موضوعاً للغزل العاطفي الذي يبث فيه الشاعر أشواقه وحرمانه وفتنته بل هي رفيق سلاح أو كفاح للشاعر تخوض معه المعارك أحياناً وتبلى بلاء لا يكاد يقل عن بلاء الرجال"[10]).

فكانت منهن المناضلة مثل أم حكيم الفارسة زوجة قطري بن الفجاءة التي ارتجزت بأمنية غريبة صورت فيها وضعها الأنثوي كزوجة تتجمل وتتزين للحياة ثم تزفر بأمنية المناضلة الشرسة التي تفوق جسارتها الرجال تقول:

 

أَحمل رأساً قد سئمتُ حَمْلَهْ

وقد مللتُ دَهْنَهُ وغَسْلَهْ

أَلا فتىً يحملُ عنّي ثِقْلَهْ[11])

وكذلك كانت غزالة الحرورية زوجة شبيب الخارجي التي تذكر الأخبار أنها وصلت إلى مرتبة القيادة[12])وأنها روعت الحجاج عندما دخلت الكوفة على نحو ما يذكر المسعودي في مروج الذهب، يقول "فقد كانت للحجاج حروب مع شبيب الخارجي وولى منه الحجاج بعد قتل ذريع كان في أصحابه، فدخل الكوفة وتحصن في دار الإمارة، ودخل شبيب وأمه وزوجته غزالة الكوفة عند الصباح، وكانت نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة، وخرجت غزالة مما أوجبته على نفسها وكانت من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، وكذلك أم شبيب"[13]) فهل حقاً كانت غزالة فارسة تروع الحجاج وتجعله يختبئ منها وتنفذ نذرها عنوة وتدخل مسجد الكوفة؟

إن وضع المرأة في حزب الخوارج يلفت النظر حقاً، فقد تطورت صورتها تطوراً كبيراً، وبدت مغايرة لصورتها المألوفة السائدة:

وقد سجل هذه الحادثة عمران بن حطان في أبيات يسخر فيها من الحجاج يقول:

ربداءُ تَجْفُلُ من صفيرِ الصافرِ

 

أسَدٌ عليّ وفي الحروبِ نَعامةٌ

بلْ كان قلبُكَ في جناحَيْ طائرِ

 

هلاَ برزتَ إلى غزالةَ في الوغى

تركتْ منابِرَهُ كأَمسِ الدَّابرِ

 

صَدَعتْ غَزالةُ قلبَهُ بفوارس

واعمدْ لمنزلةِ الجبانِ الكافر[14])

 

أَلِق السلاحَ وخُذ وشَاحَيْ مُعْصرٍ

وكما اشتهرت نساء الخوارج بالصلابة والثقة والإقدام والمحاربة إلى جانب رجالهن اشتهرت بعضهن بقدرتها على التأثير في زوجها، وضمّه إلى مذهبها. يقول صاحب الخزانة: "وإنما صار عمران بن حطان من القعدة، وكان سبب ابتلائه أنه تزوج امرأة منهم فكلموه فيها فقال: سأردها عن مذهبها، فأضلته ويقال إنها كانت بنت عمه بلغه أنها دخلت في رأي الخوارج فأراد أن يردها.."[15]).

فالمرأة الخارجية -كما نرى- تتمثل أفكار الدعوة الخارجية ومبادئها، وتضم إليها الأنصار، على نحو ما فعلت "جمرة" بعمران بن حطان. ويقال إنها كانت ذات جمال، وكان قبيحاً دميماً فقالت له يوماً: أنا وإياك في الجنة، قال: ومن أين علمت ذلك؟

قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت وابتليت بمثلك فصبرت والشاكر والصابر في الجنة.

وكانت جمرة هذه على الرغم من زهده بالحياة وازدرائه لها -السبب الذي حبّب إليه الحياة وجعله يتعلق بها، ومما قال يصف جمالها وأخلاقها:

مئْنٍ بخلاّت صدق كلُّها فيكِ

 

يا جَمْرُ إنّي على ما كان من خُلُقي

فيما علمتُ وأنّي لا أُزكّيْكِ[16])

 

اللهُ يعلمُ أنّى لم أَقلْ كَذِباً

لقد أمدّ شعراء الخوارج المرأة بنسغ جديد من الحياة التي تعلموها وغذوها أيضاً بأمجادهم وأفكارهم فكان الحب مزيجاً فريداً من حب المبدأ وحب المرأة، فهم يمزجون بين المرأة كواحة جميلة في الحياة وبين العمل من أجل العقيدة. بيد أن هذه النظرة لم تحل بين شعراء الخوارج وما رسخ في الذاكرة الشعرية من صورة للمرأة التي تحاول أن تثني زوجها عن الخروج وتلومه على كرمه، وما يكون من ردّ وعقده العزم والنيّة على ما همّ به، ولا ينسى شعراء الخوارج أن يوشوا هذه المعاني بالقيم الإسلامية فتزداد تألقاً وبهاءً على نحو ما نرى في خطاب عمران بن حطان لزوجه "جمرة".

ثم اطلبي أهلَ أرضٍ لا يموتونا

 

إنْ كنتِ كارهةً للموتِ فارتحلي

إلاّ يروحونَ أفواجاً ويَغْدونا

 

فلستِ واجدةً أرضاً بها بشرٌ

منْ حادثٍ لم يزل يا جمرَ يُعيينا

 

يا جمرُ لو سلمتْ نفسٌ مطهَّرةٌ

وما نعاه بذاتٍ الغصنِ ناعونا[17])

 

إذن لدامت بمرادسٍٍ سلامته

خلاصة القول: لقد تبوأت المرأة الخارجية -على نحو ما تبدو في شعر هذا الحزب -مكانة مرموقة، فهي تعي مباديء الحزب وعياً عميقاً، وتشارك في نشاطه السياسي والحربي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة المجتمع في السلم والحرب، فهي تارة رفيقة سلاح ومناضلة جريئة تقتحم غمرات الموت، وهي تارة حبيبة يفيء إليها الشاعر، ويبوح بأسرار قلبه لها، وبما يدور في عقله فكأنما يريد منها أن تكون الشاهد الثقة الأمين عليه.

ب-الشيعة:

نستطيع أن نميز صورتين للمرأة في شعر هذا الحزب، هما صورة المرأة الشاعرة. وصورة المرأة حين تكون موضوعاً شعرياً، فهي في صورتها الأولى تعبر عن قضيتها، وتدافع عن مبادئها بلسانها، وتعلن عن عقيدتها مظهرة الثقة والاستعلاء بالقضية التي تؤمن بها، وتنم أشعارهن على صلابة وشجاعة تصدر عن قوة العقيدة. وفي خبر قدوم أم سنان المَذْحجية على معاوية تأكيد لبعض ما ذكرت، فقد حبس مروان بن الحكم وهو والٍ على المدينة غلاماً من بني ليث في جناية، فأتته جدة الغلام لأبيه وهي أم سنان، فكلمته، فأغلظ مروان لها، فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه وابتسمت "فقال مرحباً يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا؟ وقد عهدتك تشتميننا وتحضيّن علينا عدونا، قالت: إن لبني مناف أخلاقاً طاهرة وأحلاماً وافرة لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ماسنّ أباؤه لأنت، قال: صدقت نحن كذلك، فكيف قولك:

والليلُ يُصْدِرُ بالهمومِ ويورِدُ

 

عَزَبَ الرقادُ فمقلتي لا ترقُد

إنّ العدوَ لآلِ أحمدَ يَقْصِدُ

 

يا آلَ مَذْحجَ لا مُقامَ فَشَمرِّوا

وسطَ السماءِ من الكواكب أسْعدُ

 

هذا عليّ كالهلالِ تحفُّهُ

إنْ يَهْدِكُمْ بالنورِ منه تهتدوا

 

خير الخلائف وابنُ عمِّ محمّدٍ

والنصرُ فوق لوائه ما يُفْقَدُ

 

ما زالَ مُذْ شِهدَ الحروبَ مظْفراً

قالت كان ذلك يا أمير المؤمنين وأرجو أن تكون لنا خلفاً بعده، فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:

بالحقِّ تُعْرفُ هادياً مَهْديّا

 

إمّا هلكْتَ أبا الحسينِ فلم تَزَلْ

فوق الغصونِ حمامةٌ قُمْريَّا

 

فاذهبْ عليكَ صلاةُ ربّك ما دَعَتْ

أوصى إليكَ بنا فكنتَ وَفيّا

 

قد كنتَ بعدَ محمّدٍ خَلَفاً كما

هيهاتَ نأملُ بَعْدَهُ إنسيّا

 

فاليومَ لا خَلَفٌ يؤمّلُ بعدَه

قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر"[18]).

ولكن صورتها الثانية مختلفة أشدّ الاختلاف عن صورتها الأولى. كيف كانت صورة المرأة في شعر الشيعة؟ هل كانت موضوعاً للقصيدة، وباعثاً على الدخول في الفكرة الأساسية؟ إن ديوان شاعر الشيعة الأول الكميت بن زيد يبدّد الصورة السابقة، لتحلّ محلّها صورة هامشية سلبية، فهو ينكر أن تكون المرأة قد استغرقت خياله أو استطاعت أن تجذبه إلى ظلالها الوارفة. وهو -فيما يقول- لا يجد الفراغ الكافي للاستمتاع بهذه الملذات التي تمثلها المرأة، لأنه مشغول بقضية أخرى تمثل الهدف الأسمى في حياته.

إنها قضية الحزب الشيعي وهي حب آل البيت الكرام والاستغراق الفلسفي والفكري في الدعوة لهم والغضب من أجلهم والتنديد بأعدائهم الذين غدروا بهم وظلموهم. فهو دائم السخط والغضب على بني أمية، ودائم الحزن والأسى لما وصل إليه حال آل البيت من قتل وتشريد واضطهاد وتعذيب، وعن هذا المزيج من حب آل البيت والإحساس بالحزن والمرارة لمآلهم والشعور بالسخط والغضب على خصومهم صدر في كثير من شعره منوّهاً بأئمة الشيعة ومعدّداً شمائلهم، ومردداً هذه الأفكار في غير ملل أو ضجر فكأنه واحد من كبار دعاة هذا الحزب. ولعل هذا المزيج النفسي الفريد المعقد من الحب والكراهية والحزن والسخط والإعجاب هو الذي جعل الكميت ينفي عن نفسه كل حب آخر على نحو ما نرى في هذه الهاشمية الذائعة الصيت؟

 

ولا لَعباً مني أذو الشّيبِ يَلْعَبُ

 

طربتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطربُ

ويكرر نفيه مرة أخرى أن يكون طرب بسبب المرأة أو مما يثير الطرب في النفس من ملذات الحياة ومتعها الممثلة بالمرأة خاصة:

منْ حيثُ لا صبوةٌ ولا ريبُ

 

أنّى ومِنْ أينَ آبَكَ الطربُ

ألقيَ دونَ المعاصرِ الحُجُبُ[19])

 

لا منْ طِلابِ المحجبات إذا

أستطيع أن أقول إن الكميت كان يعزز وجود المرأة من حيث لا يقصد، وكان لا يستطيع الاستغناء عما تضفيه على المقدمة الشعرية من سحر وعذوبة حتى في عرضه لأكثر الأفكار حساسية وثورية وتطرفا، وذلك من خلال نفيه السلبي والمتكرر لتأثير المرأة في حياته وسلوكه، وقد لفتت هذه الظاهرة نظر الباحثين، فسّجلوها ورأوها انحرافاً واضحاً عن تقاليد شعر الغزل العربي على نحو ما ذكر الدكتور يوسف خليف، قال "فهو يبدأ قصائده بمقدمات، ولكنها ليست تلك المقدمات التقليدية التي تدور حول الوقوف على الأطلال، وبكاء الديار، ووصف الدمن والأثار، وإنما تدور في عكس هذا الاتجاه، لقد حُبَب إلى الكميت- كما يقول فك- أن يعطي النسيب تحولاً سلبياً حينما يبرز في صورة التأكيد أن قلبه ليس ملكاً للغواني، ولا يطمح إلى حب النساء، وأن طربه لا يرجع إلى شوق أو غرام، فهو يبدأ قصائده بحديث الديار والأطلال، ولكنه ليس حديث الذي يقف عليها ليبكيها ويتحسر على ذكرياته فيها، وإنما حديث الذي يرفض الوقوف عليها أو البكاء فيها، بل الذي يرى في ذلك شيئاً لا يليق به ولا يتفق مع الهدف السامي الذي يقصد إليه في هذه القصائد، وهو مدح آل النبي ص. وهو لهذا كان يخرج من هذه المقدمة إلى موضوع قصائده مباشرة دون أن يعبر ذلك الجسر التقليدي الذي كان الشعراء القدماء يتفننون في إقامته وينتقلون عليه من مقدماتهم التقليدية إلى موضوعات قصائدهم، ومعنى هذا أن الكميت كان يدور في فلك القدماء حين يحرص على أن يجعل لقصائده مقدمات موضوعها الديار والأطلال ولكنه في داخل هذا الفلك يتجه اتجاهاً مضاداً لهم حين يصرح بأنه لا يقف على الديار، ولا يبكي الأطلال ولا يتذكر غراماً قديماً ولا يتبع قلبه ظعينة راحلة. فهي إن صحت العبارة مقدمات غزلية سلبية"[20]).

وإذا لم تكن المرأة موضوعاً شعرياً أو باعثاً على الشعر والحماسة والإقدام في شعر الشيعة كما كانت في شعر الأحزاب الأخرى، لأن حب آل البيت أدى إلى تراجع في موقع المرأة على مستوى القصيدة.

ولكنها على مستوى الحياة والأحداث الاجتماعية والسياسية استطاعت أن تنصهر هي ذاتها في العقيدة الشيعية وتمثل مبادئها وتعلن بجرأة وصلابة عن رأيها وأفكارها أمام من يمثل العدو والسلطة في آن.

2-في قصائد المديح:

توج شعراء المدح المرأة أميرة لهذه القصيدة، تتصدر معظم مدائحهم، مهما كانت مناصب ممدوحيهم، فهم يدخلون إلى هذه المدائح من بوابة كبرى مادتها الاساسية المرأة على نحو ما نرى في مقدمة الأطلال، وفي الظعائن، وفي الغزل وفي مقدمة الشيب والشباب، وفي مقدمة الطيف. وحسبنا هذه المقدمات للدلالة على أهمية المرأة في الحياة عامة وحياة الرجل بشكل خاص. وكان ابن قتيبة قد أشار إلى دور المرأة أو الحب عامة في الحياة عندما علل ابتداء قصائد المديح بالنسيب والغزل فقال:

"سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كانت نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر لانتقالهم من ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل إليه القلوب ويصرف إليه الوجوه ويستدعي به إصغاء الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب وضارباً فيه بسهم حلال أو حرام"[21]).

وكان كل شاعر مدح يصدر في مقدمته عن مشاعر خاصة كونتها مجموعة من المؤثرات البيئية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ففي الشعر التقليدي الذي امتهن أصحابه المدح كالفرزدق وجرير والأخطل، كانت صورة المرأة صورة ذهنية على الأغلب، لا يصدر الشاعر فيها عن واقع حقيقي وإنما يتمثل وجود المرأة في خياله، فتفقد المرأة في شعر الأخطل نضارتها وحيويتها، وتتحول إلى تمثال يعود إلى العصر الجاهلي، بينما نجد بعض اللمعان الذي أضيف على هذا التمثال الأثري في شعر الفرزدق بتأثير بعض المواد الحضارية، وكذلك جرير، أما عند الأحوص فقد كانت صورة المرأة تنبض بالحياة المعاصرة له وكذلك عبيد الله بن قيس الرقيات.

وكانت مقدمة الأطلال أكثر المقدمات دوراناً في قصائد المدح، "التي استهل بها الفحول: جرير والفرزدق والأخطل قصائدهم، مبدئين ومعيدين في معانيها وصورها ومرددين تقاليدها وعناصرها، ومكررين أشكالها المختلفة في صدور قصائدهم على تنوعها. فهم حيناً يصفون الديار ويستقصون ما بقي من آثارها، وما تعاقب عليها وغيّرها، وما نزل بها بعد هجر أهلها لها، مرجعين ذكرياتهم مع صواحبهم على أرضها، وهذا هو الشكل الأول من أشكالها وهم حيناً آخر يلمون به ويضيفون إليه وصف محبوباتهم اللائي كانت لهم صلات ومودات معهن بها وهذا هو الشكل الثاني من أشكالها، وهم حيناً ثالثاً يستبدلون وصف المحبوبة بوصف ظعائنها، وهذا هو الشكل الثالث من أشكالها وبذلك وفروا لهذه المقدمة الكثرة المطلقة من مقوماتها، ورسخوا معظم تقاليدها وأصلوا أغلب أشكالها".

ففي مقدمة قصيدة الفرزدق التي يمدح بها عبد الله بن الأعلى وبني شيبان يتوقف في أطلال صاحبته، ويطلب من رفيقيه ألا يلوماه، فيسلم على الديار الخالية، ويسألها عن أصحابها، ثم يذكر ما أصابها من تغيير حال دون معرفته لها إلا بعد حين يقول:

دوارسَ لمّا استنطِقَتْ لم تَكَلَّمِ

 

أَلمّا على أَطلالِ سُعدى نُسلِّمِ

عرفْتُ رسومَ الدارِ بعدَ توهُّمِ

 

وقوفاً بها صحبي عليَّ وإنما

لهم عبراتُ المسُتهام المتيَّم

 

يقولون لا تَهِلكْ أسىً ولقد بَدَتْ

منازلُ كانتْ من نَوارَ بِمَعْلَمِ[22])

 

فقلتُ لهم لا تعذلوني فإنّها

وكان الأخطل كذلك يتوقف في الربوع الدارسة ويستحضر ذكر صاحبتها في مقدمات قصائده المدحية، ومنها قصيدته التي يمدح بها بشر بن مروان التي يحيى فيها كثيراً من المعاني الجاهلية في وصف الأطلال كتعداد الأماكن التي حلت صاحبته بها والعطف بينها بالفاء على عادة الجاهليين ويذكر ما حلّ فيها من الحيوان وما أصابها من أمطار وأحوال بيئية أدت إلى تغيّر معالمها يقول:

فذاتُ الصفا صحراؤها فقصيمُها

 

عفا الجوُّ من سلمى فبادتْ رسومُها

قفاراً تُغنيها مع الليل بوُمُها

 

فأصبحَ ما بينَ الكلابِ وحابسٍ

نجومٌ بدَت وانجابَ عنها غيومُها

 

خَلَتْ غيرَ أُحدانٍ تلوح كأنّها

سَقَتْهُ أهاضيبُ الصَّبا ومدُيُمها

 

بمُستأسِدٍ يجري الندى في رياضهِ

به الريحُ من عَيْنٍ سريعٍ جُمومُها

 

إذا قلتُ قد خفَّتْ تواليه أصبحتْ

وأرضَهما حتى اطمأَنَّ جَسيُمها

 

فما زالَ يسقي بطنَ خَبْتِ وعرعرٍ

رؤوسُ المِتانِ سهلُها وحُزوْمُها

 

وعمَّمها بالماءِ حتى تواضَعتْ

على أنّ سلمى ليس يشفى سقيمُها

 

سقى اللهُ منه دار سلمى برّيةٍ

تلوّحِهُا حُمّى دمشقَ ومُوْمُها[23])

 

من العربيات البوادي ولم تكن

"أما جرير فيتفوق في هذا الصدد على صاحبيه: الفرزدق والأخطل تفوقاً ظاهراً، فهو دائماً ممسك بقيثارته يستخرج منها تلك الأنغام. ويحس الإنسان إحساساً قوياً أنه كان ينهل من منهل صاف لا يجف، ينساب معه وصفه للأطلال وحديثه عن سابق عهدها انسياباً لا تكدره شائبة. وهو -بحق- لا يبارى في هذا الميدان، بشهادة القدماء"[24]) ففي مدحه لعبد العزيز بن مروان يقول:

 

 

فلا العهدُ منسيُّ ولا الربعُ بارحُ

 

أربّتْ بعينيكَ الدموعُ السوافحُ

صبا راحةٌ أو ذو حَبِيَّيْن رائح

 

محا طللاً بين المُنيفَةِ فالنَّقا

بدارةِ رَهْبَى ذو سوارين رامح[25])

 

بها كل ذيّال الأصيل كأنه

إن منظر المكان يستدر دموعه الغزار بكآبته وزوال معالمه بسبب الرياح والأمطار التي جعلته خالياً إلا من الثيران الوحشية التي تتردد فيه عند الغروب بأذنابها الطويلة وقوائمها المرصعة بدوائر سود.

ولكن أطلال النابغة الشيباني "تتميز بفتنة ساحرة، لقد خلق ككل فنان أصيل من الأطلال والخرائب الدارسة خرائب فنية عامرة بالجمال والفتنة"[26]) وتلوح في أرجاء هذه الأطلال صورة صاحبته وذكرياتها فكأنها الغائبة الحاضرة على نحو ما نرى في قصيدته التي يمدح بها مسلمة بن عبد الملك نجد قوله:

فالفأوُ مِنْ رُحْبِهِ البرّيتُ فالرِّجَلُ

 

بانَتْ سُليمى وأقوى بَعدَها تُبَلُ

فلم تُجِبْ دارُها واستعجمَ الطَّلَلُ

 

وقفتُ في دارِها أُصلاً أُسائلُها

مواعداً قد طَبَتْها دوني العِلَلُ

 

لمّا تذكّرتُ منها -وهيَ نازحةٌ-

وسَكْرَةٌ بَطَنَتْ فالقلبُ مُخْتَبلُ

 

ظلّتْ عساكرُ من حزنٍ تُراوحني

عيناً تسيلُ كما يَنفى القذى الوَشَلُ

 

بانتْ وناءَتْ وأبكى رسمُ دِمْنَتِها

حنَّانةٌ فترابُ الدارِ مُنْتَخلُ

 

وقد تبدّتْ بها هوجاءُ مُعصِفَةٌ

وكلُّ غيثٍ رُكامٍ غَيمُه زَجَلُ[27])

 

كلُّ الرياح تُسدّيها وتُلْحُمها

وكان ذو الرمة من أكثر الشعراء الذين وصفوا الأطلال وتوقفوا يتأملونها ويبثونها مشاعر دافقة من الحب والشوق والهيام، فتحولت لوحة الأطلال في صدور مدائحه إلى "أطلال شاعر عاشق فكانت مسرحاً ترتسم عليه صورة الحبيبة وذكرياتها ورحيلها وطيفها، ولعل هذا هو سرّ بكاء الشاعر في الأطلال كل هذا البكاء الجمّ المتصل، ولعل ذلك هو السبب في دفع ذي الرمة إلى الانتقال من الأطلال إلى صاحبتها وحدها أي الغزل، أو إلى صاحبتها في طائفة من قومها أي الظعائن، فليس في مدائحه كلها مقدمة طللية واحدة لم تنته إلى غزل واسع أو إلى حديث الظعن أو حديث الطيف، أو إليها جميعاً، وكلها تفضي إلى موضوع واحد هو الحب"[28]).

ومما قال في مدح الملازم بن حريث الحنفي:

على طللٍ بينَ النقا والأخارمِ

 

خليليّ عُوجا الناعجات فسلِّما

له ما أتى للمُزْمِنِ المتقادِمِ

 

كأنْ لم يكن إلاّ حديثاً وقد أتى

وبين الهوى من إلِفهِ غيرَ صارِمِ

 

سلامَ الذي شقّتْ عصا البين بينَهُ

بسائفةٍ قَفْرٍ ظهورُ الأراقم

 

وهل يرجِعُ التسليمَ رَبْعٌ كأنّهُ

دروج وأحوى يْهضب الماءَ ساجم

 

ديارٌ محْتها بعدنا كلُّ ذَبْلة

حصى الرملِ راداتُ الرياحِ الهواجمِ

 

أناخَتْ بها الأشراطُ واستوفضتْ بها

قذفنَ الحصى قذف الأكفّ الرواجم

 

ثلاثُ مُرباتٌ إذا هِجْن هيجة

تحدُّثُ ثكلى تركبُ البوّرائمِ

 

ونكباءُ مِهيافٌ كأنّ حنينَها

تمُدُّ بأعناقِ الجمالِ الهوارِم

 

حَدتْها زبانى الصيفِ حتى كأنّما

لذي نُهْيَةٍ أن لا إلى أُمِّ سالمِ

 

لعرفانها والعهدُ ناءٍ وقد بدا

فرائدُ خانتْها سلوكُ النواظمِ

 

جرى الماءُ من عينيك حتى كأنّه

عيونُ الهوى ذاتَ الصدورِ الكواتمِ

 

عشيةَ لو تَلْقى الوشاةَ لبينّتْ

رقاق الثنايا واضحاتِ المعاصِمِ[29])

 

عَهدْنا بها لو تُسْعِفُ الدارُ بالهوى

وحظي حديث الظعائن باهتمام واسع أيضاً وأحيا شعراء العصر الأموي أكثر مقوماته الجاهلية "وهو لون من أغاني الشعراء زاخر بالحب والحزن والحنين، وهم يحكون في هذا اللون من الأغاني قصة قصيرة ملمومة الأطراف فيها من الوصف أكثر مما فيها من القص وتتسم هذه الحكاية بمراعاة هذه المواقف:

1-إعلان خبر الرحيل

2-مماشاة الركب والوقوف عند معالم الطريق

3-وصف الظعائن والهوادج

4-ذكر النساء والتحدث عنهن

5-موقف الشاعر من الظعائن المحتملة"[30])

ونظفر في مدائح النابغة الشيباني بعدد من المقدمات التي تتحدث عن الظعائن يحيي فيها الشاعر النموذج الجاهلي ويبث في أحداثه خصوصية عصره. فهو يصدّر مدحه للوليد بن عبد الملك بحديث هذه الظعائن، فيقول:

حين ازْلأمُّوا فما عاجُوا ولا حَبَسُوا

 

بانَ الخليطُ فقلبي اليومَ مُخْتَلَسُ

ما في سوالِفِها عَيبٌ ولا قَعَسُ

 

يُحدْى بهمْ كلُّ عَجْعاجٍ ويَعْملَةٍ

إذا أَقولُ: وَنَوا من سيرهِمْ مَلَسوا

 

تقومُ في الآلِ مُرْخاةً أزِمَّتُها

تفْتَرُّ عن بَرَدٍ قد زانَهُ اللَعَسُ

 

وفي الخدور مهاً بيضٌ محاجرُها

كالبرقِ لا رَوَقٌ فيه ولا كَسَسُ

 

يشفي القلوب عِذابٌ لو يُجادُ بهِ

شمُّ الأنوفِ فلا غِلْظٌ ولا فَطَسُ

 

مَرضى العيونِ ولم يعلقْ بها مَرَضٌ

فكل أبشارِها مُصْفَرَّةٌ مُلُس

 

تكسو الجلودَ عبيراً لونُها شرقٌ

وكان منهم سفاهُ الرأي والشَكَسُ[31])

 

فلم يبالوك إذْ ساروا لِطِيتَّهم

ويمدح يزيد بن عبد الملك فيسلك المسلك نفسه، فيطيل في تصوير الظاعنات ويسرف مصوراً حسنهن الطبيعي وحسنهن المجلوب معاً، وهو يفصّل القول في كلا الحسنين فكأنه لا يريد أن يفرغ منه، ولذا تطول هذه المقدمة في مدائحه طولاً مسرفاً يلفت النظر.

وببينٍ مُوّدعٍ واحتمال

 

آذنَ اليومَ جيرتي بارتحالِ

أخذوها بالسير في الإرقالِ

 

وانتضَوا أَيْنُقَ النجائبِ صُعْراً

أرحبيّ يَبُذُّ وُسْعَ الجِمال

 

وعَلَوا كلَّ عَيْهمٍ دَوْسَريٍّ

دَلِ منها على قُطوعِ الرِّحالِ

 

فكأنَّ الرياضَ أو زُخْرُفَ المَجْـ

مقْربَاتٍ تُصانُ تحتَ الجِلالِ

 

عَدَلُوا بينها وبين عِتاقٍ

ورَداحٍ وطَفْلَةٍ كالغزالِ

 

يومَ بانُوا بكلِّ هيفاءَ بِكْرٍ

أو ظباءٌ أو ربربٌ في رِمال

 

بَكَراتٌ أُدْمٌ أصَبْنَ ربيعاً

رٍّ وأنيابُهنْ شَوْكُ السّيال

 

فَهْيَ بيضٌ حُوْرٌ يُبَسّمْنَ عن غُـ

غزِ حول الظباءِ فوقَ البغالِ

 

جاعلاتٌ قُطْفاً من الخزِّ والبا

وقَواماً مثلَ القَنَا في اعتدال

 

جازئاتٌ جَمَعْنَ حُسْناً وطيباً

والخلاخيلُ والنحورُ حَوالِ[32])

 

غَصَّ منها بعد الدماليج سُورٌ

وكانت مقدمة الطيف أيضاً من المقدمات التي مهد شعراء المدح لمدائحهم بها "ونراهم يصورون في هذا الضرب من مقدماتهم أطياف محبوباتهم، وقد سرت إليهم بآخرة من الليل البهيم، وأخذت تداعبهم وتهيج أشواقهم الساكنة، وذكرياتهم الهامدة، حتى إذا ما انتبهوا انصرفت عنهم"[33]) ويعد الفرزدق من أهم الشعراء الذي اعتنوا بهذه المقدمة ونهض بها نهضة طيبة على حد تعبير الدكتور وهب رومية وازدهرت على يديه ازدهاراً ملحوظاً، وأكثر من افتتاح مدائحه بها على قلة اهتمامه بالمقدمات[34])، يقول في مقدمة مدحته للوليد بن عبد الملك:

فقلْ في ليلِ طارقَةٍ قصيرِ

 

إذا عَرَضَ المنامُ لنا بسلمى

بنافي ظلِّ أبيضَ مستطيرِ

 

أتتنا بعدَ ما وقعَ المطايا

وبتُّ لها كَمُحتْضنِ الخُصورِ

 

فباتتْ لي وأحسبُها حلالاً

ومرّات على كَفَلٍ وثيرِ

 

فبتُّ معانقاً أرنُوا وأُرْنى

لنا مُلكُ الخورنقِ والسديرِ[35])

 

وبتنا في الرّداءِ معاً كأنا

لقد سُرَّ الفرزدق بزيارة خيال صاحبته وشعر بلذة المشاهدة واللقاء الحميم حتى ظن نفسه يملك الخورنق والسدير.

واعتمد الشعراء أيضاً على مقدمة الشيب والشباب في التوطئة لمدائحهم، "وينفرد الفرزدق بافتتاح بعض مدائحه بمقدمة الشيب والشباب لكنه لا يفصل فيها، فهو يصور موقف النساء منه في انصرافهن عنه وإنكارهن لما صار إليه تصويراً رقيقاً قصيراً، ثم ينعطف إلى الماضي يبكي شبابه الغابر ويلم ببعض مباهجه إلماماً خاطفاً"[36])، يقول في مدحه للحجاج

وتُكْثرُ ليْ الملامةَ والعتابا

 

رأيتُ نوارَ قد جعلتْ تَجنَىَّ

ولا أرجو مع الكبرِ الشبابا

 

فلا أسطيعُ ردَّ الشّيبِ عني

إلى يومِ القيامةِ كانَ غابا

 

فليتَ الشيبَ يوم غدا علينا

ولم أرَ مثل كسوتهِ ثيابا[37])

 

فلم أرَ كالشباب متاع دُنيا

إنه يصف وضعه الذي آل إليه بعدما كبر، ويكشف عن معاملة زوجه له ونفورها منه، ويظهر إذعانه وانكساره لما توجهه إليه من إهانات لأنه لم يعد يملك أن يرد عن نفسه ما هو فيه ثم يتأسف على شبابه الغابر بحسرة وأسى.

وكرر الفرزدق حسراته هذه في مقدمة مدحته لبشر بن مروان فبدا هزيلاً أمام سخرية النساء منه وانصرافهن عنه، لائذاً بذكريات الشباب يستمد منها بعض العون النفسي: قال:

عيَّرْنَني تحت ظلِّ السّدرةِ الكِبَرا

 

يا عجباً للعذارى يومَ معقلةٍ

على الشباب إذا كفكفْتُه انحدرا

 

فظلَّ دمعي ممّا بانَ لي سَرِباً

فقد أصيدُ بها الغزلانَ والبقرا

 

فإن تكن لمّتي أمسَت قد انطلقت

عيناه أم هو معذور إذا اعتذرا[38])

 

هل يشُتَمَنَّ كبيرُ السن أنْ ذرفتْ

وحقاً تبدو المرأة في هذه المقدمة مزورة عن الشاعر زاهدة فيه منصرفة عنه، ولكنه ألا يخطر ببالنا أن نسأل: من هي هذه التي يتحدث عنها؟ أهي حبيبته القديمة أم جويرية صغيرة باعد الزمن بينه وبينها؟ إن الفرزدق يريد أن يلوي عنق الزمان ويردّه إلى الماضي، لكن الزمان شامس عسير الانقياد.

إن هذه المقدمات جميعاً -كما نرى- تفضى إلى المقدمة الغزلية وتتصل بها اتصالاً وثيقاً، فما إن يتحدث الشعراء عن الأطلال حتى يقودهم الحديث إلى وصف محبوباتهم والتغزل بجمالهن، وكذلك حالهم في حديث الظعائن وحديث الطيف وحديث الشيب وتذكر الشباب، "وقد افتتحوا عدداً كبيراً من قصائدهم بالغزل، الذي تغنوا فيه بقصص حبهم وحكايات غرامهم، وكيف أنهم كانوا غارقين في نشوة اللقاء يظنون أن الأيام لن تفرق بينهم وبين محبوباتهم، وأنه لن يكدر علاقاتهم بهن مكدر من مطل أو عذل ويخلصون من الحديث عن القرب والبعد، والوصل والمطل، وما يخلفه ذلك في نفوسهم من سعادة غامرة، وألم ممض ومن شوق وقلق، إلى وصف محاسن صواحبهم وصفاً يبينون فيه مفاتنهم الجسدية، وقد يلمون ببعض صفاتهن المعنوية"[39])

ونهض جرير بهذه المقدمة نهضة واسعة وأمدها بتيار دافق من المشاعر الرقيقة والأحاسيس الشفافة، وكل من يقرأ غزله يحس أنه يفارق صورة الغزل القديم مفارقة واضحة فهو يتناول بعض العناصر القديمة ويسرف في التحوير فيها، وهو "لا يحتفل احتفال القدماء بوصف الجسد ولا يدقق تدقيقهم به، ولكنه يولي الأوصاف النفسية من عنايته فوق ما كانوا يولونها، فيتحدث عن حلم حبيبته ورزانتها وعفة لسانها وبعدها عن النميمة[40])، ففي مدحه لعبد الملك بن مروان نرى هذه المزاوجة بين وصف الجمال الجسدي والجمال المعنوي. يقول:

أم تقطعُ الحبلَ منهم مثلَ ما قطعوا

 

أواصلٌ أنت أمّ العمرِ أم تَدَعُ

قسُّ النصارى ولا مِنْ هَمّها البِيَعُ

 

تمّتْ جمالاً وديناً ليس يقربُها

ماذا الذي ضرَّهُمْ لو أنهم رجعوا

 

من زائر زارَ لم تَرْجعْ تحيتَهُ

لو شئتِ روّى غليلَ الهائمِ الشّرَعُ

 

حْلأَتِ ذا غلَّةٍ هَيْمانَ عن شرع

قد فاتَ يومئذ من نفسه قطِعُ[41])

 

ماردُّكُمْ ذا لبانات بحاجتهِ

وما أكثر ما تحدث الباحثون عن غزل جرير، ورأوا فيه ملامح عذرية كثيرة، فكأن صورة المرأة فيه تفارق صورتها الجاهلية أو هي امتداد لصورتها لدى الشعراء المتيمين في الجاهلية كالمرقشين الأكبر والأصغر، وقد وشتها وزانتها ملامح إسلامية لم يكن لهم بها عهد من قبل.

والمقدمة الغزلية في مدائح الأحوص "كنز من المشاعر والأحاسيس الزاهية لا يعرف النفاذ. فكأنه كان موكلاً دون الناس جميعاً بالعشق والشوق والحنين. وغزل هذه المقدمات يظل عذباً رقيقاً فياضاً بالمشاعر والأحاسيس فيه لوم وصد وعذل وكاشحون وعذال وفيه مخادعة للمجتمع وضعف وشكوى مرة منه وفيه ومضات عذرية رقيقة -كمخاطبة بيت الحبيب والحديث إليه واسترحام صاحبته"[42])ونجد ذلك في مدحه لعمر بن عبد العزيز، يقول فيها:

حذر العِدَى وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ

 

يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزَّلُ

قسماً إليكَ مع الصدودِ لأَمْيَلُ

 

أصبحتُ أمنحُكَ الصدودَ وإنني

ما كان غيرُكَ والأمانةِ يَنْزِلُ

 

ولقد نزلتَ من الفؤاد بمنزلٍ

ولمَا كتمتُ من الصبابةِ أطولُ[43])

 

ولقد شكوتُ إليكَ بعضَ صبابتي

تلك هي صورة المرأة في مقدمات قصائد المدح، أما صورتها في تضاعيف المدح ذاته فكانت صورة لا تحتل هذه المساحة الكبيرة التي رأيناها في المقدمات. وكان الشاعر كثيّر أول من مزج بين المدح والغزل في العصر الأموي متأثراً بالحطيئة الذي كان "يلون تلوينا بديعاً في تصوير البطولة فيمزج المدح بالغزل مزجاً طريفاً فتاناً دون أن يعبث بأسلوب الصناعة الفنية الموروث أو يحور فيه، ثم جاء كثيّر وفعل ذلك في مدح عبد الملك بن مروان"[44]) على نحو ما نرى في قوله:

حصَانٌ عليها نظْمُ دُرٍّ يزينُها

 

إذا ما أراد الغزو لم تَثْنِ عزمَهُ

بكتْ فبكى مما شجاها قطينها

 

نهته فلّما لم تَرَ النهْيَ عاقَه

غداةَ استهلَت بالدموع شؤونها[45])

 

ولم يَثْنِه عند الصبابةِ نَهْيُها

وتبدو المرأة في بعض مدائح جرير شريكة للشاعر في طلب النوال صراحة، أو تبدو هي وأولادها وسيلة للاستعطاف والتكسب، فهو يوطئ لمدحه بتصويرها جائعة لا تجد ما يسدّ الرمق، وتصوير أطفالها جياعاً لا تجد ما تسدّ به أفواههم، فتحتال عليهم، وتعلّلهم بأنفاس من الماء البارد كلما تضوّروا جوعاً. وتكاد هذه الصورة تجعل جريراً شبيهاً بمهرّج الملك الذي يريد أن يضحكه أكثر مما يريد أن يثير عطفه وإشفاقه على نحو ما نرى في مدحه لعبد الملك بن مروان:

رأيت الموردين ذوي لقاح

 

تعزّت أم حزرة ثم قالت

بأنفاس من الشبم القراح

 

تعللّ وهي ساغبة بنيها

ومن عند الخليفة بالنجاح

 

ثقي بالله ليس له شريك

ويذكر القطامي في مدحه زفر بن الحارث ابنته "ضباعة" ويحاورها في أمور قومها وما آلت إليه أحوالهم، ويصور لها ما كان من أمر الحرب وكيف فرقت هاتين القبيلتين المتراحمتين، ويستنهض فيها صلة الرحم، ويبعث في نفسها الحزن وهو يوازن بين حال الناس وحالهم، لعلها ترى في الأمر رأياً غير استمرار الحرب. وتبدو "ضباعة" ههنا رمزاً لأبيها سيّد قومه، ومن اليسير أن نصرف حديث الشاعر إلى هذا الأب لا إلى ابنته. ولعل هذا النص من أجمل النصوص التي تبدو فيها المرأة محوراً أساسياً تدور حوله أفكار القصيدة. يقول:

ولا يكُ موقفٌ منك الودَاعا

 

قفي قبلَ التفرُّقِ يا ضُباعا

وقومك لا أرى لَهمُ اجتماعا

 

قفي فادي أسيَركِ إنَّ قومي

من الحُرَمِ العِظِام وما أَضاعا

 

وكيف تجامُعٌ معَ ما استحلاّ

وتَغْلبَ قد تباينتِ انقطاعا

 

ألم يَحْزُنْكِ أنّ حبال قيسٍ

لمؤتمرِ الغوايةِ أنْ يُطاعا

 

يُطيعونَ الغُواة وكان شراً

أسالا من دمائِهما التّلاعا

 

ألم يحْزنْكِ أنَّ ابني نزارٍ

تزيدُ سَنى حريقهما ارتفاعا

 

وصارا ما تغُبُّهما أمورٌ

يُبَتَّ وإنما بدأَ انصداعا

 

كما العظمُ الكسيرُ يُهاضُ حتى

إلى مَنْ كانَ منزلُه يَفَاعا

 

فأصبحَ سيلُ ذلك قد ترقّى

يبُزُّ عن المخّبأةِ القِناعا

 

وكنتُ أظنُّ أنّ لذاك يوماً

وطعْناً يَبْطَحُ البطلَ الشجاعا

 

ويومَ تلاقتِ الفئتانِ ضربْاً

كأنَّ به نحازاً أو دُكاعا

 

ترى منهُ صدورَ الخيل زُرْرَاً

تمُجُّ عروقُها عَلَقا متاعا

 

وظلَّتْ تعْبطُ الأيدي كلوماً

شواطِنَ يُنْتَزَعْن بها انتزاعا

 

قوارشَ بالرماحِ كأنّ فيها

ونحنُ لعلّةٍ عَلت ارتفاعا[46])

 

كأنّ الناسَ كلَّهم لأُمّ

 

 



[1]) انظر على سبيل المثال كتاب د/ خليف الشعر الأموي دراسة في البيئات وكتاب د/ فتوح في الشعر الأموي وكتابي د/ شوقي ضيف العصر الإسلامي والتطور والتجديد.

[2]) حديث الأربعاء 250-251

[3]) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات 121 أعيبها: أراد لا عيب فيها. النمارق: الوسائد، أعقبها: أي صارت لي. أعذبها: فمها. نهلت: رويت. أشربها: أسقيها. نلعبها: نلعب فيها.

[4]) ديوانه 128 السبائك: قطع الذهب والفضة واحدتها سبيكة. المسالكا: هنا أي ما اشتهين من الحديث الضغن: الميل.

[5]) قصيدة المدح 625.

[6]) قصيدة المدح: 656

[7]) ديوان: عبيد الله: السقب: القريب الملاصق. نازح: بعيدة. الأمم: الوسط بين القريب والبعيد. سورة: حدة وسطوة.

[8]) الأغاني 4/157

[9]) حديث الأربعاء378

[10]) في الشعر الإسلامي والأموي 278.

[11]) شعر الخوارج 41

[12]) الأغاني 20/314

[13]) مروج الذهب 3/123

[14]) شعر الخوارج 25

[15]) خزانة الأدب 5/351

[16]) شعر الخوارج 17

[17]) المصدر السابق 16

[18]) العقد الفريد 2/108-109

[19]) حياة الشعر في الكوفة 717

[20]) حياة الشعر في الكوفة 717.

[21]) الشعر والشعراء 1/74

[22]) ديوان الفرزدق 754

[23]) ديوان الأخطل 313 القصيم: ما أنبت الغضي من الرمل. الكلاب: جبل. حابس: موضع. أحدان: البقر المتفرقة. المستأسد: الملتف من الكلأ. حمومها: كثرة مائها. خبت وعرعر موضعان الموم: جنس من الجدري.

[24]) مقدمة القصيدة العربية 50

[25]) ديوان جرير 265 الإرباب: الإقامة واللزوم للشيء. الراحة: الشديدة الهبوب. الحبى: ما اتصل من السحاب بعضه ببعض. سُوار وسِوار للذي يكون في اليد والرجل أسوار لا غير شبه الثور بالأسوار من الأعاجم لاختياله له في مشيه الرجل الأسوار: الرامي.

[26]) قصيدة المدح 343

[27]) ديوان النابغة الشيباني ص193 أقوى: أقفر. تبل: واد على بعد أميال يسيرة من الكوفة. الفأو: طريق بين قارتين بناحية الدو بينهما فج واسع يقال له فأو الريات. البريت: أرض بناحية البصرة الرجل: موضع بشق اليمامة. الخب: الغامض من الأرض. أصلاً: وقت الأصيل بين =العصر والمغرب استعجم لم يفصح في كلامه وهنا لم ينطق الجواب. نازحة: مبعدة مرتحلة. طبتها: صرفتها. عساكر الحزن والهم: ما ركب بعضه بعضه الاخر وتتابع. مختبل: أصابه الخبل وهو تدله العشق. بانت وناءت: فارقت وبعدت. الرسم: ما كان لاصقاً بالأرض من أثار الديار. الدمنة أثار الديار. القذى: ما يقع في العين. الوشل: الماء القليل. الهوجاء: الريح لا تستوي في هبوبها. المعصفة: الريح الشديدة المسرعة. الحنانة: الريح المصوتة. منتخل: نخله صفاءه. تسديها: السدى من الثوب ما مد من خيوطه طولا، وهنا مجاز عما تثيره الريح من التراب والرمل فيكون أحياناً شبيهاً بالخيوط الممدودة. تلحمها: ما مد من الخيوط عرضاً. الركام: المتراكم بعضه فوق بعض. الزجل: المصوت.

[28]) قصيدة المدح 340

[29]) ديوان ذي الرمة 745. الملازم: هو الملازم بن حريت بن جابر بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة.. من بني بكر بن وائل. وقد ذكر أن أباه الحريث كان سيداً. عوجاً: اعطفا. الأخارم: الطرق في الجبال. الناعجات: يصاد عليها واحدتها ناعجة وهي الناقة البيضاء السريعة. النقا: الرمل. غير صارم: لا يريد الصرم. العصا: عصا البين. أي سلما سلاماً كسلام الذي فرقت العصا بينه وبين إلفه. سائفة: ما استوى من الرمل . الأراقم: الحيات يشبه أثار الربع بظهورها. ذبلة: ريح ذابلة عطشاً. دروج: تدرج. أحوى: سحاب أسود ساجم يصب المطر. أناخت: نزلت. الأشراط: أراد مطر الشرطين. أول منازل القمر. مربات: مقيمات لازمات يعني الرياح. قذفن يعني الرياح. الرواجم ج راجمة. نكباء: ريح تجئ بين ريحين. مهياف: حارة. حنينها: تعطفها. أي لها حنين كحنين الناقة، التي فقدت ولدها فصيّر لها بوٌّ وهو جلد الولد يُحشى تبنأ فترأمه وتركبه حتى تلقي نفسها عليه من حبه. حدتها: أي ساقتها الريح لأنها هبت في وقت زباني الصيف. الزبانيان: قرنا العقرب هذه الريح تجر الغبار كما تجر الإبل إذا أكلت الحمض فغلظ وبرها فانتشر. الهرم: من الحمض وكل شجر فيه ملوحة فهو حمض. لعرفانها: أي لعرفان هذه الدار. ناء: بعيد لذي نهية: أي لمن يعقل أي ينتهي أي لا سبيل إليها شبه دموعه عند عرفان الدار بفرائد انقطع سكلها فتبدد من سكلها شبه لؤلؤ من فضة. لبينت: أي أظهرت العيون ما في الصدور. لو تسعف الدار بالهوى: أي تدنيه. المعصم: موضع السوار.

[30]) قصيدة المدح 96

[31]) ديوان النابغة الشيباني 78 الخليط: الناس الذين يخالطهم ويعايشهم. ازلأموا: ارتحلوا. عاج: عطف. حبسوا: أمسكوا عن وجههم. العجعاج: المسن من الإبل. اليعملة: الناقة النجيبة المطبوعة على العمل. السوالف: ج سالفة: وهي ما تقدم من العنق. صفحة العنق. القعس: الثبات بغير حركة الآل: السراب. الأزمة: ج زمام وهو حبل تقاد به الإبل ونوا: أعيوا. ملسوا: ساقوا الإبل سوقاً شديداً. الخدور: كل ما وارى من بيت أو نحوه. محاجرها ما دار بالعين. اللعس: سواد مستحسن في الشفة. العذاب ماء الأسنان الطيب المذاق. الروق: طول الثنايا العليا على السفلى وهو عيب فيها الكسس: قصر الأسنان. شرق: فيه كدورة لطيتهم: لوجهتهم. الشكس، المخالفة.

[32]) ديوان النابغة الشيباني ص144 انتضوا: جردوا. أنيق: ج ناقة. النجائب: الأصيلات. الصعر: ج صعراء وهي التي تتمايل في سيرها عند اشتداد سرعتها أو التي تميل خدها عجباً وكبراً الإرقال: ضرب من السير السريع. العيهم: الشديد السريع. الدوسري: الضخم: الأرحبي نسبة إلى موضع يقال له الأرحب. يبذ. يغلب. المجدل: القصر. قطوع: ج قطيع ضرب من الثياب الموشاة. العتاق: الكريمة المقربات: الخيل التي يقرب مربطها ومعلقها لكرامتها. الجلال: ج جُل وهو للدابة كالثوب تغطى به وتصان: الرداح: المرأة الثقيلة الأوراك الطَفله: الناعمة البكرات الفتيات. أدم: ج أدماء التي في لونها سمرة. الربرب: القطيع من الظباء. السيال: نبات له شوك أبيض طويل يشبه بها لحدتها. القطف: ج قطيفة: وهي دثار مخمل. الخز: الحرير. الباغزية: ضرب من الثياب- الجازئات: المكتفيات بالرطب عن الماء وهو من صفات الظباء. غض: امتلأ. الدماليج ج دملج وهو حلية تلبس في المعصم. سور ج سوار وهي حلية تلبس في الزند. حوالي: من الحلي.

[33]) مقدمة القصيدة العربية 86

[34]) قصيدة المدح 539

[35]) ديوان الفرزدق: 349.

[36]) قصيدة المدح 545

[37]) ديوان الفرزدق: 89

[38]) المصدر السابق: 286

[39]) مقدمة القصيدة العربية 59

[40]) قصيدة المدح 520

[41]) ديوان جرير 293

[42]) قصيدة المدح 630

[43]) ديوان الأحوص 166 تعزل الشيء تنحى عنه

[44]) قصيدة المدح 255 وكان الحطيئة قد قال "إذا هم بالأعداء لم يثن همه /كعاب عليها لؤلؤ وشنوف".

[45]) ديوان كثيّر 241 الحصان: المرأة العفيفة والقصة المتصلة بهذا البيت والذي يليه مشهورة. فقد خرجت عاتكة مع حشمها في وداع عبد الملك عندما خرج لغزو مصعب، فلما ودعته بكت وبكى حشمها معها فقال عبد الملك؟ قاتل الله كثيراً كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول لأبيات..

[46]) ديوان القطامي: 31 ضباعة: بنت الحارث الكلابي. يطيعون الغواة: كان شراً طاعة من يأمر بالغي. ابنا نزار: ربيعة ومضر. النحاز: داء يأخذ الدواب والإبل في رئاتها تسعل سعالاً شديداً. الدكاع: سعال يأخذ الإبل وقيل داء يأخذ الإبل والخيل في صدورها كالسعال، العبط: أن يعبط البعير من غير علة عبط الذبيحة يعبطها: نحرها من غير داء ولا كسر وهي سمينة. مج العروق: ما يخرج منها من الدم: والعلق: ما يخرج من الدم. اقترشت الرماح: إذا وقع بعضها على بعض. رمح شطون: طويل أعوج الشطن: الحبل. بنو العلات: أن يكونوا إخوة لأب والأمهات شتى.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244