المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
3-في النقائض:

3-في النقائض:

تحولت المرأة في النقائض إلى ملك مباح يتناهبه الشعراء كما يحلو لكل منهم، ففقدت صورتها الأنثوية العذبة الجميلة، وغاب وجودها الإنساني الدافيء، العامر بالقيم، وراح هؤلاء الشعراء يعضونها بالظفر والناب، فيجردونها من الأخلاق السامية والقيم الاجتماعية النبيلة، ويقذفونها بفاحش القول ثم لا يجدون في ذلك كله حرجاً..!! وتكاد النقائض تشبه الفن السابع في أيامنا عندما يتناول موضوعات هابطة قوامها الابتذال الذي يتضمن كماً كبيراً من التركيز الجنسي واستثارة الغرائز بأسلوب رخيص يعتمد على جذب عدد أكبر من الجمهور، وكأنه مصدر للتنفيس مسموح به أو هي كما رأى الدكتور شوقي ضيف "كانت عملاً يراد به قبل كل شيء تسلية الجماعة العربية الجديدة في البصرة، فقد تكون المجتمع العربي هناك في شكل مدينة لأول مرة في تاريخ القبائل التي نزلت البصرة، وهي قبائل أكثرها مضرية، إذ كان جمهورها من قيس وتميم وربيعة، وكانت هذه القبائل تعيش في أثناء العصر الجاهلي في البادية جاهدة في تحصيل قوتها وأسباب عيشها، فلما جاءت الفتوح واشتركت هذه القبائل فيها، أنزلها عمر في البصرة والكوفة بعد أن اختطهما على حدود فارس. وأخذت جموعها تعيش في هاتين المدينتين معيشة جديدة يخدمهم فيها الفرس وغيرهم من الموالي، وقد ملأت الفتوح حجورهم بالأموال، ونُظّم لهم عطاء في دواوين الدولة، وأتاح ذلك كله لهم حياة هادئة رخية، ليس فيها شظف العيش القديم، إنما فيها الراحة والفراغ والعطلة، وخاصة لمن لم يشتركوا في الثورات والانتقاض على بني أمية.

والمفروض أن أي جماعة يوجد فيها هذا العطل تحاول أن تقضي بعض أوقات فراغها في شيء تتلهى به، وتتسلى، وتقطع مسافة الفراغ، وكان لا بد لجماعة البصرة أن تشغل نفسها بفن من فنون اللهو وضرب من ضروب التسلية.

ولم تكن نقائض جرير والفرزدق إلا هذا الفن الجديد الذي وجدت فيه البصرة كلّ ما تريد من لهو وتسلية وقطع وقت أو فراغ. فهي اللعبة التي يُعجب بها القوم والتي كانوا يخرجون للفُرجة عليها في هذا المسرح الكبير، مسرح المربد الكبير الذي كانت تختلف إليه القبائل والجماهير"[1]).

وتبدو المرأة مادة أساسية في النقائض، يوظّفها الشعراء في موضوعي النقيضة الأساسيين "الفخر والهجاء" ولكن هذا المكان المهم الذي تخصصه النقيضة للمرأة يختلف اختلافاً كبيراً عن مكانها في موضوعات الشعر الأخرى، لأنه مرتبط بأسلوب خاص بالنقائض هو أسلوب الفحش في القول والإقذاع في تناول أعراض الأمهات والزوجات والأخوات، حتى أحسست أن النقيضة التي لا تتناول هذه المعاني يمكن أن تكون أدرجت خطأ في باب النقائض.

فهدف النقيضة الأساسي الذي يتعلق بالمرأة هو النيل من شرفها ووظيفتها في النسل، والتهكم من دورها في العلاقة الزوجية والانحراف بها عن هدفها السامي إلى الرذيلة والفجور.

وصورة المرأة في مقدمة النقيضة تفارق صورتها في تضاعيفها مفارقة شديدة، ففي مقدمة النقيضة نعثر على صورة للمرأة متوجة بالحب والغزل، تشع بأرق المشاعر وأرهفها. وتكشف عن دور المرأة في الحب والحياة والشعر.

أما صورتها في النقيضة ذاتها فتنحصر في وظيفة المرأة الجنسية، وتتسع هذه الصورة لتمسخ هذه الوظيفة وتحولها إلى رجس من عمل الشيطان. ويطور الشعراء من هذه الصورة ويمدون من طاقتها في السخرية والهجاء.

وقد تمكنت بعد جهد من انتقاء بعض الشواهد التي يمكن أن تقرأ، وانصرفت عن سواها إلاّ ما كان من إشارتي السابقة، وما سيكون من الإحالة على هذه النصوص في الهامش.

يقول الفرزدق ساخراً من والدة جرير ومن الأجنة الذين حملتهم في رحمها، ولا يكتفي بذلك، بل ينعت هذه الرحم بالخبث والقباحة:

والعبدُ غيرَ أَبيهِ قد يَتَنحَّلُ

 

وابنُ المراغةِ يدَّعي مِنْ دارمٍ

إلا اللئيمَ من الفحولة تُفْحلُ

 

أزرى بجرْيك أنّ أُمّك لم تكن

منها خرجت وكنتَ فيها تُحْمَلُ[2])

 

قَبَحَ الإلهُ مقرَّةٌ في بطنِها

فيرد عليه جرير بنقيضة تتضمن مقدمة غزلية تبوح بشاعرية مرهفة، يقول فيها:

بين الكِناسِ وبينَ طَلْحِ الأعْزَل

 

لمنِ الديارُ كأنّها لم تُحْلَلِ

موتَ الهوى وشفاءَ عين المُجتْلي

 

ولقد أرى بكَ والجديدُ إلى بِلى

قطعتْ حِبالَتها بأعلى يَلْيَل

 

نظرتْ إليك بمثلِ عَيْنَي مُغْزلٍ

وإذا عرضتَ بودِّها لم تَبْخَل

 

وإذا التمستَ نوالَها بخِلَتْ بهِ

كأنُهنّ قطا فلاةٍ مجْهَلِ

 

ولقد ذكرتُك والمطيُّ خواضعٌ

ويقول فيها أيضاً:

قبلَ الرواحِ وقبل لومِ العُذَّلِ

 

يا أُمَّ ناجية السلامُ عليكمُ

يومُ الرحيل فعلتُ ما لم أَفعلِ[3])

 

لو كنتُ أعلمُ أن آخِرَ عهدِكمْ

ثم يكمل في الهجاء ويتناول جعثن[4]) بأحقر الصفات وأرذلها، وما إن يفرغ من جعثن حتى يوسع دائرة هتكه فيهجو بنات مجاشع جميعهن، ويلصق بهن أبشع الصفات ويسلبهن كل فضيلة أو قيمة أخلاقية[5]).

ويكرّ الفرزدق ثانية على جرير، فيهجو بنات قومه، ويرميهن بالفحش والرذيلة، ويتهمهن بعلاقات غير شرعية، بسبب فجورهن وجرأتهن، ويسترسل في سلسلة هذه الاتهامات بعد مقدمة في الغزل يقول فيها:

وقد نكّبْنَ أكَثبةَ العقار

 

أقولُ لصاحبيَّ من التعزّي

يحِنُّ برامتينِ إلى النَوار

 

أعيناني على زفراتِ قلبٍ

مدامُع مُسْبلِ العبراتِ جارِ[6])

 

إذا ذُكِرتْ نَوارُ له استهلّتْ

وما أن يصل إلى الهجاء حتى يندفع كالنار الملتهبة التي تحرق كل ما تستطيع عليه يقول:

مخازيهُنّ مُنْتَقبُ الخمار

 

نساء بالمضايق ما يواري

ولَدْنَ من البعولِ ولا عذاري[7])

 

وما أبكارُهُنّ بثِّيَباتٍ

ولم يكن واحدهم يهتم بما يدعي على النساء من اختلاق وافتراء، بل اشتهر عن جرير أنه كان أكثرهم إفحاشاً وإقذاعاً[8]). وفي النقائض نماذج كثيرة تثبت هذا القول[9]). ولست أدري كيف يستقيم هذا الأمر مع ما يردّده الباحثون من الحديث عن تأثر جرير تأثراً عميقاً بالإسلام، وعن نفسه الرقيقة الصافية؟!

وكانت المنافسة بين الشاعرين تدفعهما إلى التزيد والمغالاة في تناول الأعراض وهتك القيم، ليفوز كل على صاحبه كلما أوغل في القذف والشتيمة.

يقول جرير في قصة جعثن وقصة زواج الفرزدق من النوار التي لم يطلب بثأر أبيها بسبب جبنه ولؤمه:

على سَوْآتِ جِعْثنَ أن تثارا

 

ألم تَخْشَوا إذا بلغ المخازي

وأعْينُ كانَ مقتَلُهُ نهارا

 

فإنّ مجرَّ جعثن كان ليلاً

همُ قومُ الفرزدقِ ما استجارا

 

فَلَوا أيامَ جِعْثنَ كان قومي

ليُدْرِكَ ثائرٌ بأبي نوارا[10])

 

تزوجتم نوارَ ولم تُريدوا

وكثيراً ما كان يتدحرج هذا البطلان والسفه والافتراء بعد مقدمة غزلية تفيض بأرق المشاعر وتكشف عن نفس مشرقة وصفاء روحي وعذوبة آسرة. يقول جرير في مقدمة هذه النقيّضة:

أحُبُّ لحبِّ فاطمةَ الديارا

 

ألا حيّ الديارَ بسُعْد إنّي

فهاجوا صدعَ قلبي فاستطارا

 

أرادَ الظاعنون ليَحْزنوني

لبَيْنٍ كان حاجته ادّكارا[11])

 

لقد فاضَتْ دموعُكَ يومَ قوِّ

وكانت المعاني المكشوفة التي تتناول أعراض النساء مثار نقد ورفض عند عدد كبير من الأدباء والباحثين الذين ناقشوا قضايا الأدب الأموي، وبيّنوا أثر هذا الأسلوب في السلوك الفردي وفي أخلاق الجماعة في المجتمع الواحد. وقد سجّل ذلك الدكتور أحمد الشايب في قوله: "وإذا لاحظ بعض النقاد الأمويين خطر غزل عمر بن أبي ربيعة على نساء الحجاز إذ ذاك، فلا شك أن هذا الفحش العراقي كان مسبة شنيعة يستخذي منها النساء والرجال جميعاً. كان خطر الغزل العمري ناشئاً عن أنه يوقظ المرأة ويثير شهواتها ويغري الرجال باللهو والعبث، وكان هذا الفحش الهجائي ناشئاً عن تصوير العورات واختلاق الشناعات والإلحاح في وصفها وسرد تفاصيلها بلغة مكشوفة وأسلوب واقعي. وقد نال جعثن أخت الفرزدق وأم جرير من ذلك أذى كثير"[12])

ولم تكن نقائض جرير والأخطل أكثر تهذيباً أو بعداً عن السب والشتم والهجاء، فقد كانا يتنافسان في تناول النساء ونسبتهن إلى أنواع الفحش والرذيلة مستعرضين أكثر الألفاظ بذاءة وأكثرها بعداً عن الذوق والحياء.

يقول جرير واصفاً والدة الأخطل بأبشع الصفات الهجائية، فيعيرها الامتهان في الأعمال الحقيرة والدناءة في طلب الشهوات والمال وشرب الخمر ويين أثر الشراب على أخلاقها وحركاتها بسخرية لاذعة وتهكم مرير:

على الخنزير تَحسبُه غزالا

 

نَزَتْ أمُّ الأخيطل وَهْيَ نشوى

وتشكو في قوائمها امذلالا

 

تظلُّ الخمرُ تخلجُ أَخدعَيْها

ولم تَلجِ الخدورَ ولا الحجالا

 

من المتولّجات على النشاوى

وجزَّكُمُ عن النَّقدِ الجُفالا

 

أتَحْسِبُ فَلْسَ أُمِّك كان مجداً

رأى الراؤونَ داهيةً عُضالا[13])

 

إذا انْفتَقَتْ عبايتُها وراحتْ

وكسب جرير الموقف ضد الأخطل بسبب نصرانية الأخطل التي كانت سبباً يمنعه من الخوض في أعراض المسلمات على نحو ما كان بين الفرزدق وجرير.

فكان الأخطل أقلهم فحشاً وتهتكاً، فلم يملك إلا أن يرد عليه بهذه الأبيات التي يتهم فيها قوم جرير بأنهم لا رأى لهم بل هم يأتمرون بأمر أزواجهم اللواتي يهوين الغرباء، ويسعين خلفهم، وليس لهم شرف قديم إلا أنهم أصحاب حمير:

وفي تميم رباطُ الذُلّ والعارِ

 

ما زال فينا رباطُ الخيلِ معلمةً

وتستبيح كليبٌ مَحْرَمَ الجارِ

 

النازلين بداءِ الذلِ إنْ نزلوا

وما لهم من قديم غيرُ أعيار[14])

 

والظاعنونَ على أهواءِ نسوتِهم

واستمرت المعركة بينهما على هذه الحال حتى فصل بينهما الموت، وكأن هجاء النساء ورمي المحصنات والمغالاة في الإقذاع والفحش مقوّمات لا بد للنقيضة منها.

على هذا النحو سجل شعراء النقائض صفحة سوداء في تاريخ الشعر الأموي خلخلت ملامح المرأة الأخلاقية في هذا العصر لإرضاء نزعة الهجاء والقذف بينهم متجاوزين حدود الله وتعاليم الإسلام في هذا الصدد. على أنه ينبغي التذكير بما كانت تحتويه النقيضة ذاتها من مقدمة مشرقة ترسم صورة إيجابية للمرأة إلى جوار هذه الصورة القبيحة الشريرة المخزية التي طغت على الصورة الأولى وبدّدتها، وصارت علامة مائزة تميز النقائض جميعها من سواها من الشعر.

بيد أننا قد نظفر ببعض النقائض خارج دائرة شعر هؤلاء الفحول، فلا نرى فيها شيئاً مما رأيناه وأنكرناه في نقائض الفحول، فهي تومئ إلى الحب والإعجاب ثم لا تجاوزهما، وإلى الغضب والسخط على هذه الإيماءة وردّها ردّاً لا يخلو من غلظة جافية يدفع إليها الحرص على العرض والذود عن المحارم على نحو ما نرى في هذا الخبر الذي يرويه صاحب الخزانة عن هدبة بن الخشرم العذري وزيادة بن زيد بن مالك من بني رقاش، يقول:

"كانا يتعاقبان السوق بالإبل ومع هدبة أخته فاطمة فنزل زيادة فارتجز فقال:

ما بين أن يُرى البعيرُ قائما

 

عوجي علينا واربعي يا فاطما

حذارَ دارٍ منك أنْ تُلائما

 

ألا تَرَيْن الدمعَ مني ساجما

فعماً يبذُّ القطُفَ الرواسما

 

فعرَّجتْ مطرَداً عُراهِما

فغضب هدبة حين سمع زيادة يرتجز بأخته، فنزل فرجز بأخت زيادة، وكانت تدعى أم خازم فقال:

نزجي المطيَّ ضُمّراً سواهِما

 

لقد أراني والغلاما الحازما

والجلَّةَ الناجيةَ العيا هما

 

متى تقولُ القُلُصَ الرواسما

إذا هبطنَ مستحيراً قاسما

 

يَبلغن أُمَّ خازمٍ وخازما

ألا تَرَيْنَ الحزنَ مني دائما

 

ورفّع الحادي لها الهماهما

فشتمه زيادة وشتمه هدبة وتسابا طويلاً فصاح بهما القوم: إنا قوم حّجاج وخشوا أن يقع بينهما شر، فوعظوهما حتى أمسك كل واحد منهما على ما في نفسه وهدبة أشدهما حنقاً لأنه رأى زيادة قد ضامه إذ رجز بأخته وهي تسمع وكانت أخت زيادة غائبة، ولم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابه فقتله وهرب"[15]).

ولا غرابة فيما فعل هدبة فقد كان من أمثالهم المشهورة في تلك الأونة: "كل شيء مهه ما خلا النساء"[16]) ولكن أين ردة فعل المجتمع عامة على نقائض جرير والفرزدق والأخطل من هذا المثل؟

4-في قصائد الرثاء:

كنت قد فصّلت القول في رثاء المرأة الزوج) في الفصل الأول من هذا البحث، فوقفت على عدد من نصوص الرثاء، وحاولت الكشف عن التجارب الإنسانية التي تصورها تلك النصوص، غير أنني أحب أن أستكمل القول فأتحدث عن رثاء الشعراء العذريين لحبيباتهم، والغريب في الأمر أن حبيبات الشعراء العذريين قد متن قبل عشاقهن، وقد تسنّى لهؤلاء أن يرثوهن ببعض النشيد الحزين.

وكان قيس بن ذريح قد سمع بموت لبنى وهما منفصلان، فخرج ومعه جماعة من أهله حتى وقف على قبرها، وقال:

هل تَنْفَعَنْ حسرة على الفَوْتِ

 

ماتت لبينى فموتُها موتي

قضى حياةً وَجْداً على ميتِ

 

وسوف أبكي بكاءَ مكتئبٍ

ثم أكب على القبر حتى أغمي عليه، ومات بعد ثلاث، فدفن إلى جانبها[17]).

أما مجنون ليلى فكان أكثر لوعة عندما سمع بموت ليلى فنشج بأبيات عدة يصوّر فيها حزنه وجزعه وذهوله فكأنما طار لبّه من هول ما سمع فإذا هو يكرّر هذا النداء "أيا ناعيي ليلى.. ويا ناعيي ليلى.. ويا ناعيي ليلى" الذي يقوّي المعنى في النفس، ويعمق الإحساس بالفجيعة على نحو ما هو معروف من وظائف التكرار اللغوي، وهو قرن هذا النداء المتكرر بهذه الأسئلة الحائرة التي لا تنتظر جواباً لامتلاء النفس بمشاعر الهلع "أما كان.. فمن بعد.." ثم يردف هذا التكرار في النداء والسؤال بتكرار الدعاء على هذين الناعيين فكأننا أمام مفجوع ينشج نشيجاً مراً فينعقد لسانه إلا عن ألفاظ قليلة يكررها، وينوع -دون أن يدري- صياغتها، ولكنها -على اختلاف الصياغة- تجمّع المشاعر في بؤرة واحدة فتزيد إحساسنا بها:

أما كانَ ينعاها إليَّ سواكُما؟

 

أيا ناعِيَيْ ليلى بجانب هَضْبةٍ

فمنْ بعدِ ليلى لا أُمرَّتْ قواكُما؟

 

ويا ناعيَيْ ليلى بجانب هضبةٍ

تباريح نَوْحٍ في الديار كلاكُما

 

ويا ناعيي ليلى لقد هِجْتُما لنا

ولا متُما حتى يطولَ بلاكما

 

فلا عِشْتُما إلا حلَيفْي مصيبةٍ

بموتِكما إَني أُحبُّ رُدَاكُما

 

وأسلمْتِ الأيامُ فيها عجائباً

لقد حلَّ بينُ الوصلِ فيما أراكما[18])

 

أظنُّكما لا تعلمان مصيبتي

وفي رثاء كثير حزن شفاف وحسرة عميقة واستسلام جريح، وفيه رغبة محزونة قانطة في افتدائها بغيرها، وعودة إلى أيام الحب الغابرة واجترار مرّ لذكراها، ولكنه سرعان ما يعود ويتذكر ما يفصلها عنه من تراب وصفيح، فيترحم عليها رحمة واسعة ويسفح دموعه الغزار، يقول:

كشمسِ الضحى نوامةٌ حين تصْبحُ

 

سراحُ الدُّجى صفرُ الحشا منتهى المنى

ومالَتْ كما مالَ النزيفُ المُرَنَّحُ

 

إذا ما مَشت بين البيوت تخّزلَتْ

علاقة حُبٍّ كادَ بالقلب يَرْجحُ

 

تعلَّقتُ عزَاً وَهْيَ رُؤدٌ شبابُها

عليكِ سلامُ الله والعينُ تسفحُ

 

أقولُ ونضْوى واقفٌ عند رَمْسِها

بلادَك فتلاءُ الذراعين صَيْدحُ

 

فهذا فراقُ الحقِ إلا أن تُزيرَني

وأنتِ لَعْمري اليومَ أنأَى وأَنزحُ

 

وقد كنتُ أبكي من فراقكِ حيَّةً

رجيعُ ترابٍ والصفيحُ المضرَّحُ

 

فيا عزَّ أنتِ البدرُ قد حالَ دونَهُ

ومن هو أَسوا منك دَلاّ وأَقبح

 

فهلا فداكِ الموتَ من أنتِ زيْنُه

لها منكَ والنائي يودُّ وينصحُ

 

على أمّ بكرٍ رحمةٌ وتحيةٌ

طوالُ الليالي والضريحُ المُصفَّحُ

 

فإن التي أحببتُ قد حال دونَها

فقد كادَ مجرى الدّمع عينيَّ يَقْرحُ[19])

 

أربَّ بعينيَّ البكا كلَّ ليلةٍ

وتبقى لوحة رثاء المرأة باهتة شاحبة، فنحن نرى في هذه المراثي صورة الشاعر الذي يستبطن ذاته ويحلل عواطفه ويعبّر عنها أكثر مما نرى صورة المرأة.

5-في شعر الحب:

الصلة بين الرجل والمرأة قديمة قدم الإنسان ذاته والرباط العاطفي يقوي العلاقة بينهما ويؤلف إطار الرعاية والحماية لهما، وتختلف طبيعة هذه العلاقة باختلاف المجتمعات ومستوى تطورها، فلا تكاد تنفصل في أي مجتمع عن مستوى الحضارة الذي يحكم هذا المجتمع. وقد رصدت في الفصول السابقة العلاقة بين تطور المجتمع والظواهر الأدبية، فكشفت عن العلاقة بين بيئة المدن الحجازية وما شاع فيها من الحب اللاهي القصصي، وعن العلاقة بين بيئة البادية وما شاع فيها من الحب العذري، وكذا القول في سائر بيئات الشعر الأموي الأخرى.

وأتابع في هذا الفصل الكشف عن طبيعة هذا الحب وعن صورة المرأة والشاعر في كلتا البيئتين. وسأكتفي بنماذج من شعر الحب القصصي والعذري، وأترك القول في الغزل التقليدي في البيئات الأخرى لارتباطه بالشكل الفني للقصيدة أكثر من ارتباطه بالتجربة الوجدانية للشاعر، ولأنني تحدثت عنه في موضوعات الشعر الأخرى المديح والهجاء والنقائض).

كثر الحديث عن التجديد الذي شهده الشعر العربي في المدن الحجازية وفي بادية الحجاز ونجد، وهو تجديد متشعب لم يصب جانباً واحداً من القصيدة بل أصاب معظم جوانبها فقد تغيّرت لغة الشعر ألفاظاً وتراكيب، وجنحت إلى اليسر والوضوح والقرب، كما تغيّرت موسيقاه بعض التغيّر فكثر قوله في الأوزان المجزوءة التي تصلح للغناء، وقلّ الاهتمام بالصورة الشعرية المصنوعة أو الموروثة، وتخففت القصيدة من موضوعاتها المتعددة، وأصبحت ذات موضوع واحد أو موضوعين متآخيين ولم يكن هذا الموضع غير "الحب".

وقد أوشك عدد كبير من شعراء هاتين البيئتين أن يقفوا دواوينهم على هذا الموضوع وحده على نحو ما نعرف من شعر عمر بن أبي ربيعة والمجنون وقيس لبنى وآخرين سواهم وهكذا كثرت القصائد والمقطعات التي تتحدث عن المرأة وحدها أو عنها وعمن يحبّها ويدور في فلكها، فاختلفت مكانتها في هذا الشعر عن مكانتها في القصيدة الجاهلية اختلافاً كبيراً، وبدت فيه شخصية أساسية فريدة على الرغم من اختلاف ملامحها في الشعر اللاهي عن ملامحها في الشعر العذري.

فهي في شعر المدن الحجازية امرأة جديدة جريئة محاورة متحضرة تقترح وتعبر عن نفسها بل تسرف في التعبير حتى تبدو ثرثارة ليس لها سر، وعلى الرغم من وجودها البارز في القصيدة، فإن شخصية الرجل- هي الشخصية المحورية، التي تدور في فلكها المرأة محاولة السيطرة عليها وإخضاعها.

أما في القصيدة العذرية فتبدو الصورة معكوسة، فتبرز شخصية المرأة مهيمنة على القصيدة، وتتحول شخصية الرجل -الشاعر- إلى شخصية تابعة هامشية تحاول أن تسيطر على المرأة وتفوز بها.

وأستطيع القول: إن الشعر القصصي الحجازي اختص بوصف الشاعر المحب، المغامر، وتحدث عن المحبوبة وصفاتها النفسية بجو من الفرح والمرح والبهجة بأسلوب قصصي أخاذ.

أما الشعر العذري فتحدث عن الشاعر المحب اليائس الحزين الذي ينطوي على خيال تعويضي يقوم على وصف العشق المحروم وتحليل المشاعر الرقيقة الحالمة.

يقول الدكتور طه حسين: "كان جميل وأمثال جميل قوماً غزلين بطبيعتهم، غزلين لأنهم يحبون النساء أو يحبون امرأة بعينها من النساء، يحبونها ويكلفون بها، فيملك عليهم هذا الحب نفوسهم وحياتهم حتى لا يعيشون إلا به وله وحتى لا يصدرون إلا عنه ولا يردون إلا عليه.

وكان عمر بن أبي ربيعة ومن سار سيرته من شعراء بني أمية ينظرون إلى المرأة من حيث هي المثل الأعلى للجمال واللذة والفرق بين هاتين الوجهتين عظيم، كان عمر رجلاً يحب الحياة ويحب المرأة لأنها زينة الحياة أو لأنها اللذة في الحياة"[20]).

ويتابع الدكتور طه حسين رأيه في الغزل الإسلامي قائلاً: "لم يكن غزل الإسلاميين وسيلة وإنما كان غاية، لم يكن بريئاً من المادة. إن الغزل الإسلامي العذري أضاف إلى المادة شيئاً آخر، جعله قوام الشعر، نريد به الحب نفسه وما يترك في القلب من أثر، وما يبعث في النفس من عاطفة. وقد وصف العذريون محبوباتهم ولكن هذا الوصف لم يكن الغرض منه الوصف وإنما كان وسيلة لوصف النفس وما تلقى بالحب من شقاء أو سعادة، ومن بؤس أو نعيم.

انتقل الغزل في الإسلام -كان في الجاهلية جسم المرأة- فأصبح في الإسلام نفس العاشق. فكانوا يصفون المرأة كما ينبغي أن يصفها إنسان يشعر ويحس ويمتاز بشيء من الشعور والحس لا يخلو من رقة ورقي فكانت المرأة شطراً من النفس"[21]).

ويرى الناظر في شعر عمر وأصحابه صدق ما لاحظه الدكتور طه حسين، ففي الشعر القصصي تظهر صورة المرأة المحبوبة وصورة الشاعر المحب على نحو ما نرى في قصيدة عمر الرائية المشهورة في "نعم"، ففيها فيض من الشاعر العارمة ومن الغيرة والعتاب، وفيها هذا التصوير العميق الدقيق لنفسية الأنثى التي تتنازعها مشاعر الوجل من ناحية ومشاعر الحب والتمكن من الحبيب من ناحية أخرى:

وكادت بمخفوضِ التحيةِ تجهرُ

 

فحيّيْتُ إذْ فاجأتُها فتولَّهتْ

وأنتَ امرؤٌ ميسورُ أمركَ أَعسرُ

 

وقالتْ وعضَّت بالبنانِ فضحَتني

سرَتْ بكَ أم قد نامَ مَنْ كنتَ تحذرُ

 

فواللهِ ما أَدري أتعجيلُ حاجةٍ

إليك وما نَفسٌ من الناس تشعرُ

 

فقلتُ لها بل قادني الشوقُ والهوى

كلاَكَ بحفِظِ ربُّكَ المتكبِّر

 

فقالتْ وقد لانتْ وأفرخَ رَوْعُها

عليَّ أميرٌ ما مكثت مؤَمَّرُ[22])

 

فأنتَ أبا الخطّاب غيرَ مدافعٍ

قد صارت "نعم" بين يدي حبيبها إلى الخضوع والسكينة والانكسار، فهي تخاف عليه الأعداء وتدعو له بالحفظ الرعاية، وصار "عمر" إلى أمير جبار له عليها الطاعة والظفر، ولا شك في أنّ إعلاء نعم لشخصية "عمر" على هذا النحو يكشف عن رغبتها في إرضاء نرجسيته لتتمكن من السيطرة عليه والاحتفاظ به. ويبدو عمر في موقف آخر كما بدا في صورته السابقة أميراً مؤمّراً على صاحبته، فبعد أن فاز منها بالذي يريد قامت هي ورفيقاتها يسحبن ذيولهن خلف آثاره التي تركها ومضى غير آبه بشيء مما قد تثيره هذه الأثار:

إذا تمايل عنه البردُ والخَصَرُ

 

فبتُّ أَلثُمها طوراً ويمنعُني

قوما بعيشِكُما قد نوّر السحر

 

حتى إذا الليلُ ولّى قالتا زمَرَاً

كشارِب الخمر بَطّى مشْيَه الّسكَرُ

 

فقمتُ أمشي وقامت وَهْيَ فاترةٌ

وناعمَ العَصْبِ كيلا يُعْرَفَ الأثرُ[23])

 

يسحبنَ خلفي ذيولَ الخزِّ آونةَ

وتتكرر صورة هذه المرأة في شعر العرجي، فتبدو خاضعة مهمومة برضاه وحبه، ويكثف صورة ذاته حتى تطغى على صورة المرأة، وتحولها إلى شخصية تابعة لمزاجه وفراغه يقول:

لنا ولها بالسفحِ دونَ ثبيرِ

 

فما أنسَ ملأشياء لا أنسَ مجلساً

سوابقُ دمعٍ ما يجفُّ غزيرِ

 

ولا قولها وَهْناً وقد بلّ نحرَها

غداة غدٍ أو رائحٌ بهجير[24])

 

أأنت الذي حُدِّثتُ أنك راحلٌ

حاول عمر وأصحابه أن يقدموا لنا نموذج المرأة الواقعية في البيئة الحجازية المدنية زمن الأمويين، فإذا هي تبوح بمشاعرها الدافقة، وتظهر جزعها وغيرتها وضعفها الأنثوي من غير تقنع أو ستار وذلك أمام الرجل الذي تحب فقط لأنها بدت في القصائد ذاتها كثيرة الحذر والترقب، محاولة التقنع بألف قناع أمام المجتمع الذي يقيّد مشاعرها وعلاقتها بالرجل.

وقد أكسب عمر صورة المرأة هذه الطرافة والجدة المحيّرة من خلال المزج بين واقع المرأة العربية في الحجاز وبين ما يراه في بيئة المغنيات من التحرر الجرأة.

وإذا كان عمر وأضرابه من شعراء مدن الحجاز يسرفون في تصوير مواقف المرأة منهم، فإن الشعراء العذريين يفعلون النقيض، فيسرفون في استبطان ذواتهم وتحليل مشاعرهم نحو الحبيبة، فتبدو المرأة في شعرهم مستبدّة بخيلة تملك أمور قلبها وقلب من يحبها، ويصور حرمانه من المتعة في الحياة على يديها، وتتحول أغنية عشقه إلى نشيد حزين يفيض بمشاعر حالمة رقيقة وغزل يقوم على الوصف المعنوي للعواطف المجردة. يقول المجنون:

وسهمُ المنايا من وصالِك أقربُ

 

متى يشتفي منكِ الفوادُ المعذَّبُ

فلا أنتِ تُدْنيني ولا أنا أقرب

 

فُبْعدٌ ووجْدٌ واشتياقٌ ورجْفةٌ

تذوقُ حياض الموتِ والطفلُ يلعبُ

 

كعصفورة في كفِّ طفلٍ يُزُمُّها

ولا الطيرُ ذو ريش يطيرُ فيذهب

 

فلا الطفلُ ذو عقلٍ يَرِق لما بها

ولكن بلا قلبٍ إلى أينَ أذهب؟[25])

 

ولي ألفُ وجهٍ قد عرفتُ طريقَهُ

ولا يمل الشاعر من ترديد هذا النشيد الحزين بل لا يجد نفسه إلا في هذا الخضوع السلبي لشخصية هذه المرأة الصلبة التي لا تلين لما به، ولا ترق لحاله، فهو حيران مهزوز لا يستطيع أن يملك من أمر قلبه ولا عقله أي شيء:

أفكّرُ ما ذنبي إليكِ فأَعجبُ

 

فو اللهِ ثم اللهِ إنّي لدائبٌ

وأيَّ أموري فيكِ يا ليلَ أركبُ

 

وواللهِ ما أدري عَلامَ هجرتني

أم أُشربُ كأساً منكُمُ ليس يُشْربُ

 

أَأَقطعُ حبلَ الوصلِ فالموتُ دونَه

أم أفعلُ ماذا أم أبوحُ فأُغْلَبُ

 

أم أُهربُ حتى لا أرى لي مجاوراً

فأولُ مهجورٌ وآخرُ مُعْتبُ

 

فأيُهما يا ليلَ ما تفعلينَه

ومن دون رَمْسَينا من الأرض مَنْكَبُ

 

فلو تلتقي أرواحُنا بعد موتِنا

لصوتِ صدى ليلى يهشُّ ويطربُ[26])

 

لظلَّ صدى رَمْسي وإن كنتُ رمَّةً

وعلى الرغم من كل مشاعر الحب التي يحملها لها في قلبه، وإعلانه عن ذلك الحب العظيم، ومحاولته التأثير فيها، فإنها لا تزداد إلا صلابة وجفوة، فهما كل ما تجود به وتملكه. وتبهت صورة الشاعر وتتحول إلى صدى يردد هذه المرارة الخانقة، ويقنع بمصير قد لا ينفع من كان عقله سليماً:

وتُبدينَ لي هجراً على البعد والقُرْب

 

أُحبُّكِ يا ليلى وأُفِرطُ في حبّي

نفوسُ الورى أدناه صِحْنَ من الكرْب

 

وأهواكِ يا ليلى هوْى لو تَنسَّمتْ

وبحتُ بما ألقاهُ من شّدةِ الحب

 

شكوتُ إليها الشوق سِراً وجهرةً

ترقُّ لشكواتي شكوتُ إلى ربيّ[27])

 

ولما رأيت الصدّ منها ولم تكن

ومن الملاحظ أن قصائد الشعراء العذريين تدور حول محاور ثابتة من الذكريات والأحلام والأمل، وتضمّ ذلك كلّه سلبية قاسية من الشاعر والحبيبة معاً. وتتكرر هذه الملامح النفسية في شعر جميل وكثيّر وذي الرمة، على الرغم من اختلاف تجربة ذي الرمة الفنية عن سائر الشعراء العذريين، يقول جميل:

واشْفي بذلك أَسقامي وأوجاعي

 

يا بثنُ جودي وكافي عاشقاً دنِفاً

وما سواه كثيرٌ غيرُ نفّاع

 

إنَّ القليلَ كثيرٌ منك ينفُعني

حتى أُغيَّبَ تحت الرَّمْس بالقاع

 

آليتُ لا أصطفي بالجودِ غيرَكمُ

حتى دعاني لحيْني منكمُ داعِ

 

قد كنت عنكم بعيدَ الدار مغترباً

فما أُغمِّضُ غَمضْاً غيرَ تهجاعِ

 

فاهتاج قلبي لحزنٍ قد يضيِّفُه

إذا تضايقَ صدرُ الضيِّقِ الباعِ[28])

 

أَصونُ سرَّكِ في قلبي وأحفظُهُ

وكان ذو الرمة يرى "الحب مغامرة خلف المرأة وصراعاً من أجلها، يسره فيه أن يسوء الغيور ويساعف حاجات الغواني ويساير ركبان الصبا التي تغريه بالاندفاع خلفها والانطلاق وراءها، يتمثله بخياله الصغير عيوناً جميلة وأجساداً ممتلئة ناعمة ونساء ظامئات إلى الشباب متعطشات إلى الحب يخفين في قلوبهن أهواءهن التي تظهر على الرغم من كل شيء في عيونهن الطامحة المتطلعة إلى بعيد"[29]) يقول:

ولا مُسْعفٍ بي مولعاتٌ سوانحُ

 

لعمركَ والأهواءُ من غيرِ واحدٍ

على النأي ميّاً من فؤادِك مانحُ

 

لقد منح الوُدَّ الذي ما ملكْتَهُ

بسائرِ أسبابِ الصبابةِ راجحُ

 

وإن هوى صيداءَ في ذات نفسه

بصيداءَ مجذوذٌ من الوصلِ جامح

 

لعمرُك ما أشواني البينُ إذ غدا

من الودِّ إلا ما تحنُّ الجوانح[30])

 

ولم يبقَ ممّا كان بيني وبينها

واشترك مع العذريين في معاناته الوجدانية، فكان يقاسي من هجرها فيبكي، وتسيطر على أشعاره نغمة الحيرة واليأس والحرمان ويتيه بين الحب والحنين، ويمزج بين ذكرياته مع مية وخرقاء فيوزع عاطفته على مراحل عمره كلها بين هاتين المحبوبتين اللتين ملكتا عليه حياته وقلبه، يقول:

إذا خانَ أرماثَ الحبالِ وَصُوْلُها

 

يزيدُ التنائي وصلَ خرقاءَ جِدّةً

ومَنْ ذا يواسي النفسَ إلاّ خليلُها

 

خليليّ عُدّا حاجتي من هواكُما

بنا مطرحاً أو قبلَ بَيْنٍ يُزيُلها

 

ألّمِا بميِّ قبلَ أن تطرحَ النوى

قليلاً فإنّي نافعٌ لي قليلُها

 

وإن لم يكن إلا تعلُّل ساعةٍ

تقضَّى الليالي وهو باقٍ وسيلُها[31])

 

لقد أشرِبَتْ نفسي لميّ موّدةً

وخلاصة القول: كان الغزل العذري يدور حول وصف المشاعر والعشق الحزين المحروم، ويضخم الإحساس بوجود امرأة قاسية صلبة لا تلين ولا ترق لأعظم مشاعر الحب والغرام.

بينما كان الغزل القصصي يعتمد على وصف الحدث وتصوير الشخصيات في قصة طريفة تقوم على المغامرة، وهي مغامرة لا تكتمل إلا بوجود بطلين هما الرجل والمرأة، الرجل المغامر الجريء والمرأة المشدودة بين الرغبة والرهبة.

 



[1]) التطور والتجديد 182-183

[2]) النقائض: 202-203 مقرة: مسقر الولد في الرحم

[3])المصدر السابق: 211. الكناس موضع من بلاد غني. الأعزل: واد لبني كلب به ماء يسمى الأعزل. الطلح: شجر من العضاه المجتلي: المنتقل. مغزل: ظبية معها غزالها .. بليل: موضع. قطا فلاة أي يبادر إلى فراخه في الماء.

[4]) النقائض 222

[5])المصدر السابق: 230

[6])المصدر السابق: 231 نكبن: عدلن عنها وتركنها ناحية. العقار: أرض لباهلة. استهلت: قطرت قطراً له صوت من شدة وقعه.

[7])المصدر السابق: 232 أي إن المرأة يواريها خمارها وهؤلاء لا يواريهن شيء لفجورهن. وهن لم يلدن من أزواجهن.

[8]) التطور والتجديد 210

[9]) النقائض 592- 691- تهتك جرير وفحشه في تناول جعثن وبنات مجاشع.

[10]) النقائض 251 تثارا: تذكر ويتحدث بها. أعين: أبو النوار وهو ابن ضبيعة بن ناجبة أي كان مقتله واضحاً وتزوجها ولم يطلب بثأر أبيها.

[11])المصدر السابق: 249بسعد: موضع بلاد بني تميم وقيل ماء لبني قشير وبني سعد. استطار: تصدع صدعاً في طول حاجة البين: كان أن تذكرت من تهوى.

[12]) تاريخ النقائض 412

[13]) نقائض جرير والأخطل 195 الأخدعان، العنق. امذلال: استرخاء. المتولجة: الداخلة عليهم النشاوى: السكارى. الفلس: الخاتم من الرصاص يختم به عنقها. والنقد صغار الغنم وهي من المعزى خاصة قصار الآذان قليلة الألبان. الجفال: الشعر والصوف. العضال من الدواهي العظيمة ومن الأدواء الذي لا دواء له.

[14]) نقائض جرير والأخطل 134 الرباط: إذا تناسلت الحجور عند القوم فذلك الرباط. أي ما زلنا أهل خيل تتناسل عندنا وفي كليب تناسل اللؤم والشنار. تسبّح: تجعله مباحاً. المحرم: الحرمة الظاعنون: السائرون.

[15]) الخزانة 9/335

[16]) جمهرة الأمثال: 2/139 مهه: أي يسير محتمل.

[17]) ديوان قيس بن ذريح 72

[18]) ديوان المجنون 260

[19]) ديوان كثير 463 صفر الحشا: ضامرة البطن. نوامة يريد أنها مترفة. تخزلت: تثاقلت في مشيها. النزيف: السكران رؤد الشباب: لينة. النضو: الجمل الهزيل. الصيدح: الصياحة الرفيع صوتها. رجيع التراب: الذي أخرج من الحفرة ثم رد إليها. الصفيح: الحجر العريض الرقيق. المضرح: المشقوق المعد للضريح. أرب: لزم وأقام.

[20]) حديث الأربعاء 110

[21])المرجع السابق: 552

[22]) ديوان عمر بن أبي ربيعة 95

[23]) المصدر السابق 115 الخصر: شدة البرد. زمرا: أراد بصوت حسن. فاترة ضعيفة لا تقوى على القيام بطى: أصله بطأ بالهمزة فقلب الهمزة ألفاً لانفتاح ما قبلها.

[24]) ديوان العرجي: 75 ثبير: جبل بمكة.

[25]) ديوان المجنون 44

[26]) المصدر السابق 45 المعتب: المزال عتبه والمتروك ما كان يغضب عليه.

[27]) ديوان المجنون 76

[28]) ديوان جميل 122

[29]) ذو الرمة شاعر الحب والصحراء 105

[30]) ديوان ذي الرمة 864 الأهواء تجيء من ضروب، سوانح: عوارض. غير مسعف لا يدنو. مانح: فاعل أسباب الصبابة: سبلها، أشواني: أصاب مقتلي. الجوانح: الضلوع القصار في الصدور مما يلي الفؤاد.

[31])المصدر السابق: 912 التنائي: البعد. أرماثه: خان أرماث الحبال أتاها الهلاك والقطع من قبل الوصول ألما بي: أي كونا معي قبل أن نتفرق أشربت: ألزمت. الوسيلة المنزلة.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244