المـرأة فـي الشعر الأموي - الدكتورة فاطمة تجور

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثاني

الفصل الثاني

المرأة والمعاني في الشعر الأموي

إلى أي مدى اختلفت المرأة في المجتمع الأموي عن أختها الجاهلية في صفاتها وملامحها وقيمها؟ وإلى أي مدى اختلفت صورة الجمال المثالي في العصر الأموي عنها في العصر الجاهلي؟ وإلى أي مدى عبّر الشعر عن هذا التطور الذي أصاب الذوق والحس الجمالي؟

لقد جاء الإسلام بكنوز من القيم الاجتماعية والخلقية والدينية وغيرها، ولكنه لم ينسخ القيم القديمة كلّها، بل نسخ بعضها، واحتضن بعضها وطبعه بطابع إسلامي، ولسنا نبعد عن الواقع إذا قلنا إن ما فعلته منظومة القيم الإسلامية في وجوه الحياة المختلفة قد فعلته أيضاً بمفهوم الجمال الأنثوي، فقد استمرت قيم جمالية جاهلية كثيرة تتردد على ألسنة الشعراء الأمويين، وقد ترددت على ألسنتهم قيم جمالية أخرى لم يكن للشعر العربي عهد بها قبل ظهور الإسلام. ولذا فإن الناظر في الشعر الأموي الذي اتخذ المرأة موضوعاً له يلاحظ بوضوح مجموعة من المعاني التقليدية التي فرضت سلطانها على الشعراء عامة وعلى من عرف منهم بإخلاصه للنموذج الجاهلي خاصة. كما يلاحظ مجموعة من المعاني والقيم الإسلامية الجديدة تتلألأ في هذا الشعر على تفاوت في مقاديرها من شاعر إلى آخر. وبناء على ما تقدم يمكنني إذاً عرض الأفكار والمعاني التي تناولت المرأة في الشعر الأموي من خلال تيارين ثقافيين تأثر بهما الشعر في العصر الأموي هما: التيار الجاهلي القديم، والتيار الإسلامي الجديد.

وموضوع الحب من أكثر الموضوعات الشعرية التي أحيت التراث الشعري الجاهلي بلغته الحية القادرة على اختزان المشاعر الدافقة وإبقائها في تدفع وإشعاع نابض في الحياة لا يكاد يخبو على تقادم الزمن.

وفي هذا الجانب من الشعر الأموي -الحب والمرأة - ظلت المعاني الجاهلية تفرض سلطانها على الحديث عن المرأة وأياً كان موقع هذه المرأة من القصيدة، وظلت خيوط الارتباط بالنموذج الجاهلي وثيقة جداً.

ولا يتعب الباحث كثيراً في ملاحظة مدى التشابه بين امرئ القيس وشعراء العصر الأموي ولا سيما عمر بن أبي ربيعة، أو بين الأعشى وبينهم، أو بين النابغة وزهير وبينهم جميعاً.

فالمعاني التي رسمت صورة المرأة الأموية تحدرت من أصل جاهلي، ولا ينكر أن بعض الشعراء قد صاغوا تلك المعاني القديمة صياغة مطبوعة بطابع عصرهم، ومختلفة بعض الاختلاف عن الصياغة الجاهلية، فقد يشعب الشاعر في أحد المعاني، ويولد منه صورة تمتد عدة أبيات على نحو ما نرى في تصوير عمر بن أبي ربيعة للفم في قوله:

والزنجبيلَ وخِلْطَ ذاكَ عُقارا

 

فَسَقَتْكَ بَشْرةُ عَنْبَراً وقرَنْفُلاً

غَصَبَ الأميرُ تَبيعَهُ المُشتْارا

 

والذوبَ من عَسَلِ الشّراةِ كأنما

ومُدامةً قد عُتّقت أَعْصارا

 

وكأنَّ نُطْفة باردٍ وطَبر زَداً

طرقتْ ولا تدري بذاك غرارا[1])

 

تجري على أنيابِ بَشْرةَ كلّما

وليست تتمثل الجدة هنا بهذه الإطالة فحسب، بل تتمثل أيضاً في هذا الحديث المباشر عن الفم المملوء بهذه الجزئيات الكثيرة من العنبر والقرنفل والزنجبيل والعقار والعسل والماء مما يشي بروح التحضر التي يصدر عنها هذا الشاعر، وقد كان سلفه الجاهلي يستطرد حقاً في تصوير هذا الفم، ولكنه لم يحشد كل هذه الجزئيات ولم يكن -إذا حشدها- يتحدث عن الفم هذا الحديث المباشر، بل كان يلجأ إلى الاستطراد في معرض الصورة كأن يصّور طيب الريق أو الرائحة من خلال حديثه عن روضة من الرياض مثلاً. وقد يختصر الشاعر المعنى ويوجزه في بيت واحد كما في قول عمر نفسه يصف أسنانها المتباعدة التي تشبه زهر الأقحوان الندي:

له أشرٌ كالأقُحوانِ المُنَوّرِ[2])

 

وتَبْسُم عن غُرِّ شتيتٍ نباتُه

وامتدت أيضاً لوحة وصف المحاسن فشملت قصائد مختلفة، وكرّر معظم الشعراء معاني الجمال الحسي المتداولة المعروفة في الشعر الجاهلي، من الإشراق في اللون إلى الخد الأسيل إلى نظرة وحش الوجرة المطفل إلى الأسنان المنورة واللثات الغامقة وجيد الرئم والفرع الأسود المتعثكل والترائب المصقولة والخصر المهفهف والبطن الضامر والروادف الريا والأصابع الرخصة والساق البردية والرائحة الفواحة والمشية المترنحة وغيرها من ملامح الحسن التي تمثلها صور المها والغزالة والشمس ودرة الغواص ودمية المحراب والكثبان وغصون البان الطرية والرياض بأزهارها ونسائمها. ولعلنا نذكر هنا ما ورد في فصل سابق من هذا البحث، عندما تحدثت عن جمال المرأة، والصفات التي أعجبت شعراء هذا العصر. وكيف أنها كانت الصفات ذاتها التي أعجب بها الشعراء في العصر الجاهلي، وأن النموذج الأول لوصف جمال المرأة كان في معلقة امرئ القيس، ثم نسخت معانيه وتكررت في أغلب صور الشعر الأموي ومعانيه. والأمثلة كثيرة جداً على ذلك، ولعل بعضها يكفي شاهداً ودليلاً، فقد تحول يوم "دارة جلجل" إلى "ليلة ذي دوران" عند عمر بن أبي ربيعة، وتقمص روح شاعره الخالدة في فكرة المغامرة ومعاني المساعاة الليلية، وفي "سّموه إليها بعدما نام أهلها" وحكى كيف "رُوّعت من قدومه" ثم "صارت إلى الحسنى ورق كلامها" وكيف "أصبح معشوقاً" على نحو ما صار عمر، فهو عليها "أمير مؤمر" وكلاهما مغامر يستيقظ في نفسه حس الفارس فيقول امرؤ القيس: "أيقتلني والمشرفي مضاجعي" ويقول عمر: "فقلت أباديهم فإما أفوتهم وإما ينال السيف ثأراً فيثأر".

وكان أستاذه قد قال "خليليّ مرّا بي على أم جندب"، فكرر وراءه: "خليليّ مرّا بي على رسم منزل"، وكان قال:

نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضل

 

وتضحي فتيت المسك فوق فراشها

فقال عمر:

تعالي الضحى لم تنتطق عن تفضل

 

قليلة ازعاج الحديث يروُعها

وامتد المعنى عنده إلى بيت آخر فقال:

هضيم الحشا حسانة المتجمل

 

نؤوم الضحى ممكورة الخلق غادة

ويزعم عمر أنها:

إلا سواد وراء البيت يستتر

 

لم يرعها وقد نضّت مجاسدها

بعد أن سمع قول أستاذه:

لدى الستر إلا لبسة المتفضل

 

فجئت وقد نضّت لنوم ثيابها

فعمر يبيح لنفسه كما هو واضح أن يقترض المعاني التي ابتدعها أستاذه، ثم لا يجد حرجاً في إعادة صياغتها صياغة تذكرنا في كثير من الأحيان بصياغة امرئ القيس نفسه.

أما عبيد الله بن قيس الرقيات فيروقه أن يقلّد أسلوب الأعشى، وينهل من معانيه، يقول الأعشى:

وكانت قتولاً للرجال كذلكا

 

أتشقيكَ تيا أم تُرِكْت بدائكا

وكانت سفاهاً ضلَّة من ضِلالكا

 

وأقصرْتَ عن ذِكْر البطالةِ والصبا

وقَطْعَ جديدٍ حَبْلُها من حبالِكا

 

وما كان إلا الحَيْنَ يومَ لقيتَها

بياضَ ثناياها وأسود حالكا[3])

 

وقامت تُريني بعدما نامَ صحبتي

هل أجازف فأقول إن بعض معاني هذه القصيدة وكلماتها قد حلّت في قصيدة عبيد الله بن قيس الرائعة التي يحملها كثيراً من شجونه وآلام خيبته عندما قال:

أَثيبي امْرأً أَمسى بحبِّك هالكا[4])

 

أعاتكَ بنتَ العبشمية عاتكا

لقد حاول ابن قيس إذابة المعنى الموجود في الشطر الثاني من البيت الأول عند الأعشى، فقال:

كذلك يقتلن الرجال كذلك

 

بدتْ لَي في أترابها فقتلنني

وتمعن في قول الأعشى: "وقامت تريني  بعدما نام صحبتي" وحوله إلى هذا الصيغة: "إذا غفلتْ عنا العيون التي ترى"، ثم كرر كلمة"داء" واستبدل بكلمة"الشفاء" كلمة"الطيب":

طبيبان منا عالمان بدائكا

 

وقالت لو أنا نستطيع لزاركم

وفي قصيدة أخرى  يقول عبيد الله:

ويلي عليكِ وويلتي منك[5])

 

قامت تحييني فقلت لها

وهو ما وضعه الأعشى على لسان هريرة صاحبته عندما  قالت: "ويلي عليك وويلي منك يا رجل".

ولم يكن العرجي بعيداً عن  هذه المعاني، فقد اقترض منها ككل شعراء المغامرة معاني الخطر المحدق بمغامراتهم، وأعاد المعاني الجاهلية ذاتها عند امرئ القيس والأعشى في النجاح والوصول إلى صاحبته مع كل ما يحيط بها من حراسة مشددة ومخاطر قد تقود إلى الهلاك ثم انتهاء الأمر إلى الهدوء والطمأنينة[6])، ثم المبالغة في وصف الجمال والإسراف في معاني المبادلة العاطفية أثناء اللقاء، ووضوح العرامة النفسية القائمة على الشعور بالفتك في تجاوز الحراس والأهل والرقباء، والفوز بما يشتهون من المرأة المحصنة خاصة[7]) على أنني ينبغي أن أسجل فرقاً واضحاً بين مغامرات عمر ومغامرات امرئ القيس والأعشى، فلم يكن عمر يسرف في تصوير تفاصيل اللقاء والمتعة المادية على نحو ما كان يفعل هذان الشاعران.

ودار جميع شعراء الحجاز ممن عرفوا بالحب القصصي الحضري، ضمن دائرة من المعاني الواضحة التي أصبحت معالم واضحة من معالم تجربتهم الغزلية مثل القصة الغرامية التي تصور المرأة من خلال مجموعة من المعاني الخاصة بالمجتمع المدني الحجازي كالجرأة والتحرر والتبسط في إظهار مشاعرها وعتابها وغيرتها وشكواها من هجر حبيبها، ونشوتها عند سماع إطراء لحسنها وجمالها، وتيهها على  صواحبها بحسنها، وكل ذلك في إطار من القصة والحوار السلس الجميل.

أما في الشعر العذري فكانت منظومة المعاني لا تخضع إلا للتدفق العاطفي الذي يفيض بين جوانح الشاعر فيفرغه في أشعاره دونما اهتمام بعمق الفكرة وتقليبها على وجوهها، فهّمه محصور في البوح بما يحسه في نفسه بوحاً صادقاً شفافاً ريّان بالعاطفة، ولذا تبدو معاني هذا الشعر معاني بسيطة قريبة من النفس يحكمها تيار الوعي الذي تتداعى فيه المعاني على غير نظام أو ترتيب، ولكنها معان تصدر عن القلب أكثر مما تصدر عن العقل، وتعبر عن الحب والهيام.

وكان الدكتور شكري فيصل قد أشار إلى هذه الملاحظة بقوله: "لم تكن المعاني موطن اهتمام الشاعر وغاية حرصه، إنه حين يتحدث، لا يتحدث لأن فكرة ما قد تبلورت في ذهنه، ولكنما يتحدث لأن عاطفة عارمة كانت تجيش في صدره... لذلك لا يهمه أن يكون هذا المعنى طريفاً أو مطروقاً، وكل الذي يهمه هو أن يعبر عن هذا الفيض النفسي الذي ملأه كائناً ما كان من المعاني في ذلك... إن الجانب الانفعالي من نفسه الشاعرة هو الذي يستبد بكل  اهتمامه"[8]).

فكانت فكرة أشعارهم واحدة ومعانيها واحدة أيضاً، إنها فكرة الحب، بل إنها الحبيبة بكل ما اتصفت به في أشعارهم من معاني السلبية والجبروت والتكبر والتمنع والحصانة والبخل والأزورار، فهي التي تقرر سعادة الشاعر أو شقاءه وهي  امرأة شبه مقدسة قادرة على تغيير الخصائص الموضوعية للأشياء، فماء البحر يغدو بريق  بثينة عذباً فراتاً كما في قول جميل:

لعاد أُجاج البحر من ريقها عذبا[9])

 

فلو تفلت في  البحر والبحر مالح

وماء السيل يمرّ قريباً من ديار ليلى فيتلقى طيبها فيطيب كما يزعم المجنون[10])، وهي تهب مَنْ حولها الحياة وتمنحه السعادة وتفيض عليه حباً، فهي-فيما يزعم هؤلاء الشعراء- قادرة على ردّ الروح للشاعر، وأهلها أحباب الشاعر لا يختلفون عنها في المنزلة من  النفس كما يزعم جميل:

فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب[11])

 

وقالوا يا جميل أتى أخوها

ومعنى هذا كله أن أشعار هؤلاء العذريين كانت تدور حول فكرة واحدة أو أفكار قليلة متشابهة، أو حول تجربة إنسانية واحدة أو تجارب إنسانية قليلة متشابهة، فكلهم يدور في فلك هذه التجربة العاطفية المحرومة على نحو ما يهديه حسّه أكثر مما يهديه عقله، وقد وسمت هذه المعاني العاطفية والملامح النفسية تجاربهم كما وسمت شعرهم وميزته من سائر شعر الغزل في عصره، بل وفي العصور اللاحقة أيضاً. ولكننا نستطيع بيسر أن  نجد تباشير هذا التيار العاطفي الرقيق في شعر المتيمين الجاهليين كالمرقشين الأكبر والأصغر وعنترة.

ولم يخرج الشعراء الأمويون التقليديون في حديثهم عن المرأة على المعاني الجاهلية بل رددوا كثيراً منها، وعملوا على بعث التراث الجاهلي حياً من جديد في أغلب موضوعاتهم وخاصة المقدمات التي توزعت على حديث الأطلال فجاء يتضمن المعاني الجاهلية ذاتها من وصف للديار ولما بقي من آثارها وما تعاقب عليها وأدى إلى تغير ملامحها من رياح وأمطار، ثم الحديث عمن حل بها من الحيوان والطير، والعودة بالذاكرة إلى الماضي أيام كانت الديار عامرة بأصحابها تحتضن مرابع الطفولة والصبا، ثم الوقوف على تأمل هؤلاء المحبوبات واستدعاء جمالهن أيام الصفاء والمودة معهن وكذلك أسلوب التحية واستيقاف الأصحاب واستعجام الديار والبكاء فيها كما في مقدمات ذي الرمة والأخطل التي مرت في الفصل السابق.

واستمرت المعاني الجاهلية أيضاً في الشعر الأموي في مقدمة الظعن، وردّد الشعراء الحديث عن رسومها الفنية من مشهد الاستعداد للرحيل إلى وصف الهوادج وألوانها وتبصر الطرق التي تشكلها، والحداة الذين يهدونها ويغنون لها، ثم وصف جمال صواحبها والعودة إلى نفوسهم  لتصوير أحزانهم لفراق هؤلاء النسوة وبعدهن عنهم.

وفي حديث الطيف أيضاً أحيا شعراء العصر الأموي المعاني الجاهلية، فالطيف لا يزور إلا بآخرة من الليل، فيعجب الشاعر من اهتدائه إليه على بعد المسافة بينهما، ومن قدرته على تمييزه عن أصحابه المتعبين المنهكين من طول السفر ومشاق الرحلة، وهي زيارة قصيرة تفرّ من النفس قبل أن يستمتع الشاعر بها، ولا ينسى هؤلاء الشعراء أن يلموا بوصف صاحبة الطيف المعطرة الجميلة. فلنستمع إلى القطامي وهو يدور حول هذه المعاني في حديثه عن طيف محبوبته، ولكنه لا ينسى أن يبث في نشيده أنفاساً من الحسرة والأسى على الحياة الماضية يقول:

ما كنت أحسبُها قريبَ المعنقِ

 

طرقَتْ جَنوبُ رحالَنا من مَطرقِ

حَسَن المعلَّقِ ترتجيه مطوَّقِ

 

قطعتْ إليكَ بمثلِ جِيْدِ جِدايةٍ

وإذِ الشبابُ قميصُهُ لم يَخْلُقُ[12])

 

هلاّ طرقْتِ إذِ الحياةُ لذيذةٌ

ويزور الخيال جريراً على بعده فيتشاغل عنه بأمور حياته الأخرى، غير أنه ما إن يراه حتى يتمسك به ويتغزل بصاحبته النظيفة الفم الجميلة العيون، فيستحضر هذه العناصر المادية من حسنها ليثبت لنفسه أن الزيارة كانت حقيقة:

وقتُ الزيارةِ فارجعي بسلامِ

 

طرقتكَ صائدةُ القلوب وليس ذا

بَرَدٌ تحدّر مِنْ متونِ غَمامِ

 

تُجري السّواكَ على أَغَرَّ كأنه

مُقَلَ المها  وسوالفَ الآرامِ[13])

 

لولا مراقبةُ العيونِ أرَيْنَنا

أما المعاني التي سادت حديث الشيب والشباب فهي المعاني الموروثة عينها من دوران حول إعراض النساء عن الشاعر وقسوتهن عليه بسبب تصابيه ونفورهن منه إلى الشبان، ثم يسرد أحوال المرأة النفسية،  ويعرض خبرته بأمور دهائها ومكرها.

ففي هذا الحوار الذي يسجله جرير بينه وبين إحدى النساء ينقل لنا إنكارهن لما هو فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته على أن يدفع عن نفسه ما هو فيه، يقول:

ليتَ العهودَ تَجدَّدتْ بعد البلى

 

قالت بَلِيْتَ فما نراكَ كعهدِنا

حاجاتُ ذي أَربٍ وهمٌّ كالجوى

 

أَأُمامَ غيرّني وأنتِ  غريرةٌ

كيف الصبابةُ بعدما ذهبَ الصِّبا

 

قالت أمامةُ مالجهلِك مالَه

بعدَ استقامِتها وقَصْراً في الخطا

 

ورأت أُمامةُ في العظام تحنِّياً

والويلُ للفتياتِ من خَضْبِ  اللِحَى[14])

 

ورأتْ بِلِحْيته خضاباً راعَها

ويرى الفرزدق أن جميع العذارى قد أصبحن يكرهن  حضوره، بل أصبح حضوره مصدر سخريتهن وتسليتهن مع ملاحظة المرارة والحزن الذي تتضمنه هذه المعاني والأسف  على أيام الشباب:

وقُلْنَ تولَّى عنك كلُّ شبابِ

 

رأيتُ العذارى قد تكرَّهْنَ مجلسي

فقلتُ  لهنَّ لاتَ حينَ عِتابِ[15])

 

عتبْن على فقدِ  الشباب الذي مضى

ويصر الفرزدق على ذكر موقف المرأة منه بعد أن شاب، وتبدو كأنها لا تصدق ما حلّ به وكأنه أعجوبة  مسلية لم ترها من قبل:

كأنها أبصرت بعض الأعاجيب[16])

 

تضاحكت أن رأت شيباً تفزَّعني

ويراهنّ العجاج قد استبدلن به شاباً جميلاً بعد أن حنى قناته الكبر، يقول:

وقُلْنَ لي عليكَ بالتغَني

 

إنَّ الغواني قد غنينَ عني

على الغنى وأنا كالمُظّنِّ

 

عنا فقلتُ للغواني إِنيّ

غنينَ واستبدلن زيداً منيّ

 

لما لَبَسْنَ الحقَّ بالتجنّي

يرضى ويُرضِهنّ بالتمنيّ

 

غُرانِقاً ذا بَشَرٍ مُكْتَنِّ

حنَّى  قناتي الكبرُ المُحنيّ[17])

 

أنْ شاب رأسي ورأين أَنيّ

وينضم ابن  قيس الرقيات إلى هؤلاء الشعراء ويؤكد أن غير الشيب هو ما يعجب المرأة، يقول:

سِ منيِّ ما أغيبِّهُا

 

رأت بي شيبةً في الرأ

وغيرُ الشيبِ يُعْجبُها[18])

 

فقالَتْ أَبْنُ قيسٍ ذا

ويختم موقف الشعراء من المرأة وحديث الشيب بدعاء ظريف عليهن جميعاً فيعترف بأنه لا يستطيع التخلي عن المرأة مع ما تنكره عليه من بعض المظاهر. يقول:

يُصْبحنَ إلا لهنَّ مْطَّلَبُ

 

لا باركَ اللهُ في الغواني فما

الرأسِ حديثاً كأنّه العُطُبُ

في

أبصرنَ شيباً علا الذؤابة

يُعَرفُ لي في لِداتي اللّعِبُ[19])

 

فهنَّ يُنِكرْنَ ما رأَيْنَ ولا

وفي حديث الغزل كانت معاني الحب وحكايات الغرام، ومفاتن الحبيبات وأحوالهن النفسية ونظرتهن إلى الشيوخ أيضاً هي المتداولة غالباً. فكرر الفرزدق والأخطل معاني الجمال ذاتها، وألحّا على معاني الترف والرفاه، كالإشارة إلى من يقوم على خدمة المرأة من الخدم والحشم والولائد، وكالحديث عن نومها إلى أن ينتصف النهار ثم إحضار المساويك والملابس الفاخرة لنسوة غريبات الأطوار.

وكان جرير أيضاً أسير المعاني القديمة في وصف المشاعر والأحاسيس واستبطان الذات وغياب الوصف الحسي للمرأة أو شحوبه على نحو يذكرنا بالمتيمين من شعراء الجاهلية، فحديثه عن المرأة، تلوح فيه المعاني الآسرة التي تظهر الحب والرغبة، يقول:

عليَّ ومنْ زيارتُهُ لِمامُ

 

بنفسي مَنْ تَجَنبُّه عزيزٌ

ويَطرقُني إذا هجعَ النيامُ

 

ومَنْ أُمسي وأُصبحُ لا أراه

قضاءٌ أو لحاجتي انصرامُ

 

أليس لِما طلبتُ فدتِكِ نفسي

إذا ما التجَّ بالسِّنةِ النّيامُ

 

فدىً نفسي لنفسِكِ من ضجيعٍ

بِفَرعِ بَشامةٍ سُقي البَشامُ[20])

 

أَتنسى إذْ تودِّعُنا سُليمى

ويكشف في مقطع آخر عن بعض الشكوى  من الحب الذي تبادله صاحبته بدلال وتمنع مما يزيد حرقته ويعلي من صوت أنينه:

يا أطيبَ الناسِ يومَ الدَّجْنِ أردانا

 

هلاّ تحرّجت مما قد فعلتِ بنا

ولا إخالُكَ بعدَ اليومِ تَلقانا

 

قالتْ أَلمَّ بنا إِنْ كنتَ منطلقاً

ضيفاً لكم باكراً يا طيبَ عجلانا

 

يا طيبَ هل من مَتاعٍ تمتعينَ به

يا أمَلحَ الناسِ كلِّ الناسِ إِنسانا[21])

 

ألستِ أَحسنَ من يمشي على قدم

أما هجاء المرأة فكان يعتمد على السخرية من الشكل والملامح، ويدور حول معاني البشاعة والامتهان بالعمل والرعي والدناءة والبخل والابتذال والإفحاش بعبارة صريحة مباشرة تتناول النساء بأقبح الصور وأبعدها عن الحياء والدين على نحو ما رأينا في الحديث عن النقائض في الفصل السابق.

يمكن القول الآن: إن الشعراء الأمويين قد نظروا إلى صورة المرأة في الشعر الجاهلي نظرة يملؤها الإعجاب والدهشة والحب، ولكن هذا التيار الجاهلي كأن يسير جنباً إلى جنب مع التيار الإسلامي الذي غزت معانيه الشعر منذ عصر صدر الإسلام فكانت أهم تطور طرأ على الأفكار والمعاني التي تداولها الشعراء في بيئاتهم المختلفة.

ويظهر الأثر الإسلامي في الألفاظ والصور والمعاني التي دارت حول المرأة، وقد فصلت هذا الأمر في فصل سابق عندما تحدثت عن صورة المرأة الأخلاقية في العصر الأموي، وبينت أثر الدين الإسلامي وما جاء به من مثالية عامة انتظمت الناس جميعاً نساء كانوا أم رجالاً.

فبرزت مواسم الحج ومناسكه وشعائره المختلفة، تصور مواكب النساء في شعر الحجازيين في المدينة والبادية على السواء. وسادت أيضاً معاني القسم والدعاء  التي كان لها جذور جاهلية فتحولت إلى صورة إسلامية، وبدت شديدة الخصوبة والتأثير عندما استخدمها الشعراء لتأكيد حبهم للمرأة، والتأثير فيها، وانتشرت المؤثرات الإسلامية والأفكار الدينية في معاني الذنب والمغفرة والتوبة والنذر والوفاء به، وكذلك القتل والقصاص، وكانت هذه المعاني قسمة بين جميع الشعراء. وتكررت فكرة الوعد الممطول والدين والغريم والحياء والرقيب وفكرة القيامة والحشر والحساب في شعر العذريين خاصة، وكلها معان جديدة استمدها الشعراء الأمويون من الدين الإسلامي، وهي معان تفارق المعاني الجاهلية مفارقة كبيرة، وتعد إضافة جديدة قادت الشعر الأموي في دروب أخرى فأخرجته من معابد الجاهلية وحلّقت به في آفاق جديدة من العفة والحشمة والطهارة.

 

وسأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك من شعر الشعراء الأمويين: يقول المجنون:

ذكرتُكِ لم تُكْتَبْ عليَّ ذنوبُ[22])

 

- ولو أَنّني أستغفرُ اللهَ كلّما

وذو العرش فوقَ المُقْسِمينَ رقيبُ[23])

 

- حلفتُ لها بالمشْعَرينِ وزمزمٍ

له بمنى يومَ الإفاضةِ والنحّرِ[24])

 

- حلفتُ بِمَنْ صَلَّتْ قريشٌ وجَمَّرتْ

بمكّةَ شُعْثاً كي تُمحىّ ذنوبُها

 

- دعا المحرمونَ اللهَ يستغفرونَهُ

لنفسي ليلى ثمَّ أنت حسيبُها

 

وناديتُ يا رحمنُ أولُ سُؤْلتي

إلى اللهِ عبدٌ توبةً لا أتوبُها[25])

 

وإن أُعْطَ ليلى في حياتي لم يتُبْ

ونيرانُ شوقي ما بِهنَّ فُتورُ[26])

 

- إلى اللّهِ أشكو صَبوتي بعد كُرْبتي

لربّيْ بتسبيحٍ ولا بقُرآنِ[27])

 

- وحبُّك أنساني الصلاةَ فلم أَقُمْ

ونجد في ديوان قيس بن ذريح قوله:

مساقطَ حُبيّ كيف بي تتلَّعبُ[28])

 

- عفا اللهُ عن أُمِّ الوليدِ أَما ترى

أطوفُ به فيمنْ يطوفُ ويحْصِبُ[29])

 

- فلا والذي مسَّحْتُ أركانَ بيتهِ

وقطعُ الرِّجلِ مني واليمين

 

- فواللهِ العظيمِ لَنَزْعُ نفسي

فبكِّي للفراقِ وأسعديني[30])

 

أحبُّ إليَّ يالبنى فراقاً

ومن حُرقٍ تعتادني وزفير[31])

 

- إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى

واستمد جميل من وحي القرآن الكريم وتعاليمه عدداً كبيراً من المعاني التي طبعت أسلوبه من ذلك اعتماده على القسم وفكرة العهد والميثاق وفكرة التوبة والمغفرة والصلاة والحساب يقول:

لَذِكْرُكِ في قلبي أَلَذُ وأَمْلَحُ

 

فو اللّهِ ثم اللّهِ إني لصادقُ

بثينة أم كانتْ بذلك تمزحُ[32])

 

وواللّهِ ما أدري أَصرمٌ تريدُه

من اللهِ ميثاقٌ لنا وعُهودُ[33])

 

- وقلت لها بَيْني وبَيْنَك فاعلمي

عليِّ وهل فيما قضى اللهُ مِنْ  رَدِّ

 

- فقلتُ له: فيها قضى اللهُ ما ترى

وما للّذي لا يتّقي الله مِنْ عَهْدِ[34])

 

فقد جدَّ ميثاقُ الإله بحبِّها

مالي بمادونَ ثوبِها خَبرُ[35])

 

- لا والذي تسجُد الجباهُ له

أداوي بها قلبي، عليَّ فُجُوْرُ[36])

 

- خليليَّ هل في نظرةٍ بعد توبةٍ

وخافي مليكَ الناسِ في البعد والهجرِ[37])

 

- لا تهجريني بابثينَ وأحْسِني

وما خَبَّ آلٌ في مُلَمَّعةٍ قَفْرِ[38])

 

- فأُقسِمُ لا أنساكِ ما ذرَّ شارقٌ

فيعلمَ ربّي عند ذلك ما شُكري[39])

 

- فليت إلهي قد قضى ذاك مرةً

ولابدَّ من شكوى حبيبٍ يُرَوّعُ

 

- إلى الله أشكو لا إلى الناسِ حبَّها

فأمسى إليكم خاشعاً يتضرّعُ[40])

 

ألا تتّقين اللهَ في مَنْ قتلتِهِ

وأن تَطمْعي يوماً إلى غيرِ مَطمعِ[41])

 

- أُعيذُكِ بالرحمن مِن عَيشِ شِقْوةٍ

ليَ الويلُ مما يكتبُ الملَكَانِ[42])

 

- أُصلِّي فأبكي في الصلاةِ لذِكْرِها

ولم تكن هذه المعاني الدينية المستمدة من القرآن الكريم والرسالة الإسلامية الخالدة في دواوين شعراء مدن الحجاز أقل منها في دواوين الشعراء العذريين، بل إنها منتشرة بالكثافة ذاتها، وكيف لا تظهر هذه المعاني وبيئة هؤلاء الشعراء هي مهبط الوحي ومهد الرسالة السماوية؟ وفي نظرة سريعة إلى دواوين شعراء المدن يمكن ملاحظة هذه المؤثرات التي توزعت أيضاً بين معاني القسم والدعاء وذكر المناسك المقدسة ومعاني بعض الآيات القرآنية أوإيحاؤها، كما في قول الأحوص:

بربِّ البيتِ والسبع الطباقِ

 

حلفْتُ لكِ الغداةَ فصدِّقيني

من الصادي إلى الكأسِ الدِّهاق[43])

 

لأَنتِ إلى الفؤاد أشدُّ حّباً

ففي قوله استمداد مباشر من القرآن الكريم في قوله تعالى: "الذي خلق سبع سموات طباقاً"[44]) ومن قوله تعالى: "فليعبدوا رب هذا البيت"[45]) وقوله تعالى في سورة النبأ"كأساً دهاقاً"[46]) ويرد قوله مستخدماً القسم بأسلوب آخر غير اسم الله تعالى، إذ يقسم ببيته الحرام يقول:

بيتَه سالكينَ نقْب كداء

 

إنّني والذي تحجُّ قريشٌ

صادراً كالذي وردتُ بداءِ[47])

 

لَمُلمٌّ بها وإن أبْتُ منها

وفي فكرة الذنب والمغفرة يقول:

وإمّا مسيئاً مُذنباً فيتوبُ

 

هبيني أمرأ إمّا بريئاً ظلّمتهِ

ومُثْنٍ بما أولَيْتني ومُثيبُ[48])

 

لكِ اللّهُ إني واصلٌ ما وصلتني

وكان العرجي أكثر اعتماداً على هذه الصيغ الدينية في توضيح أفكاره ومعانيه ولا سيما ذكر المناسك، يقول:

ومَنْ رِيْعَ في حجّ منَ الناسِ هلّلا[49])

 

لدى الجمرة الوسطى فريعَتْ وهلَّلَتْ

ويحتفظ بذكريات لطيفة لدى الجمرة الوسطى فيعيدها إلى ذهنه مرة أخرى ويقول:

نواعمُ حُوْرٌ دَلُّهنَّ جميلُ[50])

 

لدى الجمرة الوسطى أصيلاً وحولَها

ويقول:

حتى يشتّتَ بيننا النَفْرُ[51])

 

لا نلتقي إلا ثلاثَ مِنى

ويستخدم القسم لتأكيد حبه للفتيات:

على حبّي حلفتُ لها يمينا[52])

 

إذا ما كاعبٌ حلفتْ يميناً

ويقسم بالله أيضاً من أجل الاعتذار عن إخلاف وعده معها يقول:

وتزعمُنُي ذا ملّةٍ طَرِفاً جَلْدا

 

لقد أرسلَتْ في السرِّ ليلى تلومُني

واللهِ ما أخْلَفْتُها طائعاً وَعدا[53])

 

تقولُ لقد أخلفْتَنا ما وعدْتَنا

ويقسم من أجل إثبات الحب أيضاً:

رُضيَّا  وربّ العرشِ يا صاحِ قاتلي[54])

 

فقلت له: حبُّ القتولِ وتربها

وما أكثر ما يحلف بالله من أجل إثبات مشاعره يقول:

في كلِّ يومٍ من الأيامِ مشهودِ

 

أحلِفُ باللّهِ أَيماناً مضاعفةً

وأشعروها بتحليلٍ وتقليدِ

 

ربِّ الحجيج وربّ البُدْنِ قد وجبتْ

ولا هوى غيرِكُمْ يا أمَّ داودِ[55])

 

ما عَمْرَةٌ نهزَتْنا نحوَ أرضِكمُ

ويستمد عبيد الله بن قيس الرقيات من أصداء الدعوة الإسلامية بعض المؤثرات، فيدعو على النساء هذا الدعاء السلبي:

يُصْبحنَ إلا لُهنّ مُطّلَبُ[56])

 

لا  باركَ اللهُ في الغواني فما

ويستند إلى أفكار إسلامية أخرى كفكرة ا لعهد  والميثاق، والصدق والأمانة في قوله:

ذبُ فيما نقولُ والميثاقُ[57])

 

لكُمُ اللهُ والأمانةُ لا نكـ

ويسلم أمره لله في صدق مشاعره والدفاع عن أحاسيسه أمام رقية في قوله:

رُقيّةَ قد تَضَمنَّهَ الكشوحُ[58])

 

أليس الله يعلمُ أَنَّ حبي

ويطلب من صاحبته أن تتقي الله وتخشى عقابه فيما تسبب له من  هجر وقطيعة يقول:

عقوبةَ أمرِنا لا تقتُلِينا[59])

 

تقنَّ اللّهَ فيَّ رُقيَّ وَاخْشَيْ

ويكرر هذا المعنى فيذكرها بالعقوبة والإثم الذي يلحق بها بسبب معاملتها له، ويطلب منها خشية الله فيه:

تَخْشيْ عليكِ عواقبَ الإثْمِ

 

بالله يا أمَّ البنينَ ألمْ

زوّدْته سُقْماً على سُقْمِ[60])

 

للّهِ درُّكِ في ابن عِمِّك إذْ

ويصل إلى حد التطرف والسلبية في تأكيد غرامه لها فيذكر أنه على دينها إن هي أسلمت وإن هي أشركت:

الإسلامَ لا نَخْذُلْكِ في الشركِ[61])

 

إنْ تُسلمي نُسْلمْ وإنْ تَدَعي

ولم يكن أسلوب عمر بن أبي ربيعة بمعزل عن هذه المؤثرات الإسلامية، بل على العكس فقد كان من أكثر شعراء الحجاز الذين رشحت المعاني الإسلامية من خلال صيغهم مع ما عرف عنه من أسلوبه اللاهي المتحضر، ومع ما عرف عنه من تقليد واستناد إلى الموروث الجاهلي في صوره وأفكاره، ففي قراءة سريعة لديوانه يمكن الاستنتاج أن  هذا الشاعر كان يرى بأم عينه وقلبه مواسم الحج وشعائره في كل عام حتى شهر عنه استغلاله لهذا الموسم الديني واستثماره بشكل كبير في معانيه التي أدارها حول النساء المترفات. كما يظهر الأثر الإسلامي في أسلوب القسم الذي يعتمد عليه كثيراً جداً في تأكيد صدقة ووفائه لمن يحب. وسأعرض بعض معانيه في مجال القسم، فهو يقسم باسم الله في مجال تأكيد الحب:

لا ثيبِّا خُلقتْ ولا بِكْرا[62])

 

واللّهِ ما أحببتُ حُبَّكُمُ

ويقول مستخدماً الصيغة ذاتها:

بالمَشعْرين وأهلهِ خُبْرُ

 

بالله ربّكُمُ أمالكمُ

من أمِّ عمرو وتْرِبها ذِكْرُ[63])

 

أَوَمَا أتاكم بالمحصّب من منى

ويحلف أيضاً برب منى في قوله:

تغيبَّ في عجاجَتهم ثبيرُ

 

- حلفتُ لها بربِّ منىّ إذا ما

وإن زُرْنا فأَوْجَه مَنْ نزور[64])

 

لأنتمْ  حبُّ شيء إن جلسنا

ويقسم ببيت الله ليكشف عن غاية  عشقه وغرامه:

ألا لا، وبيتِ اللّهِ إني مهبَّرُ[65])

 

فقلت لها: يا همَّ نفسي ومُنيتي

ويكرر القسم ببيت الله في قوله:

وكُبْرُ منانا من فصيح وأعجم[66])

 

فأنتِ وبيتِ الله همّي ومنيتي

ويقسم بالبيت العتيق مقروناً إلى اسم الله تعالى إنها تساوي عنده جنة الخلد:

ساويتِ عندي جنَّةَ الخُلْدِ[67])

 

واللهِ والبيتِ العتيقِ لقد

ويقسم بالرحمن مرة:

وأُقسِمُ بالرحمن لا نتكلّمُ[68])

 

فعُتْباكِ مني أنني غيرُ عائدٍ

ويضيف بعض أسماء الله الحسنى إلى قسمه فيذكر العزيز الجليل في قوله:

والعزيز الجليل أهوى رضاكا[69])

 

وارْضَ عنّي جُعلتُ أفْديكَ إنيّ

ويقسم أيضاً بقبر النبي:

ومن كانَ مُحْرِماً ومُحِلا

 

لا وقبر النّبيِّ يا عبدَ والحجِّ

مِنْ جميعِ النساءِ قالتْ: فهلاّ

 

ما على الأرضِ مَنْ أُحِبُّ سِواكُمْ

غاب لمّا دخلتَ هذا وضلاّ[70])

 

قُلْتَ لمّا دخلتَ هذا ولكنْ

ويمزج الشاعر دائماً من خلال القسم بين مشاعره الدينية ومشاعره العاطفية ليؤكد حبه وصدقه للفتاة التي يخاطبها، فيقسم لعثيمة بصيغ متعددة علّها تصدق ما يقول:

بالنور والإسلامِ دين القيم

 

لا والذي بَعَثَ النبيَّ محمداً

عند المقام وركنِ بيتِ المحْرمِ

 

وبما أَهلَّ به الحجيجُ وكبرَّوا

والطورِ  حلْفَةَ صادقٍ لم يأثمِ

 

والمسجد الأقصى المباركِ حولَه

قلبي إلى وصلٍ لغيركِ فاعلمي[71])

 

ما خنتُ عهدَكِ يا عثيمُ ولا هفا

وكان الدعاء وسيلة أخرى يعتمد عليها لإبراز مشاعره الصادقة تجاه من يحب، فيعقد الدعاء أحياناً بتفصيل كثير الجزئيات والمشاهد، ويبتهل به إلى الله تعالى أن يسمع منه ويستجييب مرة بقوله يا رب ومرة يا ذا العرش كما في قوله:

أهوى عبادِك كُلِّهمْ إنسانا

 

يا ربِّ إنك قد علِمْتَ بأنّها

وأَحبُّ من نَأْتي ومَنْ حَيّانا

 

وألذُّهُمْ نُعمٌ إلينا واحداً

يبغي قطيعةَ حبِّه هِجرانَا

 

فاجْزِ المحبَّ تحيةً واجْزِ الذي

لِمَا نقولُ ولاَ يخيبُ دُعانا[72])

 

آمينَ ياذا العرشِ فاسمعْ واستجبْ

وقد يوجز الدعاء ويمر به سريعاً كما في قوله:

أضرَّ بنفسي أهلُهُ حينَ هجَّروا

 

لقد ساقَني حَيْنٌ إلى الشادنِ الذي

ولا زلتُ منه حيثُ ألقْى وأُخْبَرُ[73])

 

ولو أَنّه لا يُبْعدِ اللّهُ دارَهُ

ويأتي الدعاء على لسان صاحبته لتدوم المحبة والوصال:

كَلاكَ بحفظٍ ربُّكَ المتكبِّرُ

 

فقالتْ وقد لانتْ وأَفرخَ رَوْعُها

عليَّ أميرٌ ما مكُثْتَ مؤمَّرُ[74])

 

فأنتَ أبا الخطّابِ غيرَ مدافعٍ

وتدعو له بالرعاية والأمان في قوله:

دارٌ به أو بَدَاله سَفَرُ[75])

 

اللهُ جارٌ له إذا نزحتْ

وتدعو ربها أن يبعث الصبر والطمأنينة في قلبها بسبب ما تعانيه من حبه:

أَعْقبْ فؤادي منهمُ صَبْرا[76])

 

ياربِّ إنّي قد شُغِفْتُ بهِ

وقد يكون الدعاء سلبياً كقوله:

ثُمَّ أَخزَى اللّهُ مَنْ كفَرا[77])

 

فأنِيلي عاشقاً دَنِفاً

ويذكرها بأن الله ذو عفو غفور، وهو حس إسلامي كثيراً ما تسرب إلى معانيه:

فإنّ اللّه ذُو عَفْوٍ غَفُورُ[78])

 

فديتُك أطلِقي حَبْلي وجُودي

ويظهر الحس الإسلامي في ذكره الصوم والصلاة في بعض أشعاره، كقوله مازجاً بين التراث التقليدي في صورة المشي والحس الإسلامي في تحديده لغرضها من القيام والمشي:

إلى الصلاةِ بُعيدَ البُسْرِ تَنْبِتَرُ[79])

 

تكادُ من ثِقلِ الأردافِ إنْ نَهَضَتْ

وتكون الصلاة أيضاً آية الموعد بينهما في قوله:

نداء المصلِّين يا مَعْمَرُ[80])

 

وآيةُ ذلك أنْ تسمعي

كما يرتبط الصوم بصاحبته التي تتمثل الأركان الإسلامية في الصلاة كما مرّ منذ قليل، وفي الصوم كما في هذا القول:

وأُفطرُ حينَ تُفْطرُ لا أَصومُ[81])

 

أَصومُ إذا تصومُ عثيمُ نفسي

على هذا النحو ظهرت التأثيرات الإسلامية في دواوين الشعراء في العصر الأموي. فكانت الاستجابة عامة لدى جميع الشعراء وفي اتجاهاتهم ومذاهبهم الفنية المختلفة، وصدروا في معانيهم عن تأثر بالبيئة والثقافة والدين. فهم يلتقون حول المعاني ذاتها ولكنهم يختلفون في تناولها، باختلاف التجربة الشعورية لدى كل منهم، فتتلون هذه المعاني بأصباغ نفسية وشعورية خاصة. وباختصار شديد أقول: لقد مزج هؤلاء الشعراء مزجاً يثير الإعجاب  بين موروثهم الجاهلي وما أمدّهم به عصرهم ومجتمعهم، وما هيأ لهم تكوينهم النفسي، وعن هذا المزيج الخصب صدرت نظرتهم إلى المرأة. وقد حاولت قدر المستطاع الكشف عن هذه النظرةكما بدت لي في أشعارهم التي تعدّ من أصدق الأدلة والشهود.

 



[1]) ديوان عمر 128 بشرة اسم امرأة: خلط ذاك أي مخالطة. الذوب: الذائب المشتار الذي يجني العسل من كوراته. الطبرزد: السكر الأبيض أصلها فارسية. المدامة: الخمر عتقت أعصاراً أي بقيت في دنها زماناً طويلاً.

[2]) المصدر السابق 104 تبسم عن غر: أراد فمها. أي أسنانها غير متلاصقة. الأشر: حدة الأسنان

[3]) ديوان الأعشى ق11

[4]) ديوان عبيد الله 128

[5])المصدر السابق: 141.

[6]) ديوان العرجي 3.

[7])  المصدر السابق 5، 6.

[8]) تطور الغزل 326.

[9]) ديوان جميل: 36.

[10]) ديوان المجنون: 52.

[11]) ديوان جميل: 35.

[12]) ديوان القطامي 105.

[13]) ديوان جرير 990.

[14])المصدر السابق: 343.

[15]) ديوان الفرزدق 41 ويكرر الفرزدق هذه المعاني في ص118، 204، 298.

[16]) ديون الفرزدق 25.

[17]) ديوان العجاج 378، 279. المُظن: المتهم. الغرانق: الشاب الناعم

[18]) ديوان عبيد الله: 121.

[19]) ديوان عبيد الله: 3 الذؤابة: الناصية. وهي شعر مقدم الرأس. أي أنكرن شيبي ولعبي وليس مثلي من يلعب في هذا الوقت.

[20]) ديوان جرير: 279 التج: كثر. أي إذا غلبها النوم فريحها طيبة.

[21]) ديوان جرير 161.

[22]) ديوان المجنون 54.

[23]) المصدر السابق 59.

[24]) المصدر السابق 158.

[25]) المصدر السابق: 67.

[26]) المصدر السابق 137.

[27]) المصدر السابق 277.

[28]) ديوان قيس بن ذريح 57.

[29]) المصدر السابق 59.

[30]) المصدر السابق 154.

[31]) المصدر السابق 97.

[32]) ديوان جميل 47.

[33]) المصدر السابق 63.

[34])المصدر السابق : 74.

[35]) المصدر السابق 89.

[36]) المصدر السابق 93.

[37]) المصدر السابق 101.

[38]) المصدر السابق 102.

[39]) المصدر السابق 103.

[40]) المصدر السابق 117.

[41]) المصدر السابق 123.

[42]) المصدر السابق 204.

[43]) ديوان الأحوص: 164 السبع الطباق: السموات السبع. كأس دهاق: مترعة ممتلئة..

[44]) سورةالملك: 3).

[45]) سورةقريش: 3).

[46]) سورةالنبأ: 34).

[47]) ديوان الأحوص71. كداء: موضع بمكة.

[48])المصدر السابق : 78 ويكرر  المعنى ذاته في ص81.

[49]) ديوان العرجي 73.

[50]) المصدر السابق 49.

[51]) المصدر السابق 43.

[52]) المصدر السابق 94.

[53])المصدر السابق : 108.

[54]) المصدر السابق: 12 القتول ورضيا أسماء نساء.

[55]) المصدر السابق: 160 البدن: الإبل تهدي إلى مكة.. أشعروها: ميزوها بعلامة تدل على أنها من شعائر الحج. تقليد: تعليق القلائد في أعناقها.

[56]) ديوان عبيد الله: 3.

[57])المصدر السابق: 41.

[58]) المصدر السابق 63.

[59]) المصدر السابق 137..

[60]) ديوان عبيد الله 149.

[61]) المصدر السابق 141.

[62]) ديوان عمر 153.

[63]) ديوان عمر: 157.

[64]) المصدر السابق 164 العجاجة: التراب الذي تثيره الدواب والناس وأراد حلفت برب زوار منى وثبير جبل من جبال الحرم.

[65])المصدر السابق : 166  مهبر: مقتول مقطع قطعاً.

[66]) ديوان عمر 203.

[67]) المصدر السابق 325.

[68]) المصدر السابق 215 عتباك: فعل ما ترضين به.

[69]) المصدر السابق 400.

[70]) ديوان عمر 364.

[71]) المصدر  السابق: 230.

[72])المصدر السابق : 267.

[73]) ديوان عمر : 165.

[74]) المصدر السابق 97.

[75]) المصدر السابق 143.

[76]) المصدر السابق 156.

[77]) المصدر السابق 163 كفر: أي لم يعرف قدر النعمة ولم يشكرها.

[78]) المصدر السابق 158.

[79]) المصدر السابق 119.

[80]) ديوان عمر 172.

[81]) المصدر السابق 257.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244