|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:30 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل الثاني
المرأة والمعاني في الشعر الأموي
إلى أي مدى اختلفت المرأة في المجتمع الأموي عن أختها
الجاهلية في صفاتها وملامحها وقيمها؟ وإلى أي مدى اختلفت صورة الجمال المثالي في
العصر الأموي عنها في العصر الجاهلي؟ وإلى أي مدى عبّر الشعر عن هذا التطور الذي
أصاب الذوق والحس الجمالي؟ لقد جاء الإسلام بكنوز من القيم الاجتماعية والخلقية
والدينية وغيرها، ولكنه لم ينسخ القيم القديمة كلّها، بل نسخ بعضها، واحتضن بعضها
وطبعه بطابع إسلامي، ولسنا نبعد عن الواقع إذا قلنا إن ما فعلته منظومة القيم
الإسلامية في وجوه الحياة المختلفة قد فعلته أيضاً بمفهوم الجمال الأنثوي، فقد
استمرت قيم جمالية جاهلية كثيرة تتردد على ألسنة الشعراء الأمويين، وقد ترددت على
ألسنتهم قيم جمالية أخرى لم يكن للشعر العربي عهد بها قبل ظهور الإسلام. ولذا فإن
الناظر في الشعر الأموي الذي اتخذ المرأة موضوعاً له يلاحظ بوضوح مجموعة من
المعاني التقليدية التي فرضت سلطانها على الشعراء عامة وعلى من عرف منهم بإخلاصه
للنموذج الجاهلي خاصة. كما يلاحظ مجموعة من المعاني والقيم الإسلامية الجديدة
تتلألأ في هذا الشعر على تفاوت في مقاديرها من شاعر إلى آخر. وبناء على ما تقدم
يمكنني إذاً عرض الأفكار والمعاني التي تناولت المرأة في الشعر الأموي من خلال
تيارين ثقافيين تأثر بهما الشعر في العصر الأموي هما: التيار الجاهلي القديم،
والتيار الإسلامي الجديد. وموضوع الحب من أكثر الموضوعات الشعرية التي أحيت التراث
الشعري الجاهلي بلغته الحية القادرة على اختزان المشاعر الدافقة وإبقائها في تدفع
وإشعاع نابض في الحياة لا يكاد يخبو على تقادم الزمن. وفي هذا الجانب من الشعر الأموي -الحب والمرأة - ظلت المعاني
الجاهلية تفرض سلطانها على الحديث عن المرأة وأياً كان موقع هذه المرأة من
القصيدة، وظلت خيوط الارتباط بالنموذج الجاهلي وثيقة جداً. ولا يتعب الباحث كثيراً في ملاحظة مدى التشابه بين امرئ
القيس وشعراء العصر الأموي ولا سيما عمر بن أبي ربيعة، أو بين الأعشى وبينهم، أو
بين النابغة وزهير وبينهم جميعاً. فالمعاني التي رسمت صورة المرأة الأموية تحدرت من أصل جاهلي،
ولا ينكر أن بعض الشعراء قد صاغوا تلك المعاني القديمة صياغة مطبوعة بطابع عصرهم،
ومختلفة بعض الاختلاف عن الصياغة الجاهلية، فقد يشعب الشاعر في أحد المعاني، ويولد
منه صورة تمتد عدة أبيات على نحو ما نرى في تصوير عمر بن أبي ربيعة للفم في قوله:
وليست تتمثل الجدة هنا بهذه الإطالة فحسب، بل تتمثل أيضاً في
هذا الحديث المباشر عن الفم المملوء بهذه الجزئيات الكثيرة من العنبر والقرنفل
والزنجبيل والعقار والعسل والماء مما يشي بروح التحضر التي يصدر عنها هذا الشاعر،
وقد كان سلفه الجاهلي يستطرد حقاً في تصوير هذا الفم، ولكنه لم يحشد كل هذه
الجزئيات ولم يكن -إذا حشدها- يتحدث عن الفم هذا الحديث المباشر، بل كان يلجأ إلى
الاستطراد في معرض الصورة كأن يصّور طيب الريق أو الرائحة من خلال حديثه عن روضة
من الرياض مثلاً. وقد يختصر الشاعر المعنى ويوجزه في بيت واحد كما في قول عمر نفسه
يصف أسنانها المتباعدة التي تشبه زهر الأقحوان الندي:
وامتدت أيضاً لوحة وصف المحاسن فشملت قصائد مختلفة، وكرّر
معظم الشعراء معاني الجمال الحسي المتداولة المعروفة في الشعر الجاهلي، من الإشراق
في اللون إلى الخد الأسيل إلى نظرة وحش الوجرة المطفل إلى الأسنان المنورة واللثات
الغامقة وجيد الرئم والفرع الأسود المتعثكل والترائب المصقولة والخصر المهفهف
والبطن الضامر والروادف الريا والأصابع الرخصة والساق البردية والرائحة الفواحة
والمشية المترنحة وغيرها من ملامح الحسن التي تمثلها صور المها والغزالة والشمس
ودرة الغواص ودمية المحراب والكثبان وغصون البان الطرية والرياض بأزهارها
ونسائمها. ولعلنا نذكر هنا ما ورد في فصل سابق من هذا البحث، عندما تحدثت عن جمال
المرأة، والصفات التي أعجبت شعراء هذا العصر. وكيف أنها كانت الصفات ذاتها التي
أعجب بها الشعراء في العصر الجاهلي، وأن النموذج الأول لوصف جمال المرأة كان في
معلقة امرئ القيس، ثم نسخت معانيه وتكررت في أغلب صور الشعر الأموي ومعانيه.
والأمثلة كثيرة جداً على ذلك، ولعل بعضها يكفي شاهداً ودليلاً، فقد تحول يوم
"دارة جلجل" إلى "ليلة ذي دوران" عند عمر بن أبي ربيعة، وتقمص
روح شاعره الخالدة في فكرة المغامرة ومعاني المساعاة الليلية، وفي "سّموه
إليها بعدما نام أهلها" وحكى كيف "رُوّعت من قدومه" ثم "صارت
إلى الحسنى ورق كلامها" وكيف "أصبح معشوقاً" على نحو ما صار عمر،
فهو عليها "أمير مؤمر" وكلاهما مغامر يستيقظ في نفسه حس الفارس فيقول
امرؤ القيس: "أيقتلني والمشرفي مضاجعي" ويقول عمر: "فقلت أباديهم
فإما أفوتهم وإما ينال السيف ثأراً فيثأر". وكان أستاذه قد قال "خليليّ مرّا بي على أم جندب"،
فكرر وراءه: "خليليّ مرّا بي على رسم منزل"، وكان قال:
فقال عمر:
وامتد المعنى عنده إلى بيت آخر فقال:
ويزعم عمر أنها:
بعد أن سمع قول أستاذه:
فعمر يبيح لنفسه كما هو واضح أن يقترض المعاني التي ابتدعها
أستاذه، ثم لا يجد حرجاً في إعادة صياغتها صياغة تذكرنا في كثير من الأحيان بصياغة
امرئ القيس نفسه. أما عبيد الله بن قيس الرقيات فيروقه أن يقلّد أسلوب الأعشى،
وينهل من معانيه، يقول الأعشى:
هل أجازف فأقول إن بعض معاني هذه القصيدة وكلماتها قد حلّت
في قصيدة عبيد الله بن قيس الرائعة التي يحملها كثيراً من شجونه وآلام خيبته عندما
قال:
لقد حاول ابن قيس إذابة المعنى الموجود في الشطر الثاني من
البيت الأول عند الأعشى، فقال:
وتمعن في قول الأعشى: "وقامت تريني بعدما نام صحبتي" وحوله إلى هذا
الصيغة: "إذا غفلتْ عنا العيون التي ترى"، ثم كرر كلمة"داء"
واستبدل بكلمة"الشفاء" كلمة"الطيب":
وفي قصيدة أخرى
يقول عبيد الله:
وهو ما وضعه الأعشى على لسان هريرة صاحبته عندما قالت: "ويلي عليك وويلي منك يا
رجل". ولم يكن العرجي بعيداً عن هذه المعاني، فقد اقترض منها ككل شعراء المغامرة معاني الخطر
المحدق بمغامراتهم، وأعاد المعاني الجاهلية ذاتها عند امرئ القيس والأعشى في
النجاح والوصول إلى صاحبته مع كل ما يحيط بها من حراسة مشددة ومخاطر قد تقود إلى
الهلاك ثم انتهاء الأمر إلى الهدوء والطمأنينة[6])،
ثم المبالغة في وصف الجمال والإسراف في معاني المبادلة العاطفية أثناء اللقاء،
ووضوح العرامة النفسية القائمة على الشعور بالفتك في تجاوز الحراس والأهل
والرقباء، والفوز بما يشتهون من المرأة المحصنة خاصة[7])
على أنني ينبغي أن أسجل فرقاً واضحاً بين مغامرات عمر ومغامرات امرئ القيس
والأعشى، فلم يكن عمر يسرف في تصوير تفاصيل اللقاء والمتعة المادية على نحو ما كان
يفعل هذان الشاعران. ودار جميع شعراء الحجاز ممن عرفوا بالحب القصصي الحضري، ضمن
دائرة من المعاني الواضحة التي أصبحت معالم واضحة من معالم تجربتهم الغزلية مثل
القصة الغرامية التي تصور المرأة من خلال مجموعة من المعاني الخاصة بالمجتمع
المدني الحجازي كالجرأة والتحرر والتبسط في إظهار مشاعرها وعتابها وغيرتها وشكواها
من هجر حبيبها، ونشوتها عند سماع إطراء لحسنها وجمالها، وتيهها على صواحبها بحسنها، وكل ذلك في إطار من
القصة والحوار السلس الجميل. أما في الشعر العذري فكانت منظومة المعاني لا تخضع إلا
للتدفق العاطفي الذي يفيض بين جوانح الشاعر فيفرغه في أشعاره دونما اهتمام بعمق
الفكرة وتقليبها على وجوهها، فهّمه محصور في البوح بما يحسه في نفسه بوحاً صادقاً
شفافاً ريّان بالعاطفة، ولذا تبدو معاني هذا الشعر معاني بسيطة قريبة من النفس
يحكمها تيار الوعي الذي تتداعى فيه المعاني على غير نظام أو ترتيب، ولكنها معان
تصدر عن القلب أكثر مما تصدر عن العقل، وتعبر عن الحب والهيام. وكان الدكتور شكري فيصل قد أشار إلى هذه الملاحظة بقوله:
"لم تكن المعاني موطن اهتمام الشاعر وغاية حرصه، إنه حين يتحدث، لا يتحدث لأن
فكرة ما قد تبلورت في ذهنه، ولكنما يتحدث لأن عاطفة عارمة كانت تجيش في صدره...
لذلك لا يهمه أن يكون هذا المعنى طريفاً أو مطروقاً، وكل الذي يهمه هو أن يعبر عن
هذا الفيض النفسي الذي ملأه كائناً ما كان من المعاني في ذلك... إن الجانب
الانفعالي من نفسه الشاعرة هو الذي يستبد بكل اهتمامه"[8]). فكانت فكرة أشعارهم واحدة ومعانيها واحدة أيضاً، إنها فكرة
الحب، بل إنها الحبيبة بكل ما اتصفت به في أشعارهم من معاني السلبية والجبروت والتكبر
والتمنع والحصانة والبخل والأزورار، فهي التي تقرر سعادة الشاعر أو شقاءه وهي امرأة شبه مقدسة قادرة على تغيير الخصائص
الموضوعية للأشياء، فماء البحر يغدو بريق
بثينة عذباً فراتاً كما في قول جميل:
وماء السيل يمرّ قريباً من ديار ليلى فيتلقى طيبها فيطيب كما
يزعم المجنون[10])، وهي تهب
مَنْ حولها الحياة وتمنحه السعادة وتفيض عليه حباً، فهي-فيما يزعم هؤلاء الشعراء-
قادرة على ردّ الروح للشاعر، وأهلها أحباب الشاعر لا يختلفون عنها في المنزلة
من النفس كما يزعم جميل:
ومعنى هذا كله أن أشعار هؤلاء العذريين كانت تدور حول فكرة
واحدة أو أفكار قليلة متشابهة، أو حول تجربة إنسانية واحدة أو تجارب إنسانية قليلة
متشابهة، فكلهم يدور في فلك هذه التجربة العاطفية المحرومة على نحو ما يهديه حسّه
أكثر مما يهديه عقله، وقد وسمت هذه المعاني العاطفية والملامح النفسية تجاربهم كما
وسمت شعرهم وميزته من سائر شعر الغزل في عصره، بل وفي العصور اللاحقة أيضاً. ولكننا
نستطيع بيسر أن نجد تباشير هذا
التيار العاطفي الرقيق في شعر المتيمين الجاهليين كالمرقشين الأكبر والأصغر
وعنترة. ولم يخرج الشعراء الأمويون التقليديون في حديثهم عن المرأة
على المعاني الجاهلية بل رددوا كثيراً منها، وعملوا على بعث التراث الجاهلي حياً
من جديد في أغلب موضوعاتهم وخاصة المقدمات التي توزعت على حديث الأطلال فجاء يتضمن
المعاني الجاهلية ذاتها من وصف للديار ولما بقي من آثارها وما تعاقب عليها وأدى
إلى تغير ملامحها من رياح وأمطار، ثم الحديث عمن حل بها من الحيوان والطير،
والعودة بالذاكرة إلى الماضي أيام كانت الديار عامرة بأصحابها تحتضن مرابع الطفولة
والصبا، ثم الوقوف على تأمل هؤلاء المحبوبات واستدعاء جمالهن أيام الصفاء والمودة
معهن وكذلك أسلوب التحية واستيقاف الأصحاب واستعجام الديار والبكاء فيها كما في
مقدمات ذي الرمة والأخطل التي مرت في الفصل السابق. واستمرت المعاني الجاهلية أيضاً في الشعر الأموي في مقدمة
الظعن، وردّد الشعراء الحديث عن رسومها الفنية من مشهد الاستعداد للرحيل إلى وصف
الهوادج وألوانها وتبصر الطرق التي تشكلها، والحداة الذين يهدونها ويغنون لها، ثم
وصف جمال صواحبها والعودة إلى نفوسهم
لتصوير أحزانهم لفراق هؤلاء النسوة وبعدهن عنهم. وفي حديث الطيف أيضاً أحيا شعراء العصر الأموي المعاني
الجاهلية، فالطيف لا يزور إلا بآخرة من الليل، فيعجب الشاعر من اهتدائه إليه على
بعد المسافة بينهما، ومن قدرته على تمييزه عن أصحابه المتعبين المنهكين من طول
السفر ومشاق الرحلة، وهي زيارة قصيرة تفرّ من النفس قبل أن يستمتع الشاعر بها، ولا
ينسى هؤلاء الشعراء أن يلموا بوصف صاحبة الطيف المعطرة الجميلة. فلنستمع إلى
القطامي وهو يدور حول هذه المعاني في حديثه عن طيف محبوبته، ولكنه لا ينسى أن يبث
في نشيده أنفاساً من الحسرة والأسى على الحياة الماضية يقول:
ويزور الخيال جريراً على بعده فيتشاغل عنه بأمور حياته
الأخرى، غير أنه ما إن يراه حتى يتمسك به ويتغزل بصاحبته النظيفة الفم الجميلة
العيون، فيستحضر هذه العناصر المادية من حسنها ليثبت لنفسه أن الزيارة كانت حقيقة:
أما المعاني التي سادت حديث الشيب والشباب فهي المعاني
الموروثة عينها من دوران حول إعراض النساء عن الشاعر وقسوتهن عليه بسبب تصابيه
ونفورهن منه إلى الشبان، ثم يسرد أحوال المرأة النفسية، ويعرض خبرته بأمور دهائها ومكرها. ففي هذا الحوار الذي يسجله جرير بينه وبين إحدى النساء ينقل
لنا إنكارهن لما هو فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته
على أن يدفع عن نفسه ما هو فيه، يقول:
ويرى الفرزدق أن جميع العذارى قد أصبحن يكرهن حضوره، بل أصبح حضوره مصدر سخريتهن
وتسليتهن مع ملاحظة المرارة والحزن الذي تتضمنه هذه المعاني والأسف على أيام الشباب:
ويصر الفرزدق على ذكر موقف المرأة منه بعد أن شاب، وتبدو
كأنها لا تصدق ما حلّ به وكأنه أعجوبة
مسلية لم ترها من قبل:
ويراهنّ العجاج قد استبدلن به شاباً جميلاً بعد أن حنى قناته
الكبر، يقول:
وينضم ابن قيس
الرقيات إلى هؤلاء الشعراء ويؤكد أن غير الشيب هو ما يعجب المرأة، يقول:
ويختم موقف الشعراء من المرأة وحديث الشيب بدعاء ظريف عليهن
جميعاً فيعترف بأنه لا يستطيع التخلي عن المرأة مع ما تنكره عليه من بعض المظاهر.
يقول:
وفي حديث الغزل كانت معاني الحب وحكايات الغرام، ومفاتن
الحبيبات وأحوالهن النفسية ونظرتهن إلى الشيوخ أيضاً هي المتداولة غالباً. فكرر
الفرزدق والأخطل معاني الجمال ذاتها، وألحّا على معاني الترف والرفاه، كالإشارة
إلى من يقوم على خدمة المرأة من الخدم والحشم والولائد، وكالحديث عن نومها إلى أن
ينتصف النهار ثم إحضار المساويك والملابس الفاخرة لنسوة غريبات الأطوار. وكان جرير أيضاً أسير المعاني القديمة في وصف المشاعر
والأحاسيس واستبطان الذات وغياب الوصف الحسي للمرأة أو شحوبه على نحو يذكرنا
بالمتيمين من شعراء الجاهلية، فحديثه عن المرأة، تلوح فيه المعاني الآسرة التي
تظهر الحب والرغبة، يقول:
ويكشف في مقطع آخر عن بعض الشكوى من الحب الذي تبادله صاحبته بدلال وتمنع مما يزيد حرقته ويعلي
من صوت أنينه:
أما هجاء المرأة فكان يعتمد على السخرية من الشكل والملامح،
ويدور حول معاني البشاعة والامتهان بالعمل والرعي والدناءة والبخل والابتذال
والإفحاش بعبارة صريحة مباشرة تتناول النساء بأقبح الصور وأبعدها عن الحياء والدين
على نحو ما رأينا في الحديث عن النقائض في الفصل السابق. يمكن القول الآن: إن الشعراء الأمويين قد نظروا إلى صورة
المرأة في الشعر الجاهلي نظرة يملؤها الإعجاب والدهشة والحب، ولكن هذا التيار
الجاهلي كأن يسير جنباً إلى جنب مع التيار الإسلامي الذي غزت معانيه الشعر منذ عصر
صدر الإسلام فكانت أهم تطور طرأ على الأفكار والمعاني التي تداولها الشعراء في
بيئاتهم المختلفة. ويظهر الأثر الإسلامي في الألفاظ والصور والمعاني التي دارت
حول المرأة، وقد فصلت هذا الأمر في فصل سابق عندما تحدثت عن صورة المرأة الأخلاقية
في العصر الأموي، وبينت أثر الدين الإسلامي وما جاء به من مثالية عامة انتظمت
الناس جميعاً نساء كانوا أم رجالاً. فبرزت مواسم الحج ومناسكه وشعائره المختلفة، تصور مواكب
النساء في شعر الحجازيين في المدينة والبادية على السواء. وسادت أيضاً معاني القسم
والدعاء التي كان لها جذور جاهلية
فتحولت إلى صورة إسلامية، وبدت شديدة الخصوبة والتأثير عندما استخدمها الشعراء
لتأكيد حبهم للمرأة، والتأثير فيها، وانتشرت المؤثرات الإسلامية والأفكار الدينية
في معاني الذنب والمغفرة والتوبة والنذر والوفاء به، وكذلك القتل والقصاص، وكانت
هذه المعاني قسمة بين جميع الشعراء. وتكررت فكرة الوعد الممطول والدين والغريم
والحياء والرقيب وفكرة القيامة والحشر والحساب في شعر العذريين خاصة، وكلها معان
جديدة استمدها الشعراء الأمويون من الدين الإسلامي، وهي معان تفارق المعاني
الجاهلية مفارقة كبيرة، وتعد إضافة جديدة قادت الشعر الأموي في دروب أخرى فأخرجته
من معابد الجاهلية وحلّقت به في آفاق جديدة من العفة والحشمة والطهارة. وسأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك من شعر الشعراء الأمويين:
يقول المجنون:
ونجد في ديوان قيس بن ذريح قوله:
واستمد جميل من وحي القرآن الكريم وتعاليمه عدداً كبيراً من
المعاني التي طبعت أسلوبه من ذلك اعتماده على القسم وفكرة العهد والميثاق وفكرة
التوبة والمغفرة والصلاة والحساب يقول:
ولم تكن هذه المعاني الدينية المستمدة من القرآن الكريم
والرسالة الإسلامية الخالدة في دواوين شعراء مدن الحجاز أقل منها في دواوين
الشعراء العذريين، بل إنها منتشرة بالكثافة ذاتها، وكيف لا تظهر هذه المعاني وبيئة
هؤلاء الشعراء هي مهبط الوحي ومهد الرسالة السماوية؟ وفي نظرة سريعة إلى دواوين
شعراء المدن يمكن ملاحظة هذه المؤثرات التي توزعت أيضاً بين معاني القسم والدعاء
وذكر المناسك المقدسة ومعاني بعض الآيات القرآنية أوإيحاؤها، كما في قول الأحوص:
ففي قوله استمداد مباشر من القرآن الكريم في قوله تعالى:
"الذي خلق سبع سموات طباقاً"[44])
ومن قوله تعالى: "فليعبدوا رب هذا البيت"[45])
وقوله تعالى في سورة النبأ"كأساً دهاقاً"[46])
ويرد قوله مستخدماً القسم بأسلوب آخر غير اسم الله تعالى، إذ يقسم ببيته الحرام
يقول:
وفي فكرة الذنب والمغفرة يقول:
وكان العرجي أكثر اعتماداً على هذه الصيغ الدينية في توضيح
أفكاره ومعانيه ولا سيما ذكر المناسك، يقول:
ويحتفظ بذكريات لطيفة لدى الجمرة الوسطى فيعيدها إلى ذهنه
مرة أخرى ويقول:
ويقول:
ويستخدم القسم لتأكيد حبه للفتيات:
ويقسم بالله أيضاً من أجل الاعتذار عن إخلاف وعده معها يقول:
ويقسم من أجل إثبات الحب أيضاً:
وما أكثر ما يحلف بالله من أجل إثبات مشاعره يقول:
ويستمد عبيد الله بن قيس الرقيات من أصداء الدعوة الإسلامية
بعض المؤثرات، فيدعو على النساء هذا الدعاء السلبي:
ويستند إلى أفكار إسلامية أخرى كفكرة ا لعهد والميثاق، والصدق والأمانة في قوله:
ويسلم أمره لله في صدق مشاعره والدفاع عن أحاسيسه أمام رقية
في قوله:
ويطلب من صاحبته أن تتقي الله وتخشى عقابه فيما تسبب له
من هجر وقطيعة يقول:
ويكرر هذا المعنى فيذكرها بالعقوبة والإثم الذي يلحق بها
بسبب معاملتها له، ويطلب منها خشية الله فيه:
ويصل إلى حد التطرف والسلبية في تأكيد غرامه لها فيذكر أنه
على دينها إن هي أسلمت وإن هي أشركت:
ولم يكن أسلوب عمر بن أبي ربيعة بمعزل عن هذه المؤثرات
الإسلامية، بل على العكس فقد كان من أكثر شعراء الحجاز الذين رشحت المعاني
الإسلامية من خلال صيغهم مع ما عرف عنه من أسلوبه اللاهي المتحضر، ومع ما عرف عنه
من تقليد واستناد إلى الموروث الجاهلي في صوره وأفكاره، ففي قراءة سريعة لديوانه
يمكن الاستنتاج أن هذا الشاعر كان
يرى بأم عينه وقلبه مواسم الحج وشعائره في كل عام حتى شهر عنه استغلاله لهذا
الموسم الديني واستثماره بشكل كبير في معانيه التي أدارها حول النساء المترفات.
كما يظهر الأثر الإسلامي في أسلوب القسم الذي يعتمد عليه كثيراً جداً في تأكيد
صدقة ووفائه لمن يحب. وسأعرض بعض معانيه في مجال القسم، فهو يقسم باسم الله في
مجال تأكيد الحب:
ويقول مستخدماً الصيغة ذاتها:
ويحلف أيضاً برب منى في قوله:
ويقسم ببيت الله ليكشف عن غاية عشقه وغرامه:
ويكرر القسم ببيت الله في قوله:
ويقسم بالبيت العتيق مقروناً إلى اسم الله تعالى إنها تساوي
عنده جنة الخلد:
ويقسم بالرحمن مرة:
ويضيف بعض أسماء الله الحسنى إلى قسمه فيذكر العزيز الجليل
في قوله:
ويقسم أيضاً بقبر النبي:
ويمزج الشاعر دائماً من خلال القسم بين مشاعره الدينية
ومشاعره العاطفية ليؤكد حبه وصدقه للفتاة التي يخاطبها، فيقسم لعثيمة بصيغ متعددة
علّها تصدق ما يقول:
وكان الدعاء وسيلة أخرى يعتمد عليها لإبراز مشاعره الصادقة
تجاه من يحب، فيعقد الدعاء أحياناً بتفصيل كثير الجزئيات والمشاهد، ويبتهل به إلى
الله تعالى أن يسمع منه ويستجييب مرة بقوله يا رب ومرة يا ذا العرش كما في قوله:
وقد يوجز الدعاء ويمر به سريعاً كما في قوله:
ويأتي الدعاء على لسان صاحبته لتدوم المحبة والوصال:
وتدعو له بالرعاية والأمان في قوله:
وتدعو ربها أن يبعث الصبر والطمأنينة في قلبها بسبب ما
تعانيه من حبه:
وقد يكون الدعاء سلبياً كقوله:
ويذكرها بأن الله ذو عفو غفور، وهو حس إسلامي كثيراً ما تسرب
إلى معانيه:
ويظهر الحس الإسلامي في ذكره الصوم والصلاة في بعض أشعاره،
كقوله مازجاً بين التراث التقليدي في صورة المشي والحس الإسلامي في تحديده لغرضها
من القيام والمشي:
وتكون الصلاة أيضاً آية الموعد بينهما في قوله:
كما يرتبط الصوم بصاحبته التي تتمثل الأركان الإسلامية في
الصلاة كما مرّ منذ قليل، وفي الصوم كما في هذا القول:
على
هذا النحو ظهرت التأثيرات الإسلامية في دواوين الشعراء في العصر الأموي. فكانت
الاستجابة عامة لدى جميع الشعراء وفي اتجاهاتهم ومذاهبهم الفنية المختلفة، وصدروا
في معانيهم عن تأثر بالبيئة والثقافة والدين. فهم يلتقون حول المعاني ذاتها ولكنهم
يختلفون في تناولها، باختلاف التجربة الشعورية لدى كل منهم، فتتلون هذه المعاني
بأصباغ نفسية وشعورية خاصة. وباختصار شديد أقول: لقد مزج هؤلاء الشعراء مزجاً يثير
الإعجاب بين موروثهم الجاهلي وما
أمدّهم به عصرهم ومجتمعهم، وما هيأ لهم تكوينهم النفسي، وعن هذا المزيج الخصب صدرت
نظرتهم إلى المرأة. وقد حاولت قدر المستطاع الكشف عن هذه النظرةكما بدت لي في أشعارهم
التي تعدّ من أصدق الأدلة والشهود. [1]) ديوان عمر 128 بشرة اسم
امرأة: خلط ذاك أي مخالطة. الذوب: الذائب المشتار الذي يجني العسل من كوراته.
الطبرزد: السكر الأبيض أصلها فارسية. المدامة: الخمر عتقت أعصاراً أي بقيت في دنها
زماناً طويلاً. [19]) ديوان عبيد الله: 3 الذؤابة:
الناصية. وهي شعر مقدم الرأس. أي أنكرن شيبي ولعبي وليس مثلي من يلعب في هذا
الوقت. [55]) المصدر السابق: 160 البدن:
الإبل تهدي إلى مكة.. أشعروها: ميزوها بعلامة تدل على أنها من شعائر الحج. تقليد:
تعليق القلائد في أعناقها. |